السنة ٨٨
الجزء الثاني
السنة الثامن والثمانون | الجزء الثاني | تمّوز – كانون الأوّل ٢٠١٤

أطلب نسختك الورقيّة

إشترِ نسختك الرقميّة

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

فرانس فان در لوخت (1938- 2014): وداعًا يا أخا جميع السوريّين…

كان الجميع يعرفون أنّ بقاء الأب فرانس فان در لوخت اليسوعيّ في حمص القديمة، خصوصًا بعد رحيل غالبيّة المدنيّين من بين الأنقاض، فيه بعض المجازفة؛ إلاّ أنّه أبى إلاَّ أن يبقى، قائلاً لمن كانوا يسألونه عن مغزى بقائه: أنا حارس الدير. أنا حارس الذاكرة. صحيح أنّ المسيحيّين في أكثريّتهم خرجوا من بستان الديوان، إلاّ أنّي لم آتِ إلى سوريا من أجل المسيحيّين فقط، بل أتيتُ من أجل أن أكونَ في خدمة السوريّين جميعًا، من أجل خدمة المصالحة بين الناس، من أجل نموّهم الإنسانيّ والروحيّ، من أجل العيش المشترك. لا لن أخرج من هنا، بل إنّي باقٍ لمجرَّد بقاء إنسان واحد. في السابع من نيسان المنصرم، عند الصباح وبعد قدّاسه اليوميّ، انطفأ الأب فرانس بفعل رصاصات مجرمة أودت بحياته، إلاّ أنّ الشعلة التي أنارها بمُثُله وبمبادراته طيلة أكثر من ثلاثين سنة من الحضور المستمرّ من أجل الشعب السوريّ لم تنطفئ ولن تنطفئ. توهّج نارها قويّ كنار المحبّة التي أدخلته الرهبانيّة اليسوعيّة ودفعته إلى أن يكون رسولاً لا سلاح عنده سوى سلاح الرحمة.
وُلِد الأب فرانس في هولندا وعاش طفولة هنيئة لعائلةٍ تعمل في حقل المصارف. إلاّ أنّه اختارَ أن يكون مصرفيًّا عند ربّه وإلهه المُنتصِر على الموت وربّ الحياة، فأخذَ الوَزَنات التي ائتُمِنَ عليها وتاجر بها ونجح في تجارته. تخصّص مثل أترابه في الرهبانيّة اليسوعيّة بأعمال الملكوت، وتعمّق في أداة علميّة هي علم النفس، فكان خير معين وسندٍ لكثير من الناس الذين امتُحِنوا في قواهم النفسيّة والعقليّة، وكانت له كلمة الشجاعة والرجاء والحكمة والثقة، ترفعهم من محنتهم وبؤسهم. إشتهر بتنظيم المسير السنويّ إذ كان يلتقي الشبّان بعضُهم بعضًا من مشارب وطبقات وأديان ومذاهب متعدّدة، فيصبح المسيرُ مسيرةَ قافلةٍ عظيمة من مئات الأشخاص، يتحرّكون نحو الأفضل والأعمق، وإلى أعماقهم يستمدّون منها القوّة والعنفوان والإيمان. تعلّم العربيّة وأصبح طليقًا في استخدامها، لأنّ الرسول لا بدّ أن يكون متآخيًا مع الشعب الذي يستضيفه، ومع الناس الذين لا يقدرون التعاطي معه إلاّ بلغتهم.
إنتقل الأب فرانس في السنوات العشرين الأخيرة إلى بناء مشروع تنمويّ اجتماعيّ، استقطب العشرات والمئات من العمّال، شمّروا عن سواعدهم لبناء «مركز الأرض» الاجتماعيّ والجماعيّ، مركزٍ كان يستقبل عشرات المجروحين في أجسادهم وقلوبهم. ما كان يهمّه هو أن يجمع الناس في جماعة واحدة، فلا ينظر إلى مشاربهم الدينيّة أو يتأثّر بالنظريّات التي تدعو إلى تقارب الناس المختلفين دينيًّا. إلاّ أنّ «مركز الأرض» سريعًا ما أصابه منذ العام 2011 التدمير والتكسير والتخريب، وبالتالي انكفأ عنه وانتقل إلى المركز التاريخيّ لليسوعيّين في حمص. هنالك، ومنذ بداية الحرب السوريّة تحوّل الأب فرانس إلى ذلك السامريّ المعتني بالفقير والجائع والمريض والجريح. والجميع يذكر تلك النداءات التي أطلقها إلى الرأي العامّ الدوليّ حيث كان الشاهد في نداء أذاعه بكانون الثاني 2014، على أنّ المسيحيّين والمسلمين يواجهون الصعوبات نفسها. ومن أهمّ المشاكل هي مشكلة الجوع في القرن الحادي والعشرين، فلا أقسى من مشهد أن ترى الأمّ ساعية في التفتيش عن كسرةِ خبز من أجل أولادها في الشوارع. لا نقبل بالنزول إلى دَرَك الموت جوعًا، بل نحبّ الحياة ونريدها. كان آخر الأوروبيّين في مدينة حمص لأنّ «الراعي لا يترك قطيعه»، مهما كانت الصعوبات والأخطار والمحن.
كان يقول مردِّدًا أمام رفاقه اليسوعيّين: «إنتبهوا، إخوتي. حافظوا على الطفل النائم في قلوبكم واعتنوا به، لأنّه قوّة الحياة ونعمة كبيرة من الله». ألم يقل يسوع لأحبّائه الرسل والتلاميذ: «إن لم ترجعوا كالأطفال، فلا تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله». ومع قداسة البابا فرنسيس نقول: إنّه عمل الخير للجميع من دون تمييز، وبحبّ كبير. لقد أحبّ الأب فرانس الجميع وأحبّته سوريا شعلةً لن تنطفئ أبدًا. ولأنّك كنتَ تؤمنُ بالغدّ الأفضل، كنتَ تردّد دائمًا وبروح الرجاء: إلى الأمام، إلى الأمام.

