المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)
ط.1، 468 ص.، بيروت: دار المشرق،
2025 ISBN: 978-2-7214-8197-9
يوضح الأب سليم دكَّاش اليسوعيُّ، في تقديمه كتاب المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)، هويَّة هذا الحراك النَّهضويِّ بقوله: «فالمطابع لم تكن مجرَّد وسائل تقنيَّة لطباعة الكتب، بل كانت أدوات إستراتيجيَّة لنشر الوعي، وتعزيز الهويَّة الثَّقافيَّة، وتكريس اللُّغة العربيَّة كأداة للفكر واللَّاهوت والمعرفة الحديثة» (ص.5). لقد أسقط الغلاف الخارجيُّ العنوان الفرعيَّ في الصَّفحة الأولى الدَّاخليَّة الَّذي يشير إلى هدف الكتاب، وهو شرح يطرح إشكاليَّةً، من خلال هذا العنوان، ملخَّصةً بعبارة: «دورهم (المسيحيُّون) في نشر الثَّقافة الدِّينيَّة وتعزيز اللُّغة العربيَّة»، وقد تختصر هذه العبارة مضمون كتاب جانيت جرجس رزق، مع التَّنويه إلى ضرورة وجود فهرس الأعلام تسهيلًا للمراجعة.
جاء الكتاب في أربعة أبواب: بيروت ومسيحيُّوها، علاقة الطِّباعة بالنَّهضة العربيَّة الحديثة، مطابع المسيحيِّين في بيروت ودورها النَّهضويّ، نشر الثَّقافة وتعزيز اللُّغة العربيَّة. هو «بحث موسوعيٌّ يؤرِّخ ويعرِّف بالَّذين نشطوا في الطِّباعة ببيروت في ظلِّ القوانين العثمانيَّة، حيث كشف البحث عن وجود نحو ستِّين مطبعة في بيروت، منها سبع مطابع إسلاميَّة» (غلاف الكتاب الخلفيُّ). من الواضح من مسرى معلومات الكتاب أنَّ قدوم المطابع إلى لبنان جاء لأهداف دينيَّة لطباعة الكتب الدِّينيَّة، وتيسير أمور البشارة، وتوسيع مدارك الفهم اللَّاهوتيِّ إبَّان تحرُّك الحركة البروتستانتيَّة باتِّجاه الشَّرق، ومبادرة الأرثوذكس للتَّصدِّي لمروحة حراك البعثات الكاثوليكيَّة، كما في إنشائهم «الجمعيَّة السُّوريَّة الأرثوذكسيَّة، وأخذوا يجتمعون بالقرب من كنيستهم في بيروت ويخطبون في مواضيع دينيَّة ضدَّ البروتستانت، ثمَّ طبعوا ما أهملوه من الكتب المقدَّسة» (ص. 17). من هنا قول الكاتبة «إنَّ الدَّوافع الدَّفينة الكامنة وراء الطِّباعة والنَّشر هي الدِّفاع عن الهويَّة المسيحيَّة الشَّرقيَّة، والحفاظ على معتقداتها ولغتها العربيَّة، والمقصود النَّشر باللُّغة العربيَّة» (ص. 12).
لعلَّ إرهاصات هذا الحراك المطبعيِّ بدأت مع «تمكُّن فرنسا من خرق نظام الحكم العثمانيِّ عندما نالت في القرن السَّادس عشر امتيازًا بموجب بلاغ سلطانيٍّ من الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، إذ أبرمت الحكومة الفرنسيَّة معاهدة مع الدَّولة العثمانيَّة تسمح لها بحماية جميع الكاثوليك في السَّلطنة العثمانيَّة من لاتين وموارنة وكاثوليك شرقيِّين» (ص. 26)، وأعلنت موسكو سنة 1774 نفسها حامية لمسيحيّي الإمبراطوريَّة العثمانيَّة الأرثوذكس» (ص. 27)، إلى زمن وصول محمَّد علي لحكم مصر، إذ «دخل المسيحيُّون العرب عهدًا جديدًا، عندما ألغى القوانين التَّمييزيَّة بينهم وبين المسلمين ووهبهم حرِّيَّة المجاهرة بممارسة شعائرهم الدِّينيَّة، وامتدَّت سياسة التَّسامح إلى عهد ابنه إبراهيم» (ص. 229)، وبدأت تباشير التَّعليم في العام 1834 مع نقل مطبعة البعثة التَّبشيريَّة الأميركيَّة من مالطا إلى بيروت، وانتشار حركة التَّعليم عبر كتاتيب صغيرة تُدرَّس فيها مبادئ القراءة والكتابة والحساب(…) «وكانت كلُّ طائفة تمتلك مدرسة خاصَّة بها» (ص. 30)، وتمخَّضت أحداث القرنَين الماضيَين عن إعلان الفرنسيِّين «سنة 1920 لبنان كيانًا مستقلًّا عن بلاد الشَّام، وأطلقوا عليه اسم دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت. أخذ المسيحيُّون خيار الاستقلال، لا كرهًا بالمسلمين ولا تشفِّيًا بسقوط الدَّولة العثمانيَّة، ولا انتقامًا لما عانوه عبر تاريخهم، ولا عداء للعروبة، بل ضمانًا لمستقبلهم» (ص. 41).
