السنة ٩١
الجزء الثاني

السنة الأوّل والتسعون | الجزء الثاني | تمّوز – كانون الأوّل ٢٠١٧

أطلب نسختك الورقيّة

إشترِ نسختك الرقميّة

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

العنف والدين: لننظرْ إلى سبب المشكلة!

عند حدوث أيّ جريمة إرهابيّة بحقّ الأبرياء أغربيّين كانوا أم أقباطًا أم مسلمين، تتعدّد الإدانات وأصوات الشجب والاستنكار مهدّدة باقتلاع الإرهاب من جذوره. ويضاف إلى ذلك كلّه كمٌّ لا يُستهان به من التصريحات المعلّبة التي تندِّد بالفعلة الماكرين والجاهلين قواعد الدِّين وتبرِّئ ساحته من أيّ إرادة للعنف وقتل الأرواح البريئة، وبالتالي تعلن عاليًا أنَّ الدِّين رسالةٌ سمحاء ودعوة إلى الأمان والسلام لا تعرف على الإطلاق تلك النزوات الخبيثة التي هدفها إهلاك الإنسان لا بل الدِّين عينه.
لنسلّم جدلًا أنَّ هذه التصريحات والإدانات هي في مكانها، وكذلك ردّات الفعل المؤدِّبة التي تقوم بها الحكومات حيال مرتكبي تلك الأفعال الشنيعة باسم الدِّين، لا بل باسم الله عزّ وجلّ من دون رادع أو وازع. إلاّ أنّ هذه المواقف تبقى سلبيّة ومحدودة المفاعيل حيال ما يقترفه المجرمون، حتّى لا نقول إنّها تعزِّز مكانته أمام الشعوب، لأنّها لا تنتقل إلى مرحلة أخرى، وهي السعي إلى البحث عن المصادر الأساسيّة ومسببّات هذا العنف الذي لا ينجم عن أسباب تتعلّق بالفقر والحرمان وحسب، بل إنّ له علاقة بثقافة معيّنة تسمح بالتطاول عنفًا وقهرًا على الآخر المختلف دينًا أو ثقافة أو عقيدة. ولنقل إنّ هذه الثقافة مصدرها التربية في المدرسة على وجه الخصوص، إلى جانب التأثير المجتمعيّ سواء أعلى مستوى منابر الدعاة والواعظين كان ذلك أم على مستوى القنوات التلفزيونيّة. ألم تُشر إحدى الدراسات إلى أنّ التلفزيونات في العالم العربيّ والإسلاميّ تبثُّ إمّا البرامج المقزِّمة الآخر (25 بالمئة)، وإمّا البرامج الدينيّة التي لا تتردّد في تهميش الآخر المختلف إن لم نقل أكثر (25 بالمئة)، وإمّا المسلسلات من مختلف الألوان والأجناس التي تغرق المشاهد في نوعٍ من التنويم النفسيّ والمغناطيسيّ (50 بالمئة)، فلا وقت له للتفكير أو لمراجعة أقواله وسلوكه نقدًا.
والمراقب التربية في المدرسة ببعض البلاد حتّى تلك التي أعلنت الحرب على التكفير والتكفيريّين وعلى الإرهاب والإرهابيّين، يجد أنّ الكتب المدرسيّة تحتوي على الكثير من الإشالكاليّات الموظِّفة التكفير، وذلك على مستويَيْن: ففي كتب اللغة العربيّة وآدابها سقط الأدب العربيّ الوضعيّ من القاموس، وحلّ مكان النصوص الأدبيّة الشهيرة النصوصُ الدينيّة المختلفة والمتعدِّدة المشارب، كما أنّ الحصص المكرّسة لتعليم اللغة والعقيدة والشريعة تفوق في بعض الأحيان الحصص المكرّسة لتعليم العلوم والرياضيّات واللغات العالمية. ويُجمع دارسو الكتب الدينيّة على أنّها تحتوي نظرة ضيّقة لا متسامحة تعادي الآخرين وتضعهم في مكانة الخارج على العقيدة، وبالتالي تؤسّس عند المتعلّم تلك الثقافة المعادية لوجود الآخر الذي يُنظر إليه وكأنّه خطرٌ على إجماع الأمّة وصلابتها.
ويرتبط هذا المنحى في إعداد كتب التعليم الدينيّ وحتّى المدرسيّة منها بوجهٍ عامّ برفضٍ للتغيير تتزعمّه القيادات المحافظة، بحجّة عدم التخلّي عن أساسيّات العقيدة، والنظر إلى ذلك كأنّه جزءٌ لا يتجزأ من الصحوة الدينيّة العامّة. فكيف تتخلّى دولة ما أو حركة معيّنة عن تلك «الأساسيّات»، في حين أنّ دولًا أخرى تتشبّث بها في كتبها وأدبيّاتها؟ إذ بعد أيلول 2001، صُرفت مليارات الدولارات على تجديد الكتب الدينيّة وإصلاحها وتحديثها، إلاّ أنّ النتيجة كانت عودة إلى الوراء، لأنّ مقابل كلّ كتاب مُحدَّث كان يصدر عشرون من التقليد، وبالتالي سقط الإصلاح وارتدَّ المصلحون يحملون آثار الخيبة وتبعاتها.
إنّها الحلقة المفرغة، وإنّها المصيبة المستمرّة في عقولٍ تتآكلها الرغبة في القضاء على الآخرين، وبالتالي على الذات أيضًا. وبالرغم من ذلك، فإنّ إرادة التغيير لا زالت واعية في بعض الأصقاع وعند الكثير من المستنيرين، وهي خميرة لن تذوب إلاّ بتخمير ثقافة جديدة.
وإنّ مجلّة المشرق في مختلف إسهاماتها في هذا العدد الجديد إنّما تشارك ولو بوجهٍ محدود، في الدعوة إلى تغليب العقل الناقد، حتّى تستقيم الثقافة الداعية إلى الاحترام، أي إلى الوقوف بخَفَر عند حريّة حياة الإنسان الآخر المختلفِ، وهذا من الثوابت التي تنادي بها أيّ نهضة تحترم ذاتها والآخرين.

