السَّنة المئة

الجزء الأوَّل

السَّنة المئة/ الجزء الأوَّل/كانون الثَّاني-حزيران 2026

أطلب نسختك الورقيَّة

إشترِ نسختك الرَّقميَّة

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

«المشرق» في عددها المئة: مجلَّة تكتب تاريخها… وتؤوِّل ذاتها

يُعرَفُ وزنُ مجلَّة المشرق لا من خلال كثرة الأعداد وحدها، بل من خلال قدرتها على أن تُراكم معنًى يتجاوز الورق، فتغدو مع السِّنين ذاكرةً حيَّة تحفظ الخبرة الثَّقافيَّة، وضميرًا فكريًّا يرافق تحوُّلات المجتمع جيلًا بعد جيل. وفي هذا الإطار يكتسب الكلام المكتوب لمناسبة العدد 100 دلالته الخاصَّة: فهو لا يتعامل مع المناسبة كاحتفالٍ عدديّ، ولا كفرصةٍ لاستعادة الوقائع بالتَّفصيل، بل كمدخلٍ لقراءة الرِّسالة الَّتي تحملها المجلَّة، أي لالتقاط ما جعلها تستمرّ، وتعود، وتُجدِّد نفسها كلَّما تبدَّلت الظُّروف.

العربيَّة: خيار لغويُّ وحضاريٌّ ثابت

تُقدَّم المشرق بوصفها مشروعًا ثقافيًّا رساليًّا يتجاوز فكرة النَّشرة أو المنبر الموجَّه إلى جماعةٍ بعينها. فهي منذ بداياتها ارتبطت باختيارٍ حاسم: أن تكون العربيَّة مجالها الطَّبيعيّ، لا بوصفها لغة التَّعبير فحسب، بل بوصفها فضاءً للمعرفة، وصوغ المفاهيم، وبناء الحوار. إنَّ الرِّهان هنا ليس لغويًّا محضًا، بل حضاريّ: أن تُكتب الأسئلة الكبرى بلغة أهلها، وأن تُصاغ القضايا الدِّينيَّة والفكريَّة ضمن ثقافة المنطقة لا على هامشها، وأن يُقدَّم الخطاب العلميُّ العميق في لغةٍ تستطيع أن تحمل الدِّقَّة والبرهان والمعنى الرُّوحيَّ في آن.

وتقوم شخصيَّة المجلَّة على توازنٍ داخليٍّ بين ثلاثة اتِّجاهات تتكامل ولا تتنافر: 1- العناية بالمصادر والنُّصوص والتُّراث بعقلٍ نقديٍّ يفتِّش عن الحقيقة ويُدقِّق في الرِّوايات. 2- الوفاء للُّغة العربيَّة عبر تحريرها من التَّبعيَّة وإثبات أهليَّتها للفكر المركَّب. 3- الانفتاح على الآخر الدِّينيِّ والفكريِّ بوصفه شريكًا في المجال الثَّقافيِّ لا موضوعًا للمنافسة أو الإقصاء. بهذا تتجسَّد المشرق مساحةً تَجمع ولا تُفرِّق، وتُعمِّق ولا تُسطِّح، وتُحاور لا لتُساوم على الحقيقة بل لتجعلها قابلة للمشاركة والفهم المتبادَل.

الوعيُ الهويَّاتيُّ المتوازن

وإذا كانت المجلَّة، الَّتي أسَّسها الأب لويس شيخو اليسوعيُّ في العام 1898، قد عَرفت فترات خفوتٍ وتوقُّفٍ بين العامَين (1914-1918) بسبب اندلاع الحرب العالميَّة الأولى، ثمَّ احتجاب قسريٍّ بين العامَين (1970-1990)، تسبَّبت بإطالته، بخاصَّةٍ، ظروف الحرب اللُّبنانيَّة، فإنَّ مغزى ذلك لا يُقرأ كتعثُّرٍ عابر، بل كإشارةٍ إلى أنَّها كانت، كلَّما غابت، تُظهر مقدار الحاجة إليها، وكلَّما عادت، حضرت بروحٍ أشدَّ وعيًا بسياقها وأسئلته. فالاستمرار الحقيقيُّ ليس خطًّا مستقيمًا، بل قدرة على تجديد الصِّلة بالزَّمن من دون خسارة الهويَّة؛ قدرة على أن تتغيَّر الأدوات والموضوعات والوجوه، بينما تبقى البوصَلة واحدة: خدمة الثَّقافة بالعلم، وخدمة المجتمع بالحوار، وخدمة الإيمان بالعقل.

ومن هنا يصبح تجدُّدها في أواخر القرن العشرين علامةً على انتقالٍ في الوعي: من الاشتغال على التَّاريخ والتُّراث كموضوعات، إلى النَّظر إلى فعل النَّشر ذاته كفعلِ مسؤوليَّةٍ تجاه الحاضر. فالمجلَّة، في طورها المتجدِّد، أصبحت تستقبل أسئلة التَّربية والفلسفة والحرِّيَّة والعيش المشترك والهجرة والعنف والحرب، لا كعناوين صحافيَّة، بل كقضايا تحتاج إلى تفكيرٍ طويل النَّفَس، وإلى كتابةٍ رصينة تُضيء الواقع بدل أن تتبع ضجيجه. وهكذا يتحوَّل التَّحرير الكتابيُّ إلى اختيارٍ فكريّ: أيَّ اتِّجاهٍ نُبرز؟ أيَّ لغةٍ نعتمد؟ أيُّ خطابٍ يُبنى ليكون جسرًا بين التُّراث والنَّقد، وبين الاختصاص والوجدان، وبين الجامعة والمجتمع؟

كما تتأكَّد رسالة المشرق في كونها فضاءً مشتركًا يتَّسع للباحثين من خلفيَّات متعدِّدة، بحيث لا تبقى الكتابة حِكرًا على فئةٍ بعينها، بل تتحوَّل إلى صيغة شراكة بين رجال دين ومفكِّرين علمانيِّين، بين الخبرة المتراكمة والطَّاقات الشَّابَّة. فحيويَّة المجلَّة لا تظهر في جودة ما تنشر فحسب، بل أيضًا في قدرتها على تكوين كُتَّاب، وصناعة تقاليد في البحث بالعربيَّة، وفتح الباب أمام مَن يكتب للمرَّة الأولى ضمن معايير علميَّة صارمة.

وعند قراءة مجمَل نتاجها، تبدو المجلَّة كأنَّها تُسهم في صياغة وعيٍ هويَّاتيٍّ متوازن: وعيٍ يُثبِّت أنَّ المسيحيَّة في هذا الشَّرق ليست طارئةً على الثَّقافة العربيَّة، وأنَّ العربيَّة ليست لغة «الآخر»، بل لغة يمكن أن تحمل اللَّاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانيَّة بعمق. وهي في الوقت نفسه تساهم في بناء علاقةٍ ناضجة مع الإسلام والاختلاف الدِّينيّ، علاقةٍ تقوم على المعرفة لا على الأحكام المسبقة، وعلى البحث عن المشترَك من دون إنكار الفوارق، وعلى تحويل الاختلاف من مساحة صِدام إلى مناسبة تفكير. وتُضيف إلى ذلك موقفًا نقديًّا من الحداثة: ليس رفضًا إجماليًّا ولا تبعيَّةً عمياء، بل تمييزٌ وتحليلٌ وحوارٌ يجعل الإيمان قادرًا على الفهم والمساءلة والتَّعلُّم.

بين الميراث والمستقبل: خارطة طريق

إذا كان هذا كلُّه هو ميراث المجلَّة، فإنَّ الميراث لا يكتمل ما لم يتحوَّل إلى برنامج عملٍ للمستقبل. فالتَّحدِّي الأكبر الَّذي يواجه مجلَّةً تحمل هذا العمق هو أن تظلَّ قادرة على أداء دورها في زمنٍ تبدَّلت فيه شروط المعرفة نفسها. لم يعد القارئ ينتظر العدد الورقيَّ ليكتشف مقالًا أو دراسة، ولم تعد الجامعةُ وحدها هي المكان الَّذي تُنتَج فيه الأفكار وتتداولها النُّخب. لقد صارت المعرفة تُستهلك بسرعة، وتُجزَّأ إلى مقاطع قصيرة، وتتنافس عليها منصَّات تُغري بالسُّهولة وتُرهِق العمق. هنا تتجدَّد مسؤوليَّة المشرق لا بصفتها منافسًا في سوق المحتوى، بل بصفتها حارسةً لمعنى التَّفكير: أن تُعيد إلى القراءة قيمتها، وإلى التَّمهُّل ضرورته، وإلى البرهان مكانته، وإلى اللُّغة جمالها ودقَّتها. فالعمق اليوم ليس ترفًا أكاديميًّا، بل مقاومةٌ ثقافيَّة ضدَّ التَّفاهة والاختزال.

وفي هذا السِّياق تحديدًا، تبرز وظيفةٌ إضافيَّة يمكن المجلَّةَ أن تضطلع بها بوضوح أكبر، وهي وظيفة صناعة الوساطة الثَّقافيَّة بين البحث الأكاديميِّ والفضاء العامّ. فكثيرٌ من الدِّراسات الرَّصينة تبقى حبيسة لغةٍ متخصِّصة لا تصل إلى الطَّالب ولا إلى المربِّي ولا إلى القارئ العامِّ الَّذي يرغب في الفهم. المشرق قادرة، بما تملكه من تقليدٍ علميّ، أن تقدِّم نموذجًا للوساطة من دون تشويه: أن تكتب المقال العلميَّ المتين، وأن تُرفقه بمداخل تقرأه، وبملخَّصات مفهوميَّة، وبخرائط بيانيَّة، وبملفَّات موضوعيَّة تُيسِّر تلقِّيه. ليست هذه إضافةً شكليَّة، بل امتداد طبيعيٌّ لرسالتها الأولى: أن تجعل المعرفة ممكنة ومشتركة، وأن تُخرج الثَّقافة من دائرة الانغلاق إلى فضاء الخدمة العامَّة.

ثمَّ إنَّ المشرق، بما تمثِّله من تلاقح بين الإيمان والعقل، مدعوَّة إلى أن تعطي مساحة أوسع لما يمكن تسميته أخلاقيَّات العيش المشترك. فالمنطقة الَّتي تحمل اسم المشرق لا تعيش أزمة سياسيَّة أو اقتصاديَّة فحسب، بل تعيش أزمةَ ثقةٍ ورؤيةٍ ومعنى. وفي مواجهة خطابات التَّحريض، وخطابات الخوف من الآخر، وخطابات اليأس الَّتي تُشرعِن العنف أو الهجرة النِّهائيَّة، يمكن المجلَّةَ أن تُراكم خطابًا بديلًا: خطابًا يجعل من المعرفة شرطًا للسَّلام، ومن نقد الذَّات شرطًا للنُّضج، ومن الاعتراف بالتَّعدُّد شرطًا للعدالة. وهذا يعني أنَّ الحوار بين الأديان، الَّذي كان أحد أنفاسِها، يستطيع اليومَ أن يتَّخذ صيغًا أكثر التصاقًا بالواقع: قراءة تربويَّة للذَّاكرة، تفكيكَ صور العدوِّ في المخيال الجماعيّ، تحليل جذور العنف الرَّمزيِّ واللُّغويّ، ومساءلة الاستخدام السِّياسيِّ للدِّين، من غير عِداء للدِّين ومن غير تواطؤٍ مع استغلاله.

ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن مجلَّةً رساليَّة أن تَغفل عن السُّؤال التَّربويِّ بوصفه سؤالًا مصيريًّا. فالتَّعليم في المشرق لم يعد مسألة مؤسَّسات فحسب، بل معركة وجود: أيَّ إنسانٍ نُكوِّن؟ أيَّ مواطن؟ أيَّ ضمير؟ هنا تستطيع المشرق أن تعيد تثبيت الرَّابط بين الثَّقافة والتَّربية: أن تُظهر أنَّ المعرفة ليست تكديس معلومات، بل بناء حسٍّ نقديٍّ ومسؤوليَّة أخلاقيَّة وحرِّيَّة داخليَّة. فإذا كانت الحروب تُدمِّر الحجر، فإنَّ تدهور التَّربية يُدمِّر البشر من الدَّاخل. ومن ثمَّ يصبح الاستثمار في الفكر التَّربويّ، وفي فلسفة التَّعليم، وفي تحليل التَّحوُّلات القيميَّة، جزءًا من صميم رسالتها الثَّقافيَّة.

المشرق: ليست العمر بل المعنى

على هذا الأساس يمكن فهم الانتقال إلى الرَّقميِّ لا كمجرَّد تحويل صيغ، بل كخيارٍ يطال الهويَّة نفسها. فالأرشفة الرَّقميَّة، وإتاحة الأعداد القديمة، وبناء منصَّة تفاعليَّة، وهي موجودة ومؤثِّرة، وإطلاق ملفَّات موضوعيَّة تربط بين القديم والرَّاهن، كلُّها أدوات لتمكين المشرق من أن تكون حاضرة في الزَّمن لا محفوظة خارجه. ومع ذلك يبقى الشَّرط الأساس هو ألَّا تفقد المجلَّة نَفَسها: أن تظلَّ وفيَّة لمنهج التَّحقيق والتَّمحيص، ولأمانة الكتابة بالعربيَّة الرَّصينة، ولحرِّيَّة السُّؤال، ولشجاعة الدُّخول في القضايا الصَّعبة من دون استعراض أو تهجُّم.

وبهذا المعنى لا تكون مناسبة العدد 100 محطَّةً لإقفال ملفٍّ قديم، بل دعوةً إلى التَّفكير في الاستحقاقات المقبلة: كيف تُحافظ المجلَّة على عمقها في زمن السُّرعة الرَّقميَّة؟ كيف تُعيد تقديم المعرفة بحيث تبقى أمينةً لمستواها العلميِّ وتقترب في آنٍ من القارئ الأوسع؟ وكيف تواصِل أداء دورها كشهادةٍ ثقافيَّة وروحيَّة في شرقٍ مجروح يحتاج إلى ذاكرةٍ تداوي، وإلى فكرٍ يفتح أبواب الرَّجاء؟ إنَّ القيمة الَّتي تُبرزها المناسبة ليست «العمر» بل «المعنى»: أن تبقى المشرق كتابةً مسؤولة تتجدَّد، لا لأن الزَّمن يفرض التَّغيير، بل لأنَّ الرِّسالة نفسها تقتضي حضورًا حيًّا لا يتوقَّف.

الأب سليم دكَّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلَّة المشرق. رئيس جامعة القدِّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز شهادة دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، وشهادة دكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السُّوربون 1 (1988)، ويدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السِّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.
essde@hotmail.com

افتتـاحيَّــة العدد

اقرأ الافتتاحيَّة كاملةً

«المشرق» في عددها المئة: مجلَّة تكتب تاريخها… وتؤوِّل ذاتها

يُعرَفُ وزنُ مجلَّة المشرق لا من خلال كثرة الأعداد وحدها، بل من خلال قدرتها على أن تُراكم معنًى يتجاوز الورق، فتغدو مع السِّنين ذاكرةً حيَّة تحفظ الخبرة الثَّقافيَّة، وضميرًا فكريًّا يرافق تحوُّلات المجتمع جيلًا بعد جيل. وفي هذا الإطار يكتسب الكلام المكتوب لمناسبة العدد 100 دلالته الخاصَّة: فهو لا يتعامل مع المناسبة كاحتفالٍ عدديّ، ولا كفرصةٍ لاستعادة الوقائع بالتَّفصيل، بل كمدخلٍ لقراءة الرِّسالة الَّتي تحملها المجلَّة، أي لالتقاط ما جعلها تستمرّ، وتعود، وتُجدِّد نفسها كلَّما تبدَّلت الظُّروف.

العربيَّة: خيار لغويُّ وحضاريٌّ ثابت

تُقدَّم المشرق بوصفها مشروعًا ثقافيًّا رساليًّا يتجاوز فكرة النَّشرة أو المنبر الموجَّه إلى جماعةٍ بعينها. فهي منذ بداياتها ارتبطت باختيارٍ حاسم: أن تكون العربيَّة مجالها الطَّبيعيّ، لا بوصفها لغة التَّعبير فحسب، بل بوصفها فضاءً للمعرفة، وصوغ المفاهيم، وبناء الحوار. إنَّ الرِّهان هنا ليس لغويًّا محضًا، بل حضاريّ: أن تُكتب الأسئلة الكبرى بلغة أهلها، وأن تُصاغ القضايا الدِّينيَّة والفكريَّة ضمن ثقافة المنطقة لا على هامشها، وأن يُقدَّم الخطاب العلميُّ العميق في لغةٍ تستطيع أن تحمل الدِّقَّة والبرهان والمعنى الرُّوحيَّ في آن.

وتقوم شخصيَّة المجلَّة على توازنٍ داخليٍّ بين ثلاثة اتِّجاهات تتكامل ولا تتنافر: 1- العناية بالمصادر والنُّصوص والتُّراث بعقلٍ نقديٍّ يفتِّش عن الحقيقة ويُدقِّق في الرِّوايات. 2- الوفاء للُّغة العربيَّة عبر تحريرها من التَّبعيَّة وإثبات أهليَّتها للفكر المركَّب. 3- الانفتاح على الآخر الدِّينيِّ والفكريِّ بوصفه شريكًا في المجال الثَّقافيِّ لا موضوعًا للمنافسة أو الإقصاء. بهذا تتجسَّد المشرق مساحةً تَجمع ولا تُفرِّق، وتُعمِّق ولا تُسطِّح، وتُحاور لا لتُساوم على الحقيقة بل لتجعلها قابلة للمشاركة والفهم المتبادَل.

الوعيُ الهويَّاتيُّ المتوازن

وإذا كانت المجلَّة، الَّتي أسَّسها الأب لويس شيخو اليسوعيُّ في العام 1898، قد عَرفت فترات خفوتٍ وتوقُّفٍ بين العامَين (1914-1918) بسبب اندلاع الحرب العالميَّة الأولى، ثمَّ احتجاب قسريٍّ بين العامَين (1970-1990)، تسبَّبت بإطالته، بخاصَّةٍ، ظروف الحرب اللُّبنانيَّة، فإنَّ مغزى ذلك لا يُقرأ كتعثُّرٍ عابر، بل كإشارةٍ إلى أنَّها كانت، كلَّما غابت، تُظهر مقدار الحاجة إليها، وكلَّما عادت، حضرت بروحٍ أشدَّ وعيًا بسياقها وأسئلته. فالاستمرار الحقيقيُّ ليس خطًّا مستقيمًا، بل قدرة على تجديد الصِّلة بالزَّمن من دون خسارة الهويَّة؛ قدرة على أن تتغيَّر الأدوات والموضوعات والوجوه، بينما تبقى البوصَلة واحدة: خدمة الثَّقافة بالعلم، وخدمة المجتمع بالحوار، وخدمة الإيمان بالعقل.

ومن هنا يصبح تجدُّدها في أواخر القرن العشرين علامةً على انتقالٍ في الوعي: من الاشتغال على التَّاريخ والتُّراث كموضوعات، إلى النَّظر إلى فعل النَّشر ذاته كفعلِ مسؤوليَّةٍ تجاه الحاضر. فالمجلَّة، في طورها المتجدِّد، أصبحت تستقبل أسئلة التَّربية والفلسفة والحرِّيَّة والعيش المشترك والهجرة والعنف والحرب، لا كعناوين صحافيَّة، بل كقضايا تحتاج إلى تفكيرٍ طويل النَّفَس، وإلى كتابةٍ رصينة تُضيء الواقع بدل أن تتبع ضجيجه. وهكذا يتحوَّل التَّحرير الكتابيُّ إلى اختيارٍ فكريّ: أيَّ اتِّجاهٍ نُبرز؟ أيَّ لغةٍ نعتمد؟ أيُّ خطابٍ يُبنى ليكون جسرًا بين التُّراث والنَّقد، وبين الاختصاص والوجدان، وبين الجامعة والمجتمع؟

كما تتأكَّد رسالة المشرق في كونها فضاءً مشتركًا يتَّسع للباحثين من خلفيَّات متعدِّدة، بحيث لا تبقى الكتابة حِكرًا على فئةٍ بعينها، بل تتحوَّل إلى صيغة شراكة بين رجال دين ومفكِّرين علمانيِّين، بين الخبرة المتراكمة والطَّاقات الشَّابَّة. فحيويَّة المجلَّة لا تظهر في جودة ما تنشر فحسب، بل أيضًا في قدرتها على تكوين كُتَّاب، وصناعة تقاليد في البحث بالعربيَّة، وفتح الباب أمام مَن يكتب للمرَّة الأولى ضمن معايير علميَّة صارمة.

وعند قراءة مجمَل نتاجها، تبدو المجلَّة كأنَّها تُسهم في صياغة وعيٍ هويَّاتيٍّ متوازن: وعيٍ يُثبِّت أنَّ المسيحيَّة في هذا الشَّرق ليست طارئةً على الثَّقافة العربيَّة، وأنَّ العربيَّة ليست لغة «الآخر»، بل لغة يمكن أن تحمل اللَّاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانيَّة بعمق. وهي في الوقت نفسه تساهم في بناء علاقةٍ ناضجة مع الإسلام والاختلاف الدِّينيّ، علاقةٍ تقوم على المعرفة لا على الأحكام المسبقة، وعلى البحث عن المشترَك من دون إنكار الفوارق، وعلى تحويل الاختلاف من مساحة صِدام إلى مناسبة تفكير. وتُضيف إلى ذلك موقفًا نقديًّا من الحداثة: ليس رفضًا إجماليًّا ولا تبعيَّةً عمياء، بل تمييزٌ وتحليلٌ وحوارٌ يجعل الإيمان قادرًا على الفهم والمساءلة والتَّعلُّم.

بين الميراث والمستقبل: خارطة طريق

إذا كان هذا كلُّه هو ميراث المجلَّة، فإنَّ الميراث لا يكتمل ما لم يتحوَّل إلى برنامج عملٍ للمستقبل. فالتَّحدِّي الأكبر الَّذي يواجه مجلَّةً تحمل هذا العمق هو أن تظلَّ قادرة على أداء دورها في زمنٍ تبدَّلت فيه شروط المعرفة نفسها. لم يعد القارئ ينتظر العدد الورقيَّ ليكتشف مقالًا أو دراسة، ولم تعد الجامعةُ وحدها هي المكان الَّذي تُنتَج فيه الأفكار وتتداولها النُّخب. لقد صارت المعرفة تُستهلك بسرعة، وتُجزَّأ إلى مقاطع قصيرة، وتتنافس عليها منصَّات تُغري بالسُّهولة وتُرهِق العمق. هنا تتجدَّد مسؤوليَّة المشرق لا بصفتها منافسًا في سوق المحتوى، بل بصفتها حارسةً لمعنى التَّفكير: أن تُعيد إلى القراءة قيمتها، وإلى التَّمهُّل ضرورته، وإلى البرهان مكانته، وإلى اللُّغة جمالها ودقَّتها. فالعمق اليوم ليس ترفًا أكاديميًّا، بل مقاومةٌ ثقافيَّة ضدَّ التَّفاهة والاختزال.

وفي هذا السِّياق تحديدًا، تبرز وظيفةٌ إضافيَّة يمكن المجلَّةَ أن تضطلع بها بوضوح أكبر، وهي وظيفة صناعة الوساطة الثَّقافيَّة بين البحث الأكاديميِّ والفضاء العامّ. فكثيرٌ من الدِّراسات الرَّصينة تبقى حبيسة لغةٍ متخصِّصة لا تصل إلى الطَّالب ولا إلى المربِّي ولا إلى القارئ العامِّ الَّذي يرغب في الفهم. المشرق قادرة، بما تملكه من تقليدٍ علميّ، أن تقدِّم نموذجًا للوساطة من دون تشويه: أن تكتب المقال العلميَّ المتين، وأن تُرفقه بمداخل تقرأه، وبملخَّصات مفهوميَّة، وبخرائط بيانيَّة، وبملفَّات موضوعيَّة تُيسِّر تلقِّيه. ليست هذه إضافةً شكليَّة، بل امتداد طبيعيٌّ لرسالتها الأولى: أن تجعل المعرفة ممكنة ومشتركة، وأن تُخرج الثَّقافة من دائرة الانغلاق إلى فضاء الخدمة العامَّة.

ثمَّ إنَّ المشرق، بما تمثِّله من تلاقح بين الإيمان والعقل، مدعوَّة إلى أن تعطي مساحة أوسع لما يمكن تسميته أخلاقيَّات العيش المشترك. فالمنطقة الَّتي تحمل اسم المشرق لا تعيش أزمة سياسيَّة أو اقتصاديَّة فحسب، بل تعيش أزمةَ ثقةٍ ورؤيةٍ ومعنى. وفي مواجهة خطابات التَّحريض، وخطابات الخوف من الآخر، وخطابات اليأس الَّتي تُشرعِن العنف أو الهجرة النِّهائيَّة، يمكن المجلَّةَ أن تُراكم خطابًا بديلًا: خطابًا يجعل من المعرفة شرطًا للسَّلام، ومن نقد الذَّات شرطًا للنُّضج، ومن الاعتراف بالتَّعدُّد شرطًا للعدالة. وهذا يعني أنَّ الحوار بين الأديان، الَّذي كان أحد أنفاسِها، يستطيع اليومَ أن يتَّخذ صيغًا أكثر التصاقًا بالواقع: قراءة تربويَّة للذَّاكرة، تفكيكَ صور العدوِّ في المخيال الجماعيّ، تحليل جذور العنف الرَّمزيِّ واللُّغويّ، ومساءلة الاستخدام السِّياسيِّ للدِّين، من غير عِداء للدِّين ومن غير تواطؤٍ مع استغلاله.

ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن مجلَّةً رساليَّة أن تَغفل عن السُّؤال التَّربويِّ بوصفه سؤالًا مصيريًّا. فالتَّعليم في المشرق لم يعد مسألة مؤسَّسات فحسب، بل معركة وجود: أيَّ إنسانٍ نُكوِّن؟ أيَّ مواطن؟ أيَّ ضمير؟ هنا تستطيع المشرق أن تعيد تثبيت الرَّابط بين الثَّقافة والتَّربية: أن تُظهر أنَّ المعرفة ليست تكديس معلومات، بل بناء حسٍّ نقديٍّ ومسؤوليَّة أخلاقيَّة وحرِّيَّة داخليَّة. فإذا كانت الحروب تُدمِّر الحجر، فإنَّ تدهور التَّربية يُدمِّر البشر من الدَّاخل. ومن ثمَّ يصبح الاستثمار في الفكر التَّربويّ، وفي فلسفة التَّعليم، وفي تحليل التَّحوُّلات القيميَّة، جزءًا من صميم رسالتها الثَّقافيَّة.

المشرق: ليست العمر بل المعنى

على هذا الأساس يمكن فهم الانتقال إلى الرَّقميِّ لا كمجرَّد تحويل صيغ، بل كخيارٍ يطال الهويَّة نفسها. فالأرشفة الرَّقميَّة، وإتاحة الأعداد القديمة، وبناء منصَّة تفاعليَّة، وهي موجودة ومؤثِّرة، وإطلاق ملفَّات موضوعيَّة تربط بين القديم والرَّاهن، كلُّها أدوات لتمكين المشرق من أن تكون حاضرة في الزَّمن لا محفوظة خارجه. ومع ذلك يبقى الشَّرط الأساس هو ألَّا تفقد المجلَّة نَفَسها: أن تظلَّ وفيَّة لمنهج التَّحقيق والتَّمحيص، ولأمانة الكتابة بالعربيَّة الرَّصينة، ولحرِّيَّة السُّؤال، ولشجاعة الدُّخول في القضايا الصَّعبة من دون استعراض أو تهجُّم.

وبهذا المعنى لا تكون مناسبة العدد 100 محطَّةً لإقفال ملفٍّ قديم، بل دعوةً إلى التَّفكير في الاستحقاقات المقبلة: كيف تُحافظ المجلَّة على عمقها في زمن السُّرعة الرَّقميَّة؟ كيف تُعيد تقديم المعرفة بحيث تبقى أمينةً لمستواها العلميِّ وتقترب في آنٍ من القارئ الأوسع؟ وكيف تواصِل أداء دورها كشهادةٍ ثقافيَّة وروحيَّة في شرقٍ مجروح يحتاج إلى ذاكرةٍ تداوي، وإلى فكرٍ يفتح أبواب الرَّجاء؟ إنَّ القيمة الَّتي تُبرزها المناسبة ليست «العمر» بل «المعنى»: أن تبقى المشرق كتابةً مسؤولة تتجدَّد، لا لأن الزَّمن يفرض التَّغيير، بل لأنَّ الرِّسالة نفسها تقتضي حضورًا حيًّا لا يتوقَّف.

الأب سليم دكَّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلَّة المشرق. رئيس جامعة القدِّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز شهادة دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، وشهادة دكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السُّوربون 1 (1988)، ويدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السِّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.
essde@hotmail.com

محتويات العدد

i

مقالات هذا العدد

أمُّ الشَّعب المؤمن وثيقة فاتيكانيَّة جريئة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

التَّقوى المريميَّة صفة شائعة في الكنائس الرَّسوليَّة شرقًا وغربًا، وحجر عثرة أمام الكنائس البروتستانتيَّة الإصلاحيَّة. تطرح هذه التَّقوى تساؤلات عدَّة في سلامة العقيدة خصوصًا في ما يتعلَّق بالألقاب الَّتي تُنادي بها مريم العذراء. وقد كُتِبَت في هذا الموضوع آلاف الصَّفحات، بعضها مؤيِّد وبعضها معارض. وفي آخر الأمر صدرت وثيقة فاتيكانيَّة عن هذا الموضوع تضع فيه حدودًا للألقاب المريميَّة، وتفتح في الآن نفسه آفاقًا للاهوتٍ مريميٍّ مستقبليّ.

في هذا المقال سوف أقدِّم هذه الوثيقة، وأحلِّلها، وأشير إلى نقاط الجدل الَّتي تتناولها، والموقف الكاثوليكيَّ الرَّسميَّ من هذا الجدل.

كلمات مفتاحيَّة: شريكة في الفداء – وساطة – أمومة – شفاعة – أمُّ جميع النِّعم – مصدر وحيد – معاون.

Mater Populi fidelis
Un document audacieux du Vatican,

par P. Sami Hallak s.j.

La dévotion mariale est une caractéristique commune aux Églises apostoliques, en Orient comme en Occident. Elle est aussi un point d’achoppement pour les Églises protestantes réformées. Cette dévotion soulève plusieurs questions quant à la solidité de la doctrine, notamment concernant les titres donnés à la Vierge Marie. Des milliers de pages ont été écrites sur ce sujet, certaines le soutenant, d’autres le contestant. Finalement, un document du Vatican a été publié à ce sujet, fixant des limites aux titres mariaux et ouvrant simultanément la voie à une future théologie mariale.

Dans cet article, je présenterai ce document, l’analyserai, soulignerai les points de controverse qu’il aborde et discuterai de la position officielle de l’Église catholique sur ce débat.

Mots-clés : Co-Rédemptrice ‒ Médiation ‒ Maternité ‒ Intercession ‒ Mère de toutes les grâces ‒ Source unique ‒ Collaboratrice.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: كاتب وباحث، مدرِّس في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

shallak@jespro.org

قراءة في وثيقة «القديمة والجديدة» بين الذَّكاء الاصطناعيِّ والذَّكاء البشريّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم المقالة قراءة نقديَّة للوثيقة «Antiqua et Nova» أو بالعربيَّة «القديمة والجديدة» الصَّادرة عن دائرتَي العقيدة والإيمان، والتَّعليم والثَّقافة، الَّتي تتناول العلاقة بين الذَّكاء الاصطناعيّ، والذَّكاء البشريِّ من منظور لاهوتيٍّ وأخلاقيّ. تؤكِّد الوثيقة أنَّ الذَّكاء البشريَّ يتجاوز القدرات الحسابيَّة إلى أبعاد علائقيَّة، وأخلاقيَّة، وروحيَّة، لا يمكن الذَّكاء الاصطناعيَّ أن يحاكيها. كما تشدِّد على ضرورة توجيه التّكنولوجيا لخدمة الكرامة الإنسانيَّة، والخير العامّ، وترفض اختزال الإنسان إلى مجرَّد كفاءة أو بيانات. تدعو الوثيقة إلى «حكمة القلب» لتقييم الذَّكاء الاصطناعيّ، وتطبيقاته في مجالات متعدِّدة كالصِّحة، والتَّعليم، والاقتصاد، والحرب. كما تحذِّر من مخاطر التَّزييف، والمراقبة، والتَّفاوت الاجتماعيّ، مؤكِّدة أهمِّيَّة الرَّقابة الأخلاقيَّة والإنسانيَّة. تسعى الوثيقة إلى إقامة «تحالف جديد» بين الحكمة القديمة (اللَّاهوت والتَّقاليد)، والجديدة (الذَّكاء الاصطناعيّ) لحماية الإنسانيَّة في زمن التَّحوُّل الرَّقميّ.

كلمات مفتاحيَّة: الذَّكاء الاصطناعيّ – الذَّكاء البشريّ – الكرامة الإنسانيَّة – الأخلاقيَّات الرقميَّة – الفاتيكان – القديمة والجديدة.

Lecture du document « Antiqua et Nova »
entre intelligence artificielle et intelligence humaine,

par P. Tony Homsy s.j.

Cet article propose une lecture critique du document «Antiqua et Nova» (en français «L’ancien et le nouveau») publié par les départements de la doctrine et de la foi, et de l’éducation et de la culture, qui traite de la relation entre l’intelligence artificielle et l’intelligence humaine d’un point de vue théologique et éthique. Le document affirme que l’intelligence humaine dépasse les capacités calculatoires pour atteindre des dimensions relationnelles, éthiques et spirituelles que l’intelligence artificielle ne peut imiter. Il souligne également la nécessité d’orienter la technologie au service de la dignité humaine et du bien commun, et refuse de réduire l’être humain à une simple efficacité ou à des données. Le document appelle à la «sagesse du cœur» pour évaluer l’intelligence artificielle et ses applications dans divers domaines tels que la santé, l’éducation, l’économie et la guerre. Il met également en garde contre les risques de falsification, de surveillance et d’inégalités sociales, soulignant l’importance du contrôle éthique et humain. Le document vise à établir une «nouvelle alliance» entre la sagesse ancienne (théologie et traditions) et la nouvelle (intelligence artificielle) afin de protéger l’humanité à l’ère de la transformation numérique.

Mots clés : intelligence artificielle ‒ intelligence humaine ‒ dignité humaine ‒ éthique numérique ‒ Vatican ‒ Antiqua et Nova.

الأب طوني حمصي اليسوعيّ: مدير التَّواصل الرَّقميِّ للرَّهبانيَّة اليسوعيَّة في الشَّرق الأدنى والمغرب العربيّ، وفي دار المشرق. مشرف على النَّسخة الرَّقميَّة للكتاب المقدَّس باللُّغة العربيَّة في ترجمته الكاثوليكيَّة. حائز شهادة ماجستير في اللَّاهوت الكتابيّ – كلِّيَّة اللَّاهوت اليسوعيَّة – باريس، ودبلوم جامعيٍّ في الصَّحافة الرَّقميَّة، جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له العديد من التَّرجمات الصَّادرة عن دار المشرق.

tony.homsy@jesuits.net

 

عودة الدِّين في الزَّمن العلمانيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تعالج هذه المقالة إشكاليَّة عودة الدِّين في زمنٍ يُوصَف بأنَّه «علمانيّ»، حيث وقع «نزعُ السِّحر عن العالم»، ولا مكان فيه للميثولوجيا والخرافات والماورائيَّات «المُفارِقة» أو المتعالية»، وغيرها من الظَّواهر والمظاهر الَّتي عادةً ما تُضاف إلى الدِّين. والواقع أنَّ هذه الإشكاليَّة تستقي مشروعيَّتها من راهنيَّتها أو مُعاصرَتها، باعتبار أنَّ عالمنا المعاصر يشهد اليوم استعلاءً أو استعلانًا دينيًّا، لا مندوحة لنُكرانه، يجد تعبيرَه في ازدياد الطَّلب على الدِّين، كما في صعود نجمِ الصَّحويَّات الدِّينيَّة في كثيرٍ من الدِّيانات، ولا سيَّما الإبراهيميَّة منها.

وتُمثِّل هذه المقالة، الَّتي تتوسَّل منهجيَّة التَّحليل المقارن في القراءة النَّقديّة الفلسفيَّة – السُّوسيولوجيَّة الَّتي تعتمدها، دعوةً إلى الإقرار بعودة الدِّين – بغضِّ النَّظر عن مَدَيات تلك العودة أو تمظهُراتها – وذلك في إطار إحداث مصالحةٍ واعية بين الدِّين والعلمانيَّة بعيدًا عن الرَّاديكاليَّات المُنادية بالقطيعة بينهما من كِلا الطَّرفَين: عُداة الدِّين من غُلاة العلمانيِّين، ودُعاته من متطرِّفي رجال الدِّين، في آن.

كلمات مفتاحيَّة: الدِّين – العلمانيَّة – عودة الدِّين – العولمة – الحداثة.

Le retour de la religion à l’ère de la laïcité,

Par Dr. Barraq Zakaria

Cet article aborde la problématique du retour de la religion à une époque qualifiée de «laïque», où le monde a été «désenchanté» et où la mythologie, les superstitions, la métaphysique «paradoxale» ou «transcendante» et autres phénomènes et manifestations habituellement attribués à la religion n’ont plus leur place. En réalité, cette problématique tire sa légitimité de sa pertinence ou de sa contemporanéité, car notre monde contemporain est témoin d’une suprématie ou d’une déclaration religieuse incontournable qui s’exprime par une demande croissante de religion, ainsi que par la montée des réveils religieux dans de nombreuses religions, notamment abrahamiques. Cet article, qui s’appuie sur la méthodologie de l’analyse comparative dans sa lecture philosophico-sociologique critique, constitue un appel à reconnaître le retour de la religion, quel que soit son contexte. Quelle que soit l’ampleur ou les manifestations de ce retour, celui-ci doit se faire dans le cadre d’une réconciliation consciente entre religion et laïcité, loin du radicalisme qui appelle à une rupture entre elles de part et d’autre: les ennemis de la religion parmi les laïcs extrémistes, et ses défenseurs parmi les religieux extrémistes en même temps.

Mots-clés : Religion – Laïcité – Le retour de la religion – Mondialisation – Modernité

الدُّكتور برَّاق زكريَّا: دكتوراه في الفلسفة العربيَّة والإسلاميَّة – جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. يعمل باحثًا ومحرِّرًا أكاديميًّا في المعهد الألمانيِّ للأبحاث الشَّرقيَّة في بيروت. من منشوراته: الدَّولة والشَّريعة في الفكر العربيِّ الإسلاميِّ المعاصر (بيروت، 2013)، إضافة إلى جملةٍ من الأوراق البحثيَّة.

zakaria@orient-institut.org

جودة التَّعليم- التَّربية والاقتصاد وحال العالم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تفرض التَّربية نفسها أساسًا مهمًّا من أسس التَّقدُّم الحضاريِّ البشريِّ باعتبارها جزءًا رئيسًا من عمليَّة دمج الكائن البشريِّ الجديد، أي الطِّفل، في الجماعة الإنسانيَّة انطلاقًا من العائلة، والمحيط العائليِّ الأوسع، ومجتمع الرَّوضة، فالمدرسة، وتدرُّجًا نحو المجتمع العالميِّ.

يساهم التَّعليم في صياغة حجم المجتمعات المختلفة وشكلها ودرجة استقرارها. ويؤدِّي دوره في بؤسها أو رَفاهها. ولا يخفى تأثيره في تشكيل قِيَمها، ولا في إطالة عمرها أو اندثارها. وقد يصحُّ على مستوى البشريَّة برمَّتها ما يصحُّ على صعيد المجتمعات الأصغر.

