السنة ٩٦

الجزء الأول

السنة السادسة والتسعون | الجزء الأول | كانون الثاني – حزيران ٢٠٢٢

اُطلب نسختك الورقيّة

إشترِ نسختك الرقميّة

افتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

تأمّلات في التّاريخ

هناك تاريخ لأنّ هناك زمنًا، وهناك ناسٌ يولدون، وآخرون تنتهي حيواتهم. هناك تاريخ لأنّنا مرتبطون بالماضي، فيما المستقبل ينتظرنا ويُراقبنا. الماضي، وما فيه من التّاريخ وأحداثه، يمنع المستقبل من أن يكون رهينة المصادفة وحدها، أو يصبح شيئًا لا معنى له. فالتّاريخ، بالتّالي شئنا أم أبينا، مرتبط أشدّ الارتباط بأفعال البشر، وتحوّلات الطّبيعة، وهي في جلّها محفوظة في دفاتر المؤرّخين.

في العادة، فإنّ الأديان والكثير من التّيّارات القائمة على الأيديولوجيا، اليهود والمسيحيّين، والمسلمين، والشّيوعيّين، والنّازيّين، والماويّين، كما أديان الشّرق الأقصى، تعتقد اعتقادًا راسخًا بأنّ للتّاريخ معناه ومقصده ووجهته، بالرّغم من أنّ أولئكَ يختلفون في تفسيرهم معنى التّاريخ. أمّا الملاحدة والعلمانيّون المتزمّتون والمتلاعبون وبعض أهل البيولوجيا فيرَون في التّاريخ مجرّد مصادفة، لا مشروع محبّة وتحقيق غايات سامية. يعتقدون أن لا معنى للتّاريخ بقدر ما ليس هناك معنى للألم والشّرّ والحياة والكون ، لأنّ كلّ ذلك مصادفة.

ومنهم من يرى أنّ التّاريخ مجرّد قضاء وقدر، أي أنّ معناه لا يأتي من مشروع بشريّ حيث لا وجود يذكر للعلّة الثانويّة، بل إنّ كلّ شيء مردّه للعلّة الأولى. وهذا النّوع لمكانة التّاريخ لا يساعد كثيرًا في إعطائه الحجم الّذي يستحقّه، بل إنّ كلّ شيء ضمن هذا التّاريخ قد كُتب في السّابق على لوحات لا تُمحى. وهذا يُفضي إلى استقالة الإنسان من مسؤوليّته بأن يكتب التّاريخ بأنامله وفكره وتعبه وعرقه، ما يجعل التّاريخ مجرّد امتحان للإنسان بأن يحقّق ما رُسِم له ليس إلّا.

ونأتي إلى نظرة متقدّمة إلى التّاريخ، أبطالُها المفكّرون والفلاسفة الألمان، مثل فردريتش هيغل، والّذين أعطوا التّاريخ معنيَين من خلال كلمتين تُفرّقان بين المعنى الأوّل والثّاني. فهناك التّاريخ الّذي يتكوّن ويتحقّق (historie)، والتّاريخ الّذي تحقّقَ وتكوّنَ في مرتبة الماضي (gescichte)، والمعنى الأخير هو من صنع المفسّرين والمؤرّخين وحتّى الفلاسفة، وهو التّاريخ الّذي يتعلّمه الأطفال والشُبّان في المدارس. ومن الخطورة أن يبتعد المعنى الثّاني عن الأوّل، فيتحوّلَ إلى مجرّد تاريخ يُبنى في خدمة الأيديولوجيا، كما حدث مع بروز النّازيّة.

صحيح أنّ التّاريخ هو كتابة الماضي، وهذا ما نصنعه وصنعناه في مجلّة المشرق التي تُفرد للماضي مساحة مهمّة على صفحاتها. ففي الفهارس التي تصدر سنويًّا، وقد صدرت في مرحلتين ضمن كتيّبين، نجد أنّ للتاريخ وكتابته مرتبة متقدّمة في مختلف المجالات الدّينيّة والمدنيّة وحتّى الطّبيعيّة منها. إلّا أنّ التّاريخ لا يتعلّق بالماضي وحسب كأنّه حافظ الأحداث في الذّاكرة، بل إنّ الطّبقة الأولى من النّفس البشريّة ليست الذّاكرة الحافظة أو الإدراك التّاريخيّ بل هي استبشار المستقبل، والوعد بمستقبل أفضل، وانتظار الحلول المثلى لمصائبنا، والتّعلّق بالوعود كذاك الوعد الّذي يعلنه الحبيب للحبيب بأنّ المستقبل هو أمام الاثنين، وأنّهما سوف يكتبانه معًا.