إفتتـاحيّــة العدد

العنف والدين: لننظرْ إلى سبب المشكلة!

عند حدوث أيّ جريمة إرهابيّة بحقّ الأبرياء أغربيّين كانوا أم أقباطًا أم مسلمين، تتعدّد الإدانات وأصوات الشجب والاستنكار مهدّدة باقتلاع الإرهاب من جذوره. ويضاف إلى ذلك كلّه كمٌّ لا يُستهان به من التصريحات المعلّبة التي تندِّد بالفعلة الماكرين والجاهلين قواعد الدِّين وتبرِّئ ساحته من أيّ إرادة للعنف وقتل الأرواح البريئة، وبالتالي تعلن عاليًا أنَّ الدِّين رسالةٌ سمحاء ودعوة إلى الأمان والسلام لا تعرف على الإطلاق تلك النزوات الخبيثة التي هدفها إهلاك الإنسان لا بل الدِّين عينه.
لنسلّم جدلًا أنَّ هذه التصريحات والإدانات هي في مكانها، وكذلك ردّات الفعل المؤدِّبة التي تقوم بها الحكومات حيال مرتكبي تلك الأفعال الشنيعة باسم الدِّين، لا بل باسم الله عزّ وجلّ من دون رادع أو وازع. إلاّ أنّ هذه المواقف تبقى سلبيّة ومحدودة المفاعيل حيال ما يقترفه المجرمون، حتّى لا نقول إنّها تعزِّز مكانته أمام الشعوب، لأنّها لا تنتقل إلى مرحلة أخرى، وهي السعي إلى البحث عن المصادر الأساسيّة ومسببّات هذا العنف الذي لا ينجم عن أسباب تتعلّق بالفقر والحرمان وحسب، بل إنّ له علاقة بثقافة معيّنة تسمح بالتطاول عنفًا وقهرًا على الآخر المختلف دينًا أو ثقافة أو عقيدة. ولنقل إنّ هذه الثقافة مصدرها التربية في المدرسة على وجه الخصوص، إلى جانب التأثير المجتمعيّ سواء أعلى مستوى منابر الدعاة والواعظين كان ذلك أم على مستوى القنوات التلفزيونيّة. ألم تُشر إحدى الدراسات إلى أنّ التلفزيونات في العالم العربيّ والإسلاميّ تبثُّ إمّا البرامج المقزِّمة الآخر (25 بالمئة)، وإمّا البرامج الدينيّة التي لا تتردّد في تهميش الآخر المختلف إن لم نقل أكثر (25 بالمئة)، وإمّا المسلسلات من مختلف الألوان والأجناس التي تغرق المشاهد في نوعٍ من التنويم النفسيّ والمغناطيسيّ (50 بالمئة)، فلا وقت له للتفكير أو لمراجعة أقواله وسلوكه نقدًا.
والمراقب التربية في المدرسة ببعض البلاد حتّى تلك التي أعلنت الحرب على التكفير والتكفيريّين وعلى الإرهاب والإرهابيّين، يجد أنّ الكتب المدرسيّة تحتوي على الكثير من الإشالكاليّات الموظِّفة التكفير، وذلك على مستويَيْن: ففي كتب اللغة العربيّة وآدابها سقط الأدب العربيّ الوضعيّ من القاموس، وحلّ مكان النصوص الأدبيّة الشهيرة النصوصُ الدينيّة المختلفة والمتعدِّدة المشارب، كما أنّ الحصص المكرّسة لتعليم اللغة والعقيدة والشريعة تفوق في بعض الأحيان الحصص المكرّسة لتعليم العلوم والرياضيّات واللغات العالمية. ويُجمع دارسو الكتب الدينيّة على أنّها تحتوي نظرة ضيّقة لا متسامحة تعادي الآخرين وتضعهم في مكانة الخارج على العقيدة، وبالتالي تؤسّس عند المتعلّم تلك الثقافة المعادية لوجود الآخر الذي يُنظر إليه وكأنّه خطرٌ على إجماع الأمّة وصلابتها.
ويرتبط هذا المنحى في إعداد كتب التعليم الدينيّ وحتّى المدرسيّة منها بوجهٍ عامّ برفضٍ للتغيير تتزعمّه القيادات المحافظة، بحجّة عدم التخلّي عن أساسيّات العقيدة، والنظر إلى ذلك كأنّه جزءٌ لا يتجزأ من الصحوة الدينيّة العامّة. فكيف تتخلّى دولة ما أو حركة معيّنة عن تلك «الأساسيّات»، في حين أنّ دولًا أخرى تتشبّث بها في كتبها وأدبيّاتها؟ إذ بعد أيلول 2001، صُرفت مليارات الدولارات على تجديد الكتب الدينيّة وإصلاحها وتحديثها، إلاّ أنّ النتيجة كانت عودة إلى الوراء، لأنّ مقابل كلّ كتاب مُحدَّث كان يصدر عشرون من التقليد، وبالتالي سقط الإصلاح وارتدَّ المصلحون يحملون آثار الخيبة وتبعاتها.
إنّها الحلقة المفرغة، وإنّها المصيبة المستمرّة في عقولٍ تتآكلها الرغبة في القضاء على الآخرين، وبالتالي على الذات أيضًا. وبالرغم من ذلك، فإنّ إرادة التغيير لا زالت واعية في بعض الأصقاع وعند الكثير من المستنيرين، وهي خميرة لن تذوب إلاّ بتخمير ثقافة جديدة.
وإنّ مجلّة المشرق في مختلف إسهاماتها في هذا العدد الجديد إنّما تشارك ولو بوجهٍ محدود، في الدعوة إلى تغليب العقل الناقد، حتّى تستقيم الثقافة الداعية إلى الاحترام، أي إلى الوقوف بخَفَر عند حريّة حياة الإنسان الآخر المختلفِ، وهذا من الثوابت التي تنادي بها أيّ نهضة تحترم ذاتها والآخرين.