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

فرانس فان در لوخت (1938- 2014): وداعًا يا أخا جميع السوريّين…

كان الجميع يعرفون أنّ بقاء الأب فرانس فان در لوخت اليسوعيّ في حمص القديمة، خصوصًا بعد رحيل غالبيّة المدنيّين من بين الأنقاض، فيه بعض المجازفة؛ إلاّ أنّه أبى إلاَّ أن يبقى، قائلاً لمن كانوا يسألونه عن مغزى بقائه: أنا حارس الدير. أنا حارس الذاكرة. صحيح أنّ المسيحيّين في أكثريّتهم خرجوا من بستان الديوان، إلاّ أنّي لم آتِ إلى سوريا من أجل المسيحيّين فقط، بل أتيتُ من أجل أن أكونَ في خدمة السوريّين جميعًا، من أجل خدمة المصالحة بين الناس، من أجل نموّهم الإنسانيّ والروحيّ، من أجل العيش المشترك. لا لن أخرج من هنا، بل إنّي باقٍ لمجرَّد بقاء إنسان واحد. في السابع من نيسان المنصرم، عند الصباح وبعد قدّاسه اليوميّ، انطفأ الأب فرانس بفعل رصاصات مجرمة أودت بحياته، إلاّ أنّ الشعلة التي أنارها بمُثُله وبمبادراته طيلة أكثر من ثلاثين سنة من الحضور المستمرّ من أجل الشعب السوريّ لم تنطفئ ولن تنطفئ. توهّج نارها قويّ كنار المحبّة التي أدخلته الرهبانيّة اليسوعيّة ودفعته إلى أن يكون رسولاً لا سلاح عنده سوى سلاح الرحمة.
وُلِد الأب فرانس في هولندا وعاش طفولة هنيئة لعائلةٍ تعمل في حقل المصارف. إلاّ أنّه اختارَ أن يكون مصرفيًّا عند ربّه وإلهه المُنتصِر على الموت وربّ الحياة، فأخذَ الوَزَنات التي ائتُمِنَ عليها وتاجر بها ونجح في تجارته. تخصّص مثل أترابه في الرهبانيّة اليسوعيّة بأعمال الملكوت، وتعمّق في أداة علميّة هي علم النفس، فكان خير معين وسندٍ لكثير من الناس الذين امتُحِنوا في قواهم النفسيّة والعقليّة، وكانت له كلمة الشجاعة والرجاء والحكمة والثقة، ترفعهم من محنتهم وبؤسهم. إشتهر بتنظيم المسير السنويّ إذ كان يلتقي الشبّان بعضُهم بعضًا من مشارب وطبقات وأديان ومذاهب متعدّدة، فيصبح المسيرُ مسيرةَ قافلةٍ عظيمة من مئات الأشخاص، يتحرّكون نحو الأفضل والأعمق، وإلى أعماقهم يستمدّون منها القوّة والعنفوان والإيمان. تعلّم العربيّة وأصبح طليقًا في استخدامها، لأنّ الرسول لا بدّ أن يكون متآخيًا مع الشعب الذي يستضيفه، ومع الناس الذين لا يقدرون التعاطي معه إلاّ بلغتهم.
إنتقل الأب فرانس في السنوات العشرين الأخيرة إلى بناء مشروع تنمويّ اجتماعيّ، استقطب العشرات والمئات من العمّال، شمّروا عن سواعدهم لبناء «مركز الأرض» الاجتماعيّ والجماعيّ، مركزٍ كان يستقبل عشرات المجروحين في أجسادهم وقلوبهم. ما كان يهمّه هو أن يجمع الناس في جماعة واحدة، فلا ينظر إلى مشاربهم الدينيّة أو يتأثّر بالنظريّات التي تدعو إلى تقارب الناس المختلفين دينيًّا. إلاّ أنّ «مركز الأرض» سريعًا ما أصابه منذ العام 2011 التدمير والتكسير والتخريب، وبالتالي انكفأ عنه وانتقل إلى المركز التاريخيّ لليسوعيّين في حمص. هنالك، ومنذ بداية الحرب السوريّة تحوّل الأب فرانس إلى ذلك السامريّ المعتني بالفقير والجائع والمريض والجريح. والجميع يذكر تلك النداءات التي أطلقها إلى الرأي العامّ الدوليّ حيث كان الشاهد في نداء أذاعه بكانون الثاني 2014، على أنّ المسيحيّين والمسلمين يواجهون الصعوبات نفسها. ومن أهمّ المشاكل هي مشكلة الجوع في القرن الحادي والعشرين، فلا أقسى من مشهد أن ترى الأمّ ساعية في التفتيش عن كسرةِ خبز من أجل أولادها في الشوارع. لا نقبل بالنزول إلى دَرَك الموت جوعًا، بل نحبّ الحياة ونريدها. كان آخر الأوروبيّين في مدينة حمص لأنّ «الراعي لا يترك قطيعه»، مهما كانت الصعوبات والأخطار والمحن.
كان يقول مردِّدًا أمام رفاقه اليسوعيّين: «إنتبهوا، إخوتي. حافظوا على الطفل النائم في قلوبكم واعتنوا به، لأنّه قوّة الحياة ونعمة كبيرة من الله». ألم يقل يسوع لأحبّائه الرسل والتلاميذ: «إن لم ترجعوا كالأطفال، فلا تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله». ومع قداسة البابا فرنسيس نقول: إنّه عمل الخير للجميع من دون تمييز، وبحبّ كبير. لقد أحبّ الأب فرانس الجميع وأحبّته سوريا شعلةً لن تنطفئ أبدًا. ولأنّك كنتَ تؤمنُ بالغدّ الأفضل، كنتَ تردّد دائمًا وبروح الرجاء: إلى الأمام، إلى الأمام.