وتأريخًا للمطابع تذكر الكاتبة أنَّه في «سنة 1751 أسَّس الأرثوذكس أوَّلًا مطبعة في بيروت لمنافسة مطبعة الشّوير للرُّوم الكاثوليك الَّذين انشقُّوا عنهم وافتتحوا أوَّلًا مدرسة لهم في بيروت عام 1836» (ص. 46)، كما «أنشأ الرُّهبان الباسيليُّون في دير المخلِّص للرُّوم الكاثوليك ببيروت، المطبعة المخلِّصيَّة عام 1865».
(ص. 49)، كذلك «مطبعة البروتستانت في «برج بيرد» في بيروت عام 1844» (ص. 79)، لذا فإنَّ «النَّشاط المسيحيَّ في بيروت بين 1850 و1920 كان ورشة عمل كبيرة ومستحدثة، (….) استعانت كلُّ جماعة بمترجمين ومعلِّمين وأنشأت مطبعة وصحفًا ومنشورات، لبثِّ أفكارها والدِّفاع عن عقيدتها» (ص. 88).
لقد بيَّن الكتاب اختلاف وجهات نظر المؤرِّخين في تحديد نقطة الانطلاق للنَّهضة في الشَّرق، بينما يرى كثيرون منهم أنَّها بدأت مع حملة نابليون على مصر يُعيد بعضهم، كما مع «هاملتون جب»، تباشير النَّهضة بوجه خاصٍّ إلى الأدباء ومؤرِّخي الأدب، في منتصف القرن التَّاسع عشر، الَّذين استخدموا هذه الكلمة (ص. 98)، موضحًا أنَّ تأسيس المطابع كان من أركان النَّهضة مع صدور أوَّل صحيفة في لبنان عام 1858 (ص. 101)، مع خلاصة تفيد أنَّ النَّهضة العربيَّة رافقت حركة النَّهضة الدِّينيَّة بسبب تنشيط حركة التَّأليف والتَّرجمة والنَّشر، «ولنشر الكتب كانت الحاجة ماسَّة إلى مطابع عربيَّة» (ص.113). من هنا خصَّص الكتاب فصلًا دقيقًا عن المطابع: قزحيَّا الأولى (1610)، قزحيَّا الثَّانية (1782)، حلب، (1706)، الشّوير، (1733)، القدِّيس جاورجيوس 1751، الأميركيَّة (1834)، والكاثوليكيَّة 1874، وغيرها، «والسَّبب أنَّ المرسلين «في سوريا من كاثوليك وبروتستانت أرادوا نشر عقيدتهم باللُّغة العربيَّة لأنَّها اللُّغة الجامعة» (ص. 121). إنَّ انتشار المطابع دفع السُّلطة العثمانيَّة إلى إصدار «أوَّل نظام للمطابع في 15 أيَّار عام 1855»، ثمَّ نظام المطبوعات عام 1865 (ص. 125)، «وعلى الرَّغم من سياسة القمع لجمعيَّة الاتِّحاد التُّركيَّة عام 1885، وانتقال الكُتَّاب إلى مصر، عادت آفاق الحرِّيَّة مع ثورة تركيا الفتاة عام 1908 فافتتحت مطابع جديدة في كلٍّ من بيروت ومناطق الجبل» (ص. 131).