محتويات العدد

@
صورة شمس تبريزي في الأدبيّات الحديثة
بقلم خالد محمّد عبده
@
خصائص الأسلوب في سورة الحاقّة
بقلم د. عزّت مُلّا إبراهيمي وبايزيد تاند
@
"أراك تقدّر النساء ولا تبخسهنّ حقّهنّ": المرأة في مقامات أحمد فارس الشدياق
بقلم ماري ساروفيم
@
الجنويّون في بلاط السلاطين الأيّوبيّين والمماليك في مصر من مطلع القرن الثالث عشر حتّى منتصف القرن الخامس عشر
بقلم د. بيار مكرزل
@
العلاقات بين مملكة كيليكيا الأرمنيّة والمماليك: 691- 722ه/ 1292- 1322م
بقلم د. أندريه نصّار
@
صورة لبنان في سفرنامة ناصرخسرو ورحلة ابن بطّوطة: دراسة مقارنة
بقلم عليّ أصغر “قهرماني مُقبِل” وأحمد حيدري
@
إفتتـاحيّــة: العنف والدين: لننظرْ إلى سبب المشكلة!
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّ
@
القِيَم المشتركة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة: من أين تبدأ، وكيف تُبنى، وإلى أين تنتهي؟
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّّ
@
لاعقلانيّةُ العقلِ العربيّ الإسلاميّ عند محمّد عابد الجابريّ
بقلم الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّّ
@
النَّفْس: المبدأ والمعاد في فلسفة يحيى بن عديّ
بقلم د. نادين عبّاس
@
"فلتركُض روحُها بسلام". دور وسائط التواصُل الاجتماعيّ في رابوع اللغة
ببقلم د. جوزف لبُّس
@
سَمفونيّة النداء في "قصيدة بلقيس" لنزار قبّاني: محاكاة النصّ موسيقيًّا من خلال قراءته نحويًّا ودلاليًّا
بقلم د. غابي الفغالي
@
قراءة في سِيَر ستّ قدّيسات تنكّرنَ بملابس الرجال (1)
بقلم د. منى كرم
i

مقالات هذا العدد

القِيَم المشتركة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة: من أين تبدأ، وكيف تُبنى، وإلى أين تنتهي؟

يعالج هذا المقال ظروف الحوار الإسلاميّ-المسيحيّ الذي يُعَدّ تحدّيًا على مستوياتٍ ثلاثة: 1- سياسيّ، إذ من الضروريّ ضمان توازن بين الهويّة والانفتاح، 2- عقلانيّ، ويختصّ بالعلاقة بين التراث اللاهوتيّ والحداثة، 3- روحانيّ، ويختصّ بضرورة معرفة دلالات رسالة الإسلام عند مختلف الشعوب والديانات.