محتويات العدد

@
جاليات التجّار الإيطاليّين في المدن الساحليّة اللبنانيّة إبّان القرنَين الثاني عشر والثالث عشر
بقلم د. بيار مكرزل
@
القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسِّس الرهبنة اليسوعيّة (2)
بقلم د. منى كرم
@
طموح أبي حنيفة: المنطق مقابل الذاكرة. إعادة بناء شخصيّة أبي حنيفة استنادًا إلى رواياتٍ ثانويّة
بقلم د. مارينا أبايدين
@
هل الزواج إحدى نتائج المعصية والسقوط؟ رأيان متناقضان لآباء الكنيسة
بقلم المطران جوزيف كميل جبارة
@
على عَتَبة الكَنيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود
بقلم د. جوزف لبُّس
@
منازل التكفير في الثقافة العربيّة الإسلاميّة
بقلم د. وليد الخوري
@
القدَر في أدب أبي العلاء المعرّي
بقلم د. نضال الأميوني دكّاش
@
إفتتاحيّة: فرانس ﭬان در لوخت (1938- 2014): وداعًا يا أخا جميع السوريّين...
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّ
@
العولمة وتأثيرها الدِّينيّ والثقافيّ
بقلم د. ﭘاسكال مونان
@
ضحايا الاستعمار والحقّ في التعويض وجبر الضرر. قراءة في قضيّتَي شعب "الهيريرو" وحركة "الماوماو"
بقلم د. لونا فرحات
@
أيُّها الشيطان، أين شوكتُكَ؟
بقلم الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ
@
أزمة مفهوم الرجاء: ماذا تقول الفلسفة والفكر المعاصر؟
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّ
@
"قراءة ليترجيّة لأمثال 9: 1- 11" في الأعياد المريميّة البيزنطيّة
بقلم المطران نيقولا أنتيبا ق.ب
@
عبد الناصر: تكوين "الأنا الوطنيّة" وأثرها في الأعمال
بقلم د. وجدي فريد
i

مقالات هذا العدد

العولمة وتأثيرها الدِّينيّ والثقافيّ

في هذه المقابلة يجري الحديث عن العولمة وتأثيراتها الثقافيّة والدينيّة في لبنان والبلدان العربيّة. وإنّ ﭘاسكال مونان، أستاذ في جامعة القدّيس يوسف، يعتبر أنّ العولمة، مع التطوّر الراهن، قد أصبحت نظامًا يدمّر الحدود التي تفصل الدول والمجتمعات، ويساهم في الوقت نفسه في تقصير المسافات وفي توحيد الأمثلة المطروحة، وكأنّ العالم بأكمله مجرّد قرية. لهذا السبب يرى أنّه من الضروريّ المحافظة على الهويّات الثقافيّة الدوليّة والدفاع عن اللغة بوجهٍ خاصّ. ولكنّ العالم يهدف إلى إنشاء لغة عالميّة هي اللغة الإنكليزيّة، على حساب اللغات الأمّ. واستطاعت العولمة أن تشجّع الانفتاح على الديانات الأخرى، عبر تقريبها الواحدة من الأخرى. كما ساهمت في ما يُسمّى “الربيع العربيّ” في بعض البلدان. في الواقع، تبيَّنَ أنّ الانفتاح العربيّ على الغرب ذو فائدة لأجل التعاون بين الجامعات المحليّة والعالميّة لتبادل الخبرات. إنّ مفتاحَ الحداثة هو العلم والمعرفة. مع ذلك، فإنّ مستوى الأميّة في البلدان العربيّة لايزالُ مرتفعًا، حتّى في لبنان حيث “تُغتَصَب” حقوق الإنسان وحقوق المرأة يوميًّا. فتحتاج العولمة إلى مزيد من الوقت والمجهود لنلمس منها نتائجَ فعّالة.

ضحايا الاستعمار والحقّ في التعويض وجبر الضرر. قراءة في قضيّتَي شعب “الهيريرو” وحركة “الماوماو”

يعالج هذا المقال مسألة حقوق ضحايا حقبة الاستعمار. تلك الحقبة التي بدأت مع مؤتمر برلين العام 1884، وقد انعقد من 15 فبراير إلى 26 فبراير 1885، وانتهت مع نيل آخر دولة أفريقيّة استقلالها في منتصف ستّينيّات القرن العشرين. إنّ معاناة الشعوب التي رزحت تحت الحكم الكولونيّ امتدّت منذ ثمانينيّات القرن التاسع عشر حتّى سبعينيّات القرن العشرين. يعرض المقال تفاصيل القضيّة، بحثًا عن إمكانيّة فرض وضع قانونيّ يحمي الضحايا المعنيّين. فعلى الحكومات والمسؤولين أن يلتزموا بمسؤوليّاتهم تجاه الجرائم وعدم المساواة التاريخيَّين. إذ حتّى اليوم، لا آليّةَ عالميّة تساعد ضحايا الاستعمار على المطالبة بالتعويضات التي من حقّهم.