يبحث الوالدان عن أفضل مدرسة للطِّفل وعن التَّعليم الجيِّد، وتدخل في الاختيار عوامل كثيرة تبدأ بالمعلِّمات والمعلِّمين، وتمرُّ بالمناهج ولا تغيب عنها لغة التَّعليم، ولا الاعتبارات الدِّينيِّة (أو اللَّادينيَّة) وقد يكون مجرَّدُ قرب المسافة بين المدرسة والبيت عاملًا حاسمًا. لكنَّ التَّعليم الجيِّد يبقى سؤالًا مطروحًا حتَّى بين المختصِّين في التَّربية والتَّعليم.

ذاع استخدام تعبير «جودة التَّعليم» Qualité de l’éducation منذ أواخر القرن العشرين، ومع أنَّ كلمة تعليم ليست التَّرجمة الأدقَّ لـ éducation، إلَّا أنَّ التَّعبير العربيَّ «جودة التَّعليم» قد يعكس بشكل أفضل التَّوجُّه السَّائد في «قطاع التَّربية والتَّعليم».

ما المقصود بـ«جودة التَّعليم» وأيُّ جوابٍ يقدِّم المختصُّون للأهل المتردِّدين؟

تحاول هذه المقالة تقصِّي مضمون هذا التَّعبير، انطلاقًا من بحثَين يتناولان الموضوع بطريقتَين مختلفتَين، ومن مصادر أخرى تُغني النِّقاش أيضًا.

كلمات مفتاحيَّة: تعليم – جودة التَّعليم – تربية – يونيسكو – منافسة – اقتصاد.

Qualité de l’éducation
L’enseignement, l’économie, et l’état du monde,

Par Adib Al Khoury

L’éducation, en tant que partie importante du processus d’intégration de l’enfant dans la communauté humaine, à travers la famille, la communauté de garderie, l’école, et jusqu’à la société mondiale, s’impose comme base importante du progrès de la civilisation.

L’enseignement contribue à l’organisation de la taille, la figure, et du degré de stabilité des sociétés différentes. Il joue son rôle pour la misère ou le bien-être d’un peuple. Son impact sur la formation des valeurs, et même sur le prolongement de la vie ou l’extinction d’une nation ne se cache pas. Et ce qui est vrai au niveau des sociétés peut être vrai au niveau de l’humanité dans son ensemble.

Les parents recherchent la meilleure école et la bonne éducation pour l’enfant. De nombreux facteurs sont impliqués dans le choix, à commencer par les enseignants, passant par les programmes d’études, n’oubliant pas la langue de l’enseignement, ni des considérations religieuses (ou non religieuses), et la distance entre école et domicile peut, tout simplement, être un facteur décisif. Pourtant la question de la qualité de l’éducation reste une question posée, même parmi les pédagogues.

Depuis le début de ce siècle, l’expression «Qualité de l’éducation» devient de plus en plus populaire. La traduction arabe «qualité d’enseignement» n’est pas très précise. Pourtant, elle peut refléter la tendance qui règne le «secteur de l’éducation».

Qu’est-ce qu’est la «qualité d’enseignement» ? Quelle réponse donnent les spécialistes aux parents hésitants ?

Cet article tente d’étudier le contenu de cette expression à partir de deux papiers de recherche qui abordent différemment le sujet, mais aussi en référant à des autres sources qui enrichissent le débat.

Mots clés : Éducation ‒ Qualité de l’éducation ‒ Enseignement ‒ Unesco ‒ Compétition ‒ Économie.

الأستاذ أديب الخوري: باحث، ومترجم، ومدرِّس. مُجاز في الرِّياضيَّات والمعلوماتيَّة من كلّيِّة العلوم – جامعة دمشق. عضو في الجمعيَّة الكونيَّة السُّوريَّة. من منشوراته في التَّرجمة الفرنسيَّة والإنجليزيَّة: أجمل المعادلات الرِّياضيَّة (بيروت: أكاديميا، 1996)، ويوميَّات القراءة، ألبرتو مانغويل (بيروت: دار السَّاقي، 2015)، وله أيضًا: تعليم جديد من أجل عالم مختلف (دمشق: معابر، 2015). ومقالة «لويس ماسينيون والقضيَّة الفلسطينيَّة»، مجلَّة المشرق، العدد 99، ج.1 (2025)، 31-54.

adibalkhoury@gmail.com

الفعل الفنِّيّ: «الَّذي لا يُدرَك كُنهه في انسجامات المخيِّلة»

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا المقال مسار تصوُّر «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» (je ne sais quoi) كما ظهر عند ليبنتز (Leibniz) وتطوَّر مع وولف (Wolff) وبومغارتن (Baumgarten) وغوتشد (Gottsched) وبريتنغر (Breitinger)، وصولًا إلى أرسطو بوصفه المرجِع الأصيل لتصوُّر πάθος (الانفعال). يبيِّن البحث أنَّ هذا التَّصوُّر، الَّذي بدا في البداية عنصرًا غامضًا أو لاعقلانيًّا في العمل الفنِّيّ، يشكِّل في الحقيقة شرطًا بنيويًّا للإبداع الجماليّ. فمن خلال تحليل العلاقة بين «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» والمخيِّلة، ومن ثمَّ الأهواء، يتَّضح أنَّ المخيِّلة تمتلك منطقًا خاصًّا بها، مستقلًّا عن العقل وإنْ كان يتقاطع معه. كما يُظهر المقال أنَّ الأهواء، بما لها من لغة ومنطق خاصَّين، تُعَدُّ شرط إمكانٍ للفعل الإبداعيّ، وأنَّ المخيِّلة عند أرسطو، بوصفها φαντασία، هي الأرضيَّة الَّتي تجعل التَّفكير والإبداع ممكنَين. وبذلك يظهر «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» لا كزينة أو عرض، بل كأساس وجوديٍّ للفنّ، وكترجمة لعلاقة الإنسان بالعالم من خلال التَّلاقي الحرِّ بين العقل والمخيِّلة والأهواء.

كلمات مفتاحيَّة: الَّذي لا يُدرَك كُنهه – ليبنتز – المخيِّلة – الأهواء – أرسطوπάθος – الجمال والفنّ.

L’acte artistique :
un « je ne sais quoi » d’accord de l’imagination,

Par Dr. Frank Darwiche

Cet article retrace le parcours de la notion de je ne sais quoi telle qu’elle apparaît chez Leibniz et se développe avec Wolff, Baumgarten, Gottsched et Breitinger, pour revenir enfin à Aristote en tant que source originaire du πάθος (passion). L’étude montre que ce concept, qui semblait au départ un élément obscur ou irrationnel dans l’œuvre d’art, constitue en réalité une condition structurante de la création esthétique. En analysant le rapport du je ne sais quoi à l’imagination, puis aux passions, il apparaît que l’imagination possède une logique propre, indépendante de la raison tout en la croisant. De plus, les passions, dotées de leur propre langage et de leur propre grammaire, se révèlent comme conditions de possibilité de l’acte créateur, tandis que l’imagination aristotélicienne, comprise comme φαντασία, fournit le sol même qui rend pensable et possible la créativité. Ainsi, le je ne sais quoi se présente non pas comme un ornement, mais comme un fondement ontologique de l’art, exprimant le rapport de l’homme au monde à travers le jeu libre de la raison, de l’imagination et des passions.

Mots-clés : je ne sais quoi ‒ Leibniz ‒ imagination ‒ passions ‒ Aristote ‒ πάθος ‒ esthétique et art.

الدُّكتور فرانك درويش: بروفيسور (فلسفة ولاهوت) في جامعة لورين، فرع ميتز، فرنسا (سابقًا جامعة البلمند، كلِّيَّة الفنون والعلوم، قسم الفلسفة). باحثٌ في فلسفة هايدغر والوجوديَّة والفِسارة والفِنومِنولوجيا والجماليَّات واللَّاهوت والفلسفة اللُّبنانيَّة. حاز شهادة الدُّكتوراه في الفلسفة من جامعة برغندي Burgundy – 2008 عن أطروحة بعنوان: Le divin dans la pensée de Martin Heidegger. له العديد من المقالات العلميَّة في الفلسفة الألمانيَّة والفرنسيَّة واللُّبنانيَّة، وترجمات من الألمانيَّة والفرنسيَّة إلى العربيَّة، ومنها ترجمة كتاب فلهلم شميدت – بيغمان، الفلسفة الخالدة: الخطوط التَّاريخيَّة العريضة للرُّوحانيَّة الغربيَّة في العصر القديم والوسيط والحديث المبكِر، بيروت: دار المشرق، 2024، وكتاب آخر بعنوان: في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر، الانسجامات الأساسيَّة، بيروت: دار المشرق، 2025.

frankdarwiche@gmail.com

تمثُّلات الجسد البصريَّة واللُّغويَّة في كتاب “النَّبيّ” لجبران خليل جبران

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تستكشف هذه الدِّراسة تمثُّلات الجسد في النَّبيّ لجبران خليل جبران، مُظهِرةً دوره كوسيط للمعنى والرُّوحانيَّة. يتَّضح من خلال النُّصوص والرُّسوم التَّرابط العميق بين الجسد والرُّوح، مع معالجة مواضيع الحبِّ والزَّواج والأولاد والألم والموت، حيث يتمُّ دمج الرُّؤى الثَّقافيَّة العربيَّة مع التُّراث الفلسفيِّ الغربيّ. في المجتمعات العربيَّة والغربيَّة تتضارب صورة الجسد مع الرُّوح؛ إذ تُعدُّ النَّظرة إلى الجسد سلبيَّة، بينما تصوَّر الرُّوح كرمز للقوَّة والخلود. تهدف هذه الدِّراسة إلى تحليل صورة الجسد في الأعمال الأدبيَّة والفنِّيَّة لجبران خليل جبران، مع التَّركيز على المقارنة بين الصُّورة الرُّوحانيَّة للجسد في كتابه النَّبيّ وتمثيلات الجسد العاري في لوحاته الفنِّيَّة. يسعى البحث إلى كشف التَّصوُّرات المتعدِّدة للجسد الإنسانيّ الَّتي يقدِّمها جبران، مُبرزًا رؤيته الفلسفيَّة والإنسانيَّة العميقة، ما يعكس التَّعقيد والتَّنوُّع في فهم الجسد ودوره في الحياة.

كلمات مفتاحيَّة: النَّبيّ – الجسد – الرُّوحانيَّة – الحبّ – الشَّرق – الرُّوح.

Représentations du Corps et de l’Esprit
dans Le Prophète de Gibran Khalil Gibran,

par Dr. Nada Mouawad

Dans son livre Le Prophète, Gibran Khalil Gibran explore les relations complexes entre le corps et l’esprit, mettant en avant leur rôle dans la quête de sens et de spiritualité. À travers les textes poétiques et les illustrations, Gibran aborde des thèmes universels tels que l’amour, le mariage, les enfants, la souffrance et la mort. Ces thèmes sont éclairés par une fusion unique de perspectives culturelles arabes et d’influences philosophiques occidentales. Dans de nombreuses cultures, y compris arabes et occidentales, le corps est souvent perçu de manière négative, tandis que l’esprit est valorisé comme symbole de force et d’éternité. L’objectif de cette analyse est de comparer la représentation spirituelle du corps dans Le Prophète avec les représentations corporelles dans ses œuvres artistiques, afin de dévoiler les conceptions variées du corps humain que Gibran propose, tout en soulignant son expression philosophique et humaniste.

Mots clés : prophète – corps – esprit – amour – philosophie- spiritualité.

الدُّكتورة ندى معوَّض: أستاذة وباحثة في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت، وتشغل مهامَّ رئاسة تحرير مجلَّة حوليَّات الصَّادرة عن معهد الآداب الشَّرقيَّة. وهي منسِّقة دبلومَي كتابة السكريبت والصَّحافة الاستقصائيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في الآداب والألسنيَّة واللُّغويَّات التَّطبيقيَّة من جامعة جان مولان ليون 3 – فرنسا. تهتمُّ أبحاثها بقضايا اللُّغويَّات، السِّيميائيَّات، وكتابة السِّيرة الذَّاتيَّة، ولها مشاركات بحثيَّة ومحاضرات دوليَّة في جامعات أوروبيَّة وأميركيَّة.

nada.mouawad@usj.edu.lb

صورة الحرب اللُّبنانيَّة في الأدب الرِّوائيّ – بانوراما في ستِّ روايات

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم هذه المقالة بانوراما تحليليَّة لستِّ روايات لبنانيَّة كُتبت عن الحرب اللُّبنانيَّة (1975-1990)، لمناسبة مرور خمسين عامًا على تاريخ اندلاع الحرب. وتهدف هذه المقالة من خلال الرِّوايات المختارة إلى فهم كيفيَّة تقديم الرِّوائيِّين اللُّبنانيِّين للحرب، كلٍّ من موقعه الطَّائفيِّ والجغرافيِّ والأيديولوجيّ. تنطلق هذه الدِّراسة من فكرة العلاقة المتبادلة بين الأدب والمجتمع، إذ يعكس النَّصُّ الرِّوائيّ الواقعَ السِّياسيَّ والاجتماعيَّ المحيط به وبكاتبه، ليعيد تشكيله عبر شخصيَّات وحبكات تحمل رؤًى للعالم.

تمَّ اختيار ستِّ روايات لستَّة كتَّاب وكاتبات من لبنان ينتمون إلى طوائف ومناطق وخلفيَّات متنوِّعة، لتصوير المشهد السَّرديِّ كاملًا عن حقبة الحرب اللُّبنانيَّة، وأمكنتها وشخصيَّاتها وفضاءاتها. تشترك هذه الرِّوايات بعناصر سرديَّة متعدِّدة، من ناحية الزَّمان والمكان والفضاءات وخصائص الشَّخصيَّات والثِّيمات المطروحة، فتقدِّم الرِّوايات المختارة، على اختلافها، مشهدًا واحدًا هو مشهد انشقاقٍ وانهزامٍ وموتٍ محيق بالسَّرد وشخصيَّاته مع حضور كثيف لغويًّا للحقول المعجميَّة الطَّائفيَّة والعسكريَّة. جوٌّ كابوسيٌّ من السَّوداويَّة والعبثيَّة يظهر في الرِّوايات كلِّها ويعكس شخصيَّات مهزومة، وناقصة، وعاجزة عن النَّجاة أو حتَّى ممارسة فعل العيش.

تشترك الرِّوايات بالفضاء الجهنَّميِّ الَّذي تخلقه، والَّذي يسيطر عليه ميليشياويٌّ قاسٍ، وعنيف، يحرِّك الحرب والسَّرد ويحوِّل الواقع الحقيقيَّ والسَّرديَّ إلى دوَّامة تعذيب وترهيب.

تحلِّل المقالة حضور عناصر الطَّبيعة الأربعة – الهواء والنَّار والماء والتُّراب– الَّتي تُوظَّف رمزيًّا لتجسيد ثِقَل الموت؛ كما يتمُّ التَّطرُّق إلى الحواسِّ الخمس المصابة بالشَّلل تحت وطأة القصف والرُّعب والقتل؛ لينتهي التَّحليل بالتَّوقُّف على عنصر الطَّعام الَّذي يصبح وسيلة بديلة للتَّعبير عن المشاعر: الحبّ؛ الامتنان؛ الأمومة؛ الرَّغبة، أو غيرها.

تخلص المقالة إلى أنَّ هذه الرِّوايات تشكِّل شهادة سرديَّة على وجع الحرب ووقعها على الَّذين عاشوها سواء أكانوا من الفئة القويَّة المسلَّحة المقاتلة أم من الفئة الرَّاضخة العزلاء المعزولة. ويبدو أنَّ الرِّوائيِّين جميعهم لا يُبدون أيَّ تحيُّز ولا يتبنَّون أيَّ موقف حزبيٍّ على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم الفكريَّة والجغرافيَّة. يجسِّد الرُّواة دور الإنسان والإنسانيَّة ويتحوَّل نقل العنف وحده إلى بوصَلة السَّرد، فالكُتَّاب ينشُدون إعادة طرح أسئلة عن التَّعاطف والإنسانيَّة في عالم يزداد فيه الخوف والعنف.

كلمات مفتاحيَّة: الحرب اللُّبنانيَّة – الرِّواية اللُّبنانيَّة – روايات الحرب – الموت – أبطال مهزومون – شخصيَّة المليشياويّ – ثيمات قاتلة.

L’image de la guerre du Liban dans la fiction :
un panorama en six romans,

Par Dr. Katia AL Tawil

Cet article propose un panorama analytique de six romans libanais écrits sur la guerre libanaise (1975-1990), à l’occasion du cinquantième anniversaire du déclenchement du conflit. À travers ces œuvres, l’étude vise à comprendre la manière dont les romanciers libanais représentent la guerre, chacun depuis sa position confessionnelle, géographique et idéologique. Dans ce sens, l’étude s’appuie sur l’idée d’une relation réciproque entre littérature et société, selon laquelle le texte romanesque reflète le contexte politique et social qui entoure son auteur, tout en le reconfigurant à travers des personnages et des intrigues porteurs d’une vision du monde.

Six romans, écrits par six auteurs et autrices issus de confessions, de régions et d’horizons différents, ont été retenus afin de restituer un tableau narratif complet de la guerre libanaise, de ses lieux, de ses personnages et de ses espaces. Ces romans partagent plusieurs éléments narratifs communs, qu’il s’agisse du temps, de l’espace, des caractéristiques des personnages ou des thématiques abordées.

Malgré leurs différences, ces romans convergent vers une même représentation: une scène de fracture, de défaite et de mort, qui imprègne l’ensemble du récit et de ses figures, avec une présence linguistique marquée des champs lexicaux confessionnels et militaires. Une atmosphère cauchemardesque, dominée par la noirceur, l’absence d’échappatoire et l’absurde, s’impose dans tous les textes, révélant des personnages vaincus, incomplets et incapables de survivre ou même d’accomplir l’acte de vivre.

Plus encore, les romans partagent également la construction d’un espace infernal, dominé par un milicien brutal et violent, moteur de la guerre comme du récit, transformant la réalité – autant factuelle que narrative – en une spirale de torture et de terreur.

L’article analyse ensuite la présence des quatre éléments de la nature (selon Bachelard) — l’air, le feu, l’eau et la terre — employés symboliquement pour incarner le poids de la mort. Il aborde aussi le rôle des cinq sens, paralysés sous l’effet des bombardements, de la peur et des massacres, avant de s’arrêter sur la nourriture, qui devient un moyen alternatif d’exprimer des sentiments tels que l’amour, la gratitude, la maternité ou le désir.

L’étude conclut que ces romans constituent un témoignage narratif de la douleur de la guerre et de son impact sur ceux qui l’ont vécue, qu’ils appartiennent au camp armé et puissant ou au camp désarmé et isolé. Les romanciers, indépendamment de leurs appartenances confessionnelles ou idéologiques, s’abstiennent de tout parti pris. Les récits érigent l’humain et l’humanité en horizon central, faisant de la représentation de la violence la boussole du texte: les écrivains cherchent ainsi à reposer les questions de compassion et d’humanité dans un monde où s’intensifient la peur et la brutalité.

Mots clés : La guerre libanaise ‒ Le roman libanais ‒ Les romans de guerre ‒ La mort ‒ Des anti-héros ‒ La figure du milicien ‒ Des thématiques mortifères.

الدُّكتورة كاتيا الطَّويل: باحثة، وروائيَّة، وصحافيَّة لبنانيَّة، ومحاضِرة في معهد الآداب الشَّرقيَّة في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. نالت شهادة الدُّكتوراه في سوسيولوجيا النَّقد الرِّوائيّ من جامعة السوربون في باريس. تُشرف على إصدار معجم المؤلّفون العرب المسيحيُّون من قَبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين، معجم الأعلام والآثار والمراجع، بنسختَيه الورقيَّة والإلكترونيَّة. صدرت لها روايتان عن دار هاشيت - نوفل، كما عرَّبت العديد من المؤلَّفات.

    tawilkatia@gmail.com

ألفاظ وأساليب خطَّأها المصحِّحون وهي عند الكوفيِّين صواب

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تعالج هذه الدِّراسة عددًا من الألفاظ والأساليب الَّتي وردت في مصنَّفات التَّصحيح اللُّغويِّ قديمًا وحديثًا، والَّتي عدَّها المصحِّحون فيها خطأً لغويًّا بالاستناد إلى آراء نحويَّة ولغويَّة معيَّنة، ولا سيَّما البصريَّة منها، ورفضوا استعمالها. تسعى هذه الدِّراسة من خلال تصحيح التَّصحيح إلى إعادة النَّظر في هذه التَّصحيحات باستعراض آراء المدرسة الكوفيَّة الَّتي يمكن استنادًا إليها إجازة هذه الألفاظ والأساليب المخطَّأة؛ مع التَّحقُّق من مصادر الآراء الكوفيَّة الَّتي تجيز هذه الاستعمالات، وتحديد مَواطن ذكرها عند النُّحاة. كذلك مع الإشارة إلى ما أقرَّه مجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة بخصوص هذه المسائل، إن توفَّر ذلك. ترمي هذه الدِّارسة من كلِّ ذلك إلى الإضاءة على أهمِّيَّة التَّعدُّديَّة في الآراء النَّحويَّة واللُّغويَّة، وعدم الاقتصار على مدرسة واحدة في إصدار الأحكام اللُّغويَّة، وبخاصَّة تخطئة ألفاظ وأساليب يمكن أن تُعدَّ صحيحةً، كما تدعو إلى كبح جماح رمي الألفاظ والأساليب الصَّحيحة بالخطأ، والَّذي يسيء إلى العربيَّة ومستعمليها.

كلمات مفتاحيَّة: التَّصحيح اللُّغويّ – تصحيح التَّصحيح – الخطأ اللُّغويّ – البصريُّون – الكوفيُّون.

Des mots et des styles que les correcteurs ont jugés incorrects, mais qui ont été validés justes par les grammairiens de Koufa,

par Dr. Ibaa Addin Bou Meri

Cette étude traite un nombre de mots et d’expressions présents dans des ouvrages classiques et modernes de correction linguistique, jugés incorrects par les correcteurs selon des opinions grammaticales et linguistiques spécifiques, notamment celles de l’école de Bassorah, et dont l’usage a été par la suite rejeté. Par un réexamen de ces corrections, cette étude vise à les réévaluer en analysant les points de vue de l’école de Koufa, qui pourraient potentiellement justifier l’emploi de ces mots et expressions erronés. Il s’agit notamment de vérifier les sources des opinions de Koufa autorisant ces usages et d’identifier les passages précis où ils sont mentionnés par les grammairiens. De plus, elle fait référence aux positions adoptées par l’Académie de la langue arabe du Caire sur ces questions, lorsqu’elles sont disponibles. Cette étude a pour objectif de souligner l’importance du pluralisme des opinions grammaticales et linguistiques, et la nécessité d’éviter de se fier à une seule école de pensée pour formuler des jugements linguistiques, en particulier concernant l’usage erroné de mots et d’expressions qui peuvent être considérés comme corrects. Il est également préconisé de mettre fin à la pratique consistant à qualifier d’erreurs des mots et expressions corrects, ce qui nuit à la langue arabe et à ses locuteurs.

Mots-clés: Correction linguistique – Correction des corrections – Erreur linguistique – Grammairiens de Bassorah – Grammairiens de Koufa.

الدُّكتور إباء الدِّين بو مرعي: باحث في مجمع اللُّغة العربيَّة بالشَّارقة في الموسوعة العربيَّة الشَّاملة، ومحاضِر في الجامعة الإسلاميَّة في لبنان. حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت في العام ٢٠٢٣، عن أطروحته الخطأ اللُّغويُّ في ضوء التَّصحيح اللُّغويِّ وتصحيح التَّصحيح والتَّطوُّر اللُّغويِّ. من منشوراته: «أسماءُ الأصوات ومُشْتَقَّاتُها في اللَّهْجَة اللُّبنانيَّة دراسةٌ معجميَّةٌ»، مجلَّة المشرق، السَّنة السَّادسة والتِّسعون، الجزء الثَّاني، تمُّوز – كانون الأوَّل ٢٠٢٢، و«إطلالة على ظاهرة حكاية الأصوات في باب الهمزة من المعجم التاريخيِّ للُّغة العربيَّة»، مجلَّة مجمع اللُّغة العربيَّة بالشَّارقة، العدد 13 نوفمبر 2024.

ibaaboumeri@gmail.com

العوامل المؤثِّرة في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يهدف هذا البحث إلى دراسة العوامل اللُّغويَّة وغير اللُّغويَّة الَّتي أثَّرت في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ، من خلال تحليل تطوُّر الكتابة العربيَّة بين الطَّابعَين الفونوتيكيِّ، والتَّاريخيّ. وتُبيِّن الباحثة أنَّ اللُّغة العربيَّة وعلى الرُّغم من انتظامها وقربها من النَّموذج الكتابيِّ المثاليِّ، إلَّا أنَّها تواجه عددًا من الإشكالات منها لغويَّة، ونحويَّة، وصرفيَّة، وصوتيَّة، فضلًا عن إشكالات أخرى غير لغويَّة: جماليَّة، ودينيَّة، وتاريخيَّة، ونفسيَّة. وقد أحصت الدِّراسات خمسة عشرَ عاملًا مؤثِّرًا في الإملاء العربيّ، أبرزها: أثر علم النَّحو في كتابة أدوات معيَّنة، مثل: إذن، ووصل «ما» بما قبلها، وعلم الصَّرف في تحديد شكل التَّاء والألف تبعًا لبنية الكلمة، والذَّوق الجماليِّ العربيِّ الَّذي يجنِّب اجتماع المتماثلات، وإرادة التَّمييز بين الكلمات لإزالة اللَّبس، إضافة إلى تأثير الرَّسم المصحفيِّ، واعتبارات أخرى، كـ «الحمل على النَّظير»، والوقف والوصل، والتَّوهُّم، وعلم التَّاريخ. وتخلص الباحثة إلى أنَّ كثيرًا من هذه العوامل ضعيف الأساس أو متكلِّف، وأنَّ تبسيط الكتابة العربيَّة ممكنٌ من دون المساس بجوهر اللُّغة، لأنَّ الكتابة في أصلها نظام إصلاحيٌّ قابل للتَّطوير. وتدعو، في ختام البحث، إلى مراجعة علميَّة معاصرة لقواعد الإملاء العربيِّ تراعي المنطق اللُّغويَّ ومقتضيات التَّعليم الحديث وسرعة التَّواصل في العصر الرَّقميّ.

ويسعى هذا البحث إلى تحقيق ما يأتي:

– تحديد العوامل الرَّئيسة الَّتي أسهمت في تشكيل الرَّسم الإملائيِّ العربيِّ عبر العصور.

– تحليل مدى وجاهة تلك العوامل من منظورٍ لغويٍّ علميٍّ معاصر.

– اقتراح رؤية إصلاحيَّة تمهِّد لتبسيط قواعد الإملاء من دون الإخلال بالبنية اللُّغويَّة.

وقد اعتمدت الباحثة المنهج الوصفيَّ التَّحليليَّ المقارن، من خلال تتبُّع النُّصوص النَّحويَّة والإملائيَّة القديمة، والحديثة، وتحليل مواقف العلماء منها، ثمَّ تقويمها وفق الأسس العلميَّة الحديثة في علم اللُّغة، للوصول إلى نتائج واقعيَّة تتَّصل بتسيير تعليم الإملاء وضبطه.

كلمات مفتاحيَّة: الرَّسم الإملائيّ – الإملاء العربيّ – العوامل اللُّغويَّة – النَّحو والصَّرف – الذَّوق الجماليّ – التَّبسيط الإملائيّ – الكتابة المصحفيَّة.

Les facteurs influençant l’orthographe arabe,

par Dr. Eva Amiouni

Cette étude examine les facteurs linguistiques et non linguistiques qui ont influencé l’orthographe arabe, en retraçant l’évolution de l’écriture entre ses dimensions historique et phonétique. L’auteure montre que, bien que le système graphique arabe soit relativement cohérent et proche du modèle phonétique idéal, il présente plusieurs difficultés liées à des facteurs grammaticaux, morphologiques, esthétiques, historiques et religieux. L’étude recense quinze facteurs essentiels, notamment l’influence de la grammaire dans l’écriture de certaines particules, l’effet de la morphologie sur la représentation des lettres finales, le goût esthétique arabe qui évite la répétition des signes, la volonté de distinguer les mots pour prévenir toute ambiguïté, ainsi que l’impact de l’écriture coranique et de la tradition graphique. L’auteure conclut que plusieurs de ces justifications traditionnelles sont fragiles ou arbitraires et plaide pour une révision rationnelle et scientifique de l’orthographe arabe, conciliant rigueur linguistique, modernité pédagogique et efficacité communicative.

Mots-clés: Orthographe arabe – Facteurs linguistiques – Grammaire et morphologie – Esthétique – Simplification orthographique – Écriture coranique.

الدُّكتورة إيفا أميوني: أستاذة في التَّعليم الثَّانويّ في مدرسة مار مارون طرابلس منذ العام 2004. حائزة شهادة الدُّكتوراه في النَّحو من جامعة القدِّيس يوسف في العام 2021-2022، عن أطروحة بعنوان الإضمار النَّحويُّ وأثره في صعوبة النَّحو العربيّ. من منشوراتها: مقالة «البدل وعطف البيان: اثنان أم واحد؟»، مجلَّة المشرق، السَّنة 96، الجزء الأوَّل، 2023.

eva_amiouny@hotmail.com

انتصارٌ للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ -تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديقِ لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم هذه المقالة تحقيقًا لرسالة الانتصار للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديق لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.). وتأتي أهمِّيَّة هذه الرِّسالة في كونها دليلًا وشاهدًا على كون شخصيَّة عليّ بن ميمون شخصيَّة تواصليَّة جامعة، جمع في رحلة حياته بين المشرق والمغرب وبلاد الأناضول، وجمع في أنماط التَّأليف بين الفقه والحديث والتَّصوُّف، وجمع في تصوُّفه بين تصوُّف أهل الحقائق والأذواق وتصوُّف المتشرِّعين. وإذ تسلِّط الدِّراسات العربيَّة المعاصرة الضَّوء على جانب واحد من جوانب هذه الشَّخصيَّة الجامعة (الفقه) فإنَّنا نحاول من خلال نشر هذه الرِّسالة لفت نظر الباحثين إلى جانبٍ غُضَّ الطَّرف عنه في بحث أفكار ابن ميمون ومدارستها، وهو تصوُّف الحقائق وإلى أيِّ مدًى تأثَّر الشَّيخ المدافع عن الشَّريعة بأهل هذا اللَّون من التَّصوُّف. فرسالته في الانتصار لابن العربيِّ إن دلَّت على إعجابه بأفكار الشَّيخ الأكبر، فإنَّها لا تقف عند هذا الحدّ، بل تؤكِّد لنا مطالعة عليّ بن ميمون الغماريّ لكتب الشَّيخ الحاتميِّ والاستفادة منها والاتِّصال بمن أحبَّ ابن العربيِّ وتابع أفكاره وتصوُّفه.

كلمات مفتاحيَّة: عليُّ بن ميمون الغماريّ – انتصار لابن العربيّ – تصوُّف الحقائق – ابن عربيّ في المغرب – الدِّراسات الأكبريَّة.

Tanẓīh aṣ-Ṣiddīq ʿan waṣf az-Zindīq « La défense du saint contre l’accusation d’hérésie » Ali ben Maymün al-Fāsi,

Par Dr. Khaled Mohamed Abdou

Cet article propose une édition critique de l’épître intitulée al-Intiṣār li-l-shaykh Muḥyī al-Dīn Ibn ʿArabī: Tanzīh al-Ṣiddīq ʿan waṣf al-zindīq, rédigée par ʿAlī b. Maymūn al-Ghumārī (m. 917 H/1511). L’intérêt de ce texte réside dans le fait qu’il constitue un témoignage précieux sur le caractère transversal et fédérateur de la figure deʿAlī b. Maymūn, qui sut, au cours de sa vie, établir des ponts entre le Machrek, le Maghreb et l’Anatolie; associer dans ses écrits le fiqh, le ḥadīth et le taṣawwuf ; et conjuguer, dans sa pratique mystique, le soufisme des ahl al-ḥaqāʾiq wa-l-adhwāq (« gens des réalités et des goûts ») et celui des juristes (taṣawwuf al-mutasharriʿīn).

Alors que les études arabes contemporaines mettent principalement en lumière l’aspect juridique (fiqh) de cette figure polymorphe, nous cherchons, à travers la publication de cette épître, à attirer l’attention des chercheurs sur un pan largement négligé de la pensée d’Ibn Maymūn: son inclination pour le taṣawwuf al-ḥaqāʾiq et la mesure dans laquelle ce défenseur rigoureux de la sharīʿa a été influencé par les maîtres de ce courant soufi.

Si cette épître en défense d’Ibn ʿArabī témoigne de l’admiration de ʿAlī b. Maymūn pour les idées du Shaykh al-Akbar, elle dépasse le simple plaidoyer: elle atteste de sa lecture directe des œuvres d’Ibn ʿArabī al-Ḥātimī, de son assimilation de leur contenu, et de ses liens avec ceux qui ont aimé Ibn ʿArabī et suivi ses enseignements mystiques.

Mots-clés : ʿAlī b. Maymūn al-Ghumārī ‒ défense d’Ibn ʿArabī ‒ taṣawwuf al-ḥaqāʾiq ‒ Ibn ʿArabī au Maghreb ‒ études akbariennes.

الدُّكتور خالد محمَّد عبده: باحثٌ وأكاديميٌّ، تخرَّج في جامعة القاهرة وحصل على شهادة الدُّكتوراه في الفلسفة. وهو باحثٌ في جامعة إشبيلية في إسبانيا. نشر مؤلَّفات عدَّة وتحقيقات وأبحاثًا، منها: معنى أن تكون صوفيًّا (القاهرة: دار المحروسة، 2016)، حضورُ الرُّوميِّ وشمس تبريزيّ في الثَّقافة العربيَّة (القاهرة: دار القدس، 2020)، الجدل الإسلاميُّ المسيحيُّ في القرن الثَّالث الهجريّ (بيروت: دار المدار الإسلاميّ، 2022)، الحكمة الخليقة للزَّندويستيِّ بالاشتراك مع د. بلال الأرفه لي (بيروت: دار المشرق، 2023)، وغيرها.

 allahbooks@gmail.com

أهل الكهف في نظر مؤرِّخين سريان وعرب – قصَّة التقاء بين المسيحيَّة والإسلام

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ترتبط قصَّة الفِتيَة السَّبعة النَّائمين في أفسس، أو أهل الكهف، بالتُّراث السُّريانيّ القديم. تعود أولى النُّصوص المُدوَّنة إلى القرن السَّادس الميلاديّ. أشارت إليها مصادر متنوِّعة، ودُوِّنت في أكثر من مئتَي مخطوط، يعود تاريخها إلى الحقبة الممتدَّة بين القرنَين التَّاسع والثَّالث عشر.

وردت القصَّة في القرآن، وتولَّى المفسِّرون والمؤرِّخون المسلمون شرحها وتفسير مضمونها، وكان أبرزهم الطَّبريّ (ت. سنة 923م.)، الَّذي يُعدُّ المصدر العربيَّ الأساس لكلِّ مَن لحقه من المؤرِّخين والجغرافيِّين العرب.

يلتقي مضمون الرِّوايات المسيحيَّة مع الإسلاميَّة على الإيمان المشترك بمفهوم البعث، علمًا أنَّ الحضارات القديمة غنيَّة بملاحم ونصوصٍ أسطوريَّة تعبِّر عن هذا المفهوم. ولمَّا انتشرت المسيحيَّة، ولاحقًا الإسلام، حافظ المؤمنون من أبناء الدِّيانتَين على تقاليد من التَّاريخ القديم، ولكنَّهم وضعوها في إطار دينيٍّ يتوافق مع المعتقدات المسيحيَّة والإسلاميَّة.

كلمات مفتاحيَّة: مصادر سريانيَّة – مصادر عربيَّة – مصادر كلاسيكيَّة – أبطال أسطوريُّون – البعث – التَّثاقف.

« AȘHÂB Al-Kahf » d’après des historiens syriaques et arabes Une rencontre entre le christianisme et l’islam,

par Dr. Marwan Abi Fadel.

L’histoire des Sept Jeunes Dormants d’Éphèse, ou «AȘHÂB Al-Kahf», également appelés le «Peuple de la Caverne», appartient à l’héritage syriaque ancien. Les premiers textes écrits remontent au VIe siècle après J.-C., et on en trouve des versions dans plus de deux cents manuscrits entre le IXe et le XIIIe siècle.

Ce récit apparaît aussi dans le Coran, des commentateurs et historiens musulmans ont entrepris d’interpréter son contenu, le plus éminent d’entre eux étant al-Tabari (mort en 923 apr. J.-C.), qui est considéré comme la principale source arabe pour toute la majorité des historiens et géographes arabes ultérieurs.

Dans les deux traditions, chrétienne et islamique, l’histoire exprime une même croyance en la résurrection. Les civilisations de l’Antiquité étaient déjà riches de récits mythologiques autour de ce thème, et avec la diffusion du christianisme puis de l’islam, cet héritage ancien a été transmis, réinterprété et intégré à un cadre religieux cohérent avec les croyances de chaque foi.

Mots clés : Sources syriaques ‒ Sources arabes ‒ Sources classiques ‒ Héros mythiques ‒ Résurrection ‒ Acculturation.

الدُّكتور مروان أبي فاضل: مدير سابق لكلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة، الفرع الثَّاني، الفنار. أستاذ التَّاريخ القديم في الكلِّيَّة وفي عمادة كلِّيَّة الآداب. حائز شهادة دكتوراه في التَّاريخ القديم من جامعة الرُّوح القدس في العام 2007، وعنوان الأطروحة: الحضارة الكنعانيَّة الفينيقيَّة من خلال المصادر العربيَّة. من مؤلَّفاته، كتب مدرسيَّة متعدِّدة في التَّاريخ والجغرافيا، بالإضافة إلى كتبٍ ومقالات أكاديميَّة في التَّاريخ القديم وتعليم التَّاريخ، نشرت في لبنان والخارج، ومنها: «سيرة العاشقَين إساف ونائلة في مكَّة قبل الإسلام بين المصادر العربيَّة ومعتقدات الشُّعوب القديمة»، مجلَّة المشرق، 97 (2023)، ج.1، كانون الثَّاني – حزيران، 87-115.

marwanfadel@hotmail.com

سنيوريَّة أورتوسيا الفرنجيَّة (1109-1289)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنشأ الفرنج ضمن كونتيَّة طرابلس سنيوريَّة أورتوسيا Orthosias ، مركزها مدينة أورتوسيا الواقعة عند مصبِّ نهر البارد. كانت لسنيوريَّة أورتوسيا في الحقبة الفرنجيَّة مكانة مهمَّة على الصَّعيد الإداريّ، والعسكريّ، والاقتصاديّ، وارتبطت بمدينة طرابلس سياسيًّا واقتصاديًّا.

كلمات مفتاحيَّة: أورتوسيا – الفرنج – طرابلس – سيِّد – سنيوريَّة – عائلة بورسوليه.

 

La Seigneurie franque d’Orthosias (1109-1289),

par Dr. Pierre Moukarzel

Les Francs établirent la seigneurie d’Orthosias au sein du comté de Tripoli, et son centre fut la ville d’Orthosias, située à l’embouchure du Nahr al-Bārid. À l’époque franque, la seigneurie d’Orthosias occupait une position importante sur les plans administratif, militaire et économique, et était liée politiquement et économiquement à la ville de Tripoli.

Mots-clés : Orthosias ‒ Francs ‒ Tripoli ‒ Seigneur ‒ Seigneurie ‒ Les Porcellets.