لاعقلانيّةُ العقلِ العربيّ الإسلاميّ عند محمّد عابد الجابريّ

إنّ الفيلسوف المغربيّ محمّد عابد الجابريّ (1935- 2010) يبغي أن يشرح، في كتابه تكوين العقل العربيّ، العقلانيّة العربيّة بهدف نقدها وبنائها على أساسات عقلانيّة نقديّة ومنوّرة. فلا يكتفي إذًا بنقد الثقافة والفكر، بل ينقد العقل الذي يولّدهما. والدخول في هذه المقاربة هو بالفعل اكتشاف تيّارات فكريّة موجودة في التقليد نفسه، وكانت قد أدّت إلى إبطال العناصر الفكريّة. فيجب تسليط الضوء على تلك العناصر بالتحديد. وانطلاقًا من هذه الرؤية، وجدَ الجابريّ أنّ التقليد العربيّ الإسلاميّ كان قد عرف تيّارَين فكريَّين متعارضَين: العقلانيّة واللاعقلانيّة. وهذه الدراسة تحاول نقدَ هذه المقاربة نقدًا موضوعيًّا.

النَّفْس: المبدأ والمعاد في فلسفة يحيى بن عديّ

نعالج في هذا المقال مسألة النَّفْس عند يحيى بن عديّ: أصلها ومصيرها، وهذا في رسالتَين منسوبتَين إليه: “رسالة رؤيا في تعريف النفس”، و”مقالة بينه وبين إبراهيم بن عديّ الكاتب ومناقضة في أنّ الجسم جوهر وعرض. وهي نسخة مسألة وردت من الرَّيّ في ذي القعدة من سنة إحدى… وثلاثمئة”. وهكذا ندرس ثلاث مسائل: ثُنائيّة النفس والجسد، والمبدأ، والمعاد. ويُلحَق بمقالنا هذا الرسالتان السابق ذِكرُهما.

“فلتركُض روحُها بسلام”. دور وسائط التواصُل الاجتماعيّ في رابوع اللغة

إنّ اللغة العربيّة، المولودة وسطَ الصحراء، هي إحدى أقدم اللغات الساميّة. غرفت أصولها من العِلم والفلسفة والقرآن الكريم، ونَشرت في العالم أجمع الثقافة والفكر العربيَّين. وقد نالَ غِناها استحسانَ الأمم المتّحدة، فتبنّتها في العام 1973 إحدى لغاتها الرسميّة الستّ، وأعلنت في العام 2012، يومَ 18 كانون الأوّل “اليوم العالميّ للّغة العربيّة”. ومؤلّف هذا المقال يتحدّث بقلق عن تأثير شبكات التواصل الاجتماعيّ في اللغة العربيّة، ويستغلّ هاتَين الإشادتَين المذكورتَين ليجعلنا نلتزم، بجدّيّة ووَفاء، المحافظة على جذور لغتنا وضمان تماسكها وسيرورتها؛ فاللغة ليست مجرّدَ أداة تواصل، بل هي ظاهرة إنسانيّة اجتماعيّة لا يمكن إدراكُ فاعليّتِها من دون مهاراتها التواصليّة الأربع: إصغاءً، ومحادثةً، وقراءةً، وكتابة، وهي الجسر الذي يصِلُ بين مختلف الحضارات.

سَمفونيّة النداء في “قصيدة بلقيس” لنزار قبّاني: محاكاة النصّ موسيقيًّا من خلال قراءته نحويًّا ودلاليًّا

إنّ “قصيدة بلقيس” التي كتبها نزار قبّاني هي تحفة فنّيّة صِرف من حيث مستواها النحويّ الشِعريّ. وهذا المقال بحثٌ فنّيّ لغويّ يتعانق فيه الفنُّ والموسيقى بحثًا عن الإبداع بمظاهره كافّة. أمّا سمفونيّة النداء فتؤدّي دورًا رئيسيًّا من خلال “قصيدة بلقيس”، لأنّها تجعلُ الأشكالَ النحويّة الأخرى تدور حولها، كي تبيّن دلالات النصّ الح

قراءة في سِيَر ستّ قدّيسات تنكّرنَ بملابس الرجال (1)

لقد تعرّفت الكاتبة على قصص حياة قدّيسات تنكّرن بملابس رجال بملء إرادتهنّ، فقرّرت التوقّف على التفاصيل المتعلّقة بالموضوع. لذا، قرّرت كتابة هذا المقال المؤلّف من قسمَين، الأوّل في هذا العدد من المشرق يتضمّن معلوماتٍ عن القدّيسة أثناسيا: زواجها، وتجربتها القاسية، ونذورها الدينيّة ونذور زوجها، ثمّ حياتهما خادمَين للربّ، وموتها وانكشاف سرّها. وأيضًا عن القدّيسة أُفروسيني: ولادتها ونذور العفّة وهروبها للالتجاء إلى دَير رهبان حيث ظهرت أجمل مزاياها. وغيرهما من القدّيسات. وتُنهي الكاتبة كلّ قصّة حياة بصلوات موجَّهة إلى أولئك القدّيسات الفاضلات، لتبيّنَ إلى أيّ حدّ أرادت الكنيسة تخليد ذكراهنّ وتبيان أهميّتهنّ.