أيُّها الشيطان، أين شوكتُكَ؟

تعدّدت الوسائل الإعلاميّة المسيحيّة المحليّة والعالميّة، ولاسيّما قنوات التلفزيون، التي تبثّ برامجَ عن الشرّ بل عن طرد الأرواح الشرّيرة. وهذا يسبّب ردّات فعل وأسئلة متنوّعة في أوساط المؤمنين: هل الحياةُ المسيحيّة هي حقًّا نضال بوجه الشرّ؟ وهل من الضروريّ تشخيص الشرّ هذا؟ أليس الشرّ مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بحريّة الإنسان؟ إنّها أسئلة قديمة تتجدّد بلا انقطاع وتنتظر أجوبةً جديدة من العلماء ولكن أيضًا من اللاهوتيّين. وفي هذا المقال، يعرض المؤلِّف مقاربة بيبليّة نقديّة تبنّاها عددٌ من اللاهوتيّين في الكنيسة الكاثوليكيّة، ويقترح طريقة جديدة لفهم المسألة.

أزمة مفهوم الرجاء: ماذا تقول الفلسفة والفكر المعاصر؟

من الواضح أنّ عالم اليوم، ولاسيّما الشرق الأوسط والأدنى وبعض البلدان العربيّة، يعيشُ أوقاتًا عصيبة لا تخلو من العنف والصعوبات. فالرجاء مهدَّد في هذه الظروف. مع أنّ الفلسفة، منذ أفلاطون وأرسطو، مقتنعة بأنّ الرجاء فضيلة ومفهوم لن يختفيَ أبدًا إذ إنّه مرتبط بمصير البشريّة؛ كلُّ إنسان يرجو دائمًا الخروج من أزمته، وفي كلّ مرّة يكونُ الموت فيها مهدِّدًا، يأتي الرجاء للمساعدة فيثبت أنّ لا شيء انتهى، وأنّ في الإنسان نشاطًا متحرّكًا من أصلٍ إلهيّ، يحوّلُ القُبحَ إلى جمال، والطرقات المسدودة إلى آفاق منفتحة. والمقال يعرض، إلى جانب الفلاسفة اليونانيّين، نظريّات فلاسفة كُثُر ومفكّرين مثل إيمانويل كانْت وكارل ماركس وحميد موراني وغيرهم ممَّن كانت لهم آراء في المسألة المطروحة.

“قراءة ليترجيّة لأمثال 9: 1- 11” في الأعياد المريميّة البيزنطيّة

إنّ الصلوات المسائيّة في الأعياد الكبرى (عيد المسيح والعذراء أمّ الله وبعض القدّيسين) في الكنيسة البيزنطيّة تحتوي، إضافةً إلى المزامير والأناشيد، على ثلاثة نصوص كتابيّة مُنتَقاة من العهد القديم. فإنّ نصّ أمثال 9: 1- 11 مُختار قراءةً ثالثة للأعياد المريميّة: ولادتها، وبشارتها، ورقادها، وعيد سيّدة الحماية. يبغي مؤلّف المقال أن يدرس هذا النصّ ويحلّله استنادًا إلى تحليلات الآباء. كما يستنتج منه أفكارًا لاهوتيّة، في إطارٍ ليترجيّ. بالفعل، إنّ النصوص الليترجيّة بحدّ ذاتها هي تحليل! وهذا ما دفع المؤلّف إلى اتّخاذ تعبير “قراءة ليترجيّة” عنوانًا لمقاله.

عبد الناصر: تكوين “الأنا الوطنيّة” وأثرها في الأعمال

إنّ عبد الناصر، وقد تابع دروسه في مدرسة “رأس التين: مركز الشبيبة المقاومين الاحتلالَ البريطانيّ”، طُبِعَ بالأيديولوجيا الثورويّة. وتعلّق جدًّا بمجموعات المقاومين هذه. وإذ أصبح عسكريًّا، توجّهَ نحو رفاقه الضبّاط، فكان متساهلًا معهم ومنعه من رؤية أخطائهم.
إعتقد بعضُ الناس أنّ عبد الناصر أصبح دِكتاتورًا، وهذا ليس صحيحًا، لأنّ شخصيّته لم تكن قد تغيّرت، ولكن ما كبُر عنده كان هذا الجانب الأيديولوجيّ الثورويّ العائد إلى عامِلَين: عادة النجاح والثقة بإمكانيّة اتّخاذ القرارات الحاسمة أوّلًا، والشعور بأنّه ووطنَه كانا طريدتَي الأعداء ثانيًا.

جاليات التجّار الإيطاليّين في المدن الساحليّة اللبنانيّة إبّان القرنَين الثاني عشر والثالث عشر

من العام 1098 إلى العام 1291، أدّى التجّار الإيطاليّون دورًا فاعلًا في حياة الساحل اللبنانيّ الاقتصاديّة. فغالبًا ما خدّدت الأساطيل البحر الأبيض المتوسّط لتوصِلَ تجّارًا وبضائعَ في الموانئ من صور إلى طرابلس، وكانت النشاطات التجاريّة حينها يحرّكُها تملّك مصالح إقليميّة وتجاريّة تأثيرها قويّ جدًّا في تلك المدن التي كان الصليبيّون يحتجزونها لتسهيل سَير أعمالهم. فقد حصلوا على امتيازاتٍ سمحت لهم بتملّك أحياء بكاملها في صور وصيدا وبيروت وجبيل والبترون وطرابلس، فيها كنائس ومستودعات وساحات وأفران وطواحين ومسالخ وحمّامات. كما أنّهم حصلوا على ملحقاتٍ خارجيّة وأراضٍ وحدائق وقُرى، خارج الأماكن المسيّجة.
يعالج هذا المقال مسألة حضور الجماعات التجاريّة الإيطاليّة في مدن الساحل اللبنانيّ في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر، بامتيازاتها، وأملاكها، وأوضاعها الاجتماعيّة، وأدوارها التجاريّة.

القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسِّس الرهبنة اليسوعيّة (2)

في الجزء الثاني هذا من المقال، أطالت المؤلّفة الحديث عن الطريقة التي انتُخِب بها القدّيس إغناطيوس رئيسًا عامًّا للرهبانيّة اليسوعيّة، وكيف أعلن نذوره الرهبانيّة مع رفاقه، كما ذكرت الإنجازات التي كان قد حقّقها بعد انتخابه هذا. وتحدّثت أيضًا عن مزاياه، كما في الجزء الأوّل من مقالها، وعن كيف توفّي، مؤكّدة أنّ وفاته طبعت اسمه إلى الأبد وأبرزت عظمتَه: إعلان قداسته في الكنيسة. وذكّرت المؤلّفة بالمعجزات التي قام بها باسم يسوع. وأتت على ذكر الرياضات الروحيّة الخاصّة به من دون سواه، شارحةً أهميّتها وبُنيتها. باختصار، تكلّمت على أجمل ما عُرف به إغناطيوس ورسائله الغنيّة وكرَمه المعروف.>

طموح أبي حنيفة: المنطق مقابل الذاكرة. إعادة بناء شخصيّة أبي حنيفة استنادًا إلى رواياتٍ ثانويّة

يهتمّ هذا المقال بإعادة بناء شخصيّة أبي حنيفة وأساليبه الجداليّة انطلاقًا ممّا وصفه الخطيب البغداديّ وروايات أخرى ثانويّة. نبدأ بفحصٍ وجيز لأنواع السِيَر المستعمَلَة عادةً مراجعَ لدراسة الشخصيّات، ثمّ نحلّل خيارات أبي حنيفة الاحترافيّة مقارنةً باختيارات الطبيب الفارسيّ برزويه. إنّ السبب الذي دفع بأبي حنيفة إلى اختيار مهنته ملائمٌ للأسلوب البرهانيّ الذي استعمله لاحقًا، وهو الفكر النقديّ في أيّامنا. وقد بقي وفيًّا لهذا الأسلوب.

هل الزواج إحدى نتائج المعصية والسقوط؟ رأيان متناقضان لآباء الكنيسة

يبيّنُ هذا المقال الطريقة التي عالج بها آباءُ الكنيسة إشكاليّة الزواج بصفته نتيجةَ سقوط الإنسان الكبرى، بعد معصيته خالِقَه. فبالاعتبار أنّ هذا السقوط نفسه سبّب الزواجَ وكلّ ما يتعلّق به، من العلاقة الجسديّة إلى الانحطاط والموت، أي ما نسمّيه الحياة البيولوجيّة، دعموا وجهة نظرهم بالرجوع إلى النصّ المقدّس التكوين 4: 1. فلنكتشف إذًا، من خلال هذا المقال، إن اتّفقت آراؤهم أو اختلفت بهذا الشأن.

على عَتَبة الكَنيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود

إنّ تعبير “اليهوديّة” تعبيرٌ صعب اللفظ في المجتمع العربيّ. ومع ذلك، فإنّ مصيره مرتبط بأحد مفاهيم التاريخ منذ المراجع البيبليّة إلى المشكلات المعاصرة. فالتجارب العنيفة والتراجيديّة مثل الفتوحات والنفي والشتات هزّت تاريخ الشعب اليهوديّ الذي، وقد تشتّت في أصقاع العالم، لا يكفّ عن استنباط الأمل من كلام الأنبياء وبعدَه كلام الأحبار. وقد أدّت اليهوديّة دور الوسيط بين الديانات القائلة بتعدّد الآلهة وتلك القائلة بإلهٍ واحد، وهي تتوجّه أساسًا نحو الفعل، وتحقيق إرادة إله إسرائيل، والإيمان بمجيء المسيح. والإيمان اليهوديّ ينبع من الكتاب المقدّس، حيث تؤلّف التوراة، وقد أُعلِنت لموسى، الجوهرَ الأبديّ، وتحدّد قوانين الحياة والطقوس، ولكن أيضًا التلمود أي التوراة الشفهيّة.

منازل التكفير في الثقافة العربيّة الإسلاميّة

إنّ ثقافات الديانات الموحِّدة تنقلُ، بحماس، مفهوم “الكفر”. والاتّهام بالتكفير الموجّه إلى الآخر الذي يتميّز بإيمانه ومجتمعه أو انتمائه السياسيّ، يمثّل حجر الزاوية في النزاعات الراهنة على ساحة الدول الإسلاميّة. وينتج من التفاعل الضيّق بين الدينيّ والسياسيّ، ومن تفسيرٍ للآيات القرآنيّة يغذّي الشجارات والجِدالات. ومنازلُ التكفير تختلف بحسب الطوائف والتيّارات والمجتمعات. أمّا تحدّي الفكر العربيّ-الإسلاميّ فهو تقليم أساليب السلوك المنحدرة من هذا الاتّهام وما تتضمّنه من عُنفٍ وحقد ومن ثقافة التعصُّب والموت.