الدُّكتور بيار مكرزل: حائز شهادة الدُّكتوراه في التَّاريخ الوسيط من جامعة بواتييه (فرنسا)، معهد الدِّراسات العليا لحضارة القرون الوسطى. متخصِّص بتاريخ المماليك (1250-1517)، والعلاقات بين أوروبَّا والشَّرق في القرون الوسطى. أستاذ مادَّة التَّاريخ الوسيط في كلِّيَّة الآداب والعلوم اﻹنسانيَّة (الفرع الثَّاني) في الجامعة اللُّبنانيَّة. ومحاضِر في جامعات لبنانيَّة وأوروبيَّة. من منشوراته:
La ville de Beyrouth sous la domination mamelouke (1291-1516) et son commerce avec l’Europe, Éditions de l’Université Antonine, 2010.
تاريخ طريق الحرير، لان.: بيروت، 2024.

pierremoukarzel@hotmail.fr

مصادر المياه في حلب: مشروع قناة نهر السَّاجور – قويق في العصر المملوكيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مع تزايد في عدد السُّكَّان والمنشآت العمرانيَّة، وتطوُّر الصِّناعة في مدينة حلب، ازداد الطَّلب على المياه لتلبية حاجات هذه الزِّيادة، ما استدعى التَّفكير في مشاريع جديدة تؤمِّن المياه لمختلف أرجاء المدينة، فكان من بينها مشروع قناة السَّاجور – قويق الَّذي انتهى في العام 1330م.، بعد توقُّف دام خمسة عشر عامًا تقريبًا لعدَّة أسباب. وقد مرَّ هذا المشروع بمرحلتَين: الأولى على عهد النَّائب سَوْدي الَّذي توقَّف عن استكمال جرِّ المياه، على الرُّغم من مثابرته على ما هو بصدده، وتحمُّله المشاقَّ لإيصال القناة إلى حلب. أمَّا المرحلة الثَّانية فقد استكملها نائب حلب الجديد سيف الدِّين أرغون الدَّوادار النَّاصريّ في ولايته الثَّانية، ابتداءً من العام 1330م. حتَّى وفاته في العام 1331م. لم يكن استكمال شقِّ القناة سهلًا في هذه المرحلة، إذ واجه عوامل طبيعيَّة صعبة أصرَّ أرغون على تخطِّيها، نظرًا إلى حاجة المدينة إلى الماء، ولا سيَّما بعد موجات متعاقبة من الجفاف الَّذي كان السِّمة البارزة من أواخر القرن 13م. إلى أواخر القرن 14م. وقد ساهم المشروع في التَّخفيف من معاناة المدينة النَّقص المتزايد في المياه، ولا سيَّما أنَّ مصادر المياه المتوافرة لم تعد تكفي، وكان دافعًا إضافيًّا لتزايد الحركة العمرانيَّة. وقد انعكس مشروع القناة إيجابًا على قطاعَي الزِّراعة والصِّناعة من حيث ريُّ المزروعات وزيادة المِساحات المزروعة، وتأمين المياه على مدار العام تقريبًا لبعض الصِّناعات الَّتي تعتمد على المياه بشكل أساس، كدِباغة الجلود وغيرها.

كلمات مفتاحيَّة: حلب – مصادر المياه – قناة  السَّاجور – قويق.

Les sources d’eau à Alep L’aqueduc Sājūr – Qoueiq à l’époque mamelouke

Par Dr. André Nassar

Avec l’augmentation du nombre d’habitants et des constructions urbaines, ainsi que le développement industriel à Alep, la demande en eau s’est accrue pour répondre aux besoins de cette expansion. Cela a conduit à envisager de nouveaux projets destinés à assurer l’approvisionnement en eau dans les différents quartiers de la ville. Parmi ces projets figurait l’aqueduc Sājūr-Qoueiq, achevé en 1330, après une interruption d’environ quinze ans pour diverses raisons.

Le projet s’est déroulé en deux phases: La première eut lieu sous le mandat du gouverneur Sūdī, qui cessa les travaux de dérivation des eaux, malgré sa persévérance et les efforts qu’il déploya pour amener l’aqueduc jusqu’à Alep. La seconde phase fut menée par le nouveau gouverneur d’Alep, Sayf al-Dīn Arghūn al-Dawādār al-Nāsirī, lors de son second mandat, à partir de 1330 jusqu’à sa mort en 1331.

La reprise du creusement l’aqueduc ne fut pas aisée durant cette période, car elle rencontra de grandes difficultés naturelles qu’Arghūn s’obstina à surmonter, en raison du besoin urgent de la ville en eau, surtout après plusieurs vagues successives de sécheresse, phénomène caractéristique de la fin du XIIIᵉ jusqu’à la fin du XIVᵉ siècle.

Ce projet contribua à soulager la ville du manque croissant d’eau, les sources disponibles ne suffisant plus. Il fut également un facteur stimulant pour l’essor urbain, et eut un impact positif sur les secteurs agricole et industriel: il permit l’irrigation des cultures, l’extension des terres agricoles, et assura un approvisionnement en eau presque permanent pour certaines industries dépendantes de cette ressource, telles que le tannage du cuir et d’autres activités similaires.

Mots-clés: Alep ‒ sources d’eau ‒ aqueduc ‒ Sājūr ‒ Qoueiq.

الدُّكتور أندريه نصَّار: أستاذ محاضر ورئيس قسم التَّاريخ في الجامعة اللُّبنانيَّة، كلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة – الفرع الثَّاني، وأستاذ محاضِر في الكلِّيَّة الحربيَّة. يحمل شهادة دكتوراه في التَّاريخ الوسيط من الجامعة اللُّبنانيَّة، بعنوان «نيابة حلب في العهد المملوكيِّ (658-922هـ./1260-1516م.)». من منشوراته: «المجاعة في المتن الشَّماليِّ في الحرب العالميَّة الأولى من خلال محفوظات مطرانيَّة أنطلياس المارونيَّة (جلّ الدِّيب – بقنَّايا، البوشريَّة أنموذجًا»، مؤتمر المجاعة في لبنان خلال الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918): دراسة في الأصول والمصادر الأوَّليَّة، 2025، 407-443. – «العادات والتَّقاليد المجتمعيَّة الأندلسيَّة في عهدَي المرابطين (483-541هـ./1090-1147م.) والموحِّدين (541-668هـ./1147-1269م.)»، كرونوس، العدد 46، 2025، 53-77.

andre_nassar@hotmail.com

جذور الإيكولوجيَّة الشَّاملة في فكر الباباوات – من البابا بولس السَّادس حتَّى البابا لاون الرَّابع عشر

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا المقال ظهور «الإيكولوجيَّة الشَّاملة» وترسيخ مفهومها في التَّعليم البابويِّ المعاصر. من خلال قراءة تاريخيَّة يوضِّح المقال كيف تطوَّر التَّفكير البيئيُّ من اهتمام رعويٍّ إلى رؤية لاهوتيَّة وأخلاقيَّة متماسكة. ويوضِّح المقال أنَّ هذه المساهمات المتتالية مكَّنت البابا فرنسيس في رسالته (كنْ مسبَّحًا) وإرشاده الرَّسوليّ (سبِّحوا ﷲ) من صياغةٍ إيكولوجيَّة شاملة حقيقيَّة، قائمة على العدالة الاجتماعيَّة والرُّوحانيَّة المسيحيَّة، والتَّضامن مع الأضعف. فمهَّدت هذه المواقف الطَّريق إلى الحبر الأعظم الحاليّ، في تبنِّيه مواقف أسلافه، ومواجهة التَّحدِّيات البيئيَّة. ويسلِّط المقال الضَّوء على أهمِّيَّة موقف الكنيسة في بثِّ روح الرَّجاء في هذا العالم، فقد حان الوقت للانتقال من الأقوال إلى الأفعال الملموسة بما يتعلَّق ببيتنا المشترك.

تتناول الكتابة فكر الكنيسة الكاثوليكيَّة الرَّسميَّ انطلاقًا من موقف الباباوات. فتعرض أوَّلًا، وبإيجاز، لمحة تاريخيَّة لفكر الكنيسة الَّذي انتقل من الخلفيَّة إلى الشَّراكة، ومن ثمَّ تبحث في بداية جذور الإيكولوجيا الشَّاملة، وبعدها فكر الباباوات ما قبل البابا فرنسيس صاحب وثيقة (كنْ مسبَّحًا)، الَّذي تتناوله ببعض الاستفاضة قبل أن تختم مع البابا لاون الرَّابع عشر، فتعرض شذرات من أفكاره ومواقفه لتستشرف بوصلته البيئيَّة في فترة قيادته الكنيسة الحاليَّة.

كلمات مفتاحيَّة: الحبر الأعظم – الإيكولوجيَّة الشَّاملة – البيئة – كنْ مسبَّحًا– البابا فرنسيس – الكنيسة الكاثوليكيَّة.

 

Les racines de l’écologie intégrale dans la pensée des papes - De Paul VI à Benoît XVI,

par Dr. Nada Mallah Boustani

Cet article traite de l’émergence et de l’ancrage du concept d’«écologie intégrale» dans l’enseignement papal contemporain. À travers une lecture historique, l’article explique comment la réflexion environnementale est passée d’une préoccupation pastorale à une vision théologique et éthique cohérente.

Il montre que ces contributions successives ont permis au pape François, dans sa lettre (Laudato Si) et son exhortation apostolique (Laudate Deum) , de formuler une véritable écologie intégrale, fondée sur la justice sociale, la spiritualité chrétienne et la solidarité avec les plus vulnérables. Ces positions ont ouvert la voie au pape actuel, qui a repris les positions de ses prédécesseurs et relevé les défis environnementaux. L’article souligne l’importance de la position de l’Église pour insuffler un esprit d’espoir dans ce monde, car le moment est venu de passer des paroles aux actions concrètes dans notre maison commune.

L’article présente d’abord un bref aperçu historique de la pensée de l’Église, qui est passée d’une position de retrait à une position de partenariat, puis examine les origines de l’écologie intégrale, avant de se pencher sur la pensée des papes antérieurs au pape François, puis de conclure avec le pape Léon XIV, en présentant quelques-unes de ses idées et positions afin d’esquisser sa boussole environnementale pendant son mandat à la tête de l’Église actuelle.

Mots clés: Le Souverain Pontife ‒ Écologie intégrale ‒ Environnement – Laudato Si ‒ Pape François ‒ Église catholique.

الدُّكتورة ندى الملَّاح البستانيّ: بروفيسورة في كلِّيَّة الإدارة والأعمال في جامعة القدِّيس يوسف ببيروت. رئيسة تنفيذيَّة لشركة AXISSED Advisory الاستشاريَّة، رئيسةٌ مؤسِّسة لجمعيَّة التَّميُّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتَّنمية الاقتصاديَّة AXISSED Association. حائزة شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا، وشهادة «HDR» في الإدارة والأموال من جامعة «Picardie – Jules Verne» – فرنسا، وماجستير في العلوم الدِّينيَّة من جامعة القدِّيس يوسف ببيروت. أستاذة ومستشارة في الهيئة اليسوعيَّة العالميَّة للتَّعليم JWL. عضو ناشط في العديد من الهيئات البحثيَّة العلميَّة AIS, LEFMI، وعضو مؤسِّس في المنظَّمة البيئيَّة Green Community.

nada.mallahboustany@usj.edu.lb

القيادة كإطار لعَيش القداسة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إلى أيِّ مدًى يمكن مبادئ القداسة في الحياة المسيحيَّة أن تُغني فهمنا وممارستنا للقيادة في العالم المعاصر؟

من خلال استكشاف التَّقاطع بين القداسة والقيادة، يمكننا تقييم كيفيَّة دمج القيم المسيحيَّة في مقاربتنا للقيادة الحديثة، والمساهمة في إحداث تغيير إيجابيٍّ في مجتمعنا. إنَّ هذا الاستكشاف يدعو إلى تسليط الضَّوء على نهج قياديٍّ قائم على القيم الأخلاقيَّة والرُّوحيَّة، ويعزِّز قيادة أصيلة ومُلهِمَة، إذ إنَّ القداسة تفترض التزامًا عميقًا بالحقيقة والشَّفافيَّة والأصالة.

فالقداسة تتضمَّن تحوُّلًا داخليًّا عميقًا في كيان الفرد، يؤثِّر في دوافعه وقيَمه ومواقفه. والقائد الَّذي يتغيَّر قلبه وفقًا لمبادئ القداسة يكون دافعه المحبَّة والرَّحمة والنَّزاهة، ما يتيح له القيادة بحِكمة وعدل. كما أنَّ السَّعي الدَّائم لفهم إرادة ﷲ يوجِّه قرارات القائد وتصرُّفاته، ما يمكِّنه من اتِّخاذ قرارات مدروسة ومتوافقة مع القيَم الأخلاقيَّة والرُّوحيَّة. وهذا بدوره يعزِّز ثقة الآخرين به، ويُسهم في بناء الثِّقة والانخراط الفعَّال من قِبَل مَن يقودهم.

باختصار، إنَّ التَّحوُّل الدَّاخليَّ والسَّعي المستمرَّ إلى فهم إرادة ﷲ يؤثِّران إيجابيًّا في قدرة القائد على الإلهام والتَّحفيز والتَّعبئة. فالقائد القدِّيس هو نموذج في الأخلاق والنَّزاهة، قادر على التَّأثير الإيجابيِّ في الثَّقافة التَّنظيميَّة وتعزيز بيئة يسودها الثِّقة والتَّعاون.

ترتبط القداسة والقيادة بعناصر مثل التَّأثير الأخلاقيِّ، والالتزام بالقيَم، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة. غير أنَّ طبيعة هذه العلاقة قد تختلف باختلاف المُعتقدات الدِّينيّة والسِّياقات الثَّقافيَّة والتَّصوُّرات الفرديَّة.

كلمات مفتاحيَّة: القيادة – القداسة – التَّحوُّل الدَّاخليّ – إرادة ﷲ – القِيَم.

Le leadership comme cadre de vivre la sainteté,

Par P. Charbel Youssef

Dans quelle mesure les principes de la sainteté dans la vie chrétienne peuvent-ils enrichir notre compréhension et notre pratique du leadership dans le monde moderne? 

En explorant les intersections entre la sainteté et le leadership, nous pourrons ainsi évaluer comment les valeurs chrétiennes peuvent être intégrées dans notre approche du leadership contemporain et contribuer à un changement positif dans notre société. L’exploration des intersections entre la sainteté et le leadership invite à éclairer une approche de leadership basée sur des valeurs morales et spirituelles, et promouvait un leadership authentique et inspirant, car la sainteté implique un engagement profond envers la vérité, la transparence et l’authenticité. 

La sainteté implique un changement profond à l’intérieur de l’individu, affectant ses motivations, ses valeurs et ses attitudes. Un leader dont le cœur est transformé par les principes de la sainteté sera motivé par l’amour, la compassion et l’intégrité, ce qui lui permettra de diriger avec sagesse et équité. Ainsi que la recherche constante de la volonté de Dieu guide les décisions et les actions du leader, lui permettant de prendre des décisions éclairées et alignées avec les valeurs éthiques et morales. Cela renforce également la confiance et la fiabilité du leader, ce qui favorise la confiance et l’engagement des autres.

En résumé, la transformation intérieure et la recherche constante de la volonté divine influencent positivement la capacité du leader à inspirer, motiver et mobiliser les autres. Un leader saint est un modèle de caractère et d’intégrité, capable d’influencer de manière positive la culture organisationnelle et de favoriser un environnement de confiance et de collaboration. 

La sainteté et le leadership sont liés par des aspects tels que l’influence morale, l’engagement éthique et la responsabilité sociale. Cependant, la nature de cette relation peut varier en fonction des croyances religieuses, des contextes culturels et des perceptions individuelles.

Mots-clés : Le leadership – La sainteté – La transformation intérieure – La volonté de Dieu – Les valeurs.

الأب شربل يوسف ر.ل.م.: رئيس دير مار أنطونيوس شِكَّا، مدير مدرسة الكلمة شكَّا للرَّهبانيَّة اللُّبنانيَّة المارونيَّة، مُدرِّب مُعتَمَد على برامج القيادة والتَّنمية الذَّاتيَّة والتَّخطيط الاستراتيجيِّ وسياسة حماية الطِّفل ومهارات التَّعلُّم والتَّعليم في القرن 21. حائز شهادة دكتوراه في اللَّاهوت التَّطبيقيِّ وإجازة في العلوم التَّربويَّة من جامعة الرُّوح القدس – الكسليك. من منشوراته: «الذَّكاء العاطفيُّ في الإرشاد الرُّوحيّ: نحو مرافقة أكثر وعيًا وفعَّاليَّة في الحياة الرُّوحيَّة» (مجلَّة المنارة)،  «la foi et la raison» (مجلَّة الأمل)، تحقيقات مع بعض أهالي شهداء نهر البارد (مجلَّة الأمل).

charbel.m.youssef@net.usek.edu.lb

مقالات من أرشيف مجلَّة المشرق: افتتاحيَّات مجلَّة المشرق للأعوام: (1898، 1920، 1991)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مقالات من أرشيف مجلَّة المشرق

السَّنة الأولى، العدد 1، (1898)

افتتاحيَّة المشرق  بعد احتجاب خمس سنوات

افتتاحيَّة المشرق بعد احتجاب عن الصُّدور لعشرين سنة

المشرق، العدد 65، (1991)

في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر- الانسجامات الأساسيَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

فرانك درويش

في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر –
الانسجامات الأساسيَّة

ط.1، 176 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025.
ISBN: 978-2-7214-8196-2

صدر عن دار المشرق في العام 2025 كتابٌ للدُّكتور فرانك درويش بعنوان في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر – الانسجامات الأساسيَّة[1]، يعرض فيه الكاتب تطوُّر مصطلح الواقعانيَّة (Faktizität) وارتداداته على وجود «الدَّازَين» Dasein وحرِّيَّته في العالم. يُحدِّد الكاتب في المقدِّمة إشكاليَّة كتابه انطلاقًا من المرحلة الثَّانية للواقعانيَّة في فكر هايدغر (1889-1976)، ذلك أنَّ الكُتُب السَّابقة، في رأيه، اقتصرت أبحاثها على تحليل الواقعانيَّة في بدايات فكر هذا الفيلسوف – وهو فكرٌ يُعبِّر عن الإنسان «ككائن مرميّ»[2] (Geworfenheit) في العالم من دون أن يختار لماذا هو هنا، كما وَرَدَ ذلك في كتابه الكينونة والزَّمان، إذ يَجد نفسه في عالم وَرث ثقافته وتاريخه وبيئته -، وأهملت النُّصوص الَّتي ظهرت بعد المنعطف[3] (Kehre) المرتبطة بالكينونة. هذا ما يُسوِّغ في آن واحد عنوان كتاب المؤلِّف وعنوان الفصل الأوَّل، «من واقعانيَّة إلى واقعانيَّة».

إنَّ الغوص في فكر هايدغر ليس أمرًا سهلًا، إذ يستدعي معرفة واسعة بمصطلحاته الألمانيَّة المتشعِّبة والعصيَّة على الفهم والتَّرجمة في آن. ما يبرز في متن هذا الكتاب هو إلمام الكاتب بفكر هذا الفيلسوف إلى حدِّ التَّماهي بأسلوبه وتعابيره، ما يجعل القارئ في حَيرة من أمره، ولا سيَّما فيما يتعلَّق باستخدام المصطلحات، إذ يستخدمها الكاتب وكأنَّها مصطلحات مُكتسبة، في حين أنَّ كلَّ مصطلح يحتاج إلى تفسير واضح من جهة، وإلى إيجاد المصطلح العربيِّ المناسب، ولا سيَّما أنَّه لا يوجد توافقٌ بين المختصِّين بترجمة مصطلحات هايدغر العربيَّة. ومع ذلك، لا بدَّ من الإشارة إلى أهمِّيَّة هذا الكتاب في العالم العربيِّ وإلى ضرورته، إذ لا يتوقَّف على الكينونة والزَّمان (Sein und Zeit) بل يغوص في الكتابات اللَّاحقة، ولا سيَّما تلك الَّتي نُشِرت بعد وفاة الفيلسوف.

ومن ثمّ، لا أخفي أنَّني تردَّدت بعض الشَّيء في تقييم هذا الكتاب، إذ يتطلَّب جُهدًا كبيرًا للإحاطة به وبتطوُّر فكر هايدغر الَّذي لم يعرف الكَلَل حتَّى أواخر حياته. فهايدغر ليس كباقي الفلاسفة، إنَّه فيلسوف مُجدِّد وناقدٌ صارم للإرث الفلسفيِّ الميتافيزيقيِّ منذ أفلاطون حتَّى نيتشه، وذلك في أسلوب غريب من نوعه حتَّى على النَّاطقين باللُّغة الألمانيَّة. مشروع هايدغر هو بحثٌ عن معنى الكينونة في واقع الدَّازَين، ذلك أنَّ هدفه ينطوي على مساءلة الكينونة الَّتي سقطت في طيِّ النسيان، على حدِّ تعبيره. لذا، والحالة هذه، سأحاول أن أقيِّم كتاب فرانك درويش بتردُّد وتهيُّب مع اقتناعي بأنَّ هذه المقاربة لن تَفِيَ بمضمونه وتشعُّباته.

  1. الإنسان كائنٌ مُقبِلٌ على الموت

لكي نَفهم أكثر مشروع هايدغر الفكريَّ في كتاب الكينونة والزَّمن لا بدَّ من تحديد الدَّازَين (Dasein) الَّذي ليس سوى الإنسان المرتبط بهذا العالم، الَّذي يختبر فيه معنى كينونته (sein) في تعاريج وجودٍ وُضِع فيه رُغمًا عنه، ومن ثمَّ، عليه أن يتدبَّر أمره في اختبار تقلُّبات الزَّمن بين الماضي والحاضر والمستقبل، الأمر الَّذي يَخلق فيه هَمًّا (Sorge) كبيرًا، وبخاصَّةٍ هَمَّ الموت المتأصِّل في كيانه، فيكتشف أنَّ وجوده هَشٌّ بِفِعْلِ ارتباطه العضويِّ بالموت. أمام هذا الثِّقَل (Last) الرَّابض عليه يسعى الإنسان إلى الخروج من عطوبيَّته حين يَعي وضعه الخاصَّ المائت كفرد، ويُبادر إلى إيجاد عناية لا تمُتُّ بصلة إلى كائن آخر، عنايةٍ تتجلَّى في رحاب هذا العالم، وهو في هذا السِّياق، ليس بعيدًا عن نيتشه. الإنسان، على حدِّ قول هايدغر، كائنٌ «مُقبِلٌ على الموت» (Sein zum Tode)، وكلُّ تفتيش عن أصل أو غائيَّة تُخفِّف من هذا الثِّقَل الرَّهيب يبقى عَصيًّا ومَخفيًّا عليه، وهذا ما يُفسِّر واقع الدَّازَين الموجود والمرميّ. الوجود لا مرجعيَّة له ولا يقود إلى أيِّ مكان، ما يُعبِّر عن الهمِّ المتأصِّل في الإنسان الَّذي يشعر به من جرَّاء هذه الواقعانيَّة.

في هذا السِّياق، يبدو أنَّ الأسئلة الَّتي أثارها هايدغر عن الواقعانيَّة وعن الكينونة التَّاريخانيَّة في كتابه الكينونة والزَّمان قد سلَّطت الضَّوء على استكشافات مهمَّة، إلَّا أنَّ بعض الأسئلة الَّتي أثارها قد أُغلِقت، لا بل لم تُعطِ أجوبة شافية. وما الواقعانيَّة الثَّانية سوى محاولة لإيجاد رؤية جديدة تُساعدنا على فَهْمِ المنعطف (Kehre) الَّذي برز في مسيرة هايدغر الفكريَّة. هذا ما حاول الكاتب تبيانه في مَتْنِ هذا الكتاب.

  1. الإنسان كائنٌ مرميٌّ في واقعانيَّة الزَّمان

ولكي يضع هايدغر الواقعانيَّة في إطارها الصَّحيح، يحمل على ديكارت، ذلك أنَّ شكَّه المُبالغ فيه أفضى به إلى الانطواء على الذَّات وعلى الابتعاد عن مصدر الواقعانيَّة المرتبطة في الزَّمان والمكان، فراح يُفتِّش عنها في مصدرٍ سامٍ آخر (ﷲ) خارج إطارها المرئيّ. وهذا ما دفع هايدغر إلى التَّحقُّق من معنى هذا المصطلح من خلال الهرمنيوطيقا للعودة إلى أصولها عن طريق الانخراط في واقعانيَّة الكائنات (Befindlichkeit) في هذا العالم المرتبِط باختبار الدَّازَين من خلال انسجامه (Stimmung) وعلاقته بواقعه، ككائنٍ في العالم. فمنذ وعيه يكتشف الإنسان أنَّه كائن مرميٌّ (geworfen) في هذا العالم، فيُسلِّم بهذا الواقع ويُحاول أن ينطلق من هذا التَّسليم الَّذي لا مناص منه، أي ككائنٍ مُلقًى به ليس من قِبَل كائنٍ أعلى، بل ككائن موجود في هذا العالم فحسب. ومن ثمَّ، يأخذ الإنسان من واقعانيَّته المرميَّة موقِفَين: إمَّا أن يَستسلم للواقع من دون أن يُغيِّر فيه شيئًا ويعيشَ حياةً غير أصيلة Uneigentlichkeit لا معنى لها، تُحرِّكها الظُّروف الاجتماعيَّة الخارجيَّة، وإمَّا أن يُعطيَ هذه الواقعانيَّة معنى الأصالة (Eigentlichkeit) يُواجه من خلالها الحياة، بحيث يسعى إلى تنمية حرِّيَّته ومسؤوليَّته وفرادته. وقد بَيَّن هايدغر في كتابه أنَّ مصير الإنسان يَحدث في قلب الزَّمن ضمن مسارٍ تاريخيّ، وأنَّ معنى الكينونة لا يتجلَّى إلَّا في هذا العالم فحسب. هذا يعني أنَّ «الدَّازَين، هو نفسه القاع المُرمى، إذ يرمي بنفسه على إمكانيَّات قد رُمِيَ فيها»[4]، ولكي يتحكَّم الدَّازَين بهذا القاع، لا بدَّ له من أن يبدأ مغامرته من «الوجود كأساس» ليَفْهم ذاته بحسب ما يملك من إمكانيَّات. وبتعبير آخر، كما فسَّره فرانك درويش، «يبدأ الدَّازَين من شيء ومن لا شيء»[5] في آنٍ واحد، أي ما يُسمِّيه هايدغر بالمعاودة (Wiederholung). ومن ثمَّ، يُضْحي ما ورثه الدَّازَين باطلًا لا قيمة له حتَّى يتمَّ تحويله من جديد. من هنا أهمِّيَّة الابتعاد عن الموروث كي تكون المعاودةُ معاودةً حقيقيَّة. هذه هي المهمَّة الَّتي ينبغي للدَّازَين أن يقوم بها. لذا، والحالة هذه، يُصبح الدَّازَين كلَّ إنسانٍ يعي أنَّه هنا، كي تنفتح أمامه آفاق جديدة، أو ما يُسمِّيه هايدغر بالمُنفَسح أو المنارة [6] (Lichtung).

  1. الدَّازَين بين ثِقَل الحياة وشجاعة الوجود

في هذا السِّياق، على الدَّازَين أن يبدأ مشروعه «ممَّا يجده هنا معه»، كي تنفتح أمامه منارة الوجود. ذلك أنَّ ما يُرافق الدَّازَين من إمكانيَّات يكمن في «واقعانيَّة الوجود في التَّاريخ». هذا الفكر الشَّاقُّ والغريب في مصطلحاته المبتكرة ليس من السَّهل التَّعبير عنه، ذلك أنَّ كلَّ مصطلح عند هايدغر يحتاج إلى تفسير في إطاره كي ينجلي ويتَّضح، لأنَّ فكر هايدغر هو أشبه بشخصٍ يحفر في الصَّخر وعليه أن يكون صبورًا كي يصل إلى مبتغاه. فأوَّل ما يشعر به الدَّازَين في وجوده هو أنَّ هناك عبئًا(Last)  ثقيلًا (schwer) يربض عليه ويتحكَّم به، وأنَّ عليه أن يتحلَّى بالشَّجاعة (Mut)، ما يعني أنَّ العبء يتطلَّب روحًا جديدة، كما عبَّر عنها هايدغر في كتابه إسهامات في الفلسفة، فيشير إلى «روح الشَّجاعة كإرادة عهد (Ereignis)  عارفة - إنسجاميَّة»[7]. ويُردف الكاتب في تحليله فكر هايدغر قائلًا بأنَّ هذه الرُّوح الشُّجاعة ليست في متناول الجميع، إذ تتطلَّب إبداعًا وخَلْقًا (Schöpfung) . ومن ثمَّ، ليس من السَّهل لأيِّ أحدٍ انطلاقًا من واقعانيَّة الدَّازَين أن يأخذ على عاتقه هذا الخلق وهذا الإبداع. ولعلَّ الفيلسوف، على حدِّ قول الكاتب، هو الأقرب إلى الخوض بشجاعة في هذه البداية الجديدة. ويستعين هايدغر أيضًا بالشَّاعر هولدرلين للتَّعبير عن هذه المهمَّة من خلال الشِّعر لاحقًا، إذ يُعبِّر هذا الشَّاعر عن «إمكانيَّات الكينونة – التَّاريخانيَّة»[8] ويأخذها على عاتقه. لذا، فإنَّ «المطلوب من المفكِّر، أي الفيلسوف في فكره الحقّ، والشَّاعر أن يُقيما أساسًا، أو بشكل أدقّ، أن يسمحا لأساس مُعيَّن أن يَحصل، فَيَنْشأ ويُنشِئ»[9].

ومن ثمَّ، إنَّ مهمَّة الدَّازَين المُرمى في العالم والَّذي يُعاود خَلْقَ ذاتِه في إمكانيَّاته التَّاريخانيَّة، هي أن يتوسَّع خارج ذاته ضِمْن حدوده الجديدة المفروضة عليه. هذا التَّوسُّع للدَّازَين يُظهر أنَّ هناك تقييدًا جديدًا للواقعانيَّة عبَّر عنه فرانك درويش بمصطلحَي القلق (Angst)  والانسجامات (Stimmungen)  الأساسيَّة استنادًا إلى كتاب الكينونة والزَّمان.

  1. المنعطف: الانسجامات الأساسيَّة وتجلِّياتها في الواقعانيَّة

موضوع القلق لدى هايدغر موضوع أساسيٌّ في فكره، إذ يرتبط بالكائنات كلِّها وبفكرة العدم الَّذي هو محور مقالته الشَّهيرة «ما الميتافيزيقا؟»، وذلك لِفَهْم الكائن الموجود وارتباطه بالضَّجر العميق الَّذي يصيب الدَّازَين في «الزَّمان الَّذي يدوم» ولا يعرف التَّوقُّف. إلى جانب القلق، يتوسَّع هايدغر بمفهوم «الانسجامات الأساسيَّة» ويدعو إلى استيقاظها كي تؤدِّي دورَين أساسيَّين: «عليها أن تتابع إرساء الدَّازَين في واقعانيَّته وأن تجعلَه موضوعَ تَفكُّر»[10]. هذان الدَوْران يسمحان لنا بالدُّخول في الفكرِ «كَرَميٍ لحقيقة الوجود في الفسحة المفتوحة»[11]. وتسمح الانسجامات أيضًا بتجلِّي ثلاثة مواقف: التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة (Verhaltenheit) والتَّفكير في التَّخلِّي عن الوجود (Seinsverlassenheit)  وانتظار ما سيتبدَّى في المستقبل [12] (Zukünftigen).

إنَّ التَّشديد على هذه المصطلحات ضروريٌّ لنفهم ما يريد هايدغر، وما يُحاول فرانك دوريش أن يوصله من خلال كتابه في تحليله مصطلح الواقعانيَّة الثَّانية الَّتي هي محور هذا الكتاب.

التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة هو انسجام الدَّازَين مع نفسه لَيَفهم أنَّه مرميٌّ وأنَّه سيرمي نفسه في السَّكن الأصيل داخل الوجود. لذا، يجد الدَّازَين نفسه جاهزًا لواقعانيَّته، «أي العهد (Ereignis)  الَّذي هو الكينونة التَّاريخانيَّة»[13]. يضمن التَّحفُّظ (Verhaltenheit) للدَّازَين أن يكون مرميًّا في واقعانيَّته كواقعانيَّة حقيقيَّة تقود إلى اتِّخاذ قرارٍ نحو الوجود أو نحو عدم - الوجود.

أمَّا التَّخلِّي عن الوجود فينتمي إلى وجهَين: نسيان الوجود واضمحلال الحقيقة في آنٍ واحد. هذان الوجهان لا يُمكن تجاوزهما إلَّا من خلال فكرٍ تاريخانيٍّ مرجعه التَّحفُّظ أو كما ترجمه فرانك درويش بالانقباضيَّة.

الموقف الثَّالث الَّذي يشير إلى انتظار ما سيأتي في المستقبل هو ما سيضطلع به المفكِّرون الَّذين قرَّروا الانتساب إلى الوجود والَّذين عُهِد إليهم القيام بهذه الوظيفة والتَّأسيس الجديد انطلاقًا من الوجود التَّاريخانيِّ ضمن حقبة مغايرة تمامًا عن حقبة الميتافيزيقا الغربيَّة الَّتي بلغت ذروتها في التِّقنيَّة الحديثة، أي ما يسمح للإنسان أن يكون ما يجب أن يكون من دون النَّظر إلى الوراء والالتفاف على الكينونة من منطلقٍ مغاير عن واقعها.

بعد هذه القراءة المقتضبة لمفهوم الواقعانيَّة في بُعدها الأوَّل (الكينونة والزَّمان) والواقعيَّة في بعدها الثَّاني بعد المنعطف، تمكنَّا من الإحاطة بوضوح أكبر بواقعانيَّة الدَّازَين من خلال التَّأويل المتأخِّر له. وسوف يدعم الكاتب هذا الفهم من خلال الحِداد الَّذي أفرد له فصلَين من كتابه، إذ يُمثِّل حركة الانتقال نحو الواقعانيَّة الجديدة الَّتي هي في صُلب الفكر التَّاريخانيّ.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هايدغر، في كتابه إسهامات في الفلسفة، يحمل على المسيحيَّة ويتخلَّى عنها، تمامًا كما تخلَّى عن الرومانسيَّة والمثاليَّة. لا بل ذهب في تخلِّيه إلى أبعد من الإلحاد، إذ انتقل إلى مفهوم وثنيٍّ جديد تخلَّى من خلاله عن المفهوم الإلهيِّ المسيحيّ، واستحضر مفهومًا إلهيًّا من نوع آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحِداد.

  1. إهمال الانسجام الأساس في الدِّراسات عن هايدغر

يمضي فرانك درويش في تحليله مفهوم الواقعانيَّة الجديدة، ويتساءل لماذا أهملت الدِّراسات عن هايدغر مصطلح الانسجام الأساسيّ، في حين أنَّ مصطلحات أخرى مثل الإرايغنس Ereignis  (العهد في ترجمة درويش) والفنِّ والفضاء والإله والسَّكن قد أُفرِد لها دراسات وافية. هناك دراسات، بالطَّبع، كما يقول الكاتب، عن الانسجام (Stimmung)  وحده أو عن الأساس Grund، ولكن لا يوجد دراسة تجمع بين الاثنين. لذا، ينبري الكاتب في الفصل الثَّاني من كتابه لتوضيح هذه العلاقة.

لن أدخل في النِّقاش الَّذي أقامه فرانك درويش مع الكاتب البريطانيِّ ماثيو راتكليف Matthew Ratcliffe وسبب إهماله مصطلحَ الانسجام الأساسيّ. ما يهمُّني في سياق هذه الدِّراسة هو أنَّ هدف الكاتب من هذا الفصل هو الاهتمام بفهمٍ صحيح للانسجام الأساسيِّ، ودراسة تكوين الانسجامات - الأساسيَّة ونموِّها المرتبطة بفكر هايدغر بعد المنعطف الفكريِّ سنة 1026.

يُميِّز الكاتب دور الانسجام والأساس قبل فعلهما الَّذي يسبق البناء. الانسجام موجود كلَّ مرَّة يكون هناك مشروع تأسيسيّ، أمَّا الأساس فهو إمكان الأساس وديمومته في حركة الزَّمان والتَّعاقب الدَّائم في الوجود. يقول الكاتب في هذا الصَّدد: «لا يُعطي الانسجام أساسًا أبدًا، ولكنَّه موجود عند كلِّ تأسيس بصفته ميزته وبصمته… الخاصَّة، وهو يحفظ العلاقة الديناميكيَّة بين البدايات وأساسها المؤسِّس»[14] (34). ومن ثمَّ، لِمَ هذا التَّرابط الوثيق بين الانسجام والأساس؟

يُبيِّن فرانك درويش في الفصل عينه أنَّ هايدغر، الَّذي تأثَّر كثيرًا بفنومنولجيا إدموند هوسرل ولا سيَّما بكتاب الأبحاث المنطقيَّة، قد سعى إلى الذَّهاب أبعد من اهتمام هوسرل بالأشياء بذاتها (zu den Dingen selbst) ليَعبر من السُّؤال عن الوجود ومعناه إلى السُّؤال عن الاختلاف الأنطولوجيّ (ontologische Differenz)، وذلك من خلال كتابه «في ماهيَّة الأساس» ومحاضرته «ما الميتافيزيقا؟».

يظهر «الانسجام الأساسيُّ» في مسألة الاختلاف الأنطولوجيّ وارتباطه بمفهوم العدم (das Nichts). العدم في المعنى التَّقليديّ هو نَفْيُ كلِّ شيء وهو أيضًا اللَّاشيء أو الغياب الكلِّيّ، أمَّا هايدغر فيتناول المسألة من زاوية أوسع وأشمل، إذ يشمل الكائن الموجود بحيث يتجلَّى ذلك من خلال السَّأم (Langeweile) إلى حدِّ اللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ومن ثمّ، يكشف هذا السَّأم الوجود بكلِّيَّته. من هذا الاختبار، يبرز القلق (Agnst)  كوجدان في كتاب الكينونة والزَّمان، إذ هو اختبار وجدانيّ، أي الشُّعور الَّذي ينتاب الدَّازَين إزاء وضعه في العالم، بحيث يتراجع كلُّ شيء، ذلك أنَّ القلق هو تعبير عن غربة الدَّازَين في هذا العالم أو ما يُسمِّيه هايدغر السَّأم الأساسيَّ الَّذي هو أقوى وأعمق من الضَّجر العابر. وقد عبَّر فرانك درويش عن السَّأم بطريقة جليَّة قائلًا: «السَّأم هو مثل ضبابٍ مُسكِّن ((schweigender Nebel ينتقل من مكان إلى آخر في هاويات (Abgründen)  الدَّازَين، فيُزيل كلَّ شيء… ويضع الكلَّ في لامبالاة  مُميَّزة»[15]. ما غاية الانسجام (Stimmung) سوى تلك الوسيلة الَّتي تُسهم في دوزنة الأشياء وتناغمها. ذلك أنَّ الانسجام يقوم بدور الجمع ويضمن التَّماسك في كلِّ تحوُّلاته. الانسجام هو الَّذي يُبقي الأفق مفتوحًا ويتحكَّم بالعدم على أنواعه «واللَّاأساس الَّذي يُشكِّل ماهيَّته»، وهو، في هذا الأفق، يُقدِّم «التَّركيبات الانسجاميَّة الَّتي تُشكِّل وتُقدِّم دائمًا إمكانيَّات أساسات مختلفة، وبالتَّالي مبادئ معرفيَّة ومبادئ وجود… في العالم»[16].

وفي السِّياق عينه، يُبيِّن فرانك درويش أنَّ الانسجام يُعطي المعنى في الزَّمان، ويُسعفنا على «فهم العالم التَّاريخانيِّ الَّذي يُستحضر في كلِّ مرَّة، والَّذي نحن فيه، والعوالم الَّتي سوف تأتي لاحقًا بفضل تعالي الوجود الَّذي يُمكِّنها، من خلال أساسٍ وانسجام يضعاننا في زمانه وكلمته – أي اللُّغة في المعنى الَّذي يبني الزَّمان»[17]. لهذا السَّبب يُمكننا فهم السَّأم والقلق اللَّذين هما في صميم محاضرته «ما الميتافيزيقا؟» السَّأم يُقدِّم منعطفًا في الزَّمان، بينما يضع القلق اللُّغة في صُلْب التَّساؤل.