صورة شمس تبريزي في الأدبيّات الحديثة

لقد اخترتُ أن أعالج، في هذا المقال، موضوعًا لم يتطرّق إليه المفكّرون الشرقيّون، بحسب ما اكتشفتُه من جرّاء أبحاثي وتوثيقاتي، وهو موضوع حقيقة شمس تبريزي ومذهبه. وتدخل هذه المسألة ضمن اهتمامي بالتلقّي العربيّ للرومي والمولويّة الذي لا أزال منشغلًا به منذ أعوام، محاولًا إعادة التفكير فيه والعمل على بعثه ثانيةً في صورة تليق بنا عربيًّا، كما كانت المدرسة المصريّة تفعل في بدايات القرن المنصرم، وتابعها في عملها أساتذة أجلّاء من سوريا والعراق والأردن وغيرها من البلدان العربيّة.

خصائص الأسلوب في سورة الحاقّة

تتناول هذه الدراسة سورة الحاقّة، وفق المنهج الأسلوبيّ الذي يتّخذ بمستوياته المختلفة في الدرس اللسانيّ الحديث (الصوتيّ والنحويّ والبيانيّ والدلاليّ)، إضافةً إلى الجوانب النفسيّة، وسيلةً في تحليل النصّ الأدبيّ، ويكشف عن بنيته العميقة كشفًا ذروة سنامه الوصول إلى دراسة السورة التطبيقيّة. وبدأت هذه الدراسة بتقديم تعريفٍ عامّ بالسورة، وبيانٍ لمفهوم الأسلوبيّة، ثمّ تناولت المستويات اللغويّة في السورة بدءًا بالمستوى الصوتيّ بما يتمثّل فيه من دور بيانيّ وإيحائيّ لجرس الأصوات. ثمّ تطرّقت الدراسة إلى المستويَين الصرفيّ والنحويّ بمعالجة صِيَغ الأسماء الأكثر بروزًا وما اختصّت به السورة من تراكيب وظواهر نحويّة. ثمّ تناولت المستوى البيانيّ متمثّلًا بالتصوير الفنّيّ وتناسُقه.

“أراك تقدّر النساء ولا تبخسهنّ حقّهنّ”: المرأة في مقامات أحمد فارس الشدياق

هذا البحث دراسة لصورة المرأة في مقامات أحمد فارس الشدياق في كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق، مع مقارنتها بصورة المرأة في كتاب الساق على الساق ككلّ. وبذلك يبرهن المؤلّف أن في مقامات الساق عصارةَ آراء الشدياق الاجتماعيّة خاصّةً في ما يتعلّق بالنساء وطباعهنّ والمطالبة بحقوقهنّ. وخلاصة آرائه هي أنّ تثقيف المرأة وتحريرها اجتماعيًّا هو ما سوف يطوّرها ويُخرجُها من قوقعة النظرة الماديّة إلى الدنيا وإلى الرجُل..

الجنويّون في بلاط السلاطين الأيّوبيّين والمماليك في مصر من مطلع القرن الثالث عشر حتّى منتصف القرن الخامس عشر

نتج من العلاقات التي قامت بين جنوى والسلاطين وكبار الأمراء، من خلال تطوّر العلاقات التجاريّة وإرسال سفارات وعقد اتّفاقيّات توفّر الظروف الملائمة للإقامة في مصر، أن دخلَ بلاطَ السلطان في القاهرة أشخاص جنويّون موكلون بالتقرّب من السلطان وكبار رجال البلاط، وإظهار الولاء لهم وتبجيلهم وتقديم ما يلزمهم من خدمات، وفي الوقت نفسه السهر على تأمين مصالح مدينة جنوى وتطوير أعمال التجّار الجنويّين الذين يقصدون مصر. وقد نجح هؤلاء الأشخاص في أن يصبحوا من أكثر المقرّبين من السلطان، ومارسوا نفوذًا واسعًا لدرجة أنّهم صاروا من كبار مستشاري البلاط ومترجميه، وترأّسوا السفارات والبعثات التي يرسلها السلطان إلى خانات المغول والحكّام الأوروبيّين. ففي هذا المقال، سنعالج مسألة الحضور الجنويّ في مصر، والعوامل التي سمحت للجنويّين بالنجاح وبتقوية دورهم في بلاط السلطان.