تقمِّش الباحثة في الفصل الثَّالث كوكبة من العاملين في المطابع: خليل الخوري (السُّوريَّة)، يوسف الشَّلفون (العموميَّة) و(الكلِّيَّة) خليل سركيس وبطرس البستانيّ (المعارف)، إبراهيم النَّجَّار( الشَّرقيَّة)، جرجس شاهين وجرجس الغرزوزيّ (الوطنيَّة)، أمين وخليل الخوري (الآداب)، عبد القادر قبَّاني (جمعيَّة الفنون)، رشيد الدَّنا (بيروت)، وغيرهم، مؤكِّدة استعانة «المسيحيِّين، كما المسلمين، بمحرِّرين ومصحِّحين ينتمون إلى طوائف مختلفة» (ص. 331)، يجمعهم هدفٌ واحد هو «التَّأكُّد من مدى مساهمة منشورات مطابع بيروت في نهضة اللُّغة العربيَّة الَّتي طالت مختلف الميادين والمواضيع، وأحرزت نهضة أدبيَّة وثقافيَّة وأدبيَّة وعلميَّة» (ص. 339).
أمام هذه الموجة من الطِّباعة تحرَّكت السُّلطات الكنسيَّة لتنظيم ما يمكن طبعه وتداوله، وبُحِث الموضوع في المجمع اللُّبنانيّ عام 1736، فرأى «ضرورة عدم نشر أيِّ شيء إن لم يحصل على إذن خطِّيٍ من الرُّؤساء المحلِّيِّين الَّذين يعود إليهم أن لا يتساهلوا في مسِّ الطَّقس المارونيِّ بشيء» (ص. 350). من هنا وضعت الكاتبة فصلًا عن مواضيع الثَّقافة الدِّينيَّة الَّتي اهتمَّت بنشرها المطابع، ومن أهمِّها طبعات الكتاب المقدَّس، نسخة المطبعة الأميركيَّة عام 1867، ونسخة المطبعة الكاثوليكيَّة، إلى جانب كتب تعاليم الكنيسة والمواضيع اللَّاهوتيَّة (ص. 364)، والمواضيع الأدبيَّة والعلميَّة (ص. 373) من كتبٍ للتَّدريس وللقواعد والقواميس.
تخلص الباحثة من زمن المطابع باللُّغة العربيَّة إلى زمن «تراجع نوعيَّة الكتابة باللُّغة العربيَّة من جرَّاء وسائل التَّواصل الاجتماعيّ، وحيث طغت ثقافة إعلاميَّة جديدة لا وزن للُّغة الصَّحيحة فيها، إذ إنَّ الأحرف اللَّاتينيَّة تطغى في التَّعبير الَّذي يستعمله الشَّباب في وسائل التَّواصل الاجتماعيّ (…) وهذا ما انتبهت إليه توصيات البابا يوحنَّا بولس الثَّاني في الإرشاد الرَّسوليّ «رجاء جديد للبنان» لدعم الحفاظ على الثَّقافة واللُّغة العربيَّة، إذ دعا البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيَّار 1997 إلى انفتاحات الحوار مع العالم العربيِّ وانخراط المسيحيِّين في الثَّقافة العربيَّة والتَّضامن مع قضايا العالم العربيّ» (ص. 439).
هذا كتاب يؤرِّخ لحركة مطابع المسيحيِّين في بيروت (1850-1920)، ولكنّه يذكِّر بالطَّبع الأصيل للعاملين فيها، طبعًا وترجمة ومسلكًا رائدًا في مجال التَّعليم والنَّشر وصيانة اللُّغة العربيَّة حفاظًا عليها ودعمًا لحضورها، وَرَقًا وبشرًا.
الدُّكتور جان عبد ﷲ توما: حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللُّبنانيَّة، وسيِّدة اللّويزة، والبلمند. يشغل حاليًّا منصب رئيس قسم اللُّغة العربيَّة في جامعة الجنان. له خمسة وعشرون كتابًا في فنون الأدب والشِّعر والرِّواية والتَّاريخ والدِّراسات التَّربويَّة وتحقيق المخطوطات.
Dr.jeantouma@gmail.com