ما من شكٍّ في أنَّ الدَّازَين يَقِفُ حائرًا من دون كلام أمام العدم، إذ هو اختباره الأليم، ولكنَّ هذا الاختبار ليس مجرَّد فراغ، بل هو استعداد للغة جديدة من نوع آخر، واستعداد لقولٍ مختلف. هذه اللُّغة الجديدة هي الَّتي ستخفِّف من ثِقل السَّأم وهوْل القلق اللَّذين يُشكِّلان الانسجامَين - الأساس في مقاربة الكاتب، وقد تجلَّت في كتاب هايدغر رسالة في الإنسانويَّة، إذ رسم فيه توجُّهه المستقبليَّ الجديد من خلال هذه الكلمات الشَّهيرة الَّتي تُعبِّر عن فكره، ولا سيَّما بعد تحليله قصائد الشَّاعر الألمانيِّ فريدريش هولدرلين: «اللُّغة منزل الوجود»[18] (Die Sprache ist das Haus des Seiens). لذا، والحالة هذه، لم تَعُد اللُّغة وسيلة للتَّواصل بل باتت سَكَنَنا على الأرض، على حدِّ تعبير هايدغر في محاضرته سنة 1951: «نبني نسكن نفكِّر»، الأمر الَّذي يقودنا إلى نوعٍ من السُّكون «فيسيطر الأساس كإمكان لغةٍ تسمح بالسَّكن في انسجام مع الوجود»[19] .

وخلاصة القول، إنَّ الانسجامات - الأساس تفتح لنا آفاقًا واسعة لنفهم تطوُّر فكر هايدغر منذ صدور كتابه الكينونة والزَّمان حتَّى الكتابات اللَّاحقة، ذلك أنَّ هذين المصطلحين يُعبِّران عن واقع الدَّازَين وارتباطه في هذا العالم الَّذي وُجِد فيه. ولكي نذهب أبعد في قراءتنا كتاب فرانك درويش، لا بدَّ لنا من التَّوقُّف على مسألة الضَّجر أو السَّأم العميق (Tiefe Langeweile) بعمق أكثر، إذ هو «انسجام - أساس»، كما يقول صاحب هذا الكتاب في الفصل الثَّالث.

  1. الضَّجر والانسجام الأساس

يستند فرانك درويش في مقاربته مصطلح الضَّجر، في هذا الفصل، إلى دَرْسٍ ألقاه هايدغر في فصل ربيع 1929/1930 بعنوان التَّصوُّرات الأساسيَّة للميتافيزيقا: العالم – التَّناهي – الوحدة، وهو مصطلح يُشكِّل محور هذا الدَّرس. فالكلمة الألمانيَّة Langeweile، كما استخدمها هايدغر، تنطوي على معانٍ ثلاثة، ما يتطلَّب جهدًا كبيرًا لفهمها. بيد أنَّ الكاتب، بعد اطِّلاعه على معناه في اللُّغة العربيَّة، وجد أنَّ هناك ثلاثة مصطلحات يحمل كلُّ واحد منها المعنى الَّذي أراده هايدغر، وهذا ما حدا به إلى التَّشديد على غنى اللُّغة العربيَّة وقدرتها على استيعاب معنى كلمة هايدغر Langeweile، وذلك على النَّحو التَّالي: الملل، الضَّجر، السَّأم.

لن أغوص في تحليل الفصل الأوَّل من دَرْسِ هايدغر، فالكاتب لم يشرْ إلى نقد الميتافيزيقا الَّتي فقدت قدرتها على التَّكيُّف مع تحدِّيات العصر وإلى معنى الانسجامات وعلاقتها بالدَّازَين الَّتي تُعطيه مكانته وإمكانيَّاته، فهذه الانسجامات لا تأتي من اللَّامكان، بل يجب إفاقتها كي يعي الدَّازَين وجوده هنا ككائن حقيقيّ، ومن ثمَّ يدعونا إلى «إفاقة الملل/الضَّجر/السَّأم» الَّذي هو الانسجام/الأساسيُّ لكلِّ مهتمٍّ بالثَّقافة.

يُبيِّن الكاتب أنَّ هناك ثلاثة معانٍ لمصطلح الـ Langeweile في فكر هايدغر، وأنَّ هذه المعاني لا يُمكن التَّعبير عنها في اللُّغة الألمانيَّة، وأنَّ اللُّغة العربيَّة تتفرَّد بعدَّة تعابير هي خير دليلٍ على إظهار هذه المعاني.

يُعبِّر المعنى الأوَّل للكلمة الألمانيَّة عن الملل الَّذي يُصيب شخصًا ما حين ينتظر أحدًا أو قطارًا، فلا ينجح في تمرير الوقت، ذلك أنَّ الوقت يشلُّه ويرمي به في الفراغ. يمتدُّ الزَّمن ثُمَّ يضعف ثُمَّ يتردَّد، إلى حدِّ أنَّه يُصبح ثقيلًا عليه، ينظر إلى ساعة اليد من دون أن يدري ماذا يفعل. الملل هو التَّعبير الأدقُّ عن اتِّساع الزَّمان الَّذي يُفرغ كلَّ شيء، «فينجرُّ ويَجرُّنا معه»[20]، ولا شيء يُساعدنا على تمريره.

المعنى الثَّاني هو الضَّجر، أي حين يضجر الشَّخص من شيءٍ ما. فحتَّى لو أمضى هذا الشَّخص أوقاتًا ممتعة، في سهرةٍ أو في حفلة، ولكن ما إن يعود إلى بيته حتَّى ينتابه الضَّجر وكأنَّ الزَّمن قد تَسَمَّر في الحاضر، فيضجر من كلِّ شيء، لأنَّ الفراغ يملأ حياته. هذا الفراغ يتأتَّى من واقع الدَّازَين، من وجوده، فيشعر باللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ويُختزل الماضي والمستقبل في الحاضر، فينحلُّ الوقت ويتحجَّر كلُّ شيء «في الآن الحاضر».

أمَّا المعنى الثَّالث لكلمة Langeweile فهو السَّأم، أي حين يُصاب المرء به ويَنخُر أعماقه، وقد اختار الكاتب أيضًا مصطلح السَّأم العميق (tiefe Langeweile)  للتَّعبير عنه. في السَّأم «ليس هناك وقت يمتدُّ ويجرُّنا معه أو وقت يتحجَّر الآن»[21]. في السَّأم يختفي كلُّ ما نعتبره: «أنا»، «نحن»، «أنت» ويبقى اللَّاأحد من دون أيِّ تحديد، ومن دون أيِّ معنى أو قيمة. فحين نقول باللُّغة الألمانيَّة (es ist einem langweilig) تُعبِّر الـ es عن الغياب والمجهول واللَّاأحد[22]. وهذا ما يقودنا إلى القلق (Angst) الَّذي ينتاب الإنسان، إذ لا يعود يحتمل شيئًا.

بوجيز العبارة، سعى الكاتب إلى تبيان قدرة اللُّغة العربيَّة على إيجاد تعابير واضحة لمصطلحات هايدغر، على الرَّغم من غموضها وصعوبة نقلها إلى لغاتٍ أخرى.

هذا التَّحديد الدَّقيق لكلمة Langeweile أتاح لفرانك درويش أن ينتقل إلى التَّفكُّر في أمور أخرى من خلال الملل/الضَّجر/السَّأم كدليلٍ على التَّأويل، إذ من الضَّروريِّ أن تبرز هذه الكلمة في شكلٍ عمليٍّ وتطبيقيٍّ ليُبيِّن ما يبغي هايدغر من ذلك، فاختار فيلمًا سينمائيًّا يتوافق مع الـ Langrweile  لبيلَّا تار Béla Tarr عنوانه حصان تورينو.

  1. علاقة الضَّجر بالفنِّ من خلال فيلم «حصان تورينو» لبيلّا تار

الغاية من هذه المقاربة هي الفَهْم، ولكن ليس الفهم المرتبط بالمعرفة العلميَّة بل فَهْم الدَّازَين الَّذي يَفْهم نفسه وكلَّ ما يوجد حوله. وهذا ما يُسمِّيه الكاتب بـ «الدَّائرة الهرمينوطيقيَّة» الَّتي «هي دائرةُ فَهْمٍ مأخوذ في وضعيَّة ما يتأثَّر بحالة الدَّازَين»[23]. في هذا السِّياق، «الفَهْم هو تداخل مع العمل الفنِّيِّ لا يحصل بسيكولوجيًّا، من خلال أهواء ما، أو عرفانيًّا أو عقلانيًّا أو إدراكيًّا، بل من خلال الدُّخول في انسجام - أساس هو الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يحمل الدَّازَين – أي نحن أمام العمل… ويضع العمل نفسه في بعده التَّأويليّ»[24]. هذا هو أفق الفهم الَّذي يسعى إليه، إلَّا أنَّه يلجأ إلى مصطلح أرسطو الَّذي ورد في الكتاب الثَّاني من الخطابة، الـ αἴσθησις، كما فهمه هايدغر حين شرح مفهوم الانفعالات عند أرسطو. هذا المصطلح اليونانيُّ يعني ميل الإنسان إلى العالم، الـ αἴσθησις هي مصدر الأهواء والانفعالات الَّتي تُعبِّر عن كيفيَّة الوجود والفكر والظُّهور الزَّمانيّ[25]. لذا، يحتلُّ هذا المصطلح مكانةً مرموقة في كلِّ قراءة الواقعانيَّة، إذ هو في صلب الملل/الضَّجر/السَّأم. وهذا ما سيُساعد الكاتب على فهم الفيلم السِّينمائيِّ الَّذي حاول تفسيره.

يُفسِّر الكاتب هذا الفيلم من خلال أربعة مواقف للـ Langeweile: «نهاية العالم بصفتها وقتًا يمتدّ، العاديّ/اليوميّ كتعبير الضَّجر، وقتُ ضجر وتقعير الحدث»[26].

لن أتوسَّع كثيرًا في تأويل هذا الفيلم، إذ يتطلَّب قراءة متمعِّنة لكلِّ حركة منه. لذا، سأكتفي ببعض الأفكار الَّتي تُساعدنا على فهم الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يجتاح أشخاص هذا الفيلم ورؤية مؤلِّفه. تبدأ القصَّة من الحدث الَّذي حصل مع فريدريش نيتشه في تورينو حينما رأى سائق العربة يضرب حصانه كي يَتقدَّم. فانتابت الفيلسوف موجة من الشَّفقة وراح يحتضن الحصان وهو يبكي. بُعيْد هذه القصَّة بيومين، أصيب نيتشه بالخَبَل حتَّى آخر حياته. ما يهمُّنا من هذا الفيلم هو الجوُّ العامُّ الصَّامت الَّذي يُخيِّم على منزلٍ بعيدٍ عن النَّاس في منطقةٍ مُقفرة يعيش فيه أبٌ وابنته، يُمضيان أغلب وقتهما في الدَّاخل، فتتوالى اللَّقطات تدريجيًّا من دون أيِّ حوار، وتُهيمن على المكان شجرة ميتة في منعطفٍ تعصف به الرِّيح. هذا هو المشهد الوحيد للفيلم، يسوده جوٌّ لا تواصل فيه ولا كلام، إلى حدِّ أنَّ المُشاهِد يشعر بقلق شديد، إذ يتوجَّس أنً أمرًا غامضًا يلوح في الأفق وأنَّ كلَّ شيء يُشرف على النِّهاية. إنَّ غياب الحوار في الفيلم يُعبِّر عن مشهد العالم الَّذي يَرضَخ للزَّمانيَّة الَّتي تمتدُّ وتضعنا إزاء ألم يصعُب وصفه، إذ هو تعبير استطيقيٌّ عن ميْل أشخاص إلى العدم، إلى اللَّازمان الَّذي فَقَدَ معناه، وهذا ما يُسمِّيه الكاتب في سياق هايدغر بزمان الملل والضَّجر والسَّأم. ومن ثمَّ، يتحوَّل فيلم حصان تورينو إلى وسيلة لكشف «التَّناهي الإستطيقيِّ الَّذي يحصل ويُعطي نفسه كضَجَرٍ، كزمانٍ حيث الأبديَّة نفسها تَنْجَرُّ وتمتدُّ وتتزامن…»[27].

وتتجلَّى من خلال الفيلم أيضًا الحياة اليوميَّة داخل البيت، فإذا بها أسيرة التَّكرار والزَّمان الدَّائريِّ ضمن زمانيَّة لا تنتهي في الحاضر.

يَبدو لنا حتَّى الآن أنَّ وقت الملل – الضَّجر – السَّأم في حصان تورينو إنَّما يُعطينا أبعادًا ثلاثة: الضَّجر الَّذي يظهر كتلهُّفٍ لبلوغ النِّهاية، لا بل لِمَحي الزَّمانيَّة، ولكن يبقى كلُّ شيء في حركة زمانيَّة دائريَّة، تدور في حلقةٍ فارغة، بيد أنَّ الضَّجر، في سياق كوفانس الَّذي حلَّل هذا الفيلم، غيرُ مضجِر في رؤية بيلَّا تار، إذ ينطلق منه ويعودُ إليه، أي ما يُسمِّيه الكاتب تلاقي الأضداد، في ضجَر-لا ضجَر، الأمر الَّذي يُغيِّر المفهوم العاديَّ لهذه الكلمة. وخلاصة القول، الضَّجر هو أفضل أفق تأويليٍّ لحصان تورينو، إلَّا أنَّه ضجر من نوع آخر.

  1. دور الحِداد كانسجام أساسيٍّ في التَّصالح بين اللُّبنانيِّين

وفي خطِّ الانسجام الأساس، يتطرَّق الكاتب إلى انسجام آخر: الحِداد (Trauer)، ومن ثَم يُبيِّن مدى تفاعله مع الضَّجر.

في الفصل الخامس، الَّذي يحمل عنوان «الحِداد: مصدر التَّصالح مع النَّفس في صلْب لغة متجدِّدة»، ينطلق الكاتب من «اختبار الحروب الأهليَّة»، ولا سيَّما الحرب الأهليَّة في لبنان، ويسعى إلى «إيجاد بُعدٍ تصالحيّ» لأبناء الوطن في مكوِّناته المتعدِّدة والمتنافرة، ويستند إلى مفهوم هايدغيريٍّ هو الحِداد  للتَّوصُّل إلى «انسجام أساسيّ»، يقوم على عامل اللُّغة، ولا سيَّما اللُّغة العامِّيَّة، لِجمْع الشَّمْل بين مختلف مكوِّنات الوطن.

لِمَ التَّشديد على الحِداد كمرادفٍ للانسجام – الأساس الَّذي ينبغي العودة إليه للمصالحة في بلدٍ مثل لبنان وبناء مجتمع مبنيٍّ على أسسٍ ثابتة؟

في رأي فرانك درويش، الوطن الَّذي يقع ضحيَّة العراك والتَّنافر يفقد الانسجام - الأساس الَّذي هو دعامة الوحدة في هذا الوطن. فبُعيد كلِّ حرب أهليَّة، تُصبح العلاقة بين مكوِّنات الوطن هشَّة ويضعف الانتماء إليه ويندثر مفهوم الانسجام - الأساس الَّذي عبَّر عنه المعلِّم بطرس البستانيّ: «العائلة الواحدة» «أبوها الوطن وأمُّها الأرض»[28]. في هذا السِّياق، يأخذ الحِداد، كما يرى الكاتب، مكانه الصَّحيح لإعادة لُحمة أبناء الوطن، وهنا لبنان. الحِداد هو الحزن معًا وتحمُّل الألم والمعاناة معًا، كي نفهم ما حَلَّ بنا ونتخطَّى بعد ذلك هذا الواقع للدُّخول في انسجامٍ جوهريٍّ يتخلَّى عن التَّفاصيل والجزئيَّات الثَّانويَّة، ليُكِبَّ أصحاب البلد الواحد على الكينونة والجوهر للاهتمام بما هو مصيريّ. الألم، هو «ألم التَّاريخ الَّذي يجب إعادة التَّفكير فيه واستملاكه»[29]. وبما أنَّ التَّاريخ يُعبِّر عن ماهيَّة كلِّ شعب، فهو «نداء يتوجَّه إلى الأفراد وكيانهم بصفتهم شعبًا. هو نداء الحِداد انطلاقًا من أرضيَّته»[30] كي يجد الفرد أصالته. ومن ثمَّ، يأخذ الحِداد معنى إيجابيًّا ولا يُصبح حالة مرضيَّة، تُكرِّر الحزنَ وصِراعَ الماضي، بل يتحوَّل إلى شعور مع الآخر يُسهم في بناء رؤية وطنيَّة مستقبليَّة تقوم على الانسجام مع الواقع.

  1. «اللُّغة مسكن الكينونة»

ولكي يدعم فكرة الحِداد هذه، يشير فرانك درويش إلى دور اللُّغة في توطيد الأوطان مستندًا إلى قولٍ شهير لهايدغر، يقول فيه: «اللُّغة مسكن الوجود: يسكن الإنسان في مأواها»[31]. ويُردف في السِّياق عينه: «اللُّغة، بصفتها لوغوس، تُحقِّق ما يُشير إليه فِعْلُ (λέγειν) أي تُجمِّع، ثُم تَضع في كلمات – وتتكلَّم: فيها، معهود لها ومنها، يتكلَّم الإنسان فيكون صوتًا وتحادُثًا (Gespräch). يُرافق الحداد (…) مع، تحادُث يَجمَع ويُؤسِّس علاقاتٍ تُعزِّز انسجام الدَّازَين بصفته «نحن» و«أنا» في سَكَنٍ وأرضيَّةِ وطَن، وينتج من ذلك سكنٌ - مع (Mitwohnen) وسلام»[32]. ما يعني أنَّ اللُّغة تحمل في ذاتها طابعًا مقدَّسًا فتُصبح ملجأ ومسكنًا وأرضًا وموطنًا نهائيًّا يَعُمُّ فيه السَّلام للجميع.

اللُّغة الَّتي يشير إليها الكاتب في هذا الفصل هي اللَّهجة المحكيَّة، بحسب هايدغر، الَّتي تُعبِّر عن ماهيَّة الأرض، والَّتي من خلالها يُمكن بناء أساسٍ متين عليها. ذلك أنَّ اللُّغة المحكيَّة «هي لغة يجب فهمها واسترجاعها، فهي تحدِّد الشَّعب، كلَّ شعب، أنطولوجيًّا، وأهمِّيَّتها مركزيَّة إذا ما أراد أعضاؤها، متكلِّموها، أن يسكنوا بطريقة آمنة ومستديمة»[33]. ومن ثمَّ، إنَّ اللُّغة تعبير وجوديٌّ تاريخانيٌّ لكلِّ شعب، إذ هي الامتداد الأرضيُّ الَّذي يسمح للشَّعب أن يجد مسكنًا له، وتتكلَّم انطلاقًا من صلب أساس الحِداد، ومن ثمَّ تستطيع أن تصون سلامة النَّاس الَّذين يلبُّون صوتها. فلا عجب في أن تأخذ اللُّغة بُعدًا مقدَّسًا، إذ ما إن ينتفي هذا البعد حتَّى تتحوَّل اللُّغة إلى مجرَّد تواصل، وليس إلى مناجاة عميقة تُسهم في لقاء النَّاس بعضهم ببعض.

وبوجيز العبارة، نكتشف مع الكاتب أهمِّيَّة الانسجامات الأساسيَّة الَّتي تتجلَّى في مفاهيم كونيَّة وعالميَّة في الوقت عينه، تمامًا كما عبَّر عن ذلك في مقاربته الحِداد.

  1. الحِداد كانسجام أساس من خلال فنِّ الرَّسم

الفصل السَّابع من هذا الكتاب هو امتداد للفصل السَّادس، إذ يُقارِب الكاتب مفهوم الحِداد والضَّجر من خلال الفنّ، على غرار السِّينما، استنادًا إلى فنَّانين مثل بول كلي (Paul Klee) وبول سيزان (Paul Cézanne)، ويُحدِّد في بداية الفصل الغاية منه: «الزَّخم الَّذي يُعطيه الضَّجر كانسجام – أساس، وذلك عند كلٍّ من سيزان وكلي»[34]، ثمَّ ينطلق بعدها إلى زَخْم الحِداد فيُبيِّن أنَّ سيزان بَقي عالقًا في أعماق الحِداد، في حين أنَّ كْلي «قفز قفزة طويلة نحو فُسحة البهجة…»[35]. ما يدلُّ على أنَّ المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها لِفَهْم الانسجامات الأساسيَّة قد ساعدته على خلق علاقة تصاعديَّة بين الأرض والسَّماء. فالتَّعمُّق بالأرض، الَّذي هو حال بول سيزان، يُبيِّن مفهوم السَّأم في معنيَيه: العدم والكلّ، لذا، بقي هذا الفنَّان متنقِّلًا بين «العمق والسَّطح» مع تضاريسه الجسيمة الَّتي رَسَّخت تعلُّق سيزان بعالمه الأرضيّ، بقي في صلب الحِداد، بين البهجة والحزن. أمَّا كْلي فقد تبنَّى انسجام الكآبة كبعد فكريٍّ شامل، وانطلق من الأرض وانفتح بفكره وعمله على السَّماء.

  1. الانقباضيَّة في صُلب المنعطف

يُنهي الكاتب مقاربته للواقعانيَّة والانسجامات الأساسيَّة بفصلٍ يقوم على ما يُسمِّيه بـ «الانقباضيَّة: اسم انسجام لا اسم له» Verhaltenheit. هذا المصطلح هو في قلب المنعطف الَّذي سعى هايدغر من خلاله إلى إيجاد لغة جديدة تُحرِّر الدَّازَين من الفكر الميتافيزيقيّ، الَّذي هيمن على الفلسفة الغربيَّة، ومن تغرُّبه الَّذي يُخيِّم على كتاب الكينونة والزَّمان. ويُشير الكاتب، في السِّياق عينه، إلى مصطلح الإرايغنيس (Ereignis) الَّذي هو المصطلح الرَّئيس في ما يُسمَّى بفكر هايدغر الثَّاني الَّذي نجده في كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس، وهو مصطلح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالانقباضيَّة.

ماذا يعني هايدغر بالانقباضيَّة؟

الانقباضيَّة هي انسجام أساسيٌّ ينتمي إلى تفكيرٍ مختلف كلِّيًّا عمَّا قاله هايدغر سابقًا. إنَّه موقف الدَّازَين تجاه العالم والكينونة. إنَّه استعداد لتقبُّل لغة جديدة وطريقة وجود في العالم تكون في الوقت عينه انفتاح وتحفُّظ. انفتاح على فكرة الحقيقة αλήθεια الَّتي هي انكشاف الكينونة وانحجابها في حركة الزَّمان، وتحفُّظ لأنَّ الانقباضيَّة لا تكتمل في «مفهوم» أو «تصوُّر»، لأنَّها ليست مجرَّد توافق الأضداد، بل هي انتشار ينطوي على عدَّة احتمالات، إذ تبني قولًا جديدًا متعدِّدا وانسجامات متعدِّدة تُعبِّر عمَّا سيقوله الإرايغنيس (الَّذي ترجمه المؤلِّف بمصطلح العهد).

الانقباضيَّة هي موقف الدَّازَين الَّذي لم يَعد مجرَّد فِعْلٍ بسيط، بل بات استعدادًا أساسيًّا ليكون في العالم. إنَّها استعداد يكون فيه الدَّازَين في وضعيَّة الانتظار يكتشف ويختبئ في آنٍ واحد. هذا التَّصرُّف أساسيٌّ لبلوغ الحقيقة، الَّتي هي انكشاف واختباء في آنٍ واحد. ومن ثمَّ، الحقيقة ليست تطابقًا أو توافقًا كما حدَّدتها الفلسفة سابقًا، بل هي انكشاف حين يحلو لها أن تتجلَّى في الكينونة.

ومجمل القول، يُشكِّل كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس منعطفًا في فكر هايدغر. فهو ينتقل من تفكيرٍ عن الإنسان في علاقته مع الكينونة إلى تفكير الكينونة وحقيقتها في علاقتها بالإنسان. هذا التَّحوُّل مهمٌّ جدًّا لفهم تطوُّر فكر هايدغر.

خاتمة

ما من شكٍّ في أنَّ هذا الكتاب قد تطرَّق إلى عُمق فكر هايدغر من بداياته حتَّى أواخر كتاباته. هذه المحاولة القيِّمة ستُسهم كثيرًا، إلى جانب غيرها من الكتابات[36]، في مساعدة القارئ العربيِّ على فهْم مسار هايدغر الفكريِّ من كتاب الكينونة والزَّمان حتَّى إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس وغيرها من الكتابات اللَّاحقة. لقد تمكَّن فرانك درويش من تبيان المداخل الأساسيَّة للخوض في فكر هايدغر المعقَّد، ولا سيَّما تحليله للواقعانيَّة والانسجامات – الأساس. هذا الكتاب يفتح آفاقًا مهمَّة من شأنها أن تُعين الباحثين في ميادين شتَّى، مثل الفلسفة واللَّاهوت والفنِّ وعلم الاجتماع وغيرها. فالانسجامات المرتبطة بالكينونة الَّتي هي محور هذا الكتاب قد تكون حافزًا لدراسات كثيرة في العالم العربيّ، إذ ستساعد على تقييم هايدغر، لا من خلال الكينونة والزَّمان فحسب، بل من خلال أبحاثه الَّتي ترتبط بالشِّعر والفنِّ ومسألة الحقيقة الَّتي نُشِرت لاحقًا.

ولكن، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب سيكون عصيًّا على الكثيرين، نظرًا إلى أسلوبه الغامض في الكثير من الصَّفحات، لأنَّ هايدغر يُرغم الَّذي يكتُب عنه على اتِّباع نمطٍ فكريٍّ غير مألوف، فتُصبح المسألة الفكريَّة مسألة مصطلحات لا تُحصى ولا تُعدّ، إلى حدِّ أنَّ القارئ يضيع في التَّفاصيل، فيتساءل: لِمَ هذا التَّعقيد، ولماذا ينبغي لنا أن نستنبط كلمات تحتاج إلى صفحات لفهمها والإحاطة بها. لهذا السَّبب، لا بدَّ من حلقة لغويَّة بين المختصِّين بفكر هايدغر للاتِّفاق على المصطلحات العربيَّة كي لا نقع في التَّشتُّت والضَّياع.

إنَّ البحث في مسألة الكينونة والوجود والزَّمان ومصير الدَّازَين يستدعي دومًا رؤية جديدة للغوص في تعاريج الحياة، وما كتابات هايدغر سوى محاولةٍ كبرى تُقدِّم نمطًا فكريًّا مغايرًا عن الَّذين سبقوه. وهذا ما يجعل منه فيلسوفًا إبداعيًّا في نمط تفكيره ومصطلحاته ومقاربته للكينونة.

[1]       فرانك درويش، في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر - الانسجامات الأساسيَّة، بيروت: دار المشرق، 2025.

[2]       فضَّلتُ استخدام تعبير «المَرميّ» بدلًا من تعبير «المقذوف» الَّذي استخدمه فرانك درويش، إذ هو، في رأيي، يُعبِّر أكثر عن لفظة geworfen الألمانيَّة.

[3]       كما فضَّلتُ استخدام تعبير «المنعطف» بدلًا من تعبير «المنعرج»، لأنَّ التَّعبير الأوَّل بات متداولًا أكثر من الثَّاني في الأوساط الفكريَّة.

[4]       درويش، المرجع نفسه، 13.

[5]       درويش، المرجع نفسه، 14.

[6]       درويش، المرجع نفسه، 15.

[7]       درويش، المرجع نفسه، 18.

[8]       درويش، المرجع نفسه، 19.

[9]       درويش، المرجع نفسه.

[10]     درويش، المرجع نفسه، 22.

[11]     درويش، المرجع نفسه.

[12]     درويش، المرجع نفسه.

[13]     درويش، المرجع نفسه، 22.

[14]     درويش، المرجع نفسه، 34.

[15]     درويش، المرجع نفسه، 39.

[16]     درويش، المرجع نفسه، 45.

[17]     درويش، المرجع نفسه، 46.

[18]     درويش، المرجع نفسه، 47.

[19]     درويش، المرجع نفسه.

[20]     درويش، المرجع نفسه، 60.

[21]     درويش، المرجع نفسه، 62.

[22]     درويش، المرجع نفسه.

[23]     درويش، المرجع نفسه، 68.

[24]     درويش، المرجع نفسه.

[25]     درويش، المرجع نفسه، 69.

[26]     درويش، المرجع نفسه، 70.

[27]     درويش، المرجع نفسه، 71.

[28]     درويش، المرجع نفسه، 94.

[29]     درويش، المرجع نفسه، 89.

[30]     درويش، المرجع نفسه.

[31]     انظر درويش، المرجع نفسه، 93. الاقتباس هو من مقالة:   «Brief über den Humanismus», in GA, BD 9, 313.

[32]     درويش، المرجع نفسه، 93.

[33]     درويش، المرجع نفسه، 94.

[34]     درويش، المرجع نفسه، 98.

[35]     درويش، المرجع نفسه، 98.

[36]     انظر: مشير باسيل عون، الإنسان في رعاية الكينونة. هايدغر في المتناول الفلسفيِّ العربيّ، ط.1 (الفجيرة: بيت الفلسفة، 2023)، 470 صفحة. هذا الكتاب هو أيضًا إسهام كبير في نشر فلسفة هايدغر في أسلوب عربيٍّ متين، إذ يُساعد القارئ، على غرار كتاب فرانك درويش، على فهمٍ أعمق لفكر هذا الفيلسوف.

 

الدُّكتور جوزيف معلوف: حائز شهادة دكتوراه في الفلسفة من جامعة كان Caen (النورماندي)، وأستاذ الفلسفة الألمانيَّة والأخلاقيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة سابقًا. يُدرِّس الفلسفة والفلسفة الأخلاقيَّة في جامعة القدِّيس يوسف، وفي الجامعة الأنطونيَّة. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة في أخلاقيَّات الحياة والفلسفة الدِّينيَّة، منها: الأخلاق والطُّبّ، المسألة الأخلاقيَّة في العلوم الطُّبِّيَّة، محنة الفكر الدِّينيّ، مسألة الحقيقة. كما ترجَم كتاب مشروع أخلاق عالميَّة للكاتب السُّويسريِّ هانس كينغ. له ترجمات عدَّة لإمانويل كانط، أهمُّها: في التَّربية، محاضرات في التَّعليم الفلسفيِّ للدِّين . صدر له بالفرنسيَّة:

.Amin Maalouf, Itinéraire d’un humaniste éclairé, Paris: l’Harmattan, 2014

.Le désordre éthique mondial. Lecture géopolitique du Proche-Orient, Paris: l’Harmattan, 2022

josefmaalouf@hotmail.com

 

في قلب الرُّوحانيَّة ما السَّبيل إلى لقاءِ المسيحيِّين والمسلمين؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنسلم غرون، أحمد ميلاد كريمي

في قلب الرُّوحانيَّة
ما السَّبيل إلى لقاء المسيحيِّين والمسلمين؟

ط.1، 250 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025

ISBN: 978-2-7214-5688-5

لهذا الكتاب مؤلِّفان متوازيان، واحد مسيحيٌّ والثَّاني مسلم. وحين أقول إنَّهما متوازيان أقصد أنَّ أحدهما لا يكمل الآخر، ولا يحيط حتَّى بجانبٍ من الموضوع لم يطرقه الآخر، بل كلُّ واحدٍ منهما طرق الموضوع نفسه انطلاقًا من ديانته. وبالتَّالي، إذا جمعنا ما كتبه أحدهما يكون لدينا كتابٌ متكاملٌ عن ديانة الكاتب.

هناك بعض نقاط التَّلاقي بين الكاتبَين: كلُّ واحد منهما يعيش إيمانه بطريقة ميَّالة إلى التَّصوُّف، وأيضًا أنَّ الاثنين يعيشان في ألمانيا (أنسلم غرون ألمانيُّ المولد، وأحمد كريمي أفغانيٌّ يعيش في ألمانيا منذ زمن طويل)، وبالتَّالي، يستطيعان أن ينطلقا من قاعدةٍ ثقافيَّة مشتركة نحو حوار يقوم على عرض ما يُعاش أكثر من قيامه على الجدال. أمَّا بشأن الإيمان بالحوار فيظهر في النَّصِّ تفاوت على مستوى جذور الفكرة بين المسيحيَّة والإسلام.

يتناول الكتاب حوالى خمسةٍ وعشرين موضوعًا تبدأ بالخلق وتنتهي بالحياة بعد الموت، مع مقدِّمة توضيحيَّة تفسِّر ما يعنيه الحوار بين الدِّيانتَين. يتناول كلُّ كاتبٍ الموضوع من وجهة نظر إيمانه. أمَّا الموضوعات فهي مجموعات موزَّعة على الفئات الآتية:

الفئة الأولى تضع حجر أساس الحوار، فيقدِّم كلُّ طرفٍ موقفه (أو موقف دينه) من موضوعاتٍ تثير تساؤلات لدى الطَّرف الآخر.

تساؤلات المسيحيِّين عن الإسلام الَّتي يوضِّحها أحمد كريمي هي: مَن يمثِّل الإسلام الحقيقيّ؟ ما هي صورة ﷲ عند الإسلام؟ كيف يفهم الإسلام الوحي؟ وعلاقة الدِّين والدَّولة في الإسلام.

أمَّا تساؤلات المسلمين عن المسيحيِّين الَّتي يوضِّحها أنسلم غرون فهي: جدليَّة العلاقة بين الحقيقة المسيحيَّة والمسيحيَّة الحقَّة، مسألة الثَّالوث، مسألة التَّجسُّد، مسألة الصَّلب لأجل الخلاص، علاقة المسيحيَّة بالمجتمع، وتاريخ المسيحيَّة الدَّمويّ.

في الفئة الثَّانية، يعود الكاتبان لتناول الموضوعات السَّابقة بتفاصيل أكثر، ويضيفون إليها موضوعات أخرى. وهنا يتكلَّم الاثنان على مفهوم ديانة كلٍّ منهما للخلق، ﷲ، والعلاقة بالنُّصوص المقدَّسة، ومكانة يسوع عند الإسلام وموقف المسيحيَّة من محمَّد، لينهيا المجموعة بالكلام على موقف المسيحيَّة أو الإسلام من المرأة.

الفئة الثَّالثة تتناول الممارسات الدِّينيَّة: الجهاد الرُّوحيّ، الصَّلاة، بيوت العبادة، الحجّ، الصَّوم، أفعال الرَّحمة، المحبَّة، التَّسامح، ثمَّ الموضوع الحرج: التَّبشير والهداية.

الفئة الرَّابعة قصيرة، وهي مجتمعيَّة: علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الرَّجل بالمرأة.

في النِّهاية، وبعد المرور ببعض الموضوعات الرُّوحيَّة كالحياة الرُّوحيَّة والزُّهد، تأتي المسائل المصيريَّة: الألم، والموت، والمصير بعد الموت.

الطَّرائق الَّتي يعالِج بها الكاتبان الموضوعات شديدة الاختلاف. فعلى مستوى الشَّرعيَّة، يستند أنسلم غرون إلى أسس عقائديَّة حدَّدتها الكنيسة، في حين يبقى أحمد كريمي على مستوى المفهوم النَّظريِّ والرُّؤية الصُّوفيَّة غير المؤسَّساتيَّة. على مستوى المعالجة، يبدو كلام أحمد كريمي أكثر واقعيَّةً من كلام أنسلم غرون.

هذا يعني أنَّ الكتاب يعكس واقعًا ملموسًا يُبرز التَّفاوت على مستوى الحوار المسيحيِّ الإسلاميّ. فهناك طرف يريد الحوار ويرغبه ويدعو إليه، وهو الطَّرف المسيحيُّ الكاثوليكيّ، وطرف آخر لا يمانع ويلبِّي الدَّعوة، وهو الطَّرف الإسلاميّ. طرف يمثِّل جماعة، وطرف يمثِّل نفسه ويدعو جماعته لتبنِّي ما يمثِّله. الطَّرف الأوَّل مدعوم من مواقف مؤسَّسته الدِّينيَّة في حين أنَّ الطَّرف الآخر يسعى كي تتَّخذ مؤسَّسته الدِّينيَّة هذا الموقف وتدعمه.

برأيي، هذا الفارق في موقع كلٍّ من المتكلِّمَين، والأسس الَّتي يقف عليها كلٌّ منهما، هو ما يعطي الكتاب فرادته. توازٍ صرف يمكننا أن نستشفَّ منه تقاطعاتٍ واعدة، لا مجاملة فيه ولا محاباة ولا هجوم. كتاب يسلِّط الضَّوء على ما نرجو ذاتَ يوم أن يكون أساس نقاط تفاهمٍ واتِّفاق.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

shallak@jespro.org

حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى (تبيكون إفرجتينوس)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كير جوزيف جبارة

حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى
(تبيكون إفرجتينوس)

ط.1، 140 ص. بيروت: دار المشرق. 2025
ISBN: 978-2-7214-5690-8

«ما إن نقرأ عنوان الكتاب الفرعيَّ حتَّى يتبادر إلى أذهاننا السُّؤال الآتي: ما هو «التبيكون»؟

التبيكون كلمة يونانيَّة Typicon (Τυπικόν) تعني «النَّموذج» أو «القاعدة» أو «ما هو محدَّد». وهو كتاب طقسيٌّ يُستخدَم في الكنيسة الأرثوذكسيَّة والكنائس الكاثوليكيَّة الشَّرقيَّة. يحتوي التبيكون على تعليمات مفصَّلة تنظِّم الاحتفالات بالقدَّاس الإلهيِّ (اللِّيتورجيا) والصَّلوات اليوميَّة (السَّواعي)، والأعياد الكنسيَّة بحسب التَّقويم، والرُّتَب الرَّهبانيَّة. وهو يُستخدَم كدليل للكهنة، والرُّهبان، والمرنِّمين، ويحدِّد ما يجب القيام به في كلِّ يوم من أيَّام السَّنة الطَّقسيَّة.

من هنا، استهلَّ المؤلِّف كير جوزيف جبارة الكتاب، الَّذي يتناول بمجمله «تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس)، بتوطئة توضح السَّبب الَّذي جعل الكنائس الشَّرقيَّة تستخدم مثل هذا الدَّليل الرَّسميّ التَّنظيميّ لحياتها الكنسيَّة وجاء فيها:

«منذ القرن الرَّابع، انتشرت الحياة الرَّهبانيَّة في مختلف أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بطريقة عفويَّة. ولم يكن ثمَّة قانون يضبطها أو ينظِّمها. وكان المؤسِّسون الأوائل يتمتَّعون بحرِّيَّة في تسيير الأمور الرُّوحيَّة لأديارهم وتدبير شؤون رهبانهم المادِّيَّة… ثمَّ جاءت المجامع فعملت على قوننة الحياة وضبطها منعًا للشَّطط والانحرافات.» (ص. 5)

يُعتَبَر تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس) «من بين أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية إلى هذه الأيَّام. وضعه الرَّاهب تيموتاوس في منتصف القرن الحادي عشر، وقد أثَّر في الكثير من التبيكونات الَّتي وُضعَت من بعده، بحيث يعتبر بعضهم أنَّه أحدث إصلاحًا رهبانيًّا في الأديرة البيزنطيَّة إبَّان القرون الوسطى.» (راجع غلاف الكتاب)

جاءت المقدِّمة العامَّة تحت عنوان «تبيكون دير والدة الإله المحسنة وتأثيره في قوانين أديار أخرى»، وهي تتناول بولس المؤسِّسَ الأوَّل لدير والدة الإله المحسنة ومؤلَّفاته، وتيموتاوس المؤسِّس الثَّاني وصاحب التبيكون الرَّهبانيّ. يتوقَّف المؤلِّف عند حركة الإصلاح الَّتي ولَّدها هذا القانون، ودور تبيكون السَّيِّدة المحسنة في حركة الإصلاح الرَّهبانيِّ والأديرة الَّتي تأثَّرت به، وتمَّ عرض النُّقاط الأساسيَّة الَّتي جسَّدته والمواضيع الَّتي طالها هذا الإصلاح وهي:

«الاستقلاليَّة المطلقة للأديار وسيادتها الذَّاتيَّة»، و«طريقة انتخاب الإيغومانس»، و«منع التَّصرُّف بممتلكات الدَّير المنقولة وغير المنقولة»، و«الدِّفاع عن حياة الشَّركة»، و«النَّزاهة في الإدارة الماليَّة»، و«رفض البائنة والتَّقادم لدخول الدَّير…» (ص. 36-40).