العلاقات بين مملكة كيليكيا الأرمنيّة والمماليك: 691- 722هـ/ 1292- 1322م

حاولَ المماليك جعل المملكة الأرمنيّة في كيليكيا موقع أمان على الحدود الشماليّة بسوريا، وتثبيط الأرمن عن مساعدة المغول. في البدء، اكتفت القاهرة بإجبار الأرمن على إعادة بعض الحصون الحدوديّة، وتدمير بعضها الآخر، وضمان أمْن التجارة المملوكيّة. وقد سمح السلاطين لكيليكيا بمتابعة تواصلها التجاريّ بجزية مرتفعة أكثر فأكثر. وبعد إلغاء المرافئ الأخيرة المنتمية إلى الصليبيّين في نهاية القرن الثالث عشر، بدأ المماليك بضمّ أراضٍ أرمنيّة، ما أدّى إلى قطع وصولها إلى البحر وبالتالي إضعاف قوّتها التجاريّة…

صورة لبنان في سفرنامة ناصرخسرو ورحلة ابن بطّوطة: دراسة مقارنة

إنّ الأسفارَ والرحلات هي أساس فهم البشريّة، إذ تُظهر لنا العادات والتقاليد لدى الأمم المختلفة. فنستشفّ من هذه الرحلات المعلومات عن الأحداث التاريخيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الخاصّة بأمّة وفي حقبة زمنيّة محدّدة. أمّا لبنان فيُعَدّ أحدَ البلدان التي لطالما جذبت المسافرين، نظرًا إلى طبيعته الخلّابة كما إلى قربه من أورشليم. والمقال هذا يبغي معالجة صورة لبنان من خلال نظرة مسافرَين اثنَين: ناصرخسرو (5هـ/11م) وابن بطّوطة (8هـ/14م) اللذين قاما بزيارة لبنان وبتوثيق مشاهداتهما. سوف نقارن مسيرتيهما في إطار المدرسة الفرنسيّة للأدب المقارن، وبمساعدة مقاربة إيقونوغرافيّة، بهدف اكتشاف نقاط التشابه والاختلاف من حيث وصف البلاد. فإنّ ناصرخسرو ركّز على الهندسة وتفاصيلها، وأيضًا على الجغرافيا، في حين أنّ ابن بطّوطة أحبّ زيارة السُلطات الدينيّة وشرح وضع لبنان السياسيّ.

i

مقالات هذا العدد

القِيَم المشتركة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة: من أين تبدأ، وكيف تُبنى، وإلى أين تنتهي؟

يعالج هذا المقال ظروف الحوار الإسلاميّ-المسيحيّ الذي يُعَدّ تحدّيًا على مستوياتٍ ثلاثة: 1- سياسيّ، إذ من الضروريّ ضمان توازن بين الهويّة والانفتاح، 2- عقلانيّ، ويختصّ بالعلاقة بين التراث اللاهوتيّ والحداثة، 3- روحانيّ، ويختصّ بضرورة معرفة دلالات رسالة الإسلام عند مختلف الشعوب والديانات.

لاعقلانيّةُ العقلِ العربيّ الإسلاميّ عند محمّد عابد الجابريّ

إنّ الفيلسوف المغربيّ محمّد عابد الجابريّ (1935- 2010) يبغي أن يشرح، في كتابه تكوين العقل العربيّ، العقلانيّة العربيّة بهدف نقدها وبنائها على أساسات عقلانيّة نقديّة ومنوّرة. فلا يكتفي إذًا بنقد الثقافة والفكر، بل ينقد العقل الذي يولّدهما. والدخول في هذه المقاربة هو بالفعل اكتشاف تيّارات فكريّة موجودة في التقليد نفسه، وكانت قد أدّت إلى إبطال العناصر الفكريّة. فيجب تسليط الضوء على تلك العناصر بالتحديد. وانطلاقًا من هذه الرؤية، وجدَ الجابريّ أنّ التقليد العربيّ الإسلاميّ كان قد عرف تيّارَين فكريَّين متعارضَين: العقلانيّة واللاعقلانيّة. وهذه الدراسة تحاول نقدَ هذه المقاربة نقدًا موضوعيًّا.

النَّفْس: المبدأ والمعاد في فلسفة يحيى بن عديّ

نعالج في هذا المقال مسألة النَّفْس عند يحيى بن عديّ: أصلها ومصيرها، وهذا في رسالتَين منسوبتَين إليه: “رسالة رؤيا في تعريف النفس”، و”مقالة بينه وبين إبراهيم بن عديّ الكاتب ومناقضة في أنّ الجسم جوهر وعرض. وهي نسخة مسألة وردت من الرَّيّ في ذي القعدة من سنة إحدى… وثلاثمئة”. وهكذا ندرس ثلاث مسائل: ثُنائيّة النفس والجسد، والمبدأ، والمعاد. ويُلحَق بمقالنا هذا الرسالتان السابق ذِكرُهما.