في التّاريخ، نجد مكانًا مهمًّا للتّائهين، وكذلك لأولئك الّذين يعملون عند شياطين التّيهان بثرثراتهم العقيمة، وتهديد مَن يَعصي أوامرهم ومشيئتهم. إلّا أنّ التّاريخ هو تاريخ الأحرار وتاريخ الثّائرين على الضّياع والفساد والضّلال، ففي الإنسان إرادة الحبّ والمصالحة مع الذّات والآخرين.

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988)، ويدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة. [email protected]

افتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

تأمّلات في التّاريخ

هناك تاريخ لأنّ هناك زمنًا، وهناك ناسٌ يولدون، وآخرون تنتهي حيواتهم. هناك تاريخ لأنّنا مرتبطون بالماضي، فيما المستقبل ينتظرنا ويُراقبنا. الماضي، وما فيه من التّاريخ وأحداثه، يمنع المستقبل من أن يكون رهينة المصادفة وحدها، أو يصبح شيئًا لا معنى له. فالتّاريخ، بالتّالي شئنا أم أبينا، مرتبط أشدّ الارتباط بأفعال البشر، وتحوّلات الطّبيعة، وهي في جلّها محفوظة في دفاتر المؤرّخين.

في العادة، فإنّ الأديان والكثير من التّيّارات القائمة على الأيديولوجيا، اليهود والمسيحيّين، والمسلمين، والشّيوعيّين، والنّازيّين، والماويّين، كما أديان الشّرق الأقصى، تعتقد اعتقادًا راسخًا بأنّ للتّاريخ معناه ومقصده ووجهته، بالرّغم من أنّ أولئكَ يختلفون في تفسيرهم معنى التّاريخ. أمّا الملاحدة والعلمانيّون المتزمّتون والمتلاعبون وبعض أهل البيولوجيا فيرَون في التّاريخ مجرّد مصادفة، لا مشروع محبّة وتحقيق غايات سامية. يعتقدون أن لا معنى للتّاريخ بقدر ما ليس هناك معنى للألم والشّرّ والحياة والكون ، لأنّ كلّ ذلك مصادفة.

ومنهم من يرى أنّ التّاريخ مجرّد قضاء وقدر، أي أنّ معناه لا يأتي من مشروع بشريّ حيث لا وجود يذكر للعلّة الثانويّة، بل إنّ كلّ شيء مردّه للعلّة الأولى. وهذا النّوع لمكانة التّاريخ لا يساعد كثيرًا في إعطائه الحجم الّذي يستحقّه، بل إنّ كلّ شيء ضمن هذا التّاريخ قد كُتب في السّابق على لوحات لا تُمحى. وهذا يُفضي إلى استقالة الإنسان من مسؤوليّته بأن يكتب التّاريخ بأنامله وفكره وتعبه وعرقه، ما يجعل التّاريخ مجرّد امتحان للإنسان بأن يحقّق ما رُسِم له ليس إلّا.

ونأتي إلى نظرة متقدّمة إلى التّاريخ، أبطالُها المفكّرون والفلاسفة الألمان، مثل فردريتش هيغل، والّذين أعطوا التّاريخ معنيَين من خلال كلمتين تُفرّقان بين المعنى الأوّل والثّاني. فهناك التّاريخ الّذي يتكوّن ويتحقّق (historie)، والتّاريخ الّذي تحقّقَ وتكوّنَ في مرتبة الماضي (gescichte)، والمعنى الأخير هو من صنع المفسّرين والمؤرّخين وحتّى الفلاسفة، وهو التّاريخ الّذي يتعلّمه الأطفال والشُبّان في المدارس. ومن الخطورة أن يبتعد المعنى الثّاني عن الأوّل، فيتحوّلَ إلى مجرّد تاريخ يُبنى في خدمة الأيديولوجيا، كما حدث مع بروز النّازيّة.