القدَر في أدب أبي العلاء المعرّي

ما أودُّ إظهارَه من خلال سطور هذا البحث ليس مجرّد مُناظرة بيزنطيّة، بل هو بالحريّ سَفَر أدبيّ في الزمن حيث كانت قصائد أبي العلاء المعرّي تعيشُ مجدًا أيَّ مَجد! وهكذا، يبدو لي أنّ مسألة القدَر التي تشغل البشر تمثّل بالفعل شخصَين يستمتعان بالوقت المتبقّي لهما من الحياة: المتشائم والمتفائل. فالمتشائم يقول: “آه! يا للخيبة! حرمَني القدَر من نصف حياتي. فما الذي تبقّى لي؟”، في حين أنّ المتفائل يقول: “يا إلهي! ما زال أمامي كلّ هذه السنوات لأعيشَها، وأكثر من أيّ وقت، سأستفيد منها!”. هذان يعكسان حالةً نفسيّة يعيشانها. وفي هذه الدراسة، يظهر المعرّي مستندًا إلى التأمّل في العلاقة بين الله والإنسان في قصائده، ما سمح له بتبيان ميله الشخصيّ. كما أنّه اعتبر أنّ حريّة الاختيار هي جوهر الإنسان المتميّز من كلّ إنسانٍ غيره.
من خلال هذا كلّه حاولتُ إظهار القلق الذي يشعر به إزاءَ قدَره، بعبارة أخرى إزاء عَماه الأبديّ. وقد وضع المعرّي كلًّا من القدَر والله على مستوى واحد، واعتبرَ أنّ القدَر هو سُلطة قاسية وظالمة، تسيطر على شؤون الإنسان، وقوّتها لا تُقارَن.

i

مقالات هذا العدد

العولمة وتأثيرها الدِّينيّ والثقافيّ

في هذه المقابلة يجري الحديث عن العولمة وتأثيراتها الثقافيّة والدينيّة في لبنان والبلدان العربيّة. وإنّ ﭘاسكال مونان، أستاذ في جامعة القدّيس يوسف، يعتبر أنّ العولمة، مع التطوّر الراهن، قد أصبحت نظامًا يدمّر الحدود التي تفصل الدول والمجتمعات، ويساهم في الوقت نفسه في تقصير المسافات وفي توحيد الأمثلة المطروحة، وكأنّ العالم بأكمله مجرّد قرية. لهذا السبب يرى أنّه من الضروريّ المحافظة على الهويّات الثقافيّة الدوليّة والدفاع عن اللغة بوجهٍ خاصّ. ولكنّ العالم يهدف إلى إنشاء لغة عالميّة هي اللغة الإنكليزيّة، على حساب اللغات الأمّ. واستطاعت العولمة أن تشجّع الانفتاح على الديانات الأخرى، عبر تقريبها الواحدة من الأخرى. كما ساهمت في ما يُسمّى “الربيع العربيّ” في بعض البلدان. في الواقع، تبيَّنَ أنّ الانفتاح العربيّ على الغرب ذو فائدة لأجل التعاون بين الجامعات المحليّة والعالميّة لتبادل الخبرات. إنّ مفتاحَ الحداثة هو العلم والمعرفة. مع ذلك، فإنّ مستوى الأميّة في البلدان العربيّة لايزالُ مرتفعًا، حتّى في لبنان حيث “تُغتَصَب” حقوق الإنسان وحقوق المرأة يوميًّا. فتحتاج العولمة إلى مزيد من الوقت والمجهود لنلمس منها نتائجَ فعّالة.

ضحايا الاستعمار والحقّ في التعويض وجبر الضرر. قراءة في قضيّتَي شعب “الهيريرو” وحركة “الماوماو”

يعالج هذا المقال مسألة حقوق ضحايا حقبة الاستعمار. تلك الحقبة التي بدأت مع مؤتمر برلين العام 1884، وقد انعقد من 15 فبراير إلى 26 فبراير 1885، وانتهت مع نيل آخر دولة أفريقيّة استقلالها في منتصف ستّينيّات القرن العشرين. إنّ معاناة الشعوب التي رزحت تحت الحكم الكولونيّ امتدّت منذ ثمانينيّات القرن التاسع عشر حتّى سبعينيّات القرن العشرين. يعرض المقال تفاصيل القضيّة، بحثًا عن إمكانيّة فرض وضع قانونيّ يحمي الضحايا المعنيّين. فعلى الحكومات والمسؤولين أن يلتزموا بمسؤوليّاتهم تجاه الجرائم وعدم المساواة التاريخيَّين. إذ حتّى اليوم، لا آليّةَ عالميّة تساعد ضحايا الاستعمار على المطالبة بالتعويضات التي من حقّهم.

أيُّها الشيطان، أين شوكتُكَ؟

تعدّدت الوسائل الإعلاميّة المسيحيّة المحليّة والعالميّة، ولاسيّما قنوات التلفزيون، التي تبثّ برامجَ عن الشرّ بل عن طرد الأرواح الشرّيرة. وهذا يسبّب ردّات فعل وأسئلة متنوّعة في أوساط المؤمنين: هل الحياةُ المسيحيّة هي حقًّا نضال بوجه الشرّ؟ وهل من الضروريّ تشخيص الشرّ هذا؟ أليس الشرّ مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بحريّة الإنسان؟ إنّها أسئلة قديمة تتجدّد بلا انقطاع وتنتظر أجوبةً جديدة من العلماء ولكن أيضًا من اللاهوتيّين. وفي هذا المقال، يعرض المؤلِّف مقاربة بيبليّة نقديّة تبنّاها عددٌ من اللاهوتيّين في الكنيسة الكاثوليكيّة، ويقترح طريقة جديدة لفهم المسألة.

