كير جوزيف جبارة
حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى
(تبيكون إفرجتينوس)
ط.1، 140 ص. بيروت: دار المشرق. 2025
ISBN: 978-2-7214-5690-8
«ما إن نقرأ عنوان الكتاب الفرعيَّ حتَّى يتبادر إلى أذهاننا السُّؤال الآتي: ما هو «التبيكون»؟
التبيكون كلمة يونانيَّة Typicon (Τυπικόν) تعني «النَّموذج» أو «القاعدة» أو «ما هو محدَّد». وهو كتاب طقسيٌّ يُستخدَم في الكنيسة الأرثوذكسيَّة والكنائس الكاثوليكيَّة الشَّرقيَّة. يحتوي التبيكون على تعليمات مفصَّلة تنظِّم الاحتفالات بالقدَّاس الإلهيِّ (اللِّيتورجيا) والصَّلوات اليوميَّة (السَّواعي)، والأعياد الكنسيَّة بحسب التَّقويم، والرُّتَب الرَّهبانيَّة. وهو يُستخدَم كدليل للكهنة، والرُّهبان، والمرنِّمين، ويحدِّد ما يجب القيام به في كلِّ يوم من أيَّام السَّنة الطَّقسيَّة.
من هنا، استهلَّ المؤلِّف كير جوزيف جبارة الكتاب، الَّذي يتناول بمجمله «تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس)، بتوطئة توضح السَّبب الَّذي جعل الكنائس الشَّرقيَّة تستخدم مثل هذا الدَّليل الرَّسميّ التَّنظيميّ لحياتها الكنسيَّة وجاء فيها:
«منذ القرن الرَّابع، انتشرت الحياة الرَّهبانيَّة في مختلف أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بطريقة عفويَّة. ولم يكن ثمَّة قانون يضبطها أو ينظِّمها. وكان المؤسِّسون الأوائل يتمتَّعون بحرِّيَّة في تسيير الأمور الرُّوحيَّة لأديارهم وتدبير شؤون رهبانهم المادِّيَّة… ثمَّ جاءت المجامع فعملت على قوننة الحياة وضبطها منعًا للشَّطط والانحرافات.» (ص. 5)
يُعتَبَر تبيكون دير والدة الإله المحسنة (إفرجتينوس) «من بين أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية إلى هذه الأيَّام. وضعه الرَّاهب تيموتاوس في منتصف القرن الحادي عشر، وقد أثَّر في الكثير من التبيكونات الَّتي وُضعَت من بعده، بحيث يعتبر بعضهم أنَّه أحدث إصلاحًا رهبانيًّا في الأديرة البيزنطيَّة إبَّان القرون الوسطى.» (راجع غلاف الكتاب)
جاءت المقدِّمة العامَّة تحت عنوان «تبيكون دير والدة الإله المحسنة وتأثيره في قوانين أديار أخرى»، وهي تتناول بولس المؤسِّسَ الأوَّل لدير والدة الإله المحسنة ومؤلَّفاته، وتيموتاوس المؤسِّس الثَّاني وصاحب التبيكون الرَّهبانيّ. يتوقَّف المؤلِّف عند حركة الإصلاح الَّتي ولَّدها هذا القانون، ودور تبيكون السَّيِّدة المحسنة في حركة الإصلاح الرَّهبانيِّ والأديرة الَّتي تأثَّرت به، وتمَّ عرض النُّقاط الأساسيَّة الَّتي جسَّدته والمواضيع الَّتي طالها هذا الإصلاح وهي:
«الاستقلاليَّة المطلقة للأديار وسيادتها الذَّاتيَّة»، و«طريقة انتخاب الإيغومانس»، و«منع التَّصرُّف بممتلكات الدَّير المنقولة وغير المنقولة»، و«الدِّفاع عن حياة الشَّركة»، و«النَّزاهة في الإدارة الماليَّة»، و«رفض البائنة والتَّقادم لدخول الدَّير…» (ص. 36-40).
ترجمة نصِّ التبيكون مصحوبة بالحواشي الَّتي «تسمح للقارئ أن يتعمَّق بالموضوع ويكوِّن عنه فكرة علميَّة.» (غلاف الكتاب).
يُستهَلُّ القسم الَّذي يعرض قانون رهبان دير والدة الإله الكلِّيَّة القداسة المحسنة، كما نقله الأب تيموثاوس والَّذي يحتوي على 43 بندًا، بمقدِّمة يرد فيها أنَّه يوضِّح فيها للرُّهبان «كتابة مضمون فرضهم القانونيّ ومتى وكيف يجب عليهم عيشه. وأن نترك ذلك قاعدة ونموذجًا ليس لكم وحدكم، بل لمن سيأتي بعدكم. كما أنَّه من الضَّروريِّ أن نبيِّن كلَّ ما له علاقة بنظام حياتكم بكامله، سواء الرُّوحيَّة أو الجسديَّة، لكي تتمكَّنوا، بمعونة ﷲ، من الرُّجوع إليه لتنظيم سيرتكم وتوجيهها بدون انحراف، حتَّى لا تحيدوا عن الهدف المرسوم…» (ص.42).
ويُختتم عرض هذا القانون، في البند الـ 43 بتوصية أن «يُقرأ التبيكون في مطلع كلِّ شهر لكي يتذكَّر الرُّهبان وصايا الأب تيموثاوس ويستفيدوا منها روحيًّا…» (ص. 131).
باختصار، تكمن أهمِّيَّة الكتاب في أنَّه تناول أحد أقدم القوانين الرَّهبانيَّة البيزنطيَّة الباقية حتَّى اليوم وأكثرها تأثيرًا في القوانين الَّتي تبعته. فالقانون يتناول الأصول التَّاريخيَّة لدير والدة الإله المحسنة، وحركة الإصلاح الَّتي نتجت عن هذا القانون والَّتي تحثّ، من خلال مطالعته، على اتِّباع نهج الإصلاح في الحياة الرَّهبانيَّة في كلِّ زمان ومكان، فالإصلاح امتداد للأصول المترسِّخة في تاريخ تأسيس الدَّير وحركةٍ تأثَّرت بها باقي الأديرة.
الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. أستاذة محاضِرة في معهد الآداب الشَّرقيّة في الجامعة، ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيَّة فيها. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.
betsa.estephano@usj.edu.lb