صحيح أنّ التّاريخ هو كتابة الماضي، وهذا ما نصنعه وصنعناه في مجلّة المشرق التي تُفرد للماضي مساحة مهمّة على صفحاتها. ففي الفهارس التي تصدر سنويًّا، وقد صدرت في مرحلتين ضمن كتيّبين، نجد أنّ للتاريخ وكتابته مرتبة متقدّمة في مختلف المجالات الدّينيّة والمدنيّة وحتّى الطّبيعيّة منها. إلّا أنّ التّاريخ لا يتعلّق بالماضي وحسب كأنّه حافظ الأحداث في الذّاكرة، بل إنّ الطّبقة الأولى من النّفس البشريّة ليست الذّاكرة الحافظة أو الإدراك التّاريخيّ بل هي استبشار المستقبل، والوعد بمستقبل أفضل، وانتظار الحلول المثلى لمصائبنا، والتّعلّق بالوعود كذاك الوعد الّذي يعلنه الحبيب للحبيب بأنّ المستقبل هو أمام الاثنين، وأنّهما سوف يكتبانه معًا.

في التّاريخ، نجد مكانًا مهمًّا للتّائهين، وكذلك لأولئك الّذين يعملون عند شياطين التّيهان بثرثراتهم العقيمة، وتهديد مَن يَعصي أوامرهم ومشيئتهم. إلّا أنّ التّاريخ هو تاريخ الأحرار وتاريخ الثّائرين على الضّياع والفساد والضّلال، ففي الإنسان إرادة الحبّ والمصالحة مع الذّات والآخرين.

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988)، ويدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة. [email protected]

محتويات العدد

i

مقالات هذا العدد

اللّاهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

منذ زمن، والفكر اللّاهوتيّ ينشَط عندنا في موضوع العلاقة بين الدّين والسّياسة، وموقع الكنيسة في هذا المجال. لكنّ المرحلة الّتي تلت المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، ومعطيات الواقع اللّبنانيّ في موضوع الطّائفيّة، نشّطت البحث في هذه العلاقة، إذ طرحت مجموعات من الكهنة والعلمانيّين المسألة، وعملت على الإجابة عنها بحثًا أو التزامًا عمليًّا، بغية إيجاد صيغة تعاونٍ بين المجالين مع استقلال كلّ منهما. تسعى هذه المحاولة إلى تسليط الضّوء على بعض نماذج هذا الجهد في إطار الكنيسة المارونيّة، وخصوصًا حركة كنيسة من أجل عالمنا، ويواكيم مبارك، والمجمع المارونيّ، وشرعة العمل السّياسيّ في ضوء تعليم الكنيسة، وخصوصيّة لبنان.

كلمات مفتاحيّة: لاهوت، سياسة، نقد، كنيسة، لبنان، وجدان، عالم، مارونيّة، المسيح، المجتمع، حريّة، مؤسّسة، ميثاق، دين.

La théologie politique dans l’Eglise Maronite

Père Bassem el-Rai

Depuis quelques décennies, la pensée théologique au Liban est toujours active dans le domaine de la relation entre religion et politique et de la place de l’Église là-dedans. Après le Concile Vatican II et à la lumière de la réalité libanaise, surtout au niveau du confessionnalisme, un vrai élan de recherche sur cette relation s’est élancé. Des groupes de prêtres et de laïcs ont soulevé la question et ont travaillé pour y répondre dans des recherches ou dans un engagement pratique, afin de trouver un moyen de coopération entre les deux sphères tout en préservant l’indépendance de chacune d’elles. L’article présent se fait pour tâche d’attirer l’attention sur quelques exemples d’un effort pareil dans le cadre de l’Église maronite, notamment Mouvement Église pour notre monde, Youakim Moubarac, Synode Maronite et Charte de l’action politique à la lumière de l’enseignement de l’Église et de la spécificité du Liban.