أزمة مفهوم الرجاء: ماذا تقول الفلسفة والفكر المعاصر؟

من الواضح أنّ عالم اليوم، ولاسيّما الشرق الأوسط والأدنى وبعض البلدان العربيّة، يعيشُ أوقاتًا عصيبة لا تخلو من العنف والصعوبات. فالرجاء مهدَّد في هذه الظروف. مع أنّ الفلسفة، منذ أفلاطون وأرسطو، مقتنعة بأنّ الرجاء فضيلة ومفهوم لن يختفيَ أبدًا إذ إنّه مرتبط بمصير البشريّة؛ كلُّ إنسان يرجو دائمًا الخروج من أزمته، وفي كلّ مرّة يكونُ الموت فيها مهدِّدًا، يأتي الرجاء للمساعدة فيثبت أنّ لا شيء انتهى، وأنّ في الإنسان نشاطًا متحرّكًا من أصلٍ إلهيّ، يحوّلُ القُبحَ إلى جمال، والطرقات المسدودة إلى آفاق منفتحة. والمقال يعرض، إلى جانب الفلاسفة اليونانيّين، نظريّات فلاسفة كُثُر ومفكّرين مثل إيمانويل كانْت وكارل ماركس وحميد موراني وغيرهم ممَّن كانت لهم آراء في المسألة المطروحة.

“قراءة ليترجيّة لأمثال 9: 1- 11” في الأعياد المريميّة البيزنطيّة

إنّ الصلوات المسائيّة في الأعياد الكبرى (عيد المسيح والعذراء أمّ الله وبعض القدّيسين) في الكنيسة البيزنطيّة تحتوي، إضافةً إلى المزامير والأناشيد، على ثلاثة نصوص كتابيّة مُنتَقاة من العهد القديم. فإنّ نصّ أمثال 9: 1- 11 مُختار قراءةً ثالثة للأعياد المريميّة: ولادتها، وبشارتها، ورقادها، وعيد سيّدة الحماية. يبغي مؤلّف المقال أن يدرس هذا النصّ ويحلّله استنادًا إلى تحليلات الآباء. كما يستنتج منه أفكارًا لاهوتيّة، في إطارٍ ليترجيّ. بالفعل، إنّ النصوص الليترجيّة بحدّ ذاتها هي تحليل! وهذا ما دفع المؤلّف إلى اتّخاذ تعبير “قراءة ليترجيّة” عنوانًا لمقاله.

عبد الناصر: تكوين “الأنا الوطنيّة” وأثرها في الأعمال

إنّ عبد الناصر، وقد تابع دروسه في مدرسة “رأس التين: مركز الشبيبة المقاومين الاحتلالَ البريطانيّ”، طُبِعَ بالأيديولوجيا الثورويّة. وتعلّق جدًّا بمجموعات المقاومين هذه. وإذ أصبح عسكريًّا، توجّهَ نحو رفاقه الضبّاط، فكان متساهلًا معهم ومنعه من رؤية أخطائهم.
إعتقد بعضُ الناس أنّ عبد الناصر أصبح دِكتاتورًا، وهذا ليس صحيحًا، لأنّ شخصيّته لم تكن قد تغيّرت، ولكن ما كبُر عنده كان هذا الجانب الأيديولوجيّ الثورويّ العائد إلى عامِلَين: عادة النجاح والثقة بإمكانيّة اتّخاذ القرارات الحاسمة أوّلًا، والشعور بأنّه ووطنَه كانا طريدتَي الأعداء ثانيًا.

جاليات التجّار الإيطاليّين في المدن الساحليّة اللبنانيّة إبّان القرنَين الثاني عشر والثالث عشر

من العام 1098 إلى العام 1291، أدّى التجّار الإيطاليّون دورًا فاعلًا في حياة الساحل اللبنانيّ الاقتصاديّة. فغالبًا ما خدّدت الأساطيل البحر الأبيض المتوسّط لتوصِلَ تجّارًا وبضائعَ في الموانئ من صور إلى طرابلس، وكانت النشاطات التجاريّة حينها يحرّكُها تملّك مصالح إقليميّة وتجاريّة تأثيرها قويّ جدًّا في تلك المدن التي كان الصليبيّون يحتجزونها لتسهيل سَير أعمالهم. فقد حصلوا على امتيازاتٍ سمحت لهم بتملّك أحياء بكاملها في صور وصيدا وبيروت وجبيل والبترون وطرابلس، فيها كنائس ومستودعات وساحات وأفران وطواحين ومسالخ وحمّامات. كما أنّهم حصلوا على ملحقاتٍ خارجيّة وأراضٍ وحدائق وقُرى، خارج الأماكن المسيّجة.
يعالج هذا المقال مسألة حضور الجماعات التجاريّة الإيطاليّة في مدن الساحل اللبنانيّ في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر، بامتيازاتها، وأملاكها، وأوضاعها الاجتماعيّة، وأدوارها التجاريّة.

القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسِّس الرهبنة اليسوعيّة (2)

في الجزء الثاني هذا من المقال، أطالت المؤلّفة الحديث عن الطريقة التي انتُخِب بها القدّيس إغناطيوس رئيسًا عامًّا للرهبانيّة اليسوعيّة، وكيف أعلن نذوره الرهبانيّة مع رفاقه، كما ذكرت الإنجازات التي كان قد حقّقها بعد انتخابه هذا. وتحدّثت أيضًا عن مزاياه، كما في الجزء الأوّل من مقالها، وعن كيف توفّي، مؤكّدة أنّ وفاته طبعت اسمه إلى الأبد وأبرزت عظمتَه: إعلان قداسته في الكنيسة. وذكّرت المؤلّفة بالمعجزات التي قام بها باسم يسوع. وأتت على ذكر الرياضات الروحيّة الخاصّة به من دون سواه، شارحةً أهميّتها وبُنيتها. باختصار، تكلّمت على أجمل ما عُرف به إغناطيوس ورسائله الغنيّة وكرَمه المعروف.>