ترجمة نصِّ التبيكون مصحوبة بالحواشي الَّتي «تسمح للقارئ أن يتعمَّق بالموضوع ويكوِّن عنه فكرة علميَّة.» (غلاف الكتاب).

يُستهَلُّ القسم الَّذي يعرض قانون رهبان دير والدة الإله الكلِّيَّة القداسة المحسنة، كما نقله الأب تيموثاوس والَّذي يحتوي على 43 بندًا، بمقدِّمة يرد فيها أنَّه يوضِّح فيها للرُّهبان «كتابة مضمون فرضهم القانونيّ ومتى وكيف يجب عليهم عيشه. وأن نترك ذلك قاعدة ونموذجًا ليس لكم وحدكم، بل لمن سيأتي بعدكم. كما أنَّه من الضَّروريِّ أن نبيِّن كلَّ ما له علاقة بنظام حياتكم بكامله، سواء الرُّوحيَّة أو الجسديَّة، لكي تتمكَّنوا، بمعونة ﷲ، من الرُّجوع إليه لتنظيم سيرتكم وتوجيهها بدون انحراف، حتَّى لا تحيدوا عن الهدف المرسوم…» (ص.42).

ويُختتم عرض هذا القانون، في البند الـ 43 بتوصية أن «يُقرأ التبيكون في مطلع كلِّ شهر لكي يتذكَّر الرُّهبان وصايا الأب تيموثاوس ويستفيدوا منها روحيًّا…» (ص. 131).

باختصار، تكمن أهمِّيَّة الكتاب في أنَّه تناول أحد أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية حتَّى اليوم وأكثرها تأثيرًا في القوانين الَّتي تبعته. فالقانون يتناول الأصول التَّاريخيَّة لدير والدة الإله المحسنة، وحركة الإصلاح الَّتي نتجت عن هذا القانون والَّتي تحثّ، من خلال مطالعته، على اتِّباع نهج الإصلاح في الحياة الرَّهبانيَّة في كلِّ زمان ومكان، فالإصلاح امتداد للأصول المترسِّخة في تاريخ تأسيس الدَّير وحركةٍ تأثَّرت بها باقي الأديرة.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. أستاذة محاضِرة في معهد الآداب الشَّرقيّة في الجامعة، ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيَّة فيها. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جانيت جرجس رزق

المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)
ط.1، 468 ص.، بيروت: دار المشرق،
2025 ISBN: 978-2-7214-8197-9

 

يوضح الأب سليم دكَّاش اليسوعيُّ، في تقديمه كتاب المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)، هويَّة هذا الحراك النَّهضويِّ بقوله: «فالمطابع لم تكن مجرَّد وسائل تقنيَّة لطباعة الكتب، بل كانت أدوات إستراتيجيَّة لنشر الوعي، وتعزيز الهويَّة الثَّقافيَّة، وتكريس اللُّغة العربيَّة كأداة للفكر واللَّاهوت والمعرفة الحديثة» (ص.5). لقد أسقط الغلاف الخارجيُّ العنوان الفرعيَّ في الصَّفحة الأولى الدَّاخليَّة الَّذي يشير إلى هدف الكتاب، وهو شرح يطرح إشكاليَّةً، من خلال هذا العنوان، ملخَّصةً بعبارة: «دورهم (المسيحيُّون) في نشر الثَّقافة الدِّينيَّة وتعزيز اللُّغة العربيَّة»، وقد تختصر هذه العبارة مضمون كتاب جانيت جرجس رزق، مع التَّنويه إلى ضرورة وجود فهرس الأعلام تسهيلًا للمراجعة.

جاء الكتاب في أربعة أبواب: بيروت ومسيحيُّوها، علاقة الطِّباعة بالنَّهضة العربيَّة الحديثة، مطابع المسيحيِّين في بيروت ودورها النَّهضويّ، نشر الثَّقافة وتعزيز اللُّغة العربيَّة. هو «بحث موسوعيٌّ يؤرِّخ ويعرِّف بالَّذين نشطوا في الطِّباعة ببيروت في ظلِّ القوانين العثمانيَّة، حيث كشف البحث عن وجود نحو ستِّين مطبعة في بيروت، منها سبع مطابع إسلاميَّة» (غلاف الكتاب الخلفيُّ). من الواضح من مسرى معلومات الكتاب أنَّ قدوم المطابع إلى لبنان جاء لأهداف دينيَّة لطباعة الكتب الدِّينيَّة، وتيسير أمور البشارة، وتوسيع مدارك الفهم اللَّاهوتيِّ إبَّان تحرُّك الحركة البروتستانتيَّة باتِّجاه الشَّرق، ومبادرة الأرثوذكس للتَّصدِّي لمروحة حراك البعثات الكاثوليكيَّة، كما في إنشائهم «الجمعيَّة السُّوريَّة الأرثوذكسيَّة، وأخذوا يجتمعون بالقرب من كنيستهم في بيروت ويخطبون في مواضيع دينيَّة ضدَّ البروتستانت، ثمَّ طبعوا ما أهملوه من الكتب المقدَّسة» (ص. 17). من هنا قول الكاتبة «إنَّ الدَّوافع الدَّفينة الكامنة وراء الطِّباعة والنَّشر هي الدِّفاع عن الهويَّة المسيحيَّة الشَّرقيَّة، والحفاظ على معتقداتها ولغتها العربيَّة، والمقصود النَّشر باللُّغة العربيَّة» (ص. 12).

لعلَّ إرهاصات هذا الحراك المطبعيِّ بدأت مع «تمكُّن فرنسا من خرق نظام الحكم العثمانيِّ عندما نالت في القرن السَّادس عشر امتيازًا بموجب بلاغ سلطانيٍّ من الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، إذ أبرمت الحكومة الفرنسيَّة معاهدة مع الدَّولة العثمانيَّة تسمح لها بحماية جميع الكاثوليك في السَّلطنة العثمانيَّة من لاتين وموارنة وكاثوليك شرقيِّين» (ص. 26)، وأعلنت موسكو سنة 1774 نفسها حامية لمسيحيّي الإمبراطوريَّة العثمانيَّة الأرثوذكس» (ص. 27)، إلى زمن وصول محمَّد علي لحكم مصر، إذ «دخل المسيحيُّون العرب عهدًا جديدًا، عندما ألغى القوانين التَّمييزيَّة بينهم وبين المسلمين ووهبهم حرِّيَّة المجاهرة بممارسة شعائرهم الدِّينيَّة، وامتدَّت سياسة التَّسامح إلى عهد ابنه إبراهيم» (ص. 229)، وبدأت تباشير التَّعليم في العام 1834 مع نقل مطبعة البعثة التَّبشيريَّة الأميركيَّة من مالطا إلى بيروت، وانتشار حركة التَّعليم عبر كتاتيب صغيرة تُدرَّس فيها مبادئ القراءة والكتابة والحساب(…) «وكانت كلُّ طائفة تمتلك مدرسة خاصَّة بها» (ص. 30)، وتمخَّضت أحداث القرنَين الماضيَين عن إعلان الفرنسيِّين «سنة 1920 لبنان كيانًا مستقلًّا عن بلاد الشَّام، وأطلقوا عليه اسم دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت. أخذ المسيحيُّون خيار الاستقلال، لا كرهًا بالمسلمين ولا تشفِّيًا بسقوط الدَّولة العثمانيَّة، ولا انتقامًا لما عانوه عبر تاريخهم، ولا عداء للعروبة، بل ضمانًا لمستقبلهم» (ص. 41).

وتأريخًا للمطابع تذكر الكاتبة أنَّه في «سنة 1751 أسَّس الأرثوذكس أوَّلًا مطبعة في بيروت لمنافسة مطبعة الشّوير للرُّوم الكاثوليك الَّذين انشقُّوا عنهم وافتتحوا أوَّلًا مدرسة لهم في بيروت عام 1836» (ص.46)، كما «أنشأ الرُّهبان الباسيليُّون في دير المخلِّص للرُّوم الكاثوليك ببيروت، المطبعة المخلِّصيَّة عام 1865».
(ص. 49)، كذلك «مطبعة البروتستانت في «برج بيرد» في بيروت عام 1844» (ص. 79)، لذا فإنَّ «النَّشاط المسيحيَّ في بيروت بين 1850 و1920 كان ورشة عمل كبيرة ومستحدثة، (….) استعانت كلُّ جماعة بمترجمين ومعلِّمين وأنشأت مطبعة وصحفًا ومنشورات، لبثِّ أفكارها والدِّفاع عن عقيدتها» (ص. 88).

لقد بيَّن الكتاب اختلاف وجهات نظر المؤرِّخين في تحديد نقطة الانطلاق للنَّهضة في الشَّرق، بينما يرى كثيرون منهم أنَّها بدأت مع حملة نابليون على مصر يُعيد بعضهم، كما مع «هاملتون جب»، تباشير النَّهضة بوجه خاصٍّ إلى الأدباء ومؤرِّخي الأدب، في منتصف القرن التَّاسع عشر، الَّذين استخدموا هذه الكلمة (ص. 98)، موضحًا أنَّ تأسيس المطابع كان من أركان النَّهضة مع صدور أوَّل صحيفة في لبنان عام 1858 (ص.101)، مع خلاصة تفيد أنَّ النَّهضة العربيَّة رافقت حركة النَّهضة الدِّينيَّة بسبب تنشيط حركة التَّأليف والتَّرجمة والنَّشر، «ولنشر الكتب كانت الحاجة ماسَّة إلى مطابع عربيَّة» (ص.113). من هنا خصَّص الكتاب فصلًا دقيقًا عن المطابع: قزحيَّا الأولى (1610)، قزحيَّا الثَّانية (1782)، حلب، (1706)، الشّوير، (1733)، القدِّيس جاورجيوس 1751، الأميركيَّة (1834)، والكاثوليكيَّة 1874، وغيرها، «والسَّبب أنَّ المرسلين «في سوريا من كاثوليك وبروتستانت أرادوا نشر عقيدتهم باللُّغة العربيَّة لأنَّها اللُّغة الجامعة» (ص. 121). إنَّ انتشار المطابع دفع السُّلطة العثمانيَّة إلى إصدار «أوَّل نظام للمطابع في 15 أيَّار عام 1855»، ثمَّ نظام المطبوعات عام 1865 (ص. 125)، «وعلى الرَّغم من سياسة القمع لجمعيَّة الاتِّحاد التُّركيَّة عام 1885، وانتقال الكُتَّاب إلى مصر، عادت آفاق الحرِّيَّة مع ثورة تركيا الفتاة عام 1908 فافتتحت مطابع جديدة في كلٍّ من بيروت ومناطق الجبل» (ص. 131).

تقمِّش الباحثة في الفصل الثَّالث كوكبة من العاملين في المطابع: خليل الخوري (السُّوريَّة)، يوسف الشَّلفون (العموميَّة) و(الكلِّيَّة) خليل سركيس وبطرس البستانيّ (المعارف)، إبراهيم النَّجَّار( الشَّرقيَّة)، جرجس شاهين وجرجس الغرزوزيّ (الوطنيَّة)، أمين وخليل الخوري (الآداب)، عبد القادر قبَّاني (جمعيَّة الفنون)، رشيد الدَّنا (بيروت)، وغيرهم، مؤكِّدة استعانة «المسيحيِّين، كما المسلمين، بمحرِّرين ومصحِّحين ينتمون إلى طوائف مختلفة» (ص. 331)، يجمعهم هدفٌ واحد هو «التَّأكُّد من مدى مساهمة منشورات مطابع بيروت في نهضة اللُّغة العربيَّة الَّتي طالت مختلف الميادين والمواضيع، وأحرزت نهضة أدبيَّة وثقافيَّة وأدبيَّة وعلميَّة» (ص. 339).

أمام هذه الموجة من الطِّباعة تحرَّكت السُّلطات الكنسيَّة لتنظيم ما يمكن طبعه وتداوله، وبُحِث الموضوع في المجمع اللُّبنانيّ عام 1736، فرأى «ضرورة عدم نشر أيِّ شيء إن لم يحصل على إذن خطِّيٍ من الرُّؤساء المحلِّيِّين الَّذين يعود إليهم أن لا يتساهلوا في مسِّ الطَّقس المارونيِّ بشيء» (ص. 350). من هنا وضعت الكاتبة فصلًا عن مواضيع الثَّقافة الدِّينيَّة الَّتي اهتمَّت بنشرها المطابع، ومن أهمِّها طبعات الكتاب المقدَّس، نسخة المطبعة الأميركيَّة عام 1867، ونسخة المطبعة الكاثوليكيَّة، إلى جانب كتب تعاليم الكنيسة والمواضيع اللَّاهوتيَّة (ص. 364)، والمواضيع الأدبيَّة والعلميَّة (ص. 373) من كتبٍ للتَّدريس وللقواعد والقواميس.

تخلص الباحثة من زمن المطابع باللُّغة العربيَّة إلى زمن «تراجع نوعيَّة الكتابة باللُّغة العربيَّة من جرَّاء وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، وحيث طغت ثقافة إعلاميَّة جديدة لا وزن للُّغة الصَّحيحة فيها، إذ إنَّ الأحرف اللَّاتينيَّة تطغى في التَّعبير الَّذي يستعمله الشَّباب في وسائل التَّواصل الاجتماعيّ (…) وهذا ما انتبهت إليه توصيات البابا يوحنَّا بولس الثَّاني في الإرشاد الرَّسوليّ «رجاء جديد للبنان» لدعم الحفاظ على الثَّقافة واللُّغة العربيَّة، إذ دعا البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيَّار 1997 إلى انفتاحات الحوار مع العالم العربيِّ وانخراط المسيحيِّين في الثَّقافة العربيَّة والتَّضامن مع قضايا العالم العربيّ» (ص. 439).

هذا كتاب يؤرِّخ لحركة مطابع المسيحيِّين في بيروت (1850-1920)، ولكنّه يذكِّر بالطَّبع الأصيل للعاملين فيها، طبعًا وترجمة ومسلكًا رائدًا في مجال التَّعليم والنَّشر وصيانة اللُّغة العربيَّة حفاظًا عليها ودعمًا لحضورها، وَرَقًا وبشرًا.

الدُّكتور جان عبدﷲ توما: حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللُّبنانيَّة، وسيِّدة اللّويزة، والبلمند. يشغل حاليًّا منصب رئيس قسم اللُّغة العربيَّة في جامعة الجنان. له خمسة وعشرون كتابًا في فنون الأدب والشِّعر والرِّواية والتَّاريخ والدِّراسات التَّربويَّة وتحقيق المخطوطات.

 Dr.jeantouma@gmail.com

i

مقالات هذا العدد

أمُّ الشَّعب المؤمن وثيقة فاتيكانيَّة جريئة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

التَّقوى المريميَّة صفة شائعة في الكنائس الرَّسوليَّة شرقًا وغربًا، وحجر عثرة أمام الكنائس البروتستانتيَّة الإصلاحيَّة. تطرح هذه التَّقوى تساؤلات عدَّة في سلامة العقيدة خصوصًا في ما يتعلَّق بالألقاب الَّتي تُنادي بها مريم العذراء. وقد كُتِبَت في هذا الموضوع آلاف الصَّفحات، بعضها مؤيِّد وبعضها معارض. وفي آخر الأمر صدرت وثيقة فاتيكانيَّة عن هذا الموضوع تضع فيه حدودًا للألقاب المريميَّة، وتفتح في الآن نفسه آفاقًا للاهوتٍ مريميٍّ مستقبليّ.

في هذا المقال سوف أقدِّم هذه الوثيقة، وأحلِّلها، وأشير إلى نقاط الجدل الَّتي تتناولها، والموقف الكاثوليكيَّ الرَّسميَّ من هذا الجدل.

كلمات مفتاحيَّة: شريكة في الفداء – وساطة – أمومة – شفاعة – أمُّ جميع النِّعم – مصدر وحيد – معاون.

Mater Populi fidelis
Un document audacieux du Vatican,

par P. Sami Hallak s.j.

La dévotion mariale est une caractéristique commune aux Églises apostoliques, en Orient comme en Occident. Elle est aussi un point d’achoppement pour les Églises protestantes réformées. Cette dévotion soulève plusieurs questions quant à la solidité de la doctrine, notamment concernant les titres donnés à la Vierge Marie. Des milliers de pages ont été écrites sur ce sujet, certaines le soutenant, d’autres le contestant. Finalement, un document du Vatican a été publié à ce sujet, fixant des limites aux titres mariaux et ouvrant simultanément la voie à une future théologie mariale.

Dans cet article, je présenterai ce document, l’analyserai, soulignerai les points de controverse qu’il aborde et discuterai de la position officielle de l’Église catholique sur ce débat.

Mots-clés : Co-Rédemptrice ‒ Médiation ‒ Maternité ‒ Intercession ‒ Mère de toutes les grâces ‒ Source unique ‒ Collaboratrice.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: كاتب وباحث، مدرِّس في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

shallak@jespro.org

قراءة في وثيقة «القديمة والجديدة» بين الذَّكاء الاصطناعيِّ والذَّكاء البشريّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم المقالة قراءة نقديَّة للوثيقة «Antiqua et Nova» أو بالعربيَّة «القديمة والجديدة» الصَّادرة عن دائرتَي العقيدة والإيمان، والتَّعليم والثَّقافة، الَّتي تتناول العلاقة بين الذَّكاء الاصطناعيّ، والذَّكاء البشريِّ من منظور لاهوتيٍّ وأخلاقيّ. تؤكِّد الوثيقة أنَّ الذَّكاء البشريَّ يتجاوز القدرات الحسابيَّة إلى أبعاد علائقيَّة، وأخلاقيَّة، وروحيَّة، لا يمكن الذَّكاء الاصطناعيَّ أن يحاكيها. كما تشدِّد على ضرورة توجيه التّكنولوجيا لخدمة الكرامة الإنسانيَّة، والخير العامّ، وترفض اختزال الإنسان إلى مجرَّد كفاءة أو بيانات. تدعو الوثيقة إلى «حكمة القلب» لتقييم الذَّكاء الاصطناعيّ، وتطبيقاته في مجالات متعدِّدة كالصِّحة، والتَّعليم، والاقتصاد، والحرب. كما تحذِّر من مخاطر التَّزييف، والمراقبة، والتَّفاوت الاجتماعيّ، مؤكِّدة أهمِّيَّة الرَّقابة الأخلاقيَّة والإنسانيَّة. تسعى الوثيقة إلى إقامة «تحالف جديد» بين الحكمة القديمة (اللَّاهوت والتَّقاليد)، والجديدة (الذَّكاء الاصطناعيّ) لحماية الإنسانيَّة في زمن التَّحوُّل الرَّقميّ.

كلمات مفتاحيَّة: الذَّكاء الاصطناعيّ – الذَّكاء البشريّ – الكرامة الإنسانيَّة – الأخلاقيَّات الرقميَّة – الفاتيكان – القديمة والجديدة.

Lecture du document « Antiqua et Nova »
entre intelligence artificielle et intelligence humaine,

par P. Tony Homsy s.j.

Cet article propose une lecture critique du document «Antiqua et Nova» (en français «L’ancien et le nouveau») publié par les départements de la doctrine et de la foi, et de l’éducation et de la culture, qui traite de la relation entre l’intelligence artificielle et l’intelligence humaine d’un point de vue théologique et éthique. Le document affirme que l’intelligence humaine dépasse les capacités calculatoires pour atteindre des dimensions relationnelles, éthiques et spirituelles que l’intelligence artificielle ne peut imiter. Il souligne également la nécessité d’orienter la technologie au service de la dignité humaine et du bien commun, et refuse de réduire l’être humain à une simple efficacité ou à des données. Le document appelle à la «sagesse du cœur» pour évaluer l’intelligence artificielle et ses applications dans divers domaines tels que la santé, l’éducation, l’économie et la guerre. Il met également en garde contre les risques de falsification, de surveillance et d’inégalités sociales, soulignant l’importance du contrôle éthique et humain. Le document vise à établir une «nouvelle alliance» entre la sagesse ancienne (théologie et traditions) et la nouvelle (intelligence artificielle) afin de protéger l’humanité à l’ère de la transformation numérique.

Mots clés : intelligence artificielle ‒ intelligence humaine ‒ dignité humaine ‒ éthique numérique ‒ Vatican ‒ Antiqua et Nova.

الأب طوني حمصي اليسوعيّ: مدير التَّواصل الرَّقميِّ للرَّهبانيَّة اليسوعيَّة في الشَّرق الأدنى والمغرب العربيّ، وفي دار المشرق. مشرف على النَّسخة الرَّقميَّة للكتاب المقدَّس باللُّغة العربيَّة في ترجمته الكاثوليكيَّة. حائز شهادة ماجستير في اللَّاهوت الكتابيّ – كلِّيَّة اللَّاهوت اليسوعيَّة – باريس، ودبلوم جامعيٍّ في الصَّحافة الرَّقميَّة، جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له العديد من التَّرجمات الصَّادرة عن دار المشرق.

tony.homsy@jesuits.net

 

عودة الدِّين في الزَّمن العلمانيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تعالج هذه المقالة إشكاليَّة عودة الدِّين في زمنٍ يُوصَف بأنَّه «علمانيّ»، حيث وقع «نزعُ السِّحر عن العالم»، ولا مكان فيه للميثولوجيا والخرافات والماورائيَّات «المُفارِقة» أو المتعالية»، وغيرها من الظَّواهر والمظاهر الَّتي عادةً ما تُضاف إلى الدِّين. والواقع أنَّ هذه الإشكاليَّة تستقي مشروعيَّتها من راهنيَّتها أو مُعاصرَتها، باعتبار أنَّ عالمنا المعاصر يشهد اليوم استعلاءً أو استعلانًا دينيًّا، لا مندوحة لنُكرانه، يجد تعبيرَه في ازدياد الطَّلب على الدِّين، كما في صعود نجمِ الصَّحويَّات الدِّينيَّة في كثيرٍ من الدِّيانات، ولا سيَّما الإبراهيميَّة منها.

وتُمثِّل هذه المقالة، الَّتي تتوسَّل منهجيَّة التَّحليل المقارن في القراءة النَّقديّة الفلسفيَّة – السُّوسيولوجيَّة الَّتي تعتمدها، دعوةً إلى الإقرار بعودة الدِّين – بغضِّ النَّظر عن مَدَيات تلك العودة أو تمظهُراتها – وذلك في إطار إحداث مصالحةٍ واعية بين الدِّين والعلمانيَّة بعيدًا عن الرَّاديكاليَّات المُنادية بالقطيعة بينهما من كِلا الطَّرفَين: عُداة الدِّين من غُلاة العلمانيِّين، ودُعاته من متطرِّفي رجال الدِّين، في آن.

كلمات مفتاحيَّة: الدِّين – العلمانيَّة – عودة الدِّين – العولمة – الحداثة.

Le retour de la religion à l’ère de la laïcité,

Par Dr. Barraq Zakaria

Cet article aborde la problématique du retour de la religion à une époque qualifiée de «laïque», où le monde a été «désenchanté» et où la mythologie, les superstitions, la métaphysique «paradoxale» ou «transcendante» et autres phénomènes et manifestations habituellement attribués à la religion n’ont plus leur place. En réalité, cette problématique tire sa légitimité de sa pertinence ou de sa contemporanéité, car notre monde contemporain est témoin d’une suprématie ou d’une déclaration religieuse incontournable qui s’exprime par une demande croissante de religion, ainsi que par la montée des réveils religieux dans de nombreuses religions, notamment abrahamiques. Cet article, qui s’appuie sur la méthodologie de l’analyse comparative dans sa lecture philosophico-sociologique critique, constitue un appel à reconnaître le retour de la religion, quel que soit son contexte. Quelle que soit l’ampleur ou les manifestations de ce retour, celui-ci doit se faire dans le cadre d’une réconciliation consciente entre religion et laïcité, loin du radicalisme qui appelle à une rupture entre elles de part et d’autre: les ennemis de la religion parmi les laïcs extrémistes, et ses défenseurs parmi les religieux extrémistes en même temps.

Mots-clés : Religion – Laïcité – Le retour de la religion – Mondialisation – Modernité

الدُّكتور برَّاق زكريَّا: دكتوراه في الفلسفة العربيَّة والإسلاميَّة – جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. يعمل باحثًا ومحرِّرًا أكاديميًّا في المعهد الألمانيِّ للأبحاث الشَّرقيَّة في بيروت. من منشوراته: الدَّولة والشَّريعة في الفكر العربيِّ الإسلاميِّ المعاصر (بيروت، 2013)، إضافة إلى جملةٍ من الأوراق البحثيَّة.

zakaria@orient-institut.org

جودة التَّعليم- التَّربية والاقتصاد وحال العالم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تفرض التَّربية نفسها أساسًا مهمًّا من أسس التَّقدُّم الحضاريِّ البشريِّ باعتبارها جزءًا رئيسًا من عمليَّة دمج الكائن البشريِّ الجديد، أي الطِّفل، في الجماعة الإنسانيَّة انطلاقًا من العائلة، والمحيط العائليِّ الأوسع، ومجتمع الرَّوضة، فالمدرسة، وتدرُّجًا نحو المجتمع العالميِّ.

يساهم التَّعليم في صياغة حجم المجتمعات المختلفة وشكلها ودرجة استقرارها. ويؤدِّي دوره في بؤسها أو رَفاهها. ولا يخفى تأثيره في تشكيل قِيَمها، ولا في إطالة عمرها أو اندثارها. وقد يصحُّ على مستوى البشريَّة برمَّتها ما يصحُّ على صعيد المجتمعات الأصغر.

يبحث الوالدان عن أفضل مدرسة للطِّفل وعن التَّعليم الجيِّد، وتدخل في الاختيار عوامل كثيرة تبدأ بالمعلِّمات والمعلِّمين، وتمرُّ بالمناهج ولا تغيب عنها لغة التَّعليم، ولا الاعتبارات الدِّينيِّة (أو اللَّادينيَّة) وقد يكون مجرَّدُ قرب المسافة بين المدرسة والبيت عاملًا حاسمًا. لكنَّ التَّعليم الجيِّد يبقى سؤالًا مطروحًا حتَّى بين المختصِّين في التَّربية والتَّعليم.

ذاع استخدام تعبير «جودة التَّعليم» Qualité de l’éducation منذ أواخر القرن العشرين، ومع أنَّ كلمة تعليم ليست التَّرجمة الأدقَّ لـ éducation، إلَّا أنَّ التَّعبير العربيَّ «جودة التَّعليم» قد يعكس بشكل أفضل التَّوجُّه السَّائد في «قطاع التَّربية والتَّعليم».

ما المقصود بـ«جودة التَّعليم» وأيُّ جوابٍ يقدِّم المختصُّون للأهل المتردِّدين؟

تحاول هذه المقالة تقصِّي مضمون هذا التَّعبير، انطلاقًا من بحثَين يتناولان الموضوع بطريقتَين مختلفتَين، ومن مصادر أخرى تُغني النِّقاش أيضًا.

كلمات مفتاحيَّة: تعليم – جودة التَّعليم – تربية – يونيسكو – منافسة – اقتصاد.

Qualité de l’éducation
L’enseignement, l’économie, et l’état du monde,

Par Adib Al Khoury

L’éducation, en tant que partie importante du processus d’intégration de l’enfant dans la communauté humaine, à travers la famille, la communauté de garderie, l’école, et jusqu’à la société mondiale, s’impose comme base importante du progrès de la civilisation.

L’enseignement contribue à l’organisation de la taille, la figure, et du degré de stabilité des sociétés différentes. Il joue son rôle pour la misère ou le bien-être d’un peuple. Son impact sur la formation des valeurs, et même sur le prolongement de la vie ou l’extinction d’une nation ne se cache pas. Et ce qui est vrai au niveau des sociétés peut être vrai au niveau de l’humanité dans son ensemble.

Les parents recherchent la meilleure école et la bonne éducation pour l’enfant. De nombreux facteurs sont impliqués dans le choix, à commencer par les enseignants, passant par les programmes d’études, n’oubliant pas la langue de l’enseignement, ni des considérations religieuses (ou non religieuses), et la distance entre école et domicile peut, tout simplement, être un facteur décisif. Pourtant la question de la qualité de l’éducation reste une question posée, même parmi les pédagogues.

Depuis le début de ce siècle, l’expression «Qualité de l’éducation» devient de plus en plus populaire. La traduction arabe «qualité d’enseignement» n’est pas très précise. Pourtant, elle peut refléter la tendance qui règne le «secteur de l’éducation».

Qu’est-ce qu’est la «qualité d’enseignement» ? Quelle réponse donnent les spécialistes aux parents hésitants ?

Cet article tente d’étudier le contenu de cette expression à partir de deux papiers de recherche qui abordent différemment le sujet, mais aussi en référant à des autres sources qui enrichissent le débat.

Mots clés : Éducation ‒ Qualité de l’éducation ‒ Enseignement ‒ Unesco ‒ Compétition ‒ Économie.

الأستاذ أديب الخوري: باحث، ومترجم، ومدرِّس. مُجاز في الرِّياضيَّات والمعلوماتيَّة من كلّيِّة العلوم – جامعة دمشق. عضو في الجمعيَّة الكونيَّة السُّوريَّة. من منشوراته في التَّرجمة الفرنسيَّة والإنجليزيَّة: أجمل المعادلات الرِّياضيَّة (بيروت: أكاديميا، 1996)، ويوميَّات القراءة، ألبرتو مانغويل (بيروت: دار السَّاقي، 2015)، وله أيضًا: تعليم جديد من أجل عالم مختلف (دمشق: معابر، 2015). ومقالة «لويس ماسينيون والقضيَّة الفلسطينيَّة»، مجلَّة المشرق، العدد 99، ج.1 (2025)، 31-54.

adibalkhoury@gmail.com

الفعل الفنِّيّ: «الَّذي لا يُدرَك كُنهه في انسجامات المخيِّلة»

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا المقال مسار تصوُّر «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» (je ne sais quoi) كما ظهر عند ليبنتز (Leibniz) وتطوَّر مع وولف (Wolff) وبومغارتن (Baumgarten) وغوتشد (Gottsched) وبريتنغر (Breitinger)، وصولًا إلى أرسطو بوصفه المرجِع الأصيل لتصوُّر πάθος (الانفعال). يبيِّن البحث أنَّ هذا التَّصوُّر، الَّذي بدا في البداية عنصرًا غامضًا أو لاعقلانيًّا في العمل الفنِّيّ، يشكِّل في الحقيقة شرطًا بنيويًّا للإبداع الجماليّ. فمن خلال تحليل العلاقة بين «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» والمخيِّلة، ومن ثمَّ الأهواء، يتَّضح أنَّ المخيِّلة تمتلك منطقًا خاصًّا بها، مستقلًّا عن العقل وإنْ كان يتقاطع معه. كما يُظهر المقال أنَّ الأهواء، بما لها من لغة ومنطق خاصَّين، تُعَدُّ شرط إمكانٍ للفعل الإبداعيّ، وأنَّ المخيِّلة عند أرسطو، بوصفها φαντασία، هي الأرضيَّة الَّتي تجعل التَّفكير والإبداع ممكنَين. وبذلك يظهر «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» لا كزينة أو عرض، بل كأساس وجوديٍّ للفنّ، وكترجمة لعلاقة الإنسان بالعالم من خلال التَّلاقي الحرِّ بين العقل والمخيِّلة والأهواء.

كلمات مفتاحيَّة: الَّذي لا يُدرَك كُنهه – ليبنتز – المخيِّلة – الأهواء – أرسطوπάθος – الجمال والفنّ.

L’acte artistique :
un « je ne sais quoi » d’accord de l’imagination,

Par Dr. Frank Darwiche

Cet article retrace le parcours de la notion de je ne sais quoi telle qu’elle apparaît chez Leibniz et se développe avec Wolff, Baumgarten, Gottsched et Breitinger, pour revenir enfin à Aristote en tant que source originaire du πάθος (passion). L’étude montre que ce concept, qui semblait au départ un élément obscur ou irrationnel dans l’œuvre d’art, constitue en réalité une condition structurante de la création esthétique. En analysant le rapport du je ne sais quoi à l’imagination, puis aux passions, il apparaît que l’imagination possède une logique propre, indépendante de la raison tout en la croisant. De plus, les passions, dotées de leur propre langage et de leur propre grammaire, se révèlent comme conditions de possibilité de l’acte créateur, tandis que l’imagination aristotélicienne, comprise comme φαντασία, fournit le sol même qui rend pensable et possible la créativité. Ainsi, le je ne sais quoi se présente non pas comme un ornement, mais comme un fondement ontologique de l’art, exprimant le rapport de l’homme au monde à travers le jeu libre de la raison, de l’imagination et des passions.

Mots-clés : je ne sais quoi ‒ Leibniz ‒ imagination ‒ passions ‒ Aristote ‒ πάθος ‒ esthétique et art.

الدُّكتور فرانك درويش: بروفيسور (فلسفة ولاهوت) في جامعة لورين، فرع ميتز، فرنسا (سابقًا جامعة البلمند، كلِّيَّة الفنون والعلوم، قسم الفلسفة). باحثٌ في فلسفة هايدغر والوجوديَّة والفِسارة والفِنومِنولوجيا والجماليَّات واللَّاهوت والفلسفة اللُّبنانيَّة. حاز شهادة الدُّكتوراه في الفلسفة من جامعة برغندي Burgundy – 2008 عن أطروحة بعنوان: Le divin dans la pensée de Martin Heidegger. له العديد من المقالات العلميَّة في الفلسفة الألمانيَّة والفرنسيَّة واللُّبنانيَّة، وترجمات من الألمانيَّة والفرنسيَّة إلى العربيَّة، ومنها ترجمة كتاب فلهلم شميدت – بيغمان، الفلسفة الخالدة: الخطوط التَّاريخيَّة العريضة للرُّوحانيَّة الغربيَّة في العصر القديم والوسيط والحديث المبكِر، بيروت: دار المشرق، 2024، وكتاب آخر بعنوان: في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر، الانسجامات الأساسيَّة، بيروت: دار المشرق، 2025.

frankdarwiche@gmail.com

تمثُّلات الجسد البصريَّة واللُّغويَّة في كتاب “النَّبيّ” لجبران خليل جبران

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تستكشف هذه الدِّراسة تمثُّلات الجسد في النَّبيّ لجبران خليل جبران، مُظهِرةً دوره كوسيط للمعنى والرُّوحانيَّة. يتَّضح من خلال النُّصوص والرُّسوم التَّرابط العميق بين الجسد والرُّوح، مع معالجة مواضيع الحبِّ والزَّواج والأولاد والألم والموت، حيث يتمُّ دمج الرُّؤى الثَّقافيَّة العربيَّة مع التُّراث الفلسفيِّ الغربيّ. في المجتمعات العربيَّة والغربيَّة تتضارب صورة الجسد مع الرُّوح؛ إذ تُعدُّ النَّظرة إلى الجسد سلبيَّة، بينما تصوَّر الرُّوح كرمز للقوَّة والخلود. تهدف هذه الدِّراسة إلى تحليل صورة الجسد في الأعمال الأدبيَّة والفنِّيَّة لجبران خليل جبران، مع التَّركيز على المقارنة بين الصُّورة الرُّوحانيَّة للجسد في كتابه النَّبيّ وتمثيلات الجسد العاري في لوحاته الفنِّيَّة. يسعى البحث إلى كشف التَّصوُّرات المتعدِّدة للجسد الإنسانيّ الَّتي يقدِّمها جبران، مُبرزًا رؤيته الفلسفيَّة والإنسانيَّة العميقة، ما يعكس التَّعقيد والتَّنوُّع في فهم الجسد ودوره في الحياة.

كلمات مفتاحيَّة: النَّبيّ – الجسد – الرُّوحانيَّة – الحبّ – الشَّرق – الرُّوح.

Représentations du Corps et de l’Esprit
dans Le Prophète de Gibran Khalil Gibran,

par Dr. Nada Mouawad

Dans son livre Le Prophète, Gibran Khalil Gibran explore les relations complexes entre le corps et l’esprit, mettant en avant leur rôle dans la quête de sens et de spiritualité. À travers les textes poétiques et les illustrations, Gibran aborde des thèmes universels tels que l’amour, le mariage, les enfants, la souffrance et la mort. Ces thèmes sont éclairés par une fusion unique de perspectives culturelles arabes et d’influences philosophiques occidentales. Dans de nombreuses cultures, y compris arabes et occidentales, le corps est souvent perçu de manière négative, tandis que l’esprit est valorisé comme symbole de force et d’éternité. L’objectif de cette analyse est de comparer la représentation spirituelle du corps dans Le Prophète avec les représentations corporelles dans ses œuvres artistiques, afin de dévoiler les conceptions variées du corps humain que Gibran propose, tout en soulignant son expression philosophique et humaniste.

Mots clés : prophète – corps – esprit – amour – philosophie- spiritualité.

الدُّكتورة ندى معوَّض: أستاذة وباحثة في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت، وتشغل مهامَّ رئاسة تحرير مجلَّة حوليَّات الصَّادرة عن معهد الآداب الشَّرقيَّة. وهي منسِّقة دبلومَي كتابة السكريبت والصَّحافة الاستقصائيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في الآداب والألسنيَّة واللُّغويَّات التَّطبيقيَّة من جامعة جان مولان ليون 3 – فرنسا. تهتمُّ أبحاثها بقضايا اللُّغويَّات، السِّيميائيَّات، وكتابة السِّيرة الذَّاتيَّة، ولها مشاركات بحثيَّة ومحاضرات دوليَّة في جامعات أوروبيَّة وأميركيَّة.

nada.mouawad@usj.edu.lb

صورة الحرب اللُّبنانيَّة في الأدب الرِّوائيّ – بانوراما في ستِّ روايات

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم هذه المقالة بانوراما تحليليَّة لستِّ روايات لبنانيَّة كُتبت عن الحرب اللُّبنانيَّة (1975-1990)، لمناسبة مرور خمسين عامًا على تاريخ اندلاع الحرب. وتهدف هذه المقالة من خلال الرِّوايات المختارة إلى فهم كيفيَّة تقديم الرِّوائيِّين اللُّبنانيِّين للحرب، كلٍّ من موقعه الطَّائفيِّ والجغرافيِّ والأيديولوجيّ. تنطلق هذه الدِّراسة من فكرة العلاقة المتبادلة بين الأدب والمجتمع، إذ يعكس النَّصُّ الرِّوائيّ الواقعَ السِّياسيَّ والاجتماعيَّ المحيط به وبكاتبه، ليعيد تشكيله عبر شخصيَّات وحبكات تحمل رؤًى للعالم.

تمَّ اختيار ستِّ روايات لستَّة كتَّاب وكاتبات من لبنان ينتمون إلى طوائف ومناطق وخلفيَّات متنوِّعة، لتصوير المشهد السَّرديِّ كاملًا عن حقبة الحرب اللُّبنانيَّة، وأمكنتها وشخصيَّاتها وفضاءاتها. تشترك هذه الرِّوايات بعناصر سرديَّة متعدِّدة، من ناحية الزَّمان والمكان والفضاءات وخصائص الشَّخصيَّات والثِّيمات المطروحة، فتقدِّم الرِّوايات المختارة، على اختلافها، مشهدًا واحدًا هو مشهد انشقاقٍ وانهزامٍ وموتٍ محيق بالسَّرد وشخصيَّاته مع حضور كثيف لغويًّا للحقول المعجميَّة الطَّائفيَّة والعسكريَّة. جوٌّ كابوسيٌّ من السَّوداويَّة والعبثيَّة يظهر في الرِّوايات كلِّها ويعكس شخصيَّات مهزومة، وناقصة، وعاجزة عن النَّجاة أو حتَّى ممارسة فعل العيش.

تشترك الرِّوايات بالفضاء الجهنَّميِّ الَّذي تخلقه، والَّذي يسيطر عليه ميليشياويٌّ قاسٍ، وعنيف، يحرِّك الحرب والسَّرد ويحوِّل الواقع الحقيقيَّ والسَّرديَّ إلى دوَّامة تعذيب وترهيب.