“فلتركُض روحُها بسلام”. دور وسائط التواصُل الاجتماعيّ في رابوع اللغة

إنّ اللغة العربيّة، المولودة وسطَ الصحراء، هي إحدى أقدم اللغات الساميّة. غرفت أصولها من العِلم والفلسفة والقرآن الكريم، ونَشرت في العالم أجمع الثقافة والفكر العربيَّين. وقد نالَ غِناها استحسانَ الأمم المتّحدة، فتبنّتها في العام 1973 إحدى لغاتها الرسميّة الستّ، وأعلنت في العام 2012، يومَ 18 كانون الأوّل “اليوم العالميّ للّغة العربيّة”. ومؤلّف هذا المقال يتحدّث بقلق عن تأثير شبكات التواصل الاجتماعيّ في اللغة العربيّة، ويستغلّ هاتَين الإشادتَين المذكورتَين ليجعلنا نلتزم، بجدّيّة ووَفاء، المحافظة على جذور لغتنا وضمان تماسكها وسيرورتها؛ فاللغة ليست مجرّدَ أداة تواصل، بل هي ظاهرة إنسانيّة اجتماعيّة لا يمكن إدراكُ فاعليّتِها من دون مهاراتها التواصليّة الأربع: إصغاءً، ومحادثةً، وقراءةً، وكتابة، وهي الجسر الذي يصِلُ بين مختلف الحضارات.

سَمفونيّة النداء في “قصيدة بلقيس” لنزار قبّاني: محاكاة النصّ موسيقيًّا من خلال قراءته نحويًّا ودلاليًّا

إنّ “قصيدة بلقيس” التي كتبها نزار قبّاني هي تحفة فنّيّة صِرف من حيث مستواها النحويّ الشِعريّ. وهذا المقال بحثٌ فنّيّ لغويّ يتعانق فيه الفنُّ والموسيقى بحثًا عن الإبداع بمظاهره كافّة. أمّا سمفونيّة النداء فتؤدّي دورًا رئيسيًّا من خلال “قصيدة بلقيس”، لأنّها تجعلُ الأشكالَ النحويّة الأخرى تدور حولها، كي تبيّن دلالات النصّ الح

قراءة في سِيَر ستّ قدّيسات تنكّرنَ بملابس الرجال (1)

لقد تعرّفت الكاتبة على قصص حياة قدّيسات تنكّرن بملابس رجال بملء إرادتهنّ، فقرّرت التوقّف على التفاصيل المتعلّقة بالموضوع. لذا، قرّرت كتابة هذا المقال المؤلّف من قسمَين، الأوّل في هذا العدد من المشرق يتضمّن معلوماتٍ عن القدّيسة أثناسيا: زواجها، وتجربتها القاسية، ونذورها الدينيّة ونذور زوجها، ثمّ حياتهما خادمَين للربّ، وموتها وانكشاف سرّها. وأيضًا عن القدّيسة أُفروسيني: ولادتها ونذور العفّة وهروبها للالتجاء إلى دَير رهبان حيث ظهرت أجمل مزاياها. وغيرهما من القدّيسات. وتُنهي الكاتبة كلّ قصّة حياة بصلوات موجَّهة إلى أولئك القدّيسات الفاضلات، لتبيّنَ إلى أيّ حدّ أرادت الكنيسة تخليد ذكراهنّ وتبيان أهميّتهنّ.

صورة شمس تبريزي في الأدبيّات الحديثة

لقد اخترتُ أن أعالج، في هذا المقال، موضوعًا لم يتطرّق إليه المفكّرون الشرقيّون، بحسب ما اكتشفتُه من جرّاء أبحاثي وتوثيقاتي، وهو موضوع حقيقة شمس تبريزي ومذهبه. وتدخل هذه المسألة ضمن اهتمامي بالتلقّي العربيّ للرومي والمولويّة الذي لا أزال منشغلًا به منذ أعوام، محاولًا إعادة التفكير فيه والعمل على بعثه ثانيةً في صورة تليق بنا عربيًّا، كما كانت المدرسة المصريّة تفعل في بدايات القرن المنصرم، وتابعها في عملها أساتذة أجلّاء من سوريا والعراق والأردن وغيرها من البلدان العربيّة.

خصائص الأسلوب في سورة الحاقّة

تتناول هذه الدراسة سورة الحاقّة، وفق المنهج الأسلوبيّ الذي يتّخذ بمستوياته المختلفة في الدرس اللسانيّ الحديث (الصوتيّ والنحويّ والبيانيّ والدلاليّ)، إضافةً إلى الجوانب النفسيّة، وسيلةً في تحليل النصّ الأدبيّ، ويكشف عن بنيته العميقة كشفًا ذروة سنامه الوصول إلى دراسة السورة التطبيقيّة. وبدأت هذه الدراسة بتقديم تعريفٍ عامّ بالسورة، وبيانٍ لمفهوم الأسلوبيّة، ثمّ تناولت المستويات اللغويّة في السورة بدءًا بالمستوى الصوتيّ بما يتمثّل فيه من دور بيانيّ وإيحائيّ لجرس الأصوات. ثمّ تطرّقت الدراسة إلى المستويَين الصرفيّ والنحويّ بمعالجة صِيَغ الأسماء الأكثر بروزًا وما اختصّت به السورة من تراكيب وظواهر نحويّة. ثمّ تناولت المستوى البيانيّ متمثّلًا بالتصوير الفنّيّ وتناسُقه.