Mots clés: Religion, politique, théologie, Eglise, maronite.

الأب باسم الرّاعي  : أستاذ فلسفة في الجامعة اللّبنانيّة، حائز شهادة الدّكتوراه من جامعة مونستر في ألمانيا، لديه العديد من المنشورات منها: ميثاق 1943 وتجذّر الهويّة الوطنيّة، المجتمع والدّولة، أرشيف البطريرك أنطون عريضة الوطنيّ، ومجموعة من المقالات، آخرها في مجلّة المشرق بعنوان: «مطالبات لبنان أو مانيفست البطريرك الحويّك الوطنيّ» (2021).

[email protected]

التّربية على ثقافة حكم القانون والعدالة لتعزيز المواطنيّة المحليّة والعالميّة

التّربية على ثقافة حكم القانون

تتناول هذه الورقة دور المدرسة في تنشئة أجيال المجتمع الّذي تتواجد فيه، وتركّز بشكل خاصّ على القانون والعدالة والتّربية المواطنيّة المحليّة والعالميّة.
فالقانون هو النّصوص الّتي يضعها المشترعون لتنظيم حياة المجتمع ومصالح أفراده، بشكل يتّسم فيها بالعدالة والمساواة. وهكذا تستطيع المدرسة نقل دور القانون إلى تلامذتها كي يتعلّموا عنه، ويحترموه، ويطبّقوه. يندرج هذا النّشاط تحت مظلّة التّربية المواطنيّة الّتي تُعتبر نشاطًا منظّمًا تقوم به المدرسة من أجل بناء مواطني المستقبل. وهكذا تستطيع المدرسة كمؤسّسة مجتمعيّة أن تغرس في نفوس تلامذتها قيمًا كثيرة، منها احترام القانون والدّستور، والسّعي إلى العدالة. ولتحقيق هذه الأهداف، يجب الاهتمام بموضوع القانون والمواطنيّة بدءًا من المناهج، حيث ترد أهداف عامّة ترتبط بالمواطنيّة المحليّة والمواطنيّة العالميّة، ومن ثمّ يتجسّد ذلك في محتوى المناهج والكتب المدرسيّة. كما أنّ طرائق التّدريس يجب أن تكون طرائق نشطة، حيث يكون للمتعلّم فيها دور إيجابيّ ومشارك. وكذلك الأمر فيما خصّ تقييم أداء المتعلّمين، إذ يجب أن تكون عمليّة التّقييم مستندة إلى نصوص تربويّة قانونيّة. فعندما يجد المتعلّم أنّ ما يشارك فيه له أسس قانونيّة، فإنّه يصبح حريصًا على الالتزام بالقوانين السّائدة في مجتمعه. كما يمكنه أن يطبّق القناعات الشّخصيّة ذاتها في أمور تحصل على الصّعيد العالميّ؛ من تأمين العدالة، والمساواة، والمشاركة في أمور كثيرة ذات طابع بيئيّ، أو ما يرتبط بالكوارث الطبيعيّة أو الأسلحة المدمّرة وغيرها. هذه الأمور كلّها يمكن أن تؤسّس لها المدرسة لتلامذتها، وهم على مقاعد الدّراسة ليتخرّجوا منها كمواطنين مسؤولين تجاه بلدهم، والعالم ككلّ.

كلمات مفتاحيّة: القانون، العدالة، التّربية المواطنيّة المحليّة، التّربية المواطنيّة العالميّة، عناصر المنهج.

L’éducation au droit et à la justice, dans le but de renforcer la citoyenneté locale et mondiale

Dr. Nadine el-Franji

Le présent document porte sur le rôle de l’école dans l’éducation des générations de la société dans laquelle elle est présente et porte en particulier sur le droit, la justice et l’éducation civique locale et mondiale.