تحلِّل المقالة حضور عناصر الطَّبيعة الأربعة – الهواء والنَّار والماء والتُّراب– الَّتي تُوظَّف رمزيًّا لتجسيد ثِقَل الموت؛ كما يتمُّ التَّطرُّق إلى الحواسِّ الخمس المصابة بالشَّلل تحت وطأة القصف والرُّعب والقتل؛ لينتهي التَّحليل بالتَّوقُّف على عنصر الطَّعام الَّذي يصبح وسيلة بديلة للتَّعبير عن المشاعر: الحبّ؛ الامتنان؛ الأمومة؛ الرَّغبة، أو غيرها.

تخلص المقالة إلى أنَّ هذه الرِّوايات تشكِّل شهادة سرديَّة على وجع الحرب ووقعها على الَّذين عاشوها سواء أكانوا من الفئة القويَّة المسلَّحة المقاتلة أم من الفئة الرَّاضخة العزلاء المعزولة. ويبدو أنَّ الرِّوائيِّين جميعهم لا يُبدون أيَّ تحيُّز ولا يتبنَّون أيَّ موقف حزبيٍّ على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم الفكريَّة والجغرافيَّة. يجسِّد الرُّواة دور الإنسان والإنسانيَّة ويتحوَّل نقل العنف وحده إلى بوصَلة السَّرد، فالكُتَّاب ينشُدون إعادة طرح أسئلة عن التَّعاطف والإنسانيَّة في عالم يزداد فيه الخوف والعنف.

كلمات مفتاحيَّة: الحرب اللُّبنانيَّة – الرِّواية اللُّبنانيَّة – روايات الحرب – الموت – أبطال مهزومون – شخصيَّة المليشياويّ – ثيمات قاتلة.

L’image de la guerre du Liban dans la fiction :
un panorama en six romans,

Par Dr. Katia AL Tawil

Cet article propose un panorama analytique de six romans libanais écrits sur la guerre libanaise (1975-1990), à l’occasion du cinquantième anniversaire du déclenchement du conflit. À travers ces œuvres, l’étude vise à comprendre la manière dont les romanciers libanais représentent la guerre, chacun depuis sa position confessionnelle, géographique et idéologique. Dans ce sens, l’étude s’appuie sur l’idée d’une relation réciproque entre littérature et société, selon laquelle le texte romanesque reflète le contexte politique et social qui entoure son auteur, tout en le reconfigurant à travers des personnages et des intrigues porteurs d’une vision du monde.

Six romans, écrits par six auteurs et autrices issus de confessions, de régions et d’horizons différents, ont été retenus afin de restituer un tableau narratif complet de la guerre libanaise, de ses lieux, de ses personnages et de ses espaces. Ces romans partagent plusieurs éléments narratifs communs, qu’il s’agisse du temps, de l’espace, des caractéristiques des personnages ou des thématiques abordées.

Malgré leurs différences, ces romans convergent vers une même représentation: une scène de fracture, de défaite et de mort, qui imprègne l’ensemble du récit et de ses figures, avec une présence linguistique marquée des champs lexicaux confessionnels et militaires. Une atmosphère cauchemardesque, dominée par la noirceur, l’absence d’échappatoire et l’absurde, s’impose dans tous les textes, révélant des personnages vaincus, incomplets et incapables de survivre ou même d’accomplir l’acte de vivre.

Plus encore, les romans partagent également la construction d’un espace infernal, dominé par un milicien brutal et violent, moteur de la guerre comme du récit, transformant la réalité – autant factuelle que narrative – en une spirale de torture et de terreur.

L’article analyse ensuite la présence des quatre éléments de la nature (selon Bachelard) — l’air, le feu, l’eau et la terre — employés symboliquement pour incarner le poids de la mort. Il aborde aussi le rôle des cinq sens, paralysés sous l’effet des bombardements, de la peur et des massacres, avant de s’arrêter sur la nourriture, qui devient un moyen alternatif d’exprimer des sentiments tels que l’amour, la gratitude, la maternité ou le désir.

L’étude conclut que ces romans constituent un témoignage narratif de la douleur de la guerre et de son impact sur ceux qui l’ont vécue, qu’ils appartiennent au camp armé et puissant ou au camp désarmé et isolé. Les romanciers, indépendamment de leurs appartenances confessionnelles ou idéologiques, s’abstiennent de tout parti pris. Les récits érigent l’humain et l’humanité en horizon central, faisant de la représentation de la violence la boussole du texte: les écrivains cherchent ainsi à reposer les questions de compassion et d’humanité dans un monde où s’intensifient la peur et la brutalité.

Mots clés : La guerre libanaise ‒ Le roman libanais ‒ Les romans de guerre ‒ La mort ‒ Des anti-héros ‒ La figure du milicien ‒ Des thématiques mortifères.

الدُّكتورة كاتيا الطَّويل: باحثة، وروائيَّة، وصحافيَّة لبنانيَّة، ومحاضِرة في معهد الآداب الشَّرقيَّة في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. نالت شهادة الدُّكتوراه في سوسيولوجيا النَّقد الرِّوائيّ من جامعة السوربون في باريس. تُشرف على إصدار معجم المؤلّفون العرب المسيحيُّون من قَبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين، معجم الأعلام والآثار والمراجع، بنسختَيه الورقيَّة والإلكترونيَّة. صدرت لها روايتان عن دار هاشيت - نوفل، كما عرَّبت العديد من المؤلَّفات.

    tawilkatia@gmail.com

ألفاظ وأساليب خطَّأها المصحِّحون وهي عند الكوفيِّين صواب

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تعالج هذه الدِّراسة عددًا من الألفاظ والأساليب الَّتي وردت في مصنَّفات التَّصحيح اللُّغويِّ قديمًا وحديثًا، والَّتي عدَّها المصحِّحون فيها خطأً لغويًّا بالاستناد إلى آراء نحويَّة ولغويَّة معيَّنة، ولا سيَّما البصريَّة منها، ورفضوا استعمالها. تسعى هذه الدِّراسة من خلال تصحيح التَّصحيح إلى إعادة النَّظر في هذه التَّصحيحات باستعراض آراء المدرسة الكوفيَّة الَّتي يمكن استنادًا إليها إجازة هذه الألفاظ والأساليب المخطَّأة؛ مع التَّحقُّق من مصادر الآراء الكوفيَّة الَّتي تجيز هذه الاستعمالات، وتحديد مَواطن ذكرها عند النُّحاة. كذلك مع الإشارة إلى ما أقرَّه مجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة بخصوص هذه المسائل، إن توفَّر ذلك. ترمي هذه الدِّارسة من كلِّ ذلك إلى الإضاءة على أهمِّيَّة التَّعدُّديَّة في الآراء النَّحويَّة واللُّغويَّة، وعدم الاقتصار على مدرسة واحدة في إصدار الأحكام اللُّغويَّة، وبخاصَّة تخطئة ألفاظ وأساليب يمكن أن تُعدَّ صحيحةً، كما تدعو إلى كبح جماح رمي الألفاظ والأساليب الصَّحيحة بالخطأ، والَّذي يسيء إلى العربيَّة ومستعمليها.

كلمات مفتاحيَّة: التَّصحيح اللُّغويّ – تصحيح التَّصحيح – الخطأ اللُّغويّ – البصريُّون – الكوفيُّون.

Des mots et des styles que les correcteurs ont jugés incorrects, mais qui ont été validés justes par les grammairiens de Koufa,

par Dr. Ibaa Addin Bou Meri

Cette étude traite un nombre de mots et d’expressions présents dans des ouvrages classiques et modernes de correction linguistique, jugés incorrects par les correcteurs selon des opinions grammaticales et linguistiques spécifiques, notamment celles de l’école de Bassorah, et dont l’usage a été par la suite rejeté. Par un réexamen de ces corrections, cette étude vise à les réévaluer en analysant les points de vue de l’école de Koufa, qui pourraient potentiellement justifier l’emploi de ces mots et expressions erronés. Il s’agit notamment de vérifier les sources des opinions de Koufa autorisant ces usages et d’identifier les passages précis où ils sont mentionnés par les grammairiens. De plus, elle fait référence aux positions adoptées par l’Académie de la langue arabe du Caire sur ces questions, lorsqu’elles sont disponibles. Cette étude a pour objectif de souligner l’importance du pluralisme des opinions grammaticales et linguistiques, et la nécessité d’éviter de se fier à une seule école de pensée pour formuler des jugements linguistiques, en particulier concernant l’usage erroné de mots et d’expressions qui peuvent être considérés comme corrects. Il est également préconisé de mettre fin à la pratique consistant à qualifier d’erreurs des mots et expressions corrects, ce qui nuit à la langue arabe et à ses locuteurs.

Mots-clés: Correction linguistique – Correction des corrections – Erreur linguistique – Grammairiens de Bassorah – Grammairiens de Koufa.

الدُّكتور إباء الدِّين بو مرعي: باحث في مجمع اللُّغة العربيَّة بالشَّارقة في الموسوعة العربيَّة الشَّاملة، ومحاضِر في الجامعة الإسلاميَّة في لبنان. حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت في العام ٢٠٢٣، عن أطروحته الخطأ اللُّغويُّ في ضوء التَّصحيح اللُّغويِّ وتصحيح التَّصحيح والتَّطوُّر اللُّغويِّ. من منشوراته: «أسماءُ الأصوات ومُشْتَقَّاتُها في اللَّهْجَة اللُّبنانيَّة دراسةٌ معجميَّةٌ»، مجلَّة المشرق، السَّنة السَّادسة والتِّسعون، الجزء الثَّاني، تمُّوز – كانون الأوَّل ٢٠٢٢، و«إطلالة على ظاهرة حكاية الأصوات في باب الهمزة من المعجم التاريخيِّ للُّغة العربيَّة»، مجلَّة مجمع اللُّغة العربيَّة بالشَّارقة، العدد 13 نوفمبر 2024.

ibaaboumeri@gmail.com

العوامل المؤثِّرة في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يهدف هذا البحث إلى دراسة العوامل اللُّغويَّة وغير اللُّغويَّة الَّتي أثَّرت في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ، من خلال تحليل تطوُّر الكتابة العربيَّة بين الطَّابعَين الفونوتيكيِّ، والتَّاريخيّ. وتُبيِّن الباحثة أنَّ اللُّغة العربيَّة وعلى الرُّغم من انتظامها وقربها من النَّموذج الكتابيِّ المثاليِّ، إلَّا أنَّها تواجه عددًا من الإشكالات منها لغويَّة، ونحويَّة، وصرفيَّة، وصوتيَّة، فضلًا عن إشكالات أخرى غير لغويَّة: جماليَّة، ودينيَّة، وتاريخيَّة، ونفسيَّة. وقد أحصت الدِّراسات خمسة عشرَ عاملًا مؤثِّرًا في الإملاء العربيّ، أبرزها: أثر علم النَّحو في كتابة أدوات معيَّنة، مثل: إذن، ووصل «ما» بما قبلها، وعلم الصَّرف في تحديد شكل التَّاء والألف تبعًا لبنية الكلمة، والذَّوق الجماليِّ العربيِّ الَّذي يجنِّب اجتماع المتماثلات، وإرادة التَّمييز بين الكلمات لإزالة اللَّبس، إضافة إلى تأثير الرَّسم المصحفيِّ، واعتبارات أخرى، كـ «الحمل على النَّظير»، والوقف والوصل، والتَّوهُّم، وعلم التَّاريخ. وتخلص الباحثة إلى أنَّ كثيرًا من هذه العوامل ضعيف الأساس أو متكلِّف، وأنَّ تبسيط الكتابة العربيَّة ممكنٌ من دون المساس بجوهر اللُّغة، لأنَّ الكتابة في أصلها نظام إصلاحيٌّ قابل للتَّطوير. وتدعو، في ختام البحث، إلى مراجعة علميَّة معاصرة لقواعد الإملاء العربيِّ تراعي المنطق اللُّغويَّ ومقتضيات التَّعليم الحديث وسرعة التَّواصل في العصر الرَّقميّ.

ويسعى هذا البحث إلى تحقيق ما يأتي:

– تحديد العوامل الرَّئيسة الَّتي أسهمت في تشكيل الرَّسم الإملائيِّ العربيِّ عبر العصور.

– تحليل مدى وجاهة تلك العوامل من منظورٍ لغويٍّ علميٍّ معاصر.

– اقتراح رؤية إصلاحيَّة تمهِّد لتبسيط قواعد الإملاء من دون الإخلال بالبنية اللُّغويَّة.

وقد اعتمدت الباحثة المنهج الوصفيَّ التَّحليليَّ المقارن، من خلال تتبُّع النُّصوص النَّحويَّة والإملائيَّة القديمة، والحديثة، وتحليل مواقف العلماء منها، ثمَّ تقويمها وفق الأسس العلميَّة الحديثة في علم اللُّغة، للوصول إلى نتائج واقعيَّة تتَّصل بتسيير تعليم الإملاء وضبطه.

كلمات مفتاحيَّة: الرَّسم الإملائيّ – الإملاء العربيّ – العوامل اللُّغويَّة – النَّحو والصَّرف – الذَّوق الجماليّ – التَّبسيط الإملائيّ – الكتابة المصحفيَّة.

Les facteurs influençant l’orthographe arabe,

par Dr. Eva Amiouni

Cette étude examine les facteurs linguistiques et non linguistiques qui ont influencé l’orthographe arabe, en retraçant l’évolution de l’écriture entre ses dimensions historique et phonétique. L’auteure montre que, bien que le système graphique arabe soit relativement cohérent et proche du modèle phonétique idéal, il présente plusieurs difficultés liées à des facteurs grammaticaux, morphologiques, esthétiques, historiques et religieux. L’étude recense quinze facteurs essentiels, notamment l’influence de la grammaire dans l’écriture de certaines particules, l’effet de la morphologie sur la représentation des lettres finales, le goût esthétique arabe qui évite la répétition des signes, la volonté de distinguer les mots pour prévenir toute ambiguïté, ainsi que l’impact de l’écriture coranique et de la tradition graphique. L’auteure conclut que plusieurs de ces justifications traditionnelles sont fragiles ou arbitraires et plaide pour une révision rationnelle et scientifique de l’orthographe arabe, conciliant rigueur linguistique, modernité pédagogique et efficacité communicative.

Mots-clés: Orthographe arabe – Facteurs linguistiques – Grammaire et morphologie – Esthétique – Simplification orthographique – Écriture coranique.

الدُّكتورة إيفا أميوني: أستاذة في التَّعليم الثَّانويّ في مدرسة مار مارون طرابلس منذ العام 2004. حائزة شهادة الدُّكتوراه في النَّحو من جامعة القدِّيس يوسف في العام 2021-2022، عن أطروحة بعنوان الإضمار النَّحويُّ وأثره في صعوبة النَّحو العربيّ. من منشوراتها: مقالة «البدل وعطف البيان: اثنان أم واحد؟»، مجلَّة المشرق، السَّنة 96، الجزء الأوَّل، 2023.

eva_amiouny@hotmail.com

انتصارٌ للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ -تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديقِ لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تقدِّم هذه المقالة تحقيقًا لرسالة الانتصار للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديق لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.). وتأتي أهمِّيَّة هذه الرِّسالة في كونها دليلًا وشاهدًا على كون شخصيَّة عليّ بن ميمون شخصيَّة تواصليَّة جامعة، جمع في رحلة حياته بين المشرق والمغرب وبلاد الأناضول، وجمع في أنماط التَّأليف بين الفقه والحديث والتَّصوُّف، وجمع في تصوُّفه بين تصوُّف أهل الحقائق والأذواق وتصوُّف المتشرِّعين. وإذ تسلِّط الدِّراسات العربيَّة المعاصرة الضَّوء على جانب واحد من جوانب هذه الشَّخصيَّة الجامعة (الفقه) فإنَّنا نحاول من خلال نشر هذه الرِّسالة لفت نظر الباحثين إلى جانبٍ غُضَّ الطَّرف عنه في بحث أفكار ابن ميمون ومدارستها، وهو تصوُّف الحقائق وإلى أيِّ مدًى تأثَّر الشَّيخ المدافع عن الشَّريعة بأهل هذا اللَّون من التَّصوُّف. فرسالته في الانتصار لابن العربيِّ إن دلَّت على إعجابه بأفكار الشَّيخ الأكبر، فإنَّها لا تقف عند هذا الحدّ، بل تؤكِّد لنا مطالعة عليّ بن ميمون الغماريّ لكتب الشَّيخ الحاتميِّ والاستفادة منها والاتِّصال بمن أحبَّ ابن العربيِّ وتابع أفكاره وتصوُّفه.

كلمات مفتاحيَّة: عليُّ بن ميمون الغماريّ – انتصار لابن العربيّ – تصوُّف الحقائق – ابن عربيّ في المغرب – الدِّراسات الأكبريَّة.

Tanẓīh aṣ-Ṣiddīq ʿan waṣf az-Zindīq « La défense du saint contre l’accusation d’hérésie » Ali ben Maymün al-Fāsi,

Par Dr. Khaled Mohamed Abdou

Cet article propose une édition critique de l’épître intitulée al-Intiṣār li-l-shaykh Muḥyī al-Dīn Ibn ʿArabī: Tanzīh al-Ṣiddīq ʿan waṣf al-zindīq, rédigée par ʿAlī b. Maymūn al-Ghumārī (m. 917 H/1511). L’intérêt de ce texte réside dans le fait qu’il constitue un témoignage précieux sur le caractère transversal et fédérateur de la figure deʿAlī b. Maymūn, qui sut, au cours de sa vie, établir des ponts entre le Machrek, le Maghreb et l’Anatolie; associer dans ses écrits le fiqh, le ḥadīth et le taṣawwuf ; et conjuguer, dans sa pratique mystique, le soufisme des ahl al-ḥaqāʾiq wa-l-adhwāq (« gens des réalités et des goûts ») et celui des juristes (taṣawwuf al-mutasharriʿīn).

Alors que les études arabes contemporaines mettent principalement en lumière l’aspect juridique (fiqh) de cette figure polymorphe, nous cherchons, à travers la publication de cette épître, à attirer l’attention des chercheurs sur un pan largement négligé de la pensée d’Ibn Maymūn: son inclination pour le taṣawwuf al-ḥaqāʾiq et la mesure dans laquelle ce défenseur rigoureux de la sharīʿa a été influencé par les maîtres de ce courant soufi.

Si cette épître en défense d’Ibn ʿArabī témoigne de l’admiration de ʿAlī b. Maymūn pour les idées du Shaykh al-Akbar, elle dépasse le simple plaidoyer: elle atteste de sa lecture directe des œuvres d’Ibn ʿArabī al-Ḥātimī, de son assimilation de leur contenu, et de ses liens avec ceux qui ont aimé Ibn ʿArabī et suivi ses enseignements mystiques.

Mots-clés : ʿAlī b. Maymūn al-Ghumārī ‒ défense d’Ibn ʿArabī ‒ taṣawwuf al-ḥaqāʾiq ‒ Ibn ʿArabī au Maghreb ‒ études akbariennes.

الدُّكتور خالد محمَّد عبده: باحثٌ وأكاديميٌّ، تخرَّج في جامعة القاهرة وحصل على شهادة الدُّكتوراه في الفلسفة. وهو باحثٌ في جامعة إشبيلية في إسبانيا. نشر مؤلَّفات عدَّة وتحقيقات وأبحاثًا، منها: معنى أن تكون صوفيًّا (القاهرة: دار المحروسة، 2016)، حضورُ الرُّوميِّ وشمس تبريزيّ في الثَّقافة العربيَّة (القاهرة: دار القدس، 2020)، الجدل الإسلاميُّ المسيحيُّ في القرن الثَّالث الهجريّ (بيروت: دار المدار الإسلاميّ، 2022)، الحكمة الخليقة للزَّندويستيِّ بالاشتراك مع د. بلال الأرفه لي (بيروت: دار المشرق، 2023)، وغيرها.

 allahbooks@gmail.com

أهل الكهف في نظر مؤرِّخين سريان وعرب – قصَّة التقاء بين المسيحيَّة والإسلام

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ترتبط قصَّة الفِتيَة السَّبعة النَّائمين في أفسس، أو أهل الكهف، بالتُّراث السُّريانيّ القديم. تعود أولى النُّصوص المُدوَّنة إلى القرن السَّادس الميلاديّ. أشارت إليها مصادر متنوِّعة، ودُوِّنت في أكثر من مئتَي مخطوط، يعود تاريخها إلى الحقبة الممتدَّة بين القرنَين التَّاسع والثَّالث عشر.

وردت القصَّة في القرآن، وتولَّى المفسِّرون والمؤرِّخون المسلمون شرحها وتفسير مضمونها، وكان أبرزهم الطَّبريّ (ت. سنة 923م.)، الَّذي يُعدُّ المصدر العربيَّ الأساس لكلِّ مَن لحقه من المؤرِّخين والجغرافيِّين العرب.

يلتقي مضمون الرِّوايات المسيحيَّة مع الإسلاميَّة على الإيمان المشترك بمفهوم البعث، علمًا أنَّ الحضارات القديمة غنيَّة بملاحم ونصوصٍ أسطوريَّة تعبِّر عن هذا المفهوم. ولمَّا انتشرت المسيحيَّة، ولاحقًا الإسلام، حافظ المؤمنون من أبناء الدِّيانتَين على تقاليد من التَّاريخ القديم، ولكنَّهم وضعوها في إطار دينيٍّ يتوافق مع المعتقدات المسيحيَّة والإسلاميَّة.

كلمات مفتاحيَّة: مصادر سريانيَّة – مصادر عربيَّة – مصادر كلاسيكيَّة – أبطال أسطوريُّون – البعث – التَّثاقف.

« AȘHÂB Al-Kahf » d’après des historiens syriaques et arabes Une rencontre entre le christianisme et l’islam,

par Dr. Marwan Abi Fadel.

L’histoire des Sept Jeunes Dormants d’Éphèse, ou «AȘHÂB Al-Kahf», également appelés le «Peuple de la Caverne», appartient à l’héritage syriaque ancien. Les premiers textes écrits remontent au VIe siècle après J.-C., et on en trouve des versions dans plus de deux cents manuscrits entre le IXe et le XIIIe siècle.

Ce récit apparaît aussi dans le Coran, des commentateurs et historiens musulmans ont entrepris d’interpréter son contenu, le plus éminent d’entre eux étant al-Tabari (mort en 923 apr. J.-C.), qui est considéré comme la principale source arabe pour toute la majorité des historiens et géographes arabes ultérieurs.

Dans les deux traditions, chrétienne et islamique, l’histoire exprime une même croyance en la résurrection. Les civilisations de l’Antiquité étaient déjà riches de récits mythologiques autour de ce thème, et avec la diffusion du christianisme puis de l’islam, cet héritage ancien a été transmis, réinterprété et intégré à un cadre religieux cohérent avec les croyances de chaque foi.

Mots clés : Sources syriaques ‒ Sources arabes ‒ Sources classiques ‒ Héros mythiques ‒ Résurrection ‒ Acculturation.

الدُّكتور مروان أبي فاضل: مدير سابق لكلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة، الفرع الثَّاني، الفنار. أستاذ التَّاريخ القديم في الكلِّيَّة وفي عمادة كلِّيَّة الآداب. حائز شهادة دكتوراه في التَّاريخ القديم من جامعة الرُّوح القدس في العام 2007، وعنوان الأطروحة: الحضارة الكنعانيَّة الفينيقيَّة من خلال المصادر العربيَّة. من مؤلَّفاته، كتب مدرسيَّة متعدِّدة في التَّاريخ والجغرافيا، بالإضافة إلى كتبٍ ومقالات أكاديميَّة في التَّاريخ القديم وتعليم التَّاريخ، نشرت في لبنان والخارج، ومنها: «سيرة العاشقَين إساف ونائلة في مكَّة قبل الإسلام بين المصادر العربيَّة ومعتقدات الشُّعوب القديمة»، مجلَّة المشرق، 97 (2023)، ج.1، كانون الثَّاني – حزيران، 87-115.

marwanfadel@hotmail.com

سنيوريَّة أورتوسيا الفرنجيَّة (1109-1289)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنشأ الفرنج ضمن كونتيَّة طرابلس سنيوريَّة أورتوسيا Orthosias ، مركزها مدينة أورتوسيا الواقعة عند مصبِّ نهر البارد. كانت لسنيوريَّة أورتوسيا في الحقبة الفرنجيَّة مكانة مهمَّة على الصَّعيد الإداريّ، والعسكريّ، والاقتصاديّ، وارتبطت بمدينة طرابلس سياسيًّا واقتصاديًّا.

كلمات مفتاحيَّة: أورتوسيا – الفرنج – طرابلس – سيِّد – سنيوريَّة – عائلة بورسوليه.

 

La Seigneurie franque d’Orthosias (1109-1289),

par Dr. Pierre Moukarzel

Les Francs établirent la seigneurie d’Orthosias au sein du comté de Tripoli, et son centre fut la ville d’Orthosias, située à l’embouchure du Nahr al-Bārid. À l’époque franque, la seigneurie d’Orthosias occupait une position importante sur les plans administratif, militaire et économique, et était liée politiquement et économiquement à la ville de Tripoli.

Mots-clés : Orthosias ‒ Francs ‒ Tripoli ‒ Seigneur ‒ Seigneurie ‒ Les Porcellets.

الدُّكتور بيار مكرزل: حائز شهادة الدُّكتوراه في التَّاريخ الوسيط من جامعة بواتييه (فرنسا)، معهد الدِّراسات العليا لحضارة القرون الوسطى. متخصِّص بتاريخ المماليك (1250-1517)، والعلاقات بين أوروبَّا والشَّرق في القرون الوسطى. أستاذ مادَّة التَّاريخ الوسيط في كلِّيَّة الآداب والعلوم اﻹنسانيَّة (الفرع الثَّاني) في الجامعة اللُّبنانيَّة. ومحاضِر في جامعات لبنانيَّة وأوروبيَّة. من منشوراته:
La ville de Beyrouth sous la domination mamelouke (1291-1516) et son commerce avec l’Europe, Éditions de l’Université Antonine, 2010.
تاريخ طريق الحرير، لان.: بيروت، 2024.

pierremoukarzel@hotmail.fr

مصادر المياه في حلب: مشروع قناة نهر السَّاجور – قويق في العصر المملوكيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مع تزايد في عدد السُّكَّان والمنشآت العمرانيَّة، وتطوُّر الصِّناعة في مدينة حلب، ازداد الطَّلب على المياه لتلبية حاجات هذه الزِّيادة، ما استدعى التَّفكير في مشاريع جديدة تؤمِّن المياه لمختلف أرجاء المدينة، فكان من بينها مشروع قناة السَّاجور – قويق الَّذي انتهى في العام 1330م.، بعد توقُّف دام خمسة عشر عامًا تقريبًا لعدَّة أسباب. وقد مرَّ هذا المشروع بمرحلتَين: الأولى على عهد النَّائب سَوْدي الَّذي توقَّف عن استكمال جرِّ المياه، على الرُّغم من مثابرته على ما هو بصدده، وتحمُّله المشاقَّ لإيصال القناة إلى حلب. أمَّا المرحلة الثَّانية فقد استكملها نائب حلب الجديد سيف الدِّين أرغون الدَّوادار النَّاصريّ في ولايته الثَّانية، ابتداءً من العام 1330م. حتَّى وفاته في العام 1331م. لم يكن استكمال شقِّ القناة سهلًا في هذه المرحلة، إذ واجه عوامل طبيعيَّة صعبة أصرَّ أرغون على تخطِّيها، نظرًا إلى حاجة المدينة إلى الماء، ولا سيَّما بعد موجات متعاقبة من الجفاف الَّذي كان السِّمة البارزة من أواخر القرن 13م. إلى أواخر القرن 14م. وقد ساهم المشروع في التَّخفيف من معاناة المدينة النَّقص المتزايد في المياه، ولا سيَّما أنَّ مصادر المياه المتوافرة لم تعد تكفي، وكان دافعًا إضافيًّا لتزايد الحركة العمرانيَّة. وقد انعكس مشروع القناة إيجابًا على قطاعَي الزِّراعة والصِّناعة من حيث ريُّ المزروعات وزيادة المِساحات المزروعة، وتأمين المياه على مدار العام تقريبًا لبعض الصِّناعات الَّتي تعتمد على المياه بشكل أساس، كدِباغة الجلود وغيرها.

كلمات مفتاحيَّة: حلب – مصادر المياه – قناة  السَّاجور – قويق.

Les sources d’eau à Alep L’aqueduc Sājūr – Qoueiq à l’époque mamelouke

Par Dr. André Nassar

Avec l’augmentation du nombre d’habitants et des constructions urbaines, ainsi que le développement industriel à Alep, la demande en eau s’est accrue pour répondre aux besoins de cette expansion. Cela a conduit à envisager de nouveaux projets destinés à assurer l’approvisionnement en eau dans les différents quartiers de la ville. Parmi ces projets figurait l’aqueduc Sājūr-Qoueiq, achevé en 1330, après une interruption d’environ quinze ans pour diverses raisons.

Le projet s’est déroulé en deux phases: La première eut lieu sous le mandat du gouverneur Sūdī, qui cessa les travaux de dérivation des eaux, malgré sa persévérance et les efforts qu’il déploya pour amener l’aqueduc jusqu’à Alep. La seconde phase fut menée par le nouveau gouverneur d’Alep, Sayf al-Dīn Arghūn al-Dawādār al-Nāsirī, lors de son second mandat, à partir de 1330 jusqu’à sa mort en 1331.

La reprise du creusement l’aqueduc ne fut pas aisée durant cette période, car elle rencontra de grandes difficultés naturelles qu’Arghūn s’obstina à surmonter, en raison du besoin urgent de la ville en eau, surtout après plusieurs vagues successives de sécheresse, phénomène caractéristique de la fin du XIIIᵉ jusqu’à la fin du XIVᵉ siècle.

Ce projet contribua à soulager la ville du manque croissant d’eau, les sources disponibles ne suffisant plus. Il fut également un facteur stimulant pour l’essor urbain, et eut un impact positif sur les secteurs agricole et industriel: il permit l’irrigation des cultures, l’extension des terres agricoles, et assura un approvisionnement en eau presque permanent pour certaines industries dépendantes de cette ressource, telles que le tannage du cuir et d’autres activités similaires.

Mots-clés: Alep ‒ sources d’eau ‒ aqueduc ‒ Sājūr ‒ Qoueiq.

الدُّكتور أندريه نصَّار: أستاذ محاضر ورئيس قسم التَّاريخ في الجامعة اللُّبنانيَّة، كلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة – الفرع الثَّاني، وأستاذ محاضِر في الكلِّيَّة الحربيَّة. يحمل شهادة دكتوراه في التَّاريخ الوسيط من الجامعة اللُّبنانيَّة، بعنوان «نيابة حلب في العهد المملوكيِّ (658-922هـ./1260-1516م.)». من منشوراته: «المجاعة في المتن الشَّماليِّ في الحرب العالميَّة الأولى من خلال محفوظات مطرانيَّة أنطلياس المارونيَّة (جلّ الدِّيب – بقنَّايا، البوشريَّة أنموذجًا»، مؤتمر المجاعة في لبنان خلال الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918): دراسة في الأصول والمصادر الأوَّليَّة، 2025، 407-443. – «العادات والتَّقاليد المجتمعيَّة الأندلسيَّة في عهدَي المرابطين (483-541هـ./1090-1147م.) والموحِّدين (541-668هـ./1147-1269م.)»، كرونوس، العدد 46، 2025، 53-77.

andre_nassar@hotmail.com

جذور الإيكولوجيَّة الشَّاملة في فكر الباباوات – من البابا بولس السَّادس حتَّى البابا لاون الرَّابع عشر

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا المقال ظهور «الإيكولوجيَّة الشَّاملة» وترسيخ مفهومها في التَّعليم البابويِّ المعاصر. من خلال قراءة تاريخيَّة يوضِّح المقال كيف تطوَّر التَّفكير البيئيُّ من اهتمام رعويٍّ إلى رؤية لاهوتيَّة وأخلاقيَّة متماسكة. ويوضِّح المقال أنَّ هذه المساهمات المتتالية مكَّنت البابا فرنسيس في رسالته (كنْ مسبَّحًا) وإرشاده الرَّسوليّ (سبِّحوا ﷲ) من صياغةٍ إيكولوجيَّة شاملة حقيقيَّة، قائمة على العدالة الاجتماعيَّة والرُّوحانيَّة المسيحيَّة، والتَّضامن مع الأضعف. فمهَّدت هذه المواقف الطَّريق إلى الحبر الأعظم الحاليّ، في تبنِّيه مواقف أسلافه، ومواجهة التَّحدِّيات البيئيَّة. ويسلِّط المقال الضَّوء على أهمِّيَّة موقف الكنيسة في بثِّ روح الرَّجاء في هذا العالم، فقد حان الوقت للانتقال من الأقوال إلى الأفعال الملموسة بما يتعلَّق ببيتنا المشترك.

تتناول الكتابة فكر الكنيسة الكاثوليكيَّة الرَّسميَّ انطلاقًا من موقف الباباوات. فتعرض أوَّلًا، وبإيجاز، لمحة تاريخيَّة لفكر الكنيسة الَّذي انتقل من الخلفيَّة إلى الشَّراكة، ومن ثمَّ تبحث في بداية جذور الإيكولوجيا الشَّاملة، وبعدها فكر الباباوات ما قبل البابا فرنسيس صاحب وثيقة (كنْ مسبَّحًا)، الَّذي تتناوله ببعض الاستفاضة قبل أن تختم مع البابا لاون الرَّابع عشر، فتعرض شذرات من أفكاره ومواقفه لتستشرف بوصلته البيئيَّة في فترة قيادته الكنيسة الحاليَّة.

كلمات مفتاحيَّة: الحبر الأعظم – الإيكولوجيَّة الشَّاملة – البيئة – كنْ مسبَّحًا– البابا فرنسيس – الكنيسة الكاثوليكيَّة.

 

Les racines de l’écologie intégrale dans la pensée des papes - De Paul VI à Benoît XVI,

par Dr. Nada Mallah Boustani

Cet article traite de l’émergence et de l’ancrage du concept d’«écologie intégrale» dans l’enseignement papal contemporain. À travers une lecture historique, l’article explique comment la réflexion environnementale est passée d’une préoccupation pastorale à une vision théologique et éthique cohérente.

Il montre que ces contributions successives ont permis au pape François, dans sa lettre (Laudato Si) et son exhortation apostolique (Laudate Deum) , de formuler une véritable écologie intégrale, fondée sur la justice sociale, la spiritualité chrétienne et la solidarité avec les plus vulnérables. Ces positions ont ouvert la voie au pape actuel, qui a repris les positions de ses prédécesseurs et relevé les défis environnementaux. L’article souligne l’importance de la position de l’Église pour insuffler un esprit d’espoir dans ce monde, car le moment est venu de passer des paroles aux actions concrètes dans notre maison commune.

L’article présente d’abord un bref aperçu historique de la pensée de l’Église, qui est passée d’une position de retrait à une position de partenariat, puis examine les origines de l’écologie intégrale, avant de se pencher sur la pensée des papes antérieurs au pape François, puis de conclure avec le pape Léon XIV, en présentant quelques-unes de ses idées et positions afin d’esquisser sa boussole environnementale pendant son mandat à la tête de l’Église actuelle.

Mots clés: Le Souverain Pontife ‒ Écologie intégrale ‒ Environnement – Laudato Si ‒ Pape François ‒ Église catholique.

الدُّكتورة ندى الملَّاح البستانيّ: بروفيسورة في كلِّيَّة الإدارة والأعمال في جامعة القدِّيس يوسف ببيروت. رئيسة تنفيذيَّة لشركة AXISSED Advisory الاستشاريَّة، رئيسةٌ مؤسِّسة لجمعيَّة التَّميُّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتَّنمية الاقتصاديَّة AXISSED Association. حائزة شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا، وشهادة «HDR» في الإدارة والأموال من جامعة «Picardie – Jules Verne» – فرنسا، وماجستير في العلوم الدِّينيَّة من جامعة القدِّيس يوسف ببيروت. أستاذة ومستشارة في الهيئة اليسوعيَّة العالميَّة للتَّعليم JWL. عضو ناشط في العديد من الهيئات البحثيَّة العلميَّة AIS, LEFMI، وعضو مؤسِّس في المنظَّمة البيئيَّة Green Community.

nada.mallahboustany@usj.edu.lb

القيادة كإطار لعَيش القداسة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إلى أيِّ مدًى يمكن مبادئ القداسة في الحياة المسيحيَّة أن تُغني فهمنا وممارستنا للقيادة في العالم المعاصر؟

من خلال استكشاف التَّقاطع بين القداسة والقيادة، يمكننا تقييم كيفيَّة دمج القيم المسيحيَّة في مقاربتنا للقيادة الحديثة، والمساهمة في إحداث تغيير إيجابيٍّ في مجتمعنا. إنَّ هذا الاستكشاف يدعو إلى تسليط الضَّوء على نهج قياديٍّ قائم على القيم الأخلاقيَّة والرُّوحيَّة، ويعزِّز قيادة أصيلة ومُلهِمَة، إذ إنَّ القداسة تفترض التزامًا عميقًا بالحقيقة والشَّفافيَّة والأصالة.

فالقداسة تتضمَّن تحوُّلًا داخليًّا عميقًا في كيان الفرد، يؤثِّر في دوافعه وقيَمه ومواقفه. والقائد الَّذي يتغيَّر قلبه وفقًا لمبادئ القداسة يكون دافعه المحبَّة والرَّحمة والنَّزاهة، ما يتيح له القيادة بحِكمة وعدل. كما أنَّ السَّعي الدَّائم لفهم إرادة ﷲ يوجِّه قرارات القائد وتصرُّفاته، ما يمكِّنه من اتِّخاذ قرارات مدروسة ومتوافقة مع القيَم الأخلاقيَّة والرُّوحيَّة. وهذا بدوره يعزِّز ثقة الآخرين به، ويُسهم في بناء الثِّقة والانخراط الفعَّال من قِبَل مَن يقودهم.

باختصار، إنَّ التَّحوُّل الدَّاخليَّ والسَّعي المستمرَّ إلى فهم إرادة ﷲ يؤثِّران إيجابيًّا في قدرة القائد على الإلهام والتَّحفيز والتَّعبئة. فالقائد القدِّيس هو نموذج في الأخلاق والنَّزاهة، قادر على التَّأثير الإيجابيِّ في الثَّقافة التَّنظيميَّة وتعزيز بيئة يسودها الثِّقة والتَّعاون.

ترتبط القداسة والقيادة بعناصر مثل التَّأثير الأخلاقيِّ، والالتزام بالقيَم، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة. غير أنَّ طبيعة هذه العلاقة قد تختلف باختلاف المُعتقدات الدِّينيّة والسِّياقات الثَّقافيَّة والتَّصوُّرات الفرديَّة.

كلمات مفتاحيَّة: القيادة – القداسة – التَّحوُّل الدَّاخليّ – إرادة ﷲ – القِيَم.

Le leadership comme cadre de vivre la sainteté,

Par P. Charbel Youssef

Dans quelle mesure les principes de la sainteté dans la vie chrétienne peuvent-ils enrichir notre compréhension et notre pratique du leadership dans le monde moderne? 

En explorant les intersections entre la sainteté et le leadership, nous pourrons ainsi évaluer comment les valeurs chrétiennes peuvent être intégrées dans notre approche du leadership contemporain et contribuer à un changement positif dans notre société. L’exploration des intersections entre la sainteté et le leadership invite à éclairer une approche de leadership basée sur des valeurs morales et spirituelles, et promouvait un leadership authentique et inspirant, car la sainteté implique un engagement profond envers la vérité, la transparence et l’authenticité. 

La sainteté implique un changement profond à l’intérieur de l’individu, affectant ses motivations, ses valeurs et ses attitudes. Un leader dont le cœur est transformé par les principes de la sainteté sera motivé par l’amour, la compassion et l’intégrité, ce qui lui permettra de diriger avec sagesse et équité. Ainsi que la recherche constante de la volonté de Dieu guide les décisions et les actions du leader, lui permettant de prendre des décisions éclairées et alignées avec les valeurs éthiques et morales. Cela renforce également la confiance et la fiabilité du leader, ce qui favorise la confiance et l’engagement des autres.