“أراك تقدّر النساء ولا تبخسهنّ حقّهنّ”: المرأة في مقامات أحمد فارس الشدياق

هذا البحث دراسة لصورة المرأة في مقامات أحمد فارس الشدياق في كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق، مع مقارنتها بصورة المرأة في كتاب الساق على الساق ككلّ. وبذلك يبرهن المؤلّف أن في مقامات الساق عصارةَ آراء الشدياق الاجتماعيّة خاصّةً في ما يتعلّق بالنساء وطباعهنّ والمطالبة بحقوقهنّ. وخلاصة آرائه هي أنّ تثقيف المرأة وتحريرها اجتماعيًّا هو ما سوف يطوّرها ويُخرجُها من قوقعة النظرة الماديّة إلى الدنيا وإلى الرجُل..

الجنويّون في بلاط السلاطين الأيّوبيّين والمماليك في مصر من مطلع القرن الثالث عشر حتّى منتصف القرن الخامس عشر

نتج من العلاقات التي قامت بين جنوى والسلاطين وكبار الأمراء، من خلال تطوّر العلاقات التجاريّة وإرسال سفارات وعقد اتّفاقيّات توفّر الظروف الملائمة للإقامة في مصر، أن دخلَ بلاطَ السلطان في القاهرة أشخاص جنويّون موكلون بالتقرّب من السلطان وكبار رجال البلاط، وإظهار الولاء لهم وتبجيلهم وتقديم ما يلزمهم من خدمات، وفي الوقت نفسه السهر على تأمين مصالح مدينة جنوى وتطوير أعمال التجّار الجنويّين الذين يقصدون مصر. وقد نجح هؤلاء الأشخاص في أن يصبحوا من أكثر المقرّبين من السلطان، ومارسوا نفوذًا واسعًا لدرجة أنّهم صاروا من كبار مستشاري البلاط ومترجميه، وترأّسوا السفارات والبعثات التي يرسلها السلطان إلى خانات المغول والحكّام الأوروبيّين. ففي هذا المقال، سنعالج مسألة الحضور الجنويّ في مصر، والعوامل التي سمحت للجنويّين بالنجاح وبتقوية دورهم في بلاط السلطان.

العلاقات بين مملكة كيليكيا الأرمنيّة والمماليك: 691- 722هـ/ 1292- 1322م

حاولَ المماليك جعل المملكة الأرمنيّة في كيليكيا موقع أمان على الحدود الشماليّة بسوريا، وتثبيط الأرمن عن مساعدة المغول. في البدء، اكتفت القاهرة بإجبار الأرمن على إعادة بعض الحصون الحدوديّة، وتدمير بعضها الآخر، وضمان أمْن التجارة المملوكيّة. وقد سمح السلاطين لكيليكيا بمتابعة تواصلها التجاريّ بجزية مرتفعة أكثر فأكثر. وبعد إلغاء المرافئ الأخيرة المنتمية إلى الصليبيّين في نهاية القرن الثالث عشر، بدأ المماليك بضمّ أراضٍ أرمنيّة، ما أدّى إلى قطع وصولها إلى البحر وبالتالي إضعاف قوّتها التجاريّة…

صورة لبنان في سفرنامة ناصرخسرو ورحلة ابن بطّوطة: دراسة مقارنة

إنّ الأسفارَ والرحلات هي أساس فهم البشريّة، إذ تُظهر لنا العادات والتقاليد لدى الأمم المختلفة. فنستشفّ من هذه الرحلات المعلومات عن الأحداث التاريخيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الخاصّة بأمّة وفي حقبة زمنيّة محدّدة. أمّا لبنان فيُعَدّ أحدَ البلدان التي لطالما جذبت المسافرين، نظرًا إلى طبيعته الخلّابة كما إلى قربه من أورشليم. والمقال هذا يبغي معالجة صورة لبنان من خلال نظرة مسافرَين اثنَين: ناصرخسرو (5هـ/11م) وابن بطّوطة (8هـ/14م) اللذين قاما بزيارة لبنان وبتوثيق مشاهداتهما. سوف نقارن مسيرتيهما في إطار المدرسة الفرنسيّة للأدب المقارن، وبمساعدة مقاربة إيقونوغرافيّة، بهدف اكتشاف نقاط التشابه والاختلاف من حيث وصف البلاد. فإنّ ناصرخسرو ركّز على الهندسة وتفاصيلها، وأيضًا على الجغرافيا، في حين أنّ ابن بطّوطة أحبّ زيارة السُلطات الدينيّة وشرح وضع لبنان السياسيّ.

Share This