طموح أبي حنيفة: المنطق مقابل الذاكرة. إعادة بناء شخصيّة أبي حنيفة استنادًا إلى رواياتٍ ثانويّة

يهتمّ هذا المقال بإعادة بناء شخصيّة أبي حنيفة وأساليبه الجداليّة انطلاقًا ممّا وصفه الخطيب البغداديّ وروايات أخرى ثانويّة. نبدأ بفحصٍ وجيز لأنواع السِيَر المستعمَلَة عادةً مراجعَ لدراسة الشخصيّات، ثمّ نحلّل خيارات أبي حنيفة الاحترافيّة مقارنةً باختيارات الطبيب الفارسيّ برزويه. إنّ السبب الذي دفع بأبي حنيفة إلى اختيار مهنته ملائمٌ للأسلوب البرهانيّ الذي استعمله لاحقًا، وهو الفكر النقديّ في أيّامنا. وقد بقي وفيًّا لهذا الأسلوب.

هل الزواج إحدى نتائج المعصية والسقوط؟ رأيان متناقضان لآباء الكنيسة

يبيّنُ هذا المقال الطريقة التي عالج بها آباءُ الكنيسة إشكاليّة الزواج بصفته نتيجةَ سقوط الإنسان الكبرى، بعد معصيته خالِقَه. فبالاعتبار أنّ هذا السقوط نفسه سبّب الزواجَ وكلّ ما يتعلّق به، من العلاقة الجسديّة إلى الانحطاط والموت، أي ما نسمّيه الحياة البيولوجيّة، دعموا وجهة نظرهم بالرجوع إلى النصّ المقدّس التكوين 4: 1. فلنكتشف إذًا، من خلال هذا المقال، إن اتّفقت آراؤهم أو اختلفت بهذا الشأن.

على عَتَبة الكَنيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود

إنّ تعبير “اليهوديّة” تعبيرٌ صعب اللفظ في المجتمع العربيّ. ومع ذلك، فإنّ مصيره مرتبط بأحد مفاهيم التاريخ منذ المراجع البيبليّة إلى المشكلات المعاصرة. فالتجارب العنيفة والتراجيديّة مثل الفتوحات والنفي والشتات هزّت تاريخ الشعب اليهوديّ الذي، وقد تشتّت في أصقاع العالم، لا يكفّ عن استنباط الأمل من كلام الأنبياء وبعدَه كلام الأحبار. وقد أدّت اليهوديّة دور الوسيط بين الديانات القائلة بتعدّد الآلهة وتلك القائلة بإلهٍ واحد، وهي تتوجّه أساسًا نحو الفعل، وتحقيق إرادة إله إسرائيل، والإيمان بمجيء المسيح. والإيمان اليهوديّ ينبع من الكتاب المقدّس، حيث تؤلّف التوراة، وقد أُعلِنت لموسى، الجوهرَ الأبديّ، وتحدّد قوانين الحياة والطقوس، ولكن أيضًا التلمود أي التوراة الشفهيّة.

منازل التكفير في الثقافة العربيّة الإسلاميّة

إنّ ثقافات الديانات الموحِّدة تنقلُ، بحماس، مفهوم “الكفر”. والاتّهام بالتكفير الموجّه إلى الآخر الذي يتميّز بإيمانه ومجتمعه أو انتمائه السياسيّ، يمثّل حجر الزاوية في النزاعات الراهنة على ساحة الدول الإسلاميّة. وينتج من التفاعل الضيّق بين الدينيّ والسياسيّ، ومن تفسيرٍ للآيات القرآنيّة يغذّي الشجارات والجِدالات. ومنازلُ التكفير تختلف بحسب الطوائف والتيّارات والمجتمعات. أمّا تحدّي الفكر العربيّ-الإسلاميّ فهو تقليم أساليب السلوك المنحدرة من هذا الاتّهام وما تتضمّنه من عُنفٍ وحقد ومن ثقافة التعصُّب والموت.

القدَر في أدب أبي العلاء المعرّي

ما أودُّ إظهارَه من خلال سطور هذا البحث ليس مجرّد مُناظرة بيزنطيّة، بل هو بالحريّ سَفَر أدبيّ في الزمن حيث كانت قصائد أبي العلاء المعرّي تعيشُ مجدًا أيَّ مَجد! وهكذا، يبدو لي أنّ مسألة القدَر التي تشغل البشر تمثّل بالفعل شخصَين يستمتعان بالوقت المتبقّي لهما من الحياة: المتشائم والمتفائل. فالمتشائم يقول: “آه! يا للخيبة! حرمَني القدَر من نصف حياتي. فما الذي تبقّى لي؟”، في حين أنّ المتفائل يقول: “يا إلهي! ما زال أمامي كلّ هذه السنوات لأعيشَها، وأكثر من أيّ وقت، سأستفيد منها!”. هذان يعكسان حالةً نفسيّة يعيشانها. وفي هذه الدراسة، يظهر المعرّي مستندًا إلى التأمّل في العلاقة بين الله والإنسان في قصائده، ما سمح له بتبيان ميله الشخصيّ. كما أنّه اعتبر أنّ حريّة الاختيار هي جوهر الإنسان المتميّز من كلّ إنسانٍ غيره.
من خلال هذا كلّه حاولتُ إظهار القلق الذي يشعر به إزاءَ قدَره، بعبارة أخرى إزاء عَماه الأبديّ. وقد وضع المعرّي كلًّا من القدَر والله على مستوى واحد، واعتبرَ أنّ القدَر هو سُلطة قاسية وظالمة، تسيطر على شؤون الإنسان، وقوّتها لا تُقارَن.

Share This