La loi est le texte que les législateurs mettent au point pour organiser la vie de manière juste et équitable. Ainsi, l’école peut transmettre le rôle de la loi à ses élèves pour qu’ils l’apprennent, la respectent et l’appliquent. Cette activité s’inscrit dans le cadre de l’éducation à la citoyenneté. Ainsi, l’école peut inculquer à ses élèves de nombreuses valeurs, dont le respect de la loi et de la Constitution et la recherche de la justice et de l’égalité au sein de la société. Pour atteindre ces objectifs, il convient d’accorder une attention particulière au droit et à la citoyenneté, en commençant par les programmes d’études, où sont inscrits des objectifs généraux liés à la citoyenneté locale et mondiale, et donc reflétés dans le contenu des programmes et des manuels scolaires. Ajoutons les méthodes d’enseignement actives, où l’apprentissage aura un rôle participatif. Il en va de même pour l’élément d’évaluation. Lorsqu’un apprenant trouve que ce qui lui est fourni sont des principes et fondements juridiques, il veille à respecter les lois en vigueur dans sa société. Il peut aussi appliquer les mêmes convictions personnelles à des questions qui se posent dans le monde comme participer à de nombreux problèmes de nature environnementale ou liés aux armes destructrices et autres. Toutes ces choses peuvent servir de fondation à l’école pour ces élèves qui sont sur le point d’être diplômés en tant que citoyens responsables envers leur pays et le monde en général.

Mots clés: droit, justice, éducation à la citoyenneté locale, éducation à la citoyenneté mondiale, éléments du programme.

الدّكتورة نادين الفرنجي : حائزة شهادة دكتوراه في التّربية (2017)، وماجستير في العلوم السّياسيّة (2010). تعمل مستشارة تربويّة مع الفريق التّربويّ لدى البنك الدّوليّ، وتحاضر في أكثر من جامعة في حقل التّربية المواطنيّة.

[email protected]

التّربية على المواطنيّة في مناهج إعداد المعلّمين الجامعيّة كلّيّتا التّربية والآداب في الجامعة اللّبنانيّة أنموذجًا

هل يمكن معلّمًا لم يتلقَّ إعدادًا تربويًّا جامعيًّا أن يؤدّي دوره في إعداد المتعلّم المواطن، وأن يكون أمينًا على التّربية الوطنيّة والمواطنيّة في لبنان، وأن يحقّق الأهداف العامّة لمناهج التّعليم العامّ (1997)؟ ما دور كلّيّات إعداد المعلّمين في الجامعة اللّبنانيّة في هذه المهمّة التّربويّة والوطنيّة الدّقيقة؟ أسئلة استدعت إشكاليّة البحث: هل تؤمّن كلّيّات الجامعة اللّبنانيّة الّتي تمنح إجازات تعليميّة لخرّيجيها تنمية الكفايات الّتي يحتاجون إليها لإعداد المتعلّم المواطن، ومواكبته في بناء هويّته الوطنيّة، وتربيته على المواطنيّة والوطنيّة؟ ركّزت الفرضيّة المقترحة في مضمون مناهج الإعداد في كلّ من الكلّيّات الّتي تمنح إجازات تعليميّة لخرّيجيها، ومدى قدرة مقرّراتها على تنمية الكفايات الّتي يحتاجون إليها لإعداد المتعلّم المواطن وتربيته على المواطنيّة. وقد ثبت تحقّق الفرضيّة لناحية كلّيّة التّربية، فتضمّنت مناهجها، بشكل متوازن، مقرّرات خاصّة بممارسة التّعليم، وأخرى خاصّة بالإعداد التّربويّ، ومقرّرات خاصّة بمادّة الاختصاص، وانفردت بالتّركيز على مقرّري التّربية على المواطنيّة، وأخلاقيّات مهنة التّعليم. فيما تبيّن أنّ مقرّرات كلّيّة الآداب محصورة بمادّة الاختصاص ولا تلتفت إلى الكفايات التّربويّة والتّطبيقيّة.

كلمات مفتاحيّة: التّربية على المواطنيّة – مناهج إعداد المعلّمين الجامعيّين - الإعداد الأكاديميّ – الإعداد التّربويّ، كفايات المعلّمين.

L’éducation à la citoyenneté dans les programmes de formation universitaires des enseignants -
Faculté de pédagogie et Faculté des lettres et des sciences Humaines

Un enseignant sans formation initiale pédagogique universitaire peut-il former un apprenant-citoyen conformément aux exigences des curricula Libanais? Quel est le rôle des facultés de l’Université Libanaise qui forment des enseignants dans cette mission éducative et nationale? Questions suscitant une problématique: Les facultés de l’Université libanaise qui forment des enseignements assurent-elles le développement des compétences nécessaires pour former un apprenant – citoyen? L’hypothèse proposée porte sur le contenu des programmes de formation universitaires de chacune de ces facultés. Elle est validée au niveau de la faculté de pédagogie qui assure, de manière équilibrée, des cours portant sur la didactique, la pédagogie et la discipline à enseigner. Par contre, les cours de la Faculté des lettres portent exclusivement sur les connaissances disciplinaires.

Mots-clés: éducation à la citoyenneté – Curricula universitaires de formation des enseignants – formation académique – formation initiale – formation pédagogique, compétences des enseignants.

الدّكتورة ليليان ريشا : دكتوراه في التّربية العامّة (مناهج وتربية على المواطنيّة).أستاذة محاضرة في كلّيّة التّربية – الجامعة اللّبنانيّة، لها مساهمات عديدة في مجال تطوير المناهج وتأليفها، والتّربية على المواطنيّة، بالتّعاون مع المركز التّربويّ للبحوث والإنماء. مؤلّفة كتب مدرسيّة لصفوف التّربية الحضانيّة في لبنان والمغرب والجزائر والسّعوديّة.

[email protected]

اللّامركزيّة الماليّة وحلولها المبتكرة عالميًّا – شركات التّأمين ومعضلة تعويض الانقطاع عن العمل في أثناء جائحة كوفيد-١٩

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مهّدت الشّعبيّة المتزايدة لتقنيّة سلسلة الكتل (Blockchain) الطّريق نحو تطوير العديد من التّطبيقات الماليّة اللّامركزيّة. ورغم ذلك، لا تزال حلول التّأمين غير متوافرة، وعلاوةً على ذلك، فإنّ أهمّيّة هذا التّأمين في حالة انقطاع الأعمال أمر حيويّ لبقاء الشّركات.

لذلك يبحث هذا المقال في تأثير جائحة كوفيد-١٩ على الشّركات  وقطاع التّأمين، حيث خسرت الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة مليارات الدّولارات  شهريًّا، وأصبح أكثر من 44 مليون موظّف بحكم العاطل عن العمل. وعندما طالبت هذه الشّركات قطاع التّأمين بتعويض خسائرها التّشغيليّة، بموجب بوليصة التّأمين ضدّ الانقطاع عن العمل، رفضت شركات التّأمين تلك الطّلبات. كما أعلن قطاع التّأمين أنّ هذا النّوع من العقود لا يغطّي الخسائر النّاجمة عن الأوبئة.

نحاول في هذا البحث أن نشير إلى أهمّيّة نظام التّأمين اللّامركزيّ من خلال تقليل عدد الوسطاء. يُظهر تقييم «سلسلة الكتل» و«العقود الذّكيّة» أنّها تسمح بالاندماج الماليّ، وخفض التّكاليف، وأتمتة عمليّات التّأمين، وهي تحصل على التّقدير لدى الشّريحة المدروسة. فيما يخصّ هذا السّؤال، تمّ إجراء دراسة كمّيّة على عيّنة من 198 مشاركًا، حيث أظهر اختبار إحصائيّ أنّ اللّبنانيّين من مختلف القطاعات الاقتصاديّة مهتمّون بعقود تأمين جديدة ومبتكرة، تعتمد على تقنيّة «سلسلة الكتل» وتغطّي مخاطر توقّف نشاطهم التّجاريّ في أثناء الجائحة.

كلمات مفتاحيّة: سلسلة الكتل، اللّامركزيّة الماليّة، انقطاع العمل، التّأمين، كوفيد-١٩.

La Finance décentralisée et ses solutions mondiales
innovantes – Le Secteur de l’assurance et l’interruption des activités pendant la pandémie du Covid-19

La popularité croissante de la «Blockchain» a ouvert la voie au développement de nombreuses applications financières décentralisées. Cependant, les solutions d’assurance font toujours défaut et, de plus, l’importance de ces assurances en cas d’interruption d’activité est cruciale pour la survie des entreprises.

Cet article présente donc l’impact de COVID-19 sur les entreprises et sur le secteur de l’assurance, dans lequel les PME ont perdu des milliards de dollars par mois et que plus de 44 millions de travailleurs sont déjà licenciés. Lorsque ces compagnies ont exigé des compagnies d’assurance qu’elles compensent leurs pertes d’exploitation au titre de la police, ces dernières ont rejeté leurs demandes. L’industrie de l’assurance a également annoncé que la police d’interruption d’activité ne couvre pas les pertes liées à la pandémie.

Nous essayons de pointer l’importance d’un système d’assurance décentralisé en réduisant le nombre d’intermédiaires. L’évaluation de l’artefact montre que la «Blockchain» et les «contrats smart» peuvent permettre l’inclusion financière, la réduction des coûts et l’automatisation des processus d’assurance. Pour cette question, une étude quantitative a été menée sur un échantillon de 198 participants où plusieurs tests statistiques ont montré que les Libanais de différents secteurs économiques sont intéressés par de nouveaux contrats d’assurance basés sur Blockchain et couvrant leur risque d’interruption d’activité en période de pandémie.

Mots clés: Blockchain, décentralisation financière, interruption d’activité, assurance, Covid 19.

الدّكتورة ندى الملّاح البستانيّ  : أستاذة في كلّيّة الإدارة والأعمال في جامعة القدّيس يوسف ببيروت. حائزة  شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا، وجائزة أفضل ورقة بحثيّة عام ٢٠١٩ عن البنوك التّقليديّة والتّكنولوجيا الاقتصاديّة: حلول ومشاكل مستقبليّة، في المؤتمر الدّوليّ ICTO. عضو ناشط في العديد من الهيئات البحثيّة العلميّة: (AIS, MENA-AIS)، وعضو مؤسِّس في المنظّمة البيئيّة «Green Community».

[email protected]

الحرب العالميّة الثّانية وانعكاساتها على سكّان منطقة مرجعيون

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كان لموقع منطقة مرجعيون الاستراتيجيّ أهميّته الخاصّة في مرحلة الحرب العالميّة الثّانية، إذ إنّها قريبة من الحدود الفلسطينيّة كما السّوريّة، ممّا أثّر في مسار المعارك ونتائجها آنذاك، وحيث سيطرت قوّات فيشي الفرنسيّة، المؤيّدة لألمانيا، على سلطة الانتداب في وطننا في العام 1940. عرفت تلك المنطقة نموًّا اقتصاديًّا، وزراعيًّا، وماليًّا، واجتماعيًّا مهمًّا، بحكم مجاورتها لسورية، وبخاصّة حوران، وكذلك فلسطين، ولا سيّما منطقة الحولة. لكن قبيل اندلاع الأعمال الحربيّة في منطقة مرجعيون بين الفيشيّين والحلفاء عاشت تلك المنطقة ضائقة اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة، مثلها مثل باقي المناطق اللّبنانيّة، بسبب الحصار البحريّ المفروض من الحلفاء.

في تلك المرحلة، نظّمت قوّات فيشي في منطقة مرجعيون ومحيطها مواقعها الحربيّة، وجهّزت قوّاتها وأسلحتها تحسّبًا لمواجهات مع قوّات الحلفاء الّتي كانت متمركزة في فلسطين. وبدورها سعت السّلطات اللّبنانيّة المحليّة لتشجيع السّكّان على حفر الملاجئ منذ العام 1940 احتياطًا من معارك واقعة لا محالة. وبالفعل دارت معارك عنيفة، واستمرّت من 8 حزيران حتّى 10 تمّوز 1941. وقد شبّهت بأخطر المعارك التي وقعت في أوروبّا وشمال أفريقية. وكانت نتائجها المباشرة سقوط الفيشيّين، وحلول الحلفاء مكانهم في سلطة الانتداب في منطقتنا، ومتابعة التّقدّم حتّى جزّين، والوصول تاليًا إلى العاصمة بيروت.

دفع سكