يُعرَفُ وزنُ مجلَّة المشرق لا من خلال كثرة الأعداد وحدها، بل من خلال قدرتها على أن تُراكم معنًى يتجاوز الورق، فتغدو مع السِّنين ذاكرةً حيَّة تحفظ الخبرة الثَّقافيَّة، وضميرًا فكريًّا يرافق تحوُّلات المجتمع جيلًا بعد جيل. وفي هذا الإطار يكتسب الكلام المكتوب لمناسبة العدد 100 دلالته الخاصَّة: فهو لا يتعامل مع المناسبة كاحتفالٍ عدديّ، ولا كفرصةٍ لاستعادة الوقائع بالتَّفصيل، بل كمدخلٍ لقراءة الرِّسالة الَّتي تحملها المجلَّة، أي لالتقاط ما جعلها تستمرّ، وتعود، وتُجدِّد نفسها كلَّما تبدَّلت الظُّروف.

العربيَّة: خيار لغويُّ وحضاريٌّ ثابت

تُقدَّم المشرق بوصفها مشروعًا ثقافيًّا رساليًّا يتجاوز فكرة النَّشرة أو المنبر الموجَّه إلى جماعةٍ بعينها. فهي منذ بداياتها ارتبطت باختيارٍ حاسم: أن تكون العربيَّة مجالها الطَّبيعيّ، لا بوصفها لغة التَّعبير فحسب، بل بوصفها فضاءً للمعرفة، وصوغ المفاهيم، وبناء الحوار. إنَّ الرِّهان هنا ليس لغويًّا محضًا، بل حضاريّ: أن تُكتب الأسئلة الكبرى بلغة أهلها، وأن تُصاغ القضايا الدِّينيَّة والفكريَّة ضمن ثقافة المنطقة لا على هامشها، وأن يُقدَّم الخطاب العلميُّ العميق في لغةٍ تستطيع أن تحمل الدِّقَّة والبرهان والمعنى الرُّوحيَّ في آن.

وتقوم شخصيَّة المجلَّة على توازنٍ داخليٍّ بين ثلاثة اتِّجاهات تتكامل ولا تتنافر: 1- العناية بالمصادر والنُّصوص والتُّراث بعقلٍ نقديٍّ يفتِّش عن الحقيقة ويُدقِّق في الرِّوايات. 2- الوفاء للُّغة العربيَّة عبر تحريرها من التَّبعيَّة وإثبات أهليَّتها للفكر المركَّب. 3- الانفتاح على الآخر الدِّينيِّ والفكريِّ بوصفه شريكًا في المجال الثَّقافيِّ لا موضوعًا للمنافسة أو الإقصاء. بهذا تتجسَّد المشرق مساحةً تَجمع ولا تُفرِّق، وتُعمِّق ولا تُسطِّح، وتُحاور لا لتُساوم على الحقيقة بل لتجعلها قابلة للمشاركة والفهم المتبادَل.

الوعيُ الهويَّاتيُّ المتوازن

وإذا كانت المجلَّة، الَّتي أسَّسها الأب لويس شيخو اليسوعيُّ في العام 1898، قد عَرفت فترات خفوتٍ وتوقُّفٍ بين العامَين (1914-1918) بسبب اندلاع الحرب العالميَّة الأولى، ثمَّ احتجاب قسريٍّ بين العامَين (1970-1990)، تسبَّبت بإطالته، بخاصَّةٍ، ظروف الحرب اللُّبنانيَّة، فإنَّ مغزى ذلك لا يُقرأ كتعثُّرٍ عابر، بل كإشارةٍ إلى أنَّها كانت، كلَّما غابت، تُظهر مقدار الحاجة إليها، وكلَّما عادت، حضرت بروحٍ أشدَّ وعيًا بسياقها وأسئلته. فالاستمرار الحقيقيُّ ليس خطًّا مستقيمًا، بل قدرة على تجديد الصِّلة بالزَّمن من دون خسارة الهويَّة؛ قدرة على أن تتغيَّر الأدوات والموضوعات والوجوه، بينما تبقى البوصَلة واحدة: خدمة الثَّقافة بالعلم، وخدمة المجتمع بالحوار، وخدمة الإيمان بالعقل.

ومن هنا يصبح تجدُّدها في أواخر القرن العشرين علامةً على انتقالٍ في الوعي: من الاشتغال على التَّاريخ والتُّراث كموضوعات، إلى النَّظر إلى فعل النَّشر ذاته كفعلِ مسؤوليَّةٍ تجاه الحاضر. فالمجلَّة، في طورها المتجدِّد، أصبحت تستقبل أسئلة التَّربية والفلسفة والحرِّيَّة والعيش المشترك والهجرة والعنف والحرب، لا كعناوين صحافيَّة، بل كقضايا تحتاج إلى تفكيرٍ طويل النَّفَس، وإلى كتابةٍ رصينة تُضيء الواقع بدل أن تتبع ضجيجه. وهكذا يتحوَّل التَّحرير الكتابيُّ إلى اختيارٍ فكريّ: أيَّ اتِّجاهٍ نُبرز؟ أيَّ لغةٍ نعتمد؟ أيُّ خطابٍ يُبنى ليكون جسرًا بين التُّراث والنَّقد، وبين الاختصاص والوجدان، وبين الجامعة والمجتمع؟

كما تتأكَّد رسالة المشرق في كونها فضاءً مشتركًا يتَّسع للباحثين من خلفيَّات متعدِّدة، بحيث لا تبقى الكتابة حِكرًا على فئةٍ بعينها، بل تتحوَّل إلى صيغة شراكة بين رجال دين ومفكِّرين علمانيِّين، بين الخبرة المتراكمة والطَّاقات الشَّابَّة. فحيويَّة المجلَّة لا تظهر في جودة ما تنشر فحسب، بل أيضًا في قدرتها على تكوين كُتَّاب، وصناعة تقاليد في البحث بالعربيَّة، وفتح الباب أمام مَن يكتب للمرَّة الأولى ضمن معايير علميَّة صارمة.

وعند قراءة مجمَل نتاجها، تبدو المجلَّة كأنَّها تُسهم في صياغة وعيٍ هويَّاتيٍّ متوازن: وعيٍ يُثبِّت أنَّ المسيحيَّة في هذا الشَّرق ليست طارئةً على الثَّقافة العربيَّة، وأنَّ العربيَّة ليست لغة «الآخر»، بل لغة يمكن أن تحمل اللَّاهوت والفلسفة والعلوم الإنسانيَّة بعمق. وهي في الوقت نفسه تساهم في بناء علاقةٍ ناضجة مع الإسلام والاختلاف الدِّينيّ، علاقةٍ تقوم على المعرفة لا على الأحكام المسبقة، وعلى البحث عن المشترَك من دون إنكار الفوارق، وعلى تحويل الاختلاف من مساحة صِدام إلى مناسبة تفكير. وتُضيف إلى ذلك موقفًا نقديًّا من الحداثة: ليس رفضًا إجماليًّا ولا تبعيَّةً عمياء، بل تمييزٌ وتحليلٌ وحوارٌ يجعل الإيمان قادرًا على الفهم والمساءلة والتَّعلُّم.

بين الميراث والمستقبل: خارطة طريق

إذا كان هذا كلُّه هو ميراث المجلَّة، فإنَّ الميراث لا يكتمل ما لم يتحوَّل إلى برنامج عملٍ للمستقبل. فالتَّحدِّي الأكبر الَّذي يواجه مجلَّةً تحمل هذا العمق هو أن تظلَّ قادرة على أداء دورها في زمنٍ تبدَّلت فيه شروط المعرفة نفسها. لم يعد القارئ ينتظر العدد الورقيَّ ليكتشف مقالًا أو دراسة، ولم تعد الجامعةُ وحدها هي المكان الَّذي تُنتَج فيه الأفكار وتتداولها النُّخب. لقد صارت المعرفة تُستهلك بسرعة، وتُجزَّأ إلى مقاطع قصيرة، وتتنافس عليها منصَّات تُغري بالسُّهولة وتُرهِق العمق. هنا تتجدَّد مسؤوليَّة المشرق لا بصفتها منافسًا في سوق المحتوى، بل بصفتها حارسةً لمعنى التَّفكير: أن تُعيد إلى القراءة قيمتها، وإلى التَّمهُّل ضرورته، وإلى البرهان مكانته، وإلى اللُّغة جمالها ودقَّتها. فالعمق اليوم ليس ترفًا أكاديميًّا، بل مقاومةٌ ثقافيَّة ضدَّ التَّفاهة والاختزال.

وفي هذا السِّياق تحديدًا، تبرز وظيفةٌ إضافيَّة يمكن المجلَّةَ أن تضطلع بها بوضوح أكبر، وهي وظيفة صناعة الوساطة الثَّقافيَّة بين البحث الأكاديميِّ والفضاء العامّ. فكثيرٌ من الدِّراسات الرَّصينة تبقى حبيسة لغةٍ متخصِّصة لا تصل إلى الطَّالب ولا إلى المربِّي ولا إلى القارئ العامِّ الَّذي يرغب في الفهم. المشرق قادرة، بما تملكه من تقليدٍ علميّ، أن تقدِّم نموذجًا للوساطة من دون تشويه: أن تكتب المقال العلميَّ المتين، وأن تُرفقه بمداخل تقرأه، وبملخَّصات مفهوميَّة، وبخرائط بيانيَّة، وبملفَّات موضوعيَّة تُيسِّر تلقِّيه. ليست هذه إضافةً شكليَّة، بل امتداد طبيعيٌّ لرسالتها الأولى: أن تجعل المعرفة ممكنة ومشتركة، وأن تُخرج الثَّقافة من دائرة الانغلاق إلى فضاء الخدمة العامَّة.

ثمَّ إنَّ المشرق، بما تمثِّله من تلاقح بين الإيمان والعقل، مدعوَّة إلى أن تعطي مساحة أوسع لما يمكن تسميته أخلاقيَّات العيش المشترك. فالمنطقة الَّتي تحمل اسم المشرق لا تعيش أزمة سياسيَّة أو اقتصاديَّة فحسب، بل تعيش أزمةَ ثقةٍ ورؤيةٍ ومعنى. وفي مواجهة خطابات التَّحريض، وخطابات الخوف من الآخر، وخطابات اليأس الَّتي تُشرعِن العنف أو الهجرة النِّهائيَّة، يمكن المجلَّةَ أن تُراكم خطابًا بديلًا: خطابًا يجعل من المعرفة شرطًا للسَّلام، ومن نقد الذَّات شرطًا للنُّضج، ومن الاعتراف بالتَّعدُّد شرطًا للعدالة. وهذا يعني أنَّ الحوار بين الأديان، الَّذي كان أحد أنفاسِها، يستطيع اليومَ أن يتَّخذ صيغًا أكثر التصاقًا بالواقع: قراءة تربويَّة للذَّاكرة، تفكيكَ صور العدوِّ في المخيال الجماعيّ، تحليل جذور العنف الرَّمزيِّ واللُّغويّ، ومساءلة الاستخدام السِّياسيِّ للدِّين، من غير عِداء للدِّين ومن غير تواطؤٍ مع استغلاله.

ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن مجلَّةً رساليَّة أن تَغفل عن السُّؤال التَّربويِّ بوصفه سؤالًا مصيريًّا. فالتَّعليم في المشرق لم يعد مسألة مؤسَّسات فحسب، بل معركة وجود: أيَّ إنسانٍ نُكوِّن؟ أيَّ مواطن؟ أيَّ ضمير؟ هنا تستطيع المشرق أن تعيد تثبيت الرَّابط بين الثَّقافة والتَّربية: أن تُظهر أنَّ المعرفة ليست تكديس معلومات، بل بناء حسٍّ نقديٍّ ومسؤوليَّة أخلاقيَّة وحرِّيَّة داخليَّة. فإذا كانت الحروب تُدمِّر الحجر، فإنَّ تدهور التَّربية يُدمِّر البشر من الدَّاخل. ومن ثمَّ يصبح الاستثمار في الفكر التَّربويّ، وفي فلسفة التَّعليم، وفي تحليل التَّحوُّلات القيميَّة، جزءًا من صميم رسالتها الثَّقافيَّة.

المشرق: ليست العمر بل المعنى

على هذا الأساس يمكن فهم الانتقال إلى الرَّقميِّ لا كمجرَّد تحويل صيغ، بل كخيارٍ يطال الهويَّة نفسها. فالأرشفة الرَّقميَّة، وإتاحة الأعداد القديمة، وبناء منصَّة تفاعليَّة، وهي موجودة ومؤثِّرة، وإطلاق ملفَّات موضوعيَّة تربط بين القديم والرَّاهن، كلُّها أدوات لتمكين المشرق من أن تكون حاضرة في الزَّمن لا محفوظة خارجه. ومع ذلك يبقى الشَّرط الأساس هو ألَّا تفقد المجلَّة نَفَسها: أن تظلَّ وفيَّة لمنهج التَّحقيق والتَّمحيص، ولأمانة الكتابة بالعربيَّة الرَّصينة، ولحرِّيَّة السُّؤال، ولشجاعة الدُّخول في القضايا الصَّعبة من دون استعراض أو تهجُّم.

وبهذا المعنى لا تكون مناسبة العدد 100 محطَّةً لإقفال ملفٍّ قديم، بل دعوةً إلى التَّفكير في الاستحقاقات المقبلة: كيف تُحافظ المجلَّة على عمقها في زمن السُّرعة الرَّقميَّة؟ كيف تُعيد تقديم المعرفة بحيث تبقى أمينةً لمستواها العلميِّ وتقترب في آنٍ من القارئ الأوسع؟ وكيف تواصِل أداء دورها كشهادةٍ ثقافيَّة وروحيَّة في شرقٍ مجروح يحتاج إلى ذاكرةٍ تداوي، وإلى فكرٍ يفتح أبواب الرَّجاء؟ إنَّ القيمة الَّتي تُبرزها المناسبة ليست «العمر» بل «المعنى»: أن تبقى المشرق كتابةً مسؤولة تتجدَّد، لا لأن الزَّمن يفرض التَّغيير، بل لأنَّ الرِّسالة نفسها تقتضي حضورًا حيًّا لا يتوقَّف.

الأب سليم دكَّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلَّة المشرق. رئيس جامعة القدِّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز شهادة دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، وشهادة دكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السُّوربون 1 (1988)، ويدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السِّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.
essde@hotmail.com

Share This