En résumé, la transformation intérieure et la recherche constante de la volonté divine influencent positivement la capacité du leader à inspirer, motiver et mobiliser les autres. Un leader saint est un modèle de caractère et d’intégrité, capable d’influencer de manière positive la culture organisationnelle et de favoriser un environnement de confiance et de collaboration. 

La sainteté et le leadership sont liés par des aspects tels que l’influence morale, l’engagement éthique et la responsabilité sociale. Cependant, la nature de cette relation peut varier en fonction des croyances religieuses, des contextes culturels et des perceptions individuelles.

Mots-clés : Le leadership – La sainteté – La transformation intérieure – La volonté de Dieu – Les valeurs.

الأب شربل يوسف ر.ل.م.: رئيس دير مار أنطونيوس شِكَّا، مدير مدرسة الكلمة شكَّا للرَّهبانيَّة اللُّبنانيَّة المارونيَّة، مُدرِّب مُعتَمَد على برامج القيادة والتَّنمية الذَّاتيَّة والتَّخطيط الاستراتيجيِّ وسياسة حماية الطِّفل ومهارات التَّعلُّم والتَّعليم في القرن 21. حائز شهادة دكتوراه في اللَّاهوت التَّطبيقيِّ وإجازة في العلوم التَّربويَّة من جامعة الرُّوح القدس – الكسليك. من منشوراته: «الذَّكاء العاطفيُّ في الإرشاد الرُّوحيّ: نحو مرافقة أكثر وعيًا وفعَّاليَّة في الحياة الرُّوحيَّة» (مجلَّة المنارة)،  «la foi et la raison» (مجلَّة الأمل)، تحقيقات مع بعض أهالي شهداء نهر البارد (مجلَّة الأمل).

charbel.m.youssef@net.usek.edu.lb

مقالات من أرشيف مجلَّة المشرق: افتتاحيَّات مجلَّة المشرق للأعوام: (1898، 1920، 1991)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مقالات من أرشيف مجلَّة المشرق

السَّنة الأولى، العدد 1، (1898)

افتتاحيَّة المشرق  بعد احتجاب خمس سنوات

افتتاحيَّة المشرق بعد احتجاب عن الصُّدور لعشرين سنة

المشرق، العدد 65، (1991)

في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر- الانسجامات الأساسيَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

فرانك درويش

في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر –
الانسجامات الأساسيَّة

ط.1، 176 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025.
ISBN: 978-2-7214-8196-2

صدر عن دار المشرق في العام 2025 كتابٌ للدُّكتور فرانك درويش بعنوان في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر – الانسجامات الأساسيَّة[1]، يعرض فيه الكاتب تطوُّر مصطلح الواقعانيَّة (Faktizität) وارتداداته على وجود «الدَّازَين» Dasein وحرِّيَّته في العالم. يُحدِّد الكاتب في المقدِّمة إشكاليَّة كتابه انطلاقًا من المرحلة الثَّانية للواقعانيَّة في فكر هايدغر (1889-1976)، ذلك أنَّ الكُتُب السَّابقة، في رأيه، اقتصرت أبحاثها على تحليل الواقعانيَّة في بدايات فكر هذا الفيلسوف – وهو فكرٌ يُعبِّر عن الإنسان «ككائن مرميّ»[2] (Geworfenheit) في العالم من دون أن يختار لماذا هو هنا، كما وَرَدَ ذلك في كتابه الكينونة والزَّمان، إذ يَجد نفسه في عالم وَرث ثقافته وتاريخه وبيئته -، وأهملت النُّصوص الَّتي ظهرت بعد المنعطف[3] (Kehre) المرتبطة بالكينونة. هذا ما يُسوِّغ في آن واحد عنوان كتاب المؤلِّف وعنوان الفصل الأوَّل، «من واقعانيَّة إلى واقعانيَّة».

إنَّ الغوص في فكر هايدغر ليس أمرًا سهلًا، إذ يستدعي معرفة واسعة بمصطلحاته الألمانيَّة المتشعِّبة والعصيَّة على الفهم والتَّرجمة في آن. ما يبرز في متن هذا الكتاب هو إلمام الكاتب بفكر هذا الفيلسوف إلى حدِّ التَّماهي بأسلوبه وتعابيره، ما يجعل القارئ في حَيرة من أمره، ولا سيَّما فيما يتعلَّق باستخدام المصطلحات، إذ يستخدمها الكاتب وكأنَّها مصطلحات مُكتسبة، في حين أنَّ كلَّ مصطلح يحتاج إلى تفسير واضح من جهة، وإلى إيجاد المصطلح العربيِّ المناسب، ولا سيَّما أنَّه لا يوجد توافقٌ بين المختصِّين بترجمة مصطلحات هايدغر العربيَّة. ومع ذلك، لا بدَّ من الإشارة إلى أهمِّيَّة هذا الكتاب في العالم العربيِّ وإلى ضرورته، إذ لا يتوقَّف على الكينونة والزَّمان (Sein und Zeit) بل يغوص في الكتابات اللَّاحقة، ولا سيَّما تلك الَّتي نُشِرت بعد وفاة الفيلسوف.

ومن ثمّ، لا أخفي أنَّني تردَّدت بعض الشَّيء في تقييم هذا الكتاب، إذ يتطلَّب جُهدًا كبيرًا للإحاطة به وبتطوُّر فكر هايدغر الَّذي لم يعرف الكَلَل حتَّى أواخر حياته. فهايدغر ليس كباقي الفلاسفة، إنَّه فيلسوف مُجدِّد وناقدٌ صارم للإرث الفلسفيِّ الميتافيزيقيِّ منذ أفلاطون حتَّى نيتشه، وذلك في أسلوب غريب من نوعه حتَّى على النَّاطقين باللُّغة الألمانيَّة. مشروع هايدغر هو بحثٌ عن معنى الكينونة في واقع الدَّازَين، ذلك أنَّ هدفه ينطوي على مساءلة الكينونة الَّتي سقطت في طيِّ النسيان، على حدِّ تعبيره. لذا، والحالة هذه، سأحاول أن أقيِّم كتاب فرانك درويش بتردُّد وتهيُّب مع اقتناعي بأنَّ هذه المقاربة لن تَفِيَ بمضمونه وتشعُّباته.

  1. الإنسان كائنٌ مُقبِلٌ على الموت

لكي نَفهم أكثر مشروع هايدغر الفكريَّ في كتاب الكينونة والزَّمن لا بدَّ من تحديد الدَّازَين (Dasein) الَّذي ليس سوى الإنسان المرتبط بهذا العالم، الَّذي يختبر فيه معنى كينونته (sein) في تعاريج وجودٍ وُضِع فيه رُغمًا عنه، ومن ثمَّ، عليه أن يتدبَّر أمره في اختبار تقلُّبات الزَّمن بين الماضي والحاضر والمستقبل، الأمر الَّذي يَخلق فيه هَمًّا (Sorge) كبيرًا، وبخاصَّةٍ هَمَّ الموت المتأصِّل في كيانه، فيكتشف أنَّ وجوده هَشٌّ بِفِعْلِ ارتباطه العضويِّ بالموت. أمام هذا الثِّقَل (Last) الرَّابض عليه يسعى الإنسان إلى الخروج من عطوبيَّته حين يَعي وضعه الخاصَّ المائت كفرد، ويُبادر إلى إيجاد عناية لا تمُتُّ بصلة إلى كائن آخر، عنايةٍ تتجلَّى في رحاب هذا العالم، وهو في هذا السِّياق، ليس بعيدًا عن نيتشه. الإنسان، على حدِّ قول هايدغر، كائنٌ «مُقبِلٌ على الموت» (Sein zum Tode)، وكلُّ تفتيش عن أصل أو غائيَّة تُخفِّف من هذا الثِّقَل الرَّهيب يبقى عَصيًّا ومَخفيًّا عليه، وهذا ما يُفسِّر واقع الدَّازَين الموجود والمرميّ. الوجود لا مرجعيَّة له ولا يقود إلى أيِّ مكان، ما يُعبِّر عن الهمِّ المتأصِّل في الإنسان الَّذي يشعر به من جرَّاء هذه الواقعانيَّة.

في هذا السِّياق، يبدو أنَّ الأسئلة الَّتي أثارها هايدغر عن الواقعانيَّة وعن الكينونة التَّاريخانيَّة في كتابه الكينونة والزَّمان قد سلَّطت الضَّوء على استكشافات مهمَّة، إلَّا أنَّ بعض الأسئلة الَّتي أثارها قد أُغلِقت، لا بل لم تُعطِ أجوبة شافية. وما الواقعانيَّة الثَّانية سوى محاولة لإيجاد رؤية جديدة تُساعدنا على فَهْمِ المنعطف (Kehre) الَّذي برز في مسيرة هايدغر الفكريَّة. هذا ما حاول الكاتب تبيانه في مَتْنِ هذا الكتاب.

  1. الإنسان كائنٌ مرميٌّ في واقعانيَّة الزَّمان

ولكي يضع هايدغر الواقعانيَّة في إطارها الصَّحيح، يحمل على ديكارت، ذلك أنَّ شكَّه المُبالغ فيه أفضى به إلى الانطواء على الذَّات وعلى الابتعاد عن مصدر الواقعانيَّة المرتبطة في الزَّمان والمكان، فراح يُفتِّش عنها في مصدرٍ سامٍ آخر (ﷲ) خارج إطارها المرئيّ. وهذا ما دفع هايدغر إلى التَّحقُّق من معنى هذا المصطلح من خلال الهرمنيوطيقا للعودة إلى أصولها عن طريق الانخراط في واقعانيَّة الكائنات (Befindlichkeit) في هذا العالم المرتبِط باختبار الدَّازَين من خلال انسجامه (Stimmung) وعلاقته بواقعه، ككائنٍ في العالم. فمنذ وعيه يكتشف الإنسان أنَّه كائن مرميٌّ (geworfen) في هذا العالم، فيُسلِّم بهذا الواقع ويُحاول أن ينطلق من هذا التَّسليم الَّذي لا مناص منه، أي ككائنٍ مُلقًى به ليس من قِبَل كائنٍ أعلى، بل ككائن موجود في هذا العالم فحسب. ومن ثمَّ، يأخذ الإنسان من واقعانيَّته المرميَّة موقِفَين: إمَّا أن يَستسلم للواقع من دون أن يُغيِّر فيه شيئًا ويعيشَ حياةً غير أصيلة Uneigentlichkeit لا معنى لها، تُحرِّكها الظُّروف الاجتماعيَّة الخارجيَّة، وإمَّا أن يُعطيَ هذه الواقعانيَّة معنى الأصالة (Eigentlichkeit) يُواجه من خلالها الحياة، بحيث يسعى إلى تنمية حرِّيَّته ومسؤوليَّته وفرادته. وقد بَيَّن هايدغر في كتابه أنَّ مصير الإنسان يَحدث في قلب الزَّمن ضمن مسارٍ تاريخيّ، وأنَّ معنى الكينونة لا يتجلَّى إلَّا في هذا العالم فحسب. هذا يعني أنَّ «الدَّازَين، هو نفسه القاع المُرمى، إذ يرمي بنفسه على إمكانيَّات قد رُمِيَ فيها»[4]، ولكي يتحكَّم الدَّازَين بهذا القاع، لا بدَّ له من أن يبدأ مغامرته من «الوجود كأساس» ليَفْهم ذاته بحسب ما يملك من إمكانيَّات. وبتعبير آخر، كما فسَّره فرانك درويش، «يبدأ الدَّازَين من شيء ومن لا شيء»[5] في آنٍ واحد، أي ما يُسمِّيه هايدغر بالمعاودة (Wiederholung). ومن ثمَّ، يُضْحي ما ورثه الدَّازَين باطلًا لا قيمة له حتَّى يتمَّ تحويله من جديد. من هنا أهمِّيَّة الابتعاد عن الموروث كي تكون المعاودةُ معاودةً حقيقيَّة. هذه هي المهمَّة الَّتي ينبغي للدَّازَين أن يقوم بها. لذا، والحالة هذه، يُصبح الدَّازَين كلَّ إنسانٍ يعي أنَّه هنا، كي تنفتح أمامه آفاق جديدة، أو ما يُسمِّيه هايدغر بالمُنفَسح أو المنارة [6] (Lichtung).

  1. الدَّازَين بين ثِقَل الحياة وشجاعة الوجود

في هذا السِّياق، على الدَّازَين أن يبدأ مشروعه «ممَّا يجده هنا معه»، كي تنفتح أمامه منارة الوجود. ذلك أنَّ ما يُرافق الدَّازَين من إمكانيَّات يكمن في «واقعانيَّة الوجود في التَّاريخ». هذا الفكر الشَّاقُّ والغريب في مصطلحاته المبتكرة ليس من السَّهل التَّعبير عنه، ذلك أنَّ كلَّ مصطلح عند هايدغر يحتاج إلى تفسير في إطاره كي ينجلي ويتَّضح، لأنَّ فكر هايدغر هو أشبه بشخصٍ يحفر في الصَّخر وعليه أن يكون صبورًا كي يصل إلى مبتغاه. فأوَّل ما يشعر به الدَّازَين في وجوده هو أنَّ هناك عبئًا(Last)  ثقيلًا (schwer) يربض عليه ويتحكَّم به، وأنَّ عليه أن يتحلَّى بالشَّجاعة (Mut)، ما يعني أنَّ العبء يتطلَّب روحًا جديدة، كما عبَّر عنها هايدغر في كتابه إسهامات في الفلسفة، فيشير إلى «روح الشَّجاعة كإرادة عهد (Ereignis)  عارفة - إنسجاميَّة»[7]. ويُردف الكاتب في تحليله فكر هايدغر قائلًا بأنَّ هذه الرُّوح الشُّجاعة ليست في متناول الجميع، إذ تتطلَّب إبداعًا وخَلْقًا (Schöpfung) . ومن ثمَّ، ليس من السَّهل لأيِّ أحدٍ انطلاقًا من واقعانيَّة الدَّازَين أن يأخذ على عاتقه هذا الخلق وهذا الإبداع. ولعلَّ الفيلسوف، على حدِّ قول الكاتب، هو الأقرب إلى الخوض بشجاعة في هذه البداية الجديدة. ويستعين هايدغر أيضًا بالشَّاعر هولدرلين للتَّعبير عن هذه المهمَّة من خلال الشِّعر لاحقًا، إذ يُعبِّر هذا الشَّاعر عن «إمكانيَّات الكينونة – التَّاريخانيَّة»[8] ويأخذها على عاتقه. لذا، فإنَّ «المطلوب من المفكِّر، أي الفيلسوف في فكره الحقّ، والشَّاعر أن يُقيما أساسًا، أو بشكل أدقّ، أن يسمحا لأساس مُعيَّن أن يَحصل، فَيَنْشأ ويُنشِئ»[9].

ومن ثمَّ، إنَّ مهمَّة الدَّازَين المُرمى في العالم والَّذي يُعاود خَلْقَ ذاتِه في إمكانيَّاته التَّاريخانيَّة، هي أن يتوسَّع خارج ذاته ضِمْن حدوده الجديدة المفروضة عليه. هذا التَّوسُّع للدَّازَين يُظهر أنَّ هناك تقييدًا جديدًا للواقعانيَّة عبَّر عنه فرانك درويش بمصطلحَي القلق (Angst)  والانسجامات (Stimmungen)  الأساسيَّة استنادًا إلى كتاب الكينونة والزَّمان.

  1. المنعطف: الانسجامات الأساسيَّة وتجلِّياتها في الواقعانيَّة

موضوع القلق لدى هايدغر موضوع أساسيٌّ في فكره، إذ يرتبط بالكائنات كلِّها وبفكرة العدم الَّذي هو محور مقالته الشَّهيرة «ما الميتافيزيقا؟»، وذلك لِفَهْم الكائن الموجود وارتباطه بالضَّجر العميق الَّذي يصيب الدَّازَين في «الزَّمان الَّذي يدوم» ولا يعرف التَّوقُّف. إلى جانب القلق، يتوسَّع هايدغر بمفهوم «الانسجامات الأساسيَّة» ويدعو إلى استيقاظها كي تؤدِّي دورَين أساسيَّين: «عليها أن تتابع إرساء الدَّازَين في واقعانيَّته وأن تجعلَه موضوعَ تَفكُّر»[10]. هذان الدَوْران يسمحان لنا بالدُّخول في الفكرِ «كَرَميٍ لحقيقة الوجود في الفسحة المفتوحة»[11]. وتسمح الانسجامات أيضًا بتجلِّي ثلاثة مواقف: التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة (Verhaltenheit) والتَّفكير في التَّخلِّي عن الوجود (Seinsverlassenheit)  وانتظار ما سيتبدَّى في المستقبل [12] (Zukünftigen).

إنَّ التَّشديد على هذه المصطلحات ضروريٌّ لنفهم ما يريد هايدغر، وما يُحاول فرانك دوريش أن يوصله من خلال كتابه في تحليله مصطلح الواقعانيَّة الثَّانية الَّتي هي محور هذا الكتاب.

التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة هو انسجام الدَّازَين مع نفسه لَيَفهم أنَّه مرميٌّ وأنَّه سيرمي نفسه في السَّكن الأصيل داخل الوجود. لذا، يجد الدَّازَين نفسه جاهزًا لواقعانيَّته، «أي العهد (Ereignis)  الَّذي هو الكينونة التَّاريخانيَّة»[13]. يضمن التَّحفُّظ (Verhaltenheit) للدَّازَين أن يكون مرميًّا في واقعانيَّته كواقعانيَّة حقيقيَّة تقود إلى اتِّخاذ قرارٍ نحو الوجود أو نحو عدم - الوجود.

أمَّا التَّخلِّي عن الوجود فينتمي إلى وجهَين: نسيان الوجود واضمحلال الحقيقة في آنٍ واحد. هذان الوجهان لا يُمكن تجاوزهما إلَّا من خلال فكرٍ تاريخانيٍّ مرجعه التَّحفُّظ أو كما ترجمه فرانك درويش بالانقباضيَّة.

الموقف الثَّالث الَّذي يشير إلى انتظار ما سيأتي في المستقبل هو ما سيضطلع به المفكِّرون الَّذين قرَّروا الانتساب إلى الوجود والَّذين عُهِد إليهم القيام بهذه الوظيفة والتَّأسيس الجديد انطلاقًا من الوجود التَّاريخانيِّ ضمن حقبة مغايرة تمامًا عن حقبة الميتافيزيقا الغربيَّة الَّتي بلغت ذروتها في التِّقنيَّة الحديثة، أي ما يسمح للإنسان أن يكون ما يجب أن يكون من دون النَّظر إلى الوراء والالتفاف على الكينونة من منطلقٍ مغاير عن واقعها.

بعد هذه القراءة المقتضبة لمفهوم الواقعانيَّة في بُعدها الأوَّل (الكينونة والزَّمان) والواقعيَّة في بعدها الثَّاني بعد المنعطف، تمكنَّا من الإحاطة بوضوح أكبر بواقعانيَّة الدَّازَين من خلال التَّأويل المتأخِّر له. وسوف يدعم الكاتب هذا الفهم من خلال الحِداد الَّذي أفرد له فصلَين من كتابه، إذ يُمثِّل حركة الانتقال نحو الواقعانيَّة الجديدة الَّتي هي في صُلب الفكر التَّاريخانيّ.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هايدغر، في كتابه إسهامات في الفلسفة، يحمل على المسيحيَّة ويتخلَّى عنها، تمامًا كما تخلَّى عن الرومانسيَّة والمثاليَّة. لا بل ذهب في تخلِّيه إلى أبعد من الإلحاد، إذ انتقل إلى مفهوم وثنيٍّ جديد تخلَّى من خلاله عن المفهوم الإلهيِّ المسيحيّ، واستحضر مفهومًا إلهيًّا من نوع آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحِداد.

  1. إهمال الانسجام الأساس في الدِّراسات عن هايدغر

يمضي فرانك درويش في تحليله مفهوم الواقعانيَّة الجديدة، ويتساءل لماذا أهملت الدِّراسات عن هايدغر مصطلح الانسجام الأساسيّ، في حين أنَّ مصطلحات أخرى مثل الإرايغنس Ereignis  (العهد في ترجمة درويش) والفنِّ والفضاء والإله والسَّكن قد أُفرِد لها دراسات وافية. هناك دراسات، بالطَّبع، كما يقول الكاتب، عن الانسجام (Stimmung)  وحده أو عن الأساس Grund، ولكن لا يوجد دراسة تجمع بين الاثنين. لذا، ينبري الكاتب في الفصل الثَّاني من كتابه لتوضيح هذه العلاقة.

لن أدخل في النِّقاش الَّذي أقامه فرانك درويش مع الكاتب البريطانيِّ ماثيو راتكليف Matthew Ratcliffe وسبب إهماله مصطلحَ الانسجام الأساسيّ. ما يهمُّني في سياق هذه الدِّراسة هو أنَّ هدف الكاتب من هذا الفصل هو الاهتمام بفهمٍ صحيح للانسجام الأساسيِّ، ودراسة تكوين الانسجامات - الأساسيَّة ونموِّها المرتبطة بفكر هايدغر بعد المنعطف الفكريِّ سنة 1026.

يُميِّز الكاتب دور الانسجام والأساس قبل فعلهما الَّذي يسبق البناء. الانسجام موجود كلَّ مرَّة يكون هناك مشروع تأسيسيّ، أمَّا الأساس فهو إمكان الأساس وديمومته في حركة الزَّمان والتَّعاقب الدَّائم في الوجود. يقول الكاتب في هذا الصَّدد: «لا يُعطي الانسجام أساسًا أبدًا، ولكنَّه موجود عند كلِّ تأسيس بصفته ميزته وبصمته… الخاصَّة، وهو يحفظ العلاقة الديناميكيَّة بين البدايات وأساسها المؤسِّس»[14] (34). ومن ثمَّ، لِمَ هذا التَّرابط الوثيق بين الانسجام والأساس؟

يُبيِّن فرانك درويش في الفصل عينه أنَّ هايدغر، الَّذي تأثَّر كثيرًا بفنومنولجيا إدموند هوسرل ولا سيَّما بكتاب الأبحاث المنطقيَّة، قد سعى إلى الذَّهاب أبعد من اهتمام هوسرل بالأشياء بذاتها (zu den Dingen selbst) ليَعبر من السُّؤال عن الوجود ومعناه إلى السُّؤال عن الاختلاف الأنطولوجيّ (ontologische Differenz)، وذلك من خلال كتابه «في ماهيَّة الأساس» ومحاضرته «ما الميتافيزيقا؟».

يظهر «الانسجام الأساسيُّ» في مسألة الاختلاف الأنطولوجيّ وارتباطه بمفهوم العدم (das Nichts). العدم في المعنى التَّقليديّ هو نَفْيُ كلِّ شيء وهو أيضًا اللَّاشيء أو الغياب الكلِّيّ، أمَّا هايدغر فيتناول المسألة من زاوية أوسع وأشمل، إذ يشمل الكائن الموجود بحيث يتجلَّى ذلك من خلال السَّأم (Langeweile) إلى حدِّ اللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ومن ثمّ، يكشف هذا السَّأم الوجود بكلِّيَّته. من هذا الاختبار، يبرز القلق (Agnst)  كوجدان في كتاب الكينونة والزَّمان، إذ هو اختبار وجدانيّ، أي الشُّعور الَّذي ينتاب الدَّازَين إزاء وضعه في العالم، بحيث يتراجع كلُّ شيء، ذلك أنَّ القلق هو تعبير عن غربة الدَّازَين في هذا العالم أو ما يُسمِّيه هايدغر السَّأم الأساسيَّ الَّذي هو أقوى وأعمق من الضَّجر العابر. وقد عبَّر فرانك درويش عن السَّأم بطريقة جليَّة قائلًا: «السَّأم هو مثل ضبابٍ مُسكِّن ((schweigender Nebel ينتقل من مكان إلى آخر في هاويات (Abgründen)  الدَّازَين، فيُزيل كلَّ شيء… ويضع الكلَّ في لامبالاة  مُميَّزة»[15]. ما غاية الانسجام (Stimmung) سوى تلك الوسيلة الَّتي تُسهم في دوزنة الأشياء وتناغمها. ذلك أنَّ الانسجام يقوم بدور الجمع ويضمن التَّماسك في كلِّ تحوُّلاته. الانسجام هو الَّذي يُبقي الأفق مفتوحًا ويتحكَّم بالعدم على أنواعه «واللَّاأساس الَّذي يُشكِّل ماهيَّته»، وهو، في هذا الأفق، يُقدِّم «التَّركيبات الانسجاميَّة الَّتي تُشكِّل وتُقدِّم دائمًا إمكانيَّات أساسات مختلفة، وبالتَّالي مبادئ معرفيَّة ومبادئ وجود… في العالم»[16].

وفي السِّياق عينه، يُبيِّن فرانك درويش أنَّ الانسجام يُعطي المعنى في الزَّمان، ويُسعفنا على «فهم العالم التَّاريخانيِّ الَّذي يُستحضر في كلِّ مرَّة، والَّذي نحن فيه، والعوالم الَّتي سوف تأتي لاحقًا بفضل تعالي الوجود الَّذي يُمكِّنها، من خلال أساسٍ وانسجام يضعاننا في زمانه وكلمته – أي اللُّغة في المعنى الَّذي يبني الزَّمان»[17]. لهذا السَّبب يُمكننا فهم السَّأم والقلق اللَّذين هما في صميم محاضرته «ما الميتافيزيقا؟» السَّأم يُقدِّم منعطفًا في الزَّمان، بينما يضع القلق اللُّغة في صُلْب التَّساؤل.

ما من شكٍّ في أنَّ الدَّازَين يَقِفُ حائرًا من دون كلام أمام العدم، إذ هو اختباره الأليم، ولكنَّ هذا الاختبار ليس مجرَّد فراغ، بل هو استعداد للغة جديدة من نوع آخر، واستعداد لقولٍ مختلف. هذه اللُّغة الجديدة هي الَّتي ستخفِّف من ثِقل السَّأم وهوْل القلق اللَّذين يُشكِّلان الانسجامَين - الأساس في مقاربة الكاتب، وقد تجلَّت في كتاب هايدغر رسالة في الإنسانويَّة، إذ رسم فيه توجُّهه المستقبليَّ الجديد من خلال هذه الكلمات الشَّهيرة الَّتي تُعبِّر عن فكره، ولا سيَّما بعد تحليله قصائد الشَّاعر الألمانيِّ فريدريش هولدرلين: «اللُّغة منزل الوجود»[18] (Die Sprache ist das Haus des Seiens). لذا، والحالة هذه، لم تَعُد اللُّغة وسيلة للتَّواصل بل باتت سَكَنَنا على الأرض، على حدِّ تعبير هايدغر في محاضرته سنة 1951: «نبني نسكن نفكِّر»، الأمر الَّذي يقودنا إلى نوعٍ من السُّكون «فيسيطر الأساس كإمكان لغةٍ تسمح بالسَّكن في انسجام مع الوجود»[19] .

وخلاصة القول، إنَّ الانسجامات - الأساس تفتح لنا آفاقًا واسعة لنفهم تطوُّر فكر هايدغر منذ صدور كتابه الكينونة والزَّمان حتَّى الكتابات اللَّاحقة، ذلك أنَّ هذين المصطلحين يُعبِّران عن واقع الدَّازَين وارتباطه في هذا العالم الَّذي وُجِد فيه. ولكي نذهب أبعد في قراءتنا كتاب فرانك درويش، لا بدَّ لنا من التَّوقُّف على مسألة الضَّجر أو السَّأم العميق (Tiefe Langeweile) بعمق أكثر، إذ هو «انسجام - أساس»، كما يقول صاحب هذا الكتاب في الفصل الثَّالث.

  1. الضَّجر والانسجام الأساس

يستند فرانك درويش في مقاربته مصطلح الضَّجر، في هذا الفصل، إلى دَرْسٍ ألقاه هايدغر في فصل ربيع 1929/1930 بعنوان التَّصوُّرات الأساسيَّة للميتافيزيقا: العالم – التَّناهي – الوحدة، وهو مصطلح يُشكِّل محور هذا الدَّرس. فالكلمة الألمانيَّة Langeweile، كما استخدمها هايدغر، تنطوي على معانٍ ثلاثة، ما يتطلَّب جهدًا كبيرًا لفهمها. بيد أنَّ الكاتب، بعد اطِّلاعه على معناه في اللُّغة العربيَّة، وجد أنَّ هناك ثلاثة مصطلحات يحمل كلُّ واحد منها المعنى الَّذي أراده هايدغر، وهذا ما حدا به إلى التَّشديد على غنى اللُّغة العربيَّة وقدرتها على استيعاب معنى كلمة هايدغر Langeweile، وذلك على النَّحو التَّالي: الملل، الضَّجر، السَّأم.

لن أغوص في تحليل الفصل الأوَّل من دَرْسِ هايدغر، فالكاتب لم يشرْ إلى نقد الميتافيزيقا الَّتي فقدت قدرتها على التَّكيُّف مع تحدِّيات العصر وإلى معنى الانسجامات وعلاقتها بالدَّازَين الَّتي تُعطيه مكانته وإمكانيَّاته، فهذه الانسجامات لا تأتي من اللَّامكان، بل يجب إفاقتها كي يعي الدَّازَين وجوده هنا ككائن حقيقيّ، ومن ثمَّ يدعونا إلى «إفاقة الملل/الضَّجر/السَّأم» الَّذي هو الانسجام/الأساسيُّ لكلِّ مهتمٍّ بالثَّقافة.

يُبيِّن الكاتب أنَّ هناك ثلاثة معانٍ لمصطلح الـ Langeweile في فكر هايدغر، وأنَّ هذه المعاني لا يُمكن التَّعبير عنها في اللُّغة الألمانيَّة، وأنَّ اللُّغة العربيَّة تتفرَّد بعدَّة تعابير هي خير دليلٍ على إظهار هذه المعاني.

يُعبِّر المعنى الأوَّل للكلمة الألمانيَّة عن الملل الَّذي يُصيب شخصًا ما حين ينتظر أحدًا أو قطارًا، فلا ينجح في تمرير الوقت، ذلك أنَّ الوقت يشلُّه ويرمي به في الفراغ. يمتدُّ الزَّمن ثُمَّ يضعف ثُمَّ يتردَّد، إلى حدِّ أنَّه يُصبح ثقيلًا عليه، ينظر إلى ساعة اليد من دون أن يدري ماذا يفعل. الملل هو التَّعبير الأدقُّ عن اتِّساع الزَّمان الَّذي يُفرغ كلَّ شيء، «فينجرُّ ويَجرُّنا معه»[20]، ولا شيء يُساعدنا على تمريره.

المعنى الثَّاني هو الضَّجر، أي حين يضجر الشَّخص من شيءٍ ما. فحتَّى لو أمضى هذا الشَّخص أوقاتًا ممتعة، في سهرةٍ أو في حفلة، ولكن ما إن يعود إلى بيته حتَّى ينتابه الضَّجر وكأنَّ الزَّمن قد تَسَمَّر في الحاضر، فيضجر من كلِّ شيء، لأنَّ الفراغ يملأ حياته. هذا الفراغ يتأتَّى من واقع الدَّازَين، من وجوده، فيشعر باللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ويُختزل الماضي والمستقبل في الحاضر، فينحلُّ الوقت ويتحجَّر كلُّ شيء «في الآن الحاضر».

أمَّا المعنى الثَّالث لكلمة Langeweile فهو السَّأم، أي حين يُصاب المرء به ويَنخُر أعماقه، وقد اختار الكاتب أيضًا مصطلح السَّأم العميق (tiefe Langeweile)  للتَّعبير عنه. في السَّأم «ليس هناك وقت يمتدُّ ويجرُّنا معه أو وقت يتحجَّر الآن»[21]. في السَّأم يختفي كلُّ ما نعتبره: «أنا»، «نحن»، «أنت» ويبقى اللَّاأحد من دون أيِّ تحديد، ومن دون أيِّ معنى أو قيمة. فحين نقول باللُّغة الألمانيَّة (es ist einem langweilig) تُعبِّر الـ es عن الغياب والمجهول واللَّاأحد[22]. وهذا ما يقودنا إلى القلق (Angst) الَّذي ينتاب الإنسان، إذ لا يعود يحتمل شيئًا.

بوجيز العبارة، سعى الكاتب إلى تبيان قدرة اللُّغة العربيَّة على إيجاد تعابير واضحة لمصطلحات هايدغر، على الرَّغم من غموضها وصعوبة نقلها إلى لغاتٍ أخرى.

هذا التَّحديد الدَّقيق لكلمة Langeweile أتاح لفرانك درويش أن ينتقل إلى التَّفكُّر في أمور أخرى من خلال الملل/الضَّجر/السَّأم كدليلٍ على التَّأويل، إذ من الضَّروريِّ أن تبرز هذه الكلمة في شكلٍ عمليٍّ وتطبيقيٍّ ليُبيِّن ما يبغي هايدغر من ذلك، فاختار فيلمًا سينمائيًّا يتوافق مع الـ Langrweile  لبيلَّا تار Béla Tarr عنوانه حصان تورينو.

  1. علاقة الضَّجر بالفنِّ من خلال فيلم «حصان تورينو» لبيلّا تار

الغاية من هذه المقاربة هي الفَهْم، ولكن ليس الفهم المرتبط بالمعرفة العلميَّة بل فَهْم الدَّازَين الَّذي يَفْهم نفسه وكلَّ ما يوجد حوله. وهذا ما يُسمِّيه الكاتب بـ «الدَّائرة الهرمينوطيقيَّة» الَّتي «هي دائرةُ فَهْمٍ مأخوذ في وضعيَّة ما يتأثَّر بحالة الدَّازَين»[23]. في هذا السِّياق، «الفَهْم هو تداخل مع العمل الفنِّيِّ لا يحصل بسيكولوجيًّا، من خلال أهواء ما، أو عرفانيًّا أو عقلانيًّا أو إدراكيًّا، بل من خلال الدُّخول في انسجام - أساس هو الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يحمل الدَّازَين – أي نحن أمام العمل… ويضع العمل نفسه في بعده التَّأويليّ»[24]. هذا هو أفق الفهم الَّذي يسعى إليه، إلَّا أنَّه يلجأ إلى مصطلح أرسطو الَّذي ورد في الكتاب الثَّاني من الخطابة، الـ αἴσθησις، كما فهمه هايدغر حين شرح مفهوم الانفعالات عند أرسطو. هذا المصطلح اليونانيُّ يعني ميل الإنسان إلى العالم، الـ αἴσθησις هي مصدر الأهواء والانفعالات الَّتي تُعبِّر عن كيفيَّة الوجود والفكر والظُّهور الزَّمانيّ[25]. لذا، يحتلُّ هذا المصطلح مكانةً مرموقة في كلِّ قراءة الواقعانيَّة، إذ هو في صلب الملل/الضَّجر/السَّأم. وهذا ما سيُساعد الكاتب على فهم الفيلم السِّينمائيِّ الَّذي حاول تفسيره.

يُفسِّر الكاتب هذا الفيلم من خلال أربعة مواقف للـ Langeweile: «نهاية العالم بصفتها وقتًا يمتدّ، العاديّ/اليوميّ كتعبير الضَّجر، وقتُ ضجر وتقعير الحدث»[26].

لن أتوسَّع كثيرًا في تأويل هذا الفيلم، إذ يتطلَّب قراءة متمعِّنة لكلِّ حركة منه. لذا، سأكتفي ببعض الأفكار الَّتي تُساعدنا على فهم الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يجتاح أشخاص هذا الفيلم ورؤية مؤلِّفه. تبدأ القصَّة من الحدث الَّذي حصل مع فريدريش نيتشه في تورينو حينما رأى سائق العربة يضرب حصانه كي يَتقدَّم. فانتابت الفيلسوف موجة من الشَّفقة وراح يحتضن الحصان وهو يبكي. بُعيْد هذه القصَّة بيومين، أصيب نيتشه بالخَبَل حتَّى آخر حياته. ما يهمُّنا من هذا الفيلم هو الجوُّ العامُّ الصَّامت الَّذي يُخيِّم على منزلٍ بعيدٍ عن النَّاس في منطقةٍ مُقفرة يعيش فيه أبٌ وابنته، يُمضيان أغلب وقتهما في الدَّاخل، فتتوالى اللَّقطات تدريجيًّا من دون أيِّ حوار، وتُهيمن على المكان شجرة ميتة في منعطفٍ تعصف به الرِّيح. هذا هو المشهد الوحيد للفيلم، يسوده جوٌّ لا تواصل فيه ولا كلام، إلى حدِّ أنَّ المُشاهِد يشعر بقلق شديد، إذ يتوجَّس أنً أمرًا غامضًا يلوح في الأفق وأنَّ كلَّ شيء يُشرف على النِّهاية. إنَّ غياب الحوار في الفيلم يُعبِّر عن مشهد العالم الَّذي يَرضَخ للزَّمانيَّة الَّتي تمتدُّ وتضعنا إزاء ألم يصعُب وصفه، إذ هو تعبير استطيقيٌّ عن ميْل أشخاص إلى العدم، إلى اللَّازمان الَّذي فَقَدَ معناه، وهذا ما يُسمِّيه الكاتب في سياق هايدغر بزمان الملل والضَّجر والسَّأم. ومن ثمَّ، يتحوَّل فيلم حصان تورينو إلى وسيلة لكشف «التَّناهي الإستطيقيِّ الَّذي يحصل ويُعطي نفسه كضَجَرٍ، كزمانٍ حيث الأبديَّة نفسها تَنْجَرُّ وتمتدُّ وتتزامن…»[27].

وتتجلَّى من خلال الفيلم أيضًا الحياة اليوميَّة داخل البيت، فإذا بها أسيرة التَّكرار والزَّمان الدَّائريِّ ضمن زمانيَّة لا تنتهي في الحاضر.

يَبدو لنا حتَّى الآن أنَّ وقت الملل – الضَّجر – السَّأم في حصان تورينو إنَّما يُعطينا أبعادًا ثلاثة: الضَّجر الَّذي يظهر كتلهُّفٍ لبلوغ النِّهاية، لا بل لِمَحي الزَّمانيَّة، ولكن يبقى كلُّ شيء في حركة زمانيَّة دائريَّة، تدور في حلقةٍ فارغة، بيد أنَّ الضَّجر، في سياق كوفانس الَّذي حلَّل هذا الفيلم، غيرُ مضجِر في رؤية بيلَّا تار، إذ ينطلق منه ويعودُ إليه، أي ما يُسمِّيه الكاتب تلاقي الأضداد، في ضجَر-لا ضجَر، الأمر الَّذي يُغيِّر المفهوم العاديَّ لهذه الكلمة. وخلاصة القول، الضَّجر هو أفضل أفق تأويليٍّ لحصان تورينو، إلَّا أنَّه ضجر من نوع آخر.

  1. دور الحِداد كانسجام أساسيٍّ في التَّصالح بين اللُّبنانيِّين

وفي خطِّ الانسجام الأساس، يتطرَّق الكاتب إلى انسجام آخر: الحِداد (Trauer)، ومن ثَم يُبيِّن مدى تفاعله مع الضَّجر.

في الفصل الخامس، الَّذي يحمل عنوان «الحِداد: مصدر التَّصالح مع النَّفس في صلْب لغة متجدِّدة»، ينطلق الكاتب من «اختبار الحروب الأهليَّة»، ولا سيَّما الحرب الأهليَّة في لبنان، ويسعى إلى «إيجاد بُعدٍ تصالحيّ» لأبناء الوطن في مكوِّناته المتعدِّدة والمتنافرة، ويستند إلى مفهوم هايدغيريٍّ هو الحِداد  للتَّوصُّل إلى «انسجام أساسيّ»، يقوم على عامل اللُّغة، ولا سيَّما اللُّغة العامِّيَّة، لِجمْع الشَّمْل بين مختلف مكوِّنات الوطن.

لِمَ التَّشديد على الحِداد كمرادفٍ للانسجام – الأساس الَّذي ينبغي العودة إليه للمصالحة في بلدٍ مثل لبنان وبناء مجتمع مبنيٍّ على أسسٍ ثابتة؟

في رأي فرانك درويش، الوطن الَّذي يقع ضحيَّة العراك والتَّنافر يفقد الانسجام - الأساس الَّذي هو دعامة الوحدة في هذا الوطن. فبُعيد كلِّ حرب أهليَّة، تُصبح العلاقة بين مكوِّنات الوطن هشَّة ويضعف الانتماء إليه ويندثر مفهوم الانسجام - الأساس الَّذي عبَّر عنه المعلِّم بطرس البستانيّ: «العائلة الواحدة» «أبوها الوطن وأمُّها الأرض»[28]. في هذا السِّياق، يأخذ الحِداد، كما يرى الكاتب، مكانه الصَّحيح لإعادة لُحمة أبناء الوطن، وهنا لبنان. الحِداد هو الحزن معًا وتحمُّل الألم والمعاناة معًا، كي نفهم ما حَلَّ بنا ونتخطَّى بعد ذلك هذا الواقع للدُّخول في انسجامٍ جوهريٍّ يتخلَّى عن التَّفاصيل والجزئيَّات الثَّانويَّة، ليُكِبَّ أصحاب البلد الواحد على الكينونة والجوهر للاهتمام بما هو مصيريّ. الألم، هو «ألم التَّاريخ الَّذي يجب إعادة التَّفكير فيه واستملاكه»[29]. وبما أنَّ التَّاريخ يُعبِّر عن ماهيَّة كلِّ شعب، فهو «نداء يتوجَّه إلى الأفراد وكيانهم بصفتهم شعبًا. هو نداء الحِداد انطلاقًا من أرضيَّته»[30] كي يجد الفرد أصالته. ومن ثمَّ، يأخذ الحِداد معنى إيجابيًّا ولا يُصبح حالة مرضيَّة، تُكرِّر الحزنَ وصِراعَ الماضي، بل يتحوَّل إلى شعور مع الآخر يُسهم في بناء رؤية وطنيَّة مستقبليَّة تقوم على الانسجام مع الواقع.

  1. «اللُّغة مسكن الكينونة»

ولكي يدعم فكرة الحِداد هذه، يشير فرانك درويش إلى دور اللُّغة في توطيد الأوطان مستندًا إلى قولٍ شهير لهايدغر، يقول فيه: «اللُّغة مسكن الوجود: يسكن الإنسان في مأواها»[31]. ويُردف في السِّياق عينه: «اللُّغة، بصفتها لوغوس، تُحقِّق ما يُشير إليه فِعْلُ (λέγειν) أي تُجمِّع، ثُم تَضع في كلمات – وتتكلَّم: فيها، معهود لها ومنها، يتكلَّم الإنسان فيكون صوتًا وتحادُثًا (Gespräch). يُرافق الحداد (…) مع، تحادُث يَجمَع ويُؤسِّس علاقاتٍ تُعزِّز انسجام الدَّازَين بصفته «نحن» و«أنا» في سَكَنٍ وأرضيَّةِ وطَن، وينتج من ذلك سكنٌ - مع (Mitwohnen) وسلام»[32]. ما يعني أنَّ اللُّغة تحمل في ذاتها طابعًا مقدَّسًا فتُصبح ملجأ ومسكنًا وأرضًا وموطنًا نهائيًّا يَعُمُّ فيه السَّلام للجميع.

اللُّغة الَّتي يشير إليها الكاتب في هذا الفصل هي اللَّهجة المحكيَّة، بحسب هايدغر، الَّتي تُعبِّر عن ماهيَّة الأرض، والَّتي من خلالها يُمكن بناء أساسٍ متين عليها. ذلك أنَّ اللُّغة المحكيَّة «هي لغة يجب فهمها واسترجاعها، فهي تحدِّد الشَّعب، كلَّ شعب، أنطولوجيًّا، وأهمِّيَّتها مركزيَّة إذا ما أراد أعضاؤها، متكلِّموها، أن يسكنوا بطريقة آمنة ومستديمة»[33]. ومن ثمَّ، إنَّ اللُّغة تعبير وجوديٌّ تاريخانيٌّ لكلِّ شعب، إذ هي الامتداد الأرضيُّ الَّذي يسمح للشَّعب أن يجد مسكنًا له، وتتكلَّم انطلاقًا من صلب أساس الحِداد، ومن ثمَّ تستطيع أن تصون سلامة النَّاس الَّذين يلبُّون صوتها. فلا عجب في أن تأخذ اللُّغة بُعدًا مقدَّسًا، إذ ما إن ينتفي هذا البعد حتَّى تتحوَّل اللُّغة إلى مجرَّد تواصل، وليس إلى مناجاة عميقة تُسهم في لقاء النَّاس بعضهم ببعض.

وبوجيز العبارة، نكتشف مع الكاتب أهمِّيَّة الانسجامات الأساسيَّة الَّتي تتجلَّى في مفاهيم كونيَّة وعالميَّة في الوقت عينه، تمامًا كما عبَّر عن ذلك في مقاربته الحِداد.

  1. الحِداد كانسجام أساس من خلال فنِّ الرَّسم

الفصل السَّابع من هذا الكتاب هو امتداد للفصل السَّادس، إذ يُقارِب الكاتب مفهوم الحِداد والضَّجر من خلال الفنّ، على غرار السِّينما، استنادًا إلى فنَّانين مثل بول كلي (Paul Klee) وبول سيزان (Paul Cézanne)، ويُحدِّد في بداية الفصل الغاية منه: «الزَّخم الَّذي يُعطيه الضَّجر كانسجام – أساس، وذلك عند كلٍّ من سيزان وكلي»[34]، ثمَّ ينطلق بعدها إلى زَخْم الحِداد فيُبيِّن أنَّ سيزان بَقي عالقًا في أعماق الحِداد، في حين أنَّ كْلي «قفز قفزة طويلة نحو فُسحة البهجة…»[35]. ما يدلُّ على أنَّ المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها لِفَهْم الانسجامات الأساسيَّة قد ساعدته على خلق علاقة تصاعديَّة بين الأرض والسَّماء. فالتَّعمُّق بالأرض، الَّذي هو حال بول سيزان، يُبيِّن مفهوم السَّأم في معنيَيه: العدم والكلّ، لذا، بقي هذا الفنَّان متنقِّلًا بين «العمق والسَّطح» مع تضاريسه الجسيمة الَّتي رَسَّخت تعلُّق سيزان بعالمه الأرضيّ، بقي في صلب الحِداد، بين البهجة والحزن. أمَّا كْلي فقد تبنَّى انسجام الكآبة كبعد فكريٍّ شامل، وانطلق من الأرض وانفتح بفكره وعمله على السَّماء.

  1. الانقباضيَّة في صُلب المنعطف

يُنهي الكاتب مقاربته للواقعانيَّة والانسجامات الأساسيَّة بفصلٍ يقوم على ما يُسمِّيه بـ «الانقباضيَّة: اسم انسجام لا اسم له» Verhaltenheit. هذا المصطلح هو في قلب المنعطف الَّذي سعى هايدغر من خلاله إلى إيجاد لغة جديدة تُحرِّر الدَّازَين من الفكر الميتافيزيقيّ، الَّذي هيمن على الفلسفة الغربيَّة، ومن تغرُّبه الَّذي يُخيِّم على كتاب الكينونة والزَّمان. ويُشير الكاتب، في السِّياق عينه، إلى مصطلح الإرايغنيس (Ereignis) الَّذي هو المصطلح الرَّئيس في ما يُسمَّى بفكر هايدغر الثَّاني الَّذي نجده في كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس، وهو مصطلح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالانقباضيَّة.

ماذا يعني هايدغر بالانقباضيَّة؟

الانقباضيَّة هي انسجام أساسيٌّ ينتمي إلى تفكيرٍ مختلف كلِّيًّا عمَّا قاله هايدغر سابقًا. إنَّه موقف الدَّازَين تجاه العالم والكينونة. إنَّه استعداد لتقبُّل لغة جديدة وطريقة وجود في العالم تكون في الوقت عينه انفتاح وتحفُّظ. انفتاح على فكرة الحقيقة αλήθεια الَّتي هي انكشاف الكينونة وانحجابها في حركة الزَّمان، وتحفُّظ لأنَّ الانقباضيَّة لا تكتمل في «مفهوم» أو «تصوُّر»، لأنَّها ليست مجرَّد توافق الأضداد، بل هي انتشار ينطوي على عدَّة احتمالات، إذ تبني قولًا جديدًا متعدِّدا وانسجامات متعدِّدة تُعبِّر عمَّا سيقوله الإرايغنيس (الَّذي ترجمه المؤلِّف بمصطلح العهد).

الانقباضيَّة هي موقف الدَّازَين الَّذي لم يَعد مجرَّد فِعْلٍ بسيط، بل بات استعدادًا أساسيًّا ليكون في العالم. إنَّها استعداد يكون فيه الدَّازَين في وضعيَّة الانتظار يكتشف ويختبئ في آنٍ واحد. هذا التَّصرُّف أساسيٌّ لبلوغ الحقيقة، الَّتي هي انكشاف واختباء في آنٍ واحد. ومن ثمَّ، الحقيقة ليست تطابقًا أو توافقًا كما حدَّدتها الفلسفة سابقًا، بل هي انكشاف حين يحلو لها أن تتجلَّى في الكينونة.

ومجمل القول، يُشكِّل كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس منعطفًا في فكر هايدغر. فهو ينتقل من تفكيرٍ عن الإنسان في علاقته مع الكينونة إلى تفكير الكينونة وحقيقتها في علاقتها بالإنسان. هذا التَّحوُّل مهمٌّ جدًّا لفهم تطوُّر فكر هايدغر.

خاتمة

ما من شكٍّ في أنَّ هذا الكتاب قد تطرَّق إلى عُمق فكر هايدغر من بداياته حتَّى أواخر كتاباته. هذه المحاولة القيِّمة ستُسهم كثيرًا، إلى جانب غيرها من الكتابات[36]، في مساعدة القارئ العربيِّ على فهْم مسار هايدغر الفكريِّ من كتاب الكينونة والزَّمان حتَّى إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس وغيرها من الكتابات اللَّاحقة. لقد تمكَّن فرانك درويش من تبيان المداخل الأساسيَّة للخوض في فكر هايدغر المعقَّد، ولا سيَّما تحليله للواقعانيَّة والانسجامات – الأساس. هذا الكتاب يفتح آفاقًا مهمَّة من شأنها أن تُعين الباحثين في ميادين شتَّى، مثل الفلسفة واللَّاهوت والفنِّ وعلم الاجتماع وغيرها. فالانسجامات المرتبطة بالكينونة الَّتي هي محور هذا الكتاب قد تكون حافزًا لدراسات كثيرة في العالم العربيّ، إذ ستساعد على تقييم هايدغر، لا من خلال الكينونة والزَّمان فحسب، بل من خلال أبحاثه الَّتي ترتبط بالشِّعر والفنِّ ومسألة الحقيقة الَّتي نُشِرت لاحقًا.

ولكن، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب سيكون عصيًّا على الكثيرين، نظرًا إلى أسلوبه الغامض في الكثير من الصَّفحات، لأنَّ هايدغر يُرغم الَّذي يكتُب عنه على اتِّباع نمطٍ فكريٍّ غير مألوف، فتُصبح المسألة الفكريَّة مسألة مصطلحات لا تُحصى ولا تُعدّ، إلى حدِّ أنَّ القارئ يضيع في التَّفاصيل، فيتساءل: لِمَ هذا التَّعقيد، ولماذا ينبغي لنا أن نستنبط كلمات تحتاج إلى صفحات لفهمها والإحاطة بها. لهذا السَّبب، لا بدَّ من حلقة لغويَّة بين المختصِّين بفكر هايدغر للاتِّفاق على المصطلحات العربيَّة كي لا نقع في التَّشتُّت والضَّياع.

إنَّ البحث في مسألة الكينونة والوجود والزَّمان ومصير الدَّازَين يستدعي دومًا رؤية جديدة للغوص في تعاريج الحياة، وما كتابات هايدغر سوى محاولةٍ كبرى تُقدِّم نمطًا فكريًّا مغايرًا عن الَّذين سبقوه. وهذا ما يجعل منه فيلسوفًا إبداعيًّا في نمط تفكيره ومصطلحاته ومقاربته للكينونة.

[1]       فرانك درويش، في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر - الانسجامات الأساسيَّة، بيروت: دار المشرق، 2025.

[2]       فضَّلتُ استخدام تعبير «المَرميّ» بدلًا من تعبير «المقذوف» الَّذي استخدمه فرانك درويش، إذ هو، في رأيي، يُعبِّر أكثر عن لفظة geworfen الألمانيَّة.

[3]       كما فضَّلتُ استخدام تعبير «المنعطف» بدلًا من تعبير «المنعرج»، لأنَّ التَّعبير الأوَّل بات متداولًا أكثر من الثَّاني في الأوساط الفكريَّة.

[4]       درويش، المرجع نفسه، 13.

[5]       درويش، المرجع نفسه، 14.

[6]       درويش، المرجع نفسه، 15.

[7]       درويش، المرجع نفسه، 18.

[8]       درويش، المرجع نفسه، 19.

[9]       درويش، المرجع نفسه.

[10]     درويش، المرجع نفسه، 22.

[11]     درويش، المرجع نفسه.

[12]     درويش، المرجع نفسه.

[13]     درويش، المرجع نفسه، 22.

[14]     درويش، المرجع نفسه، 34.

[15]     درويش، المرجع نفسه، 39.

[16]     درويش، المرجع نفسه، 45.

[17]     درويش، المرجع نفسه، 46.

[18]     درويش، المرجع نفسه، 47.

[19]     درويش، المرجع نفسه.

[20]     درويش، المرجع نفسه، 60.

[21]     درويش، المرجع نفسه، 62.

[22]     درويش، المرجع نفسه.

[23]     درويش، المرجع نفسه، 68.

[24]     درويش، المرجع نفسه.

[25]     درويش، المرجع نفسه، 69.

[26]     درويش، المرجع نفسه، 70.

[27]     درويش، المرجع نفسه، 71.

[28]     درويش، المرجع نفسه، 94.

[29]     درويش، المرجع نفسه، 89.

[30]     درويش، المرجع نفسه.

[31]     انظر درويش، المرجع نفسه، 93. الاقتباس هو من مقالة:   «Brief über den Humanismus», in GA, BD 9, 313.

[32]     درويش، المرجع نفسه، 93.

[33]     درويش، المرجع نفسه، 94.

[34]     درويش، المرجع نفسه، 98.

[35]     درويش، المرجع نفسه، 98.

[36]     انظر: مشير باسيل عون، الإنسان في رعاية الكينونة. هايدغر في المتناول الفلسفيِّ العربيّ، ط.1 (الفجيرة: بيت الفلسفة، 2023)، 470 صفحة. هذا الكتاب هو أيضًا إسهام كبير في نشر فلسفة هايدغر في أسلوب عربيٍّ متين، إذ يُساعد القارئ، على غرار كتاب فرانك درويش، على فهمٍ أعمق لفكر هذا الفيلسوف.

 

الدُّكتور جوزيف معلوف: حائز شهادة دكتوراه في الفلسفة من جامعة كان Caen (النورماندي)، وأستاذ الفلسفة الألمانيَّة والأخلاقيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة سابقًا. يُدرِّس الفلسفة والفلسفة الأخلاقيَّة في جامعة القدِّيس يوسف، وفي الجامعة الأنطونيَّة. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة في أخلاقيَّات الحياة والفلسفة الدِّينيَّة، منها: الأخلاق والطُّبّ، المسألة الأخلاقيَّة في العلوم الطُّبِّيَّة، محنة الفكر الدِّينيّ، مسألة الحقيقة. كما ترجَم كتاب مشروع أخلاق عالميَّة للكاتب السُّويسريِّ هانس كينغ. له ترجمات عدَّة لإمانويل كانط، أهمُّها: في التَّربية، محاضرات في التَّعليم الفلسفيِّ للدِّين . صدر له بالفرنسيَّة:

.Amin Maalouf, Itinéraire d’un humaniste éclairé, Paris: l’Harmattan, 2014

.Le désordre éthique mondial. Lecture géopolitique du Proche-Orient, Paris: l’Harmattan, 2022

josefmaalouf@hotmail.com

 

في قلب الرُّوحانيَّة ما السَّبيل إلى لقاءِ المسيحيِّين والمسلمين؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنسلم غرون، أحمد ميلاد كريمي

في قلب الرُّوحانيَّة
ما السَّبيل إلى لقاء المسيحيِّين والمسلمين؟

ط.1، 250 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025

ISBN: 978-2-7214-5688-5

لهذا الكتاب مؤلِّفان متوازيان، واحد مسيحيٌّ والثَّاني مسلم. وحين أقول إنَّهما متوازيان أقصد أنَّ أحدهما لا يكمل الآخر، ولا يحيط حتَّى بجانبٍ من الموضوع لم يطرقه الآخر، بل كلُّ واحدٍ منهما طرق الموضوع نفسه انطلاقًا من ديانته. وبالتَّالي، إذا جمعنا ما كتبه أحدهما يكون لدينا كتابٌ متكاملٌ عن ديانة الكاتب.

هناك بعض نقاط التَّلاقي بين الكاتبَين: كلُّ واحد منهما يعيش إيمانه بطريقة ميَّالة إلى التَّصوُّف، وأيضًا أنَّ الاثنين يعيشان في ألمانيا (أنسلم غرون ألمانيُّ المولد، وأحمد كريمي أفغانيٌّ يعيش في ألمانيا منذ زمن طويل)، وبالتَّالي، يستطيعان أن ينطلقا من قاعدةٍ ثقافيَّة مشتركة نحو حوار يقوم على عرض ما يُعاش أكثر من قيامه على الجدال. أمَّا بشأن الإيمان بالحوار فيظهر في النَّصِّ تفاوت على مستوى جذور الفكرة بين المسيحيَّة والإسلام.

يتناول الكتاب حوالى خمسةٍ وعشرين موضوعًا تبدأ بالخلق وتنتهي بالحياة بعد الموت، مع مقدِّمة توضيحيَّة تفسِّر ما يعنيه الحوار بين الدِّيانتَين. يتناول كلُّ كاتبٍ الموضوع من وجهة نظر إيمانه. أمَّا الموضوعات فهي مجموعات موزَّعة على الفئات الآتية:

الفئة الأولى تضع حجر أساس الحوار، فيقدِّم كلُّ طرفٍ موقفه (أو موقف دينه) من موضوعاتٍ تثير تساؤلات لدى الطَّرف الآخر.

تساؤلات المسيحيِّين عن الإسلام الَّتي يوضِّحها أحمد كريمي هي: مَن يمثِّل الإسلام الحقيقيّ؟ ما هي صورة ﷲ عند الإسلام؟ كيف يفهم الإسلام الوحي؟ وعلاقة الدِّين والدَّولة في الإسلام.

أمَّا تساؤلات المسلمين عن المسيحيِّين الَّتي يوضِّحها أنسلم غرون فهي: جدليَّة العلاقة بين الحقيقة المسيحيَّة والمسيحيَّة الحقَّة، مسألة الثَّالوث، مسألة التَّجسُّد، مسألة الصَّلب لأجل الخلاص، علاقة المسيحيَّة بالمجتمع، وتاريخ المسيحيَّة الدَّمويّ.

في الفئة الثَّانية، يعود الكاتبان لتناول الموضوعات السَّابقة بتفاصيل أكثر، ويضيفون إليها موضوعات أخرى. وهنا يتكلَّم الاثنان على مفهوم ديانة كلٍّ منهما للخلق، ﷲ، والعلاقة بالنُّصوص المقدَّسة، ومكانة يسوع عند الإسلام وموقف المسيحيَّة من محمَّد، لينهيا المجموعة بالكلام على موقف المسيحيَّة أو الإسلام من المرأة.

الفئة الثَّالثة تتناول الممارسات الدِّينيَّة: الجهاد الرُّوحيّ، الصَّلاة، بيوت العبادة، الحجّ، الصَّوم، أفعال الرَّحمة، المحبَّة، التَّسامح، ثمَّ الموضوع الحرج: التَّبشير والهداية.

الفئة الرَّابعة قصيرة، وهي مجتمعيَّة: علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الرَّجل بالمرأة.

في النِّهاية، وبعد المرور ببعض الموضوعات الرُّوحيَّة كالحياة الرُّوحيَّة والزُّهد، تأتي المسائل المصيريَّة: الألم، والموت، والمصير بعد الموت.

الطَّرائق الَّتي يعالِج بها الكاتبان الموضوعات شديدة الاختلاف. فعلى مستوى الشَّرعيَّة، يستند أنسلم غرون إلى أسس عقائديَّة حدَّدتها الكنيسة، في حين يبقى أحمد كريمي على مستوى المفهوم النَّظريِّ والرُّؤية الصُّوفيَّة غير المؤسَّساتيَّة. على مستوى المعالجة، يبدو كلام أحمد كريمي أكثر واقعيَّةً من كلام أنسلم غرون.

هذا يعني أنَّ الكتاب يعكس واقعًا ملموسًا يُبرز التَّفاوت على مستوى الحوار المسيحيِّ الإسلاميّ. فهناك طرف يريد الحوار ويرغبه ويدعو إليه، وهو الطَّرف المسيحيُّ الكاثوليكيّ، وطرف آخر لا يمانع ويلبِّي الدَّعوة، وهو الطَّرف الإسلاميّ. طرف يمثِّل جماعة، وطرف يمثِّل نفسه ويدعو جماعته لتبنِّي ما يمثِّله. الطَّرف الأوَّل مدعوم من مواقف مؤسَّسته الدِّينيَّة في حين أنَّ الطَّرف الآخر يسعى كي تتَّخذ مؤسَّسته الدِّينيَّة هذا الموقف وتدعمه.

برأيي، هذا الفارق في موقع كلٍّ من المتكلِّمَين، والأسس الَّتي يقف عليها كلٌّ منهما، هو ما يعطي الكتاب فرادته. توازٍ صرف يمكننا أن نستشفَّ منه تقاطعاتٍ واعدة، لا مجاملة فيه ولا محاباة ولا هجوم. كتاب يسلِّط الضَّوء على ما نرجو ذاتَ يوم أن يكون أساس نقاط تفاهمٍ واتِّفاق.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

shallak@jespro.org

حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى (تبيكون إفرجتينوس)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كير جوزيف جبارة

حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى
(تبيكون إفرجتينوس)

ط.1، 140 ص. بيروت: دار المشرق. 2025
ISBN: 978-2-7214-5690-8

«ما إن نقرأ عنوان الكتاب الفرعيَّ حتَّى يتبادر إلى أذهاننا السُّؤال الآتي: ما هو «التبيكون»؟

التبيكون كلمة يونانيَّة Typicon (Τυπικόν) تعني «النَّموذج» أو «القاعدة» أو «ما هو محدَّد». وهو كتاب طقسيٌّ يُستخدَم في الكنيسة الأرثوذكسيَّة والكنائس الكاثوليكيَّة الشَّرقيَّة. يحتوي التبيكون على تعليمات مفصَّلة تنظِّم الاحتفالات بالقدَّاس الإلهيِّ (اللِّيتورجيا) والصَّلوات اليوميَّة (السَّواعي)، والأعياد الكنسيَّة بحسب التَّقويم، والرُّتَب الرَّهبانيَّة. وهو يُستخدَم كدليل للكهنة، والرُّهبان، والمرنِّمين، ويحدِّد ما يجب القيام به في كلِّ يوم من أيَّام السَّنة الطَّقسيَّة.

من هنا، استهلَّ المؤلِّف كير جوزيف جبارة الكتاب، الَّذي يتناول بمجمله «تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس)، بتوطئة توضح السَّبب الَّذي جعل الكنائس الشَّرقيَّة تستخدم مثل هذا الدَّليل الرَّسميّ التَّنظيميّ لحياتها الكنسيَّة وجاء فيها:

«منذ القرن الرَّابع، انتشرت الحياة الرَّهبانيَّة في مختلف أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بطريقة عفويَّة. ولم يكن ثمَّة قانون يضبطها أو ينظِّمها. وكان المؤسِّسون الأوائل يتمتَّعون بحرِّيَّة في تسيير الأمور الرُّوحيَّة لأديارهم وتدبير شؤون رهبانهم المادِّيَّة… ثمَّ جاءت المجامع فعملت على قوننة الحياة وضبطها منعًا للشَّطط والانحرافات.» (ص. 5)

يُعتَبَر تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس) «من بين أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية إلى هذه الأيَّام. وضعه الرَّاهب تيموتاوس في منتصف القرن الحادي عشر، وقد أثَّر في الكثير من التبيكونات الَّتي وُضعَت من بعده، بحيث يعتبر بعضهم أنَّه أحدث إصلاحًا رهبانيًّا في الأديرة البيزنطيَّة إبَّان القرون الوسطى.» (راجع غلاف الكتاب)

جاءت المقدِّمة العامَّة تحت عنوان «تبيكون دير والدة الإله المحسنة وتأثيره في قوانين أديار أخرى»، وهي تتناول بولس المؤسِّسَ الأوَّل لدير والدة الإله المحسنة ومؤلَّفاته، وتيموتاوس المؤسِّس الثَّاني وصاحب التبيكون الرَّهبانيّ. يتوقَّف المؤلِّف عند حركة الإصلاح الَّتي ولَّدها هذا القانون، ودور تبيكون السَّيِّدة المحسنة في حركة الإصلاح الرَّهبانيِّ والأديرة الَّتي تأثَّرت به، وتمَّ عرض النُّقاط الأساسيَّة الَّتي جسَّدته والمواضيع الَّتي طالها هذا الإصلاح وهي:

«الاستقلاليَّة المطلقة للأديار وسيادتها الذَّاتيَّة»، و«طريقة انتخاب الإيغومانس»، و«منع التَّصرُّف بممتلكات الدَّير المنقولة وغير المنقولة»، و«الدِّفاع عن حياة الشَّركة»، و«النَّزاهة في الإدارة الماليَّة»، و«رفض البائنة والتَّقادم لدخول الدَّير…» (ص. 36-40).

ترجمة نصِّ التبيكون مصحوبة بالحواشي الَّتي «تسمح للقارئ أن يتعمَّق بالموضوع ويكوِّن عنه فكرة علميَّة.» (غلاف الكتاب).

يُستهَلُّ القسم الَّذي يعرض قانون رهبان دير والدة الإله الكلِّيَّة القداسة المحسنة، كما نقله الأب تيموثاوس والَّذي يحتوي على 43 بندًا، بمقدِّمة يرد فيها أنَّه يوضِّح فيها للرُّهبان «كتابة مضمون فرضهم القانونيّ ومتى وكيف يجب عليهم عيشه. وأن نترك ذلك قاعدة ونموذجًا ليس لكم وحدكم، بل لمن سيأتي بعدكم. كما أنَّه من الضَّروريِّ أن نبيِّن كلَّ ما له علاقة بنظام حياتكم بكامله، سواء الرُّوحيَّة أو الجسديَّة، لكي تتمكَّنوا، بمعونة ﷲ، من الرُّجوع إليه لتنظيم سيرتكم وتوجيهها بدون انحراف، حتَّى لا تحيدوا عن الهدف المرسوم…» (ص.42).

ويُختتم عرض هذا القانون، في البند الـ 43 بتوصية أن «يُقرأ التبيكون في مطلع كلِّ شهر لكي يتذكَّر الرُّهبان وصايا الأب تيموثاوس ويستفيدوا منها روحيًّا…» (ص. 131).

باختصار، تكمن أهمِّيَّة الكتاب في أنَّه تناول أحد أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية حتَّى اليوم وأكثرها تأثيرًا في القوانين الَّتي تبعته. فالقانون يتناول الأصول التَّاريخيَّة لدير والدة الإله المحسنة، وحركة الإصلاح الَّتي نتجت عن هذا القانون والَّتي تحثّ، من خلال مطالعته، على اتِّباع نهج الإصلاح في الحياة الرَّهبانيَّة في كلِّ زمان ومكان، فالإصلاح امتداد للأصول المترسِّخة في تاريخ تأسيس الدَّير وحركةٍ تأثَّرت بها باقي الأديرة.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. أستاذة محاضِرة في معهد الآداب الشَّرقيّة في الجامعة، ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيَّة فيها. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جانيت جرجس رزق

المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)
ط.1، 468 ص.، بيروت: دار المشرق،
2025 ISBN: 978-2-7214-8197-9

 

يوضح الأب سليم دكَّاش اليسوعيُّ، في تقديمه كتاب المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)، هويَّة هذا الحراك النَّهضويِّ بقوله: «فالمطابع لم تكن مجرَّد وسائل تقنيَّة لطباعة الكتب، بل كانت أدوات إستراتيجيَّة لنشر الوعي، وتعزيز الهويَّة الثَّقافيَّة، وتكريس اللُّغة العربيَّة كأداة للفكر واللَّاهوت والمعرفة الحديثة» (ص.5). لقد أسقط الغلاف الخارجيُّ العنوان الفرعيَّ في الصَّفحة الأولى الدَّاخليَّة الَّذي يشير إلى هدف الكتاب، وهو شرح يطرح إشكاليَّةً، من خلال هذا العنوان، ملخَّصةً بعبارة: «دورهم (المسيحيُّون) في نشر الثَّقافة الدِّينيَّة وتعزيز اللُّغة العربيَّة»، وقد تختصر هذه العبارة مضمون كتاب جانيت جرجس رزق، مع التَّنويه إلى ضرورة وجود فهرس الأعلام تسهيلًا للمراجعة.

جاء الكتاب في أربعة أبواب: بيروت ومسيحيُّوها، علاقة الطِّباعة بالنَّهضة العربيَّة الحديثة، مطابع المسيحيِّين في بيروت ودورها النَّهضويّ، نشر الثَّقافة وتعزيز اللُّغة العربيَّة. هو «بحث موسوعيٌّ يؤرِّخ ويعرِّف بالَّذين نشطوا في الطِّباعة ببيروت في ظلِّ القوانين العثمانيَّة، حيث كشف البحث عن وجود نحو ستِّين مطبعة في بيروت، منها سبع مطابع إسلاميَّة» (غلاف الكتاب الخلفيُّ). من الواضح من مسرى معلومات الكتاب أنَّ قدوم المطابع إلى لبنان جاء لأهداف دينيَّة لطباعة الكتب الدِّينيَّة، وتيسير أمور البشارة، وتوسيع مدارك الفهم اللَّاهوتيِّ إبَّان تحرُّك الحركة البروتستانتيَّة باتِّجاه الشَّرق، ومبادرة الأرثوذكس للتَّصدِّي لمروحة حراك البعثات الكاثوليكيَّة، كما في إنشائهم «الجمعيَّة السُّوريَّة الأرثوذكسيَّة، وأخذوا يجتمعون بالقرب من كنيستهم في بيروت ويخطبون في مواضيع دينيَّة ضدَّ البروتستانت، ثمَّ طبعوا ما أهملوه من الكتب المقدَّسة» (ص. 17). من هنا قول الكاتبة «إنَّ الدَّوافع الدَّفينة الكامنة وراء الطِّباعة والنَّشر هي الدِّفاع عن الهويَّة المسيحيَّة الشَّرقيَّة، والحفاظ على معتقداتها ولغتها العربيَّة، والمقصود النَّشر باللُّغة العربيَّة» (ص. 12).

لعلَّ إرهاصات هذا الحراك المطبعيِّ بدأت مع «تمكُّن فرنسا من خرق نظام الحكم العثمانيِّ عندما نالت في القرن السَّادس عشر امتيازًا بموجب بلاغ سلطانيٍّ من الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، إذ أبرمت الحكومة الفرنسيَّة معاهدة مع الدَّولة العثمانيَّة تسمح لها بحماية جميع الكاثوليك في السَّلطنة العثمانيَّة من لاتين وموارنة وكاثوليك شرقيِّين» (ص. 26)، وأعلنت موسكو سنة 1774 نفسها حامية لمسيحيّي الإمبراطوريَّة العثمانيَّة الأرثوذكس» (ص. 27)، إلى زمن وصول محمَّد علي لحكم مصر، إذ «دخل المسيحيُّون العرب عهدًا جديدًا، عندما ألغى القوانين التَّمييزيَّة بينهم وبين المسلمين ووهبهم حرِّيَّة المجاهرة بممارسة شعائرهم الدِّينيَّة، وامتدَّت سياسة التَّسامح إلى عهد ابنه إبراهيم» (ص. 229)، وبدأت تباشير التَّعليم في العام 1834 مع نقل مطبعة البعثة التَّبشيريَّة الأميركيَّة من مالطا إلى بيروت، وانتشار حركة التَّعليم عبر كتاتيب صغيرة تُدرَّس فيها مبادئ القراءة والكتابة والحساب(…) «وكانت كلُّ طائفة تمتلك مدرسة خاصَّة بها» (ص. 30)، وتمخَّضت أحداث القرنَين الماضيَين عن إعلان الفرنسيِّين «سنة 1920 لبنان كيانًا مستقلًّا عن بلاد الشَّام، وأطلقوا عليه اسم دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت. أخذ المسيحيُّون خيار الاستقلال، لا كرهًا بالمسلمين ولا تشفِّيًا بسقوط الدَّولة العثمانيَّة، ولا انتقامًا لما عانوه عبر تاريخهم، ولا عداء للعروبة، بل ضمانًا لمستقبلهم» (ص. 41).

وتأريخًا للمطابع تذكر الكاتبة أنَّه في «سنة 1751 أسَّس الأرثوذكس أوَّلًا مطبعة في بيروت لمنافسة مطبعة الشّوير للرُّوم الكاثوليك الَّذين انشقُّوا عنهم وافتتحوا أوَّلًا مدرسة لهم في بيروت عام 1836» (ص.46)، كما «أنشأ الرُّهبان الباسيليُّون في دير المخلِّص للرُّوم الكاثوليك ببيروت، المطبعة المخلِّصيَّة عام 1865».
(ص. 49)، كذلك «مطبعة البروتستانت في «برج بيرد» في بيروت عام 1844» (ص. 79)، لذا فإنَّ «النَّشاط المسيحيَّ في بيروت بين 1850 و1920 كان ورشة عمل كبيرة ومستحدثة، (….) استعانت كلُّ جماعة بمترجمين ومعلِّمين وأنشأت مطبعة وصحفًا ومنشورات، لبثِّ أفكارها والدِّفاع عن عقيدتها» (ص. 88).

لقد بيَّن الكتاب اختلاف وجهات نظر المؤرِّخين في تحديد نقطة الانطلاق للنَّهضة في الشَّرق، بينما يرى كثيرون منهم أنَّها بدأت مع حملة نابليون على مصر يُعيد بعضهم، كما مع «هاملتون جب»، تباشير النَّهضة بوجه خاصٍّ إلى الأدباء ومؤرِّخي الأدب، في منتصف القرن التَّاسع عشر، الَّذين استخدموا هذه الكلمة (ص. 98)، موضحًا أنَّ تأسيس المطابع كان من أركان النَّهضة مع صدور أوَّل صحيفة في لبنان عام 1858 (ص.101)، مع خلاصة تفيد أنَّ النَّهضة العربيَّة رافقت حركة النَّهضة الدِّينيَّة بسبب تنشيط حركة التَّأليف والتَّرجمة والنَّشر، «ولنشر الكتب كانت الحاجة ماسَّة إلى مطابع عربيَّة» (ص.113). من هنا خصَّص الكتاب فصلًا دقيقًا عن المطابع: قزحيَّا الأولى (1610)، قزحيَّا الثَّانية (1782)، حلب، (1706)، الشّوير، (1733)، القدِّيس جاورجيوس 1751، الأميركيَّة (1834)، والكاثوليكيَّة 1874، وغيرها، «والسَّبب أنَّ المرسلين «في سوريا من كاثوليك وبروتستانت أرادوا نشر عقيدتهم باللُّغة العربيَّة لأنَّها اللُّغة الجامعة» (ص. 121). إنَّ انتشار المطابع دفع السُّلطة العثمانيَّة إلى إصدار «أوَّل نظام للمطابع في 15 أيَّار عام 1855»، ثمَّ نظام المطبوعات عام 1865 (ص. 125)، «وعلى الرَّغم من سياسة القمع لجمعيَّة الاتِّحاد التُّركيَّة عام 1885، وانتقال الكُتَّاب إلى مصر، عادت آفاق الحرِّيَّة مع ثورة تركيا الفتاة عام 1908 فافتتحت مطابع جديدة في كلٍّ من بيروت ومناطق الجبل» (ص. 131).

تقمِّش الباحثة في الفصل الثَّالث كوكبة من العاملين في المطابع: خليل الخوري (السُّوريَّة)، يوسف الشَّلفون (العموميَّة) و(الكلِّيَّة) خليل سركيس وبطرس البستانيّ (المعارف)، إبراهيم النَّجَّار( الشَّرقيَّة)، جرجس شاهين وجرجس الغرزوزيّ (الوطنيَّة)، أمين وخليل الخوري (الآداب)، عبد القادر قبَّاني (جمعيَّة الفنون)، رشيد الدَّنا (بيروت)، وغيرهم، مؤكِّدة استعانة «المسيحيِّين، كما المسلمين، بمحرِّرين ومصحِّحين ينتمون إلى طوائف مختلفة» (ص. 331)، يجمعهم هدفٌ واحد هو «التَّأكُّد من مدى مساهمة منشورات مطابع بيروت في نهضة اللُّغة العربيَّة الَّتي طالت مختلف الميادين والمواضيع، وأحرزت نهضة أدبيَّة وثقافيَّة وأدبيَّة وعلميَّة» (ص. 339).

أمام هذه الموجة من الطِّباعة تحرَّكت السُّلطات الكنسيَّة لتنظيم ما يمكن طبعه وتداوله، وبُحِث الموضوع في المجمع اللُّبنانيّ عام 1736، فرأى «ضرورة عدم نشر أيِّ شيء إن لم يحصل على إذن خطِّيٍ من الرُّؤساء المحلِّيِّين الَّذين يعود إليهم أن لا يتساهلوا في مسِّ الطَّقس المارونيِّ بشيء» (ص. 350). من هنا وضعت الكاتبة فصلًا عن مواضيع الثَّقافة الدِّينيَّة الَّتي اهتمَّت بنشرها المطابع، ومن أهمِّها طبعات الكتاب المقدَّس، نسخة المطبعة الأميركيَّة عام 1867، ونسخة المطبعة الكاثوليكيَّة، إلى جانب كتب تعاليم الكنيسة والمواضيع اللَّاهوتيَّة (ص. 364)، والمواضيع الأدبيَّة والعلميَّة (ص. 373) من كتبٍ للتَّدريس وللقواعد والقواميس.

تخلص الباحثة من زمن المطابع باللُّغة العربيَّة إلى زمن «تراجع نوعيَّة الكتابة باللُّغة العربيَّة من جرَّاء وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، وحيث طغت ثقافة إعلاميَّة جديدة لا وزن للُّغة الصَّحيحة فيها، إذ إنَّ الأحرف اللَّاتينيَّة تطغى في التَّعبير الَّذي يستعمله الشَّباب في وسائل التَّواصل الاجتماعيّ (…) وهذا ما انتبهت إليه توصيات البابا يوحنَّا بولس الثَّاني في الإرشاد الرَّسوليّ «رجاء جديد للبنان» لدعم الحفاظ على الثَّقافة واللُّغة العربيَّة، إذ دعا البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيَّار 1997 إلى انفتاحات الحوار مع العالم العربيِّ وانخراط المسيحيِّين في الثَّقافة العربيَّة والتَّضامن مع قضايا العالم العربيّ» (ص. 439).

هذا كتاب يؤرِّخ لحركة مطابع المسيحيِّين في بيروت (1850-1920)، ولكنّه يذكِّر بالطَّبع الأصيل للعاملين فيها، طبعًا وترجمة ومسلكًا رائدًا في مجال التَّعليم والنَّشر وصيانة اللُّغة العربيَّة حفاظًا عليها ودعمًا لحضورها، وَرَقًا وبشرًا.

الدُّكتور جان عبدﷲ توما: حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللُّبنانيَّة، وسيِّدة اللّويزة، والبلمند. يشغل حاليًّا منصب رئيس قسم اللُّغة العربيَّة في جامعة الجنان. له خمسة وعشرون كتابًا في فنون الأدب والشِّعر والرِّواية والتَّاريخ والدِّراسات التَّربويَّة وتحقيق المخطوطات.

 Dr.jeantouma@gmail.com

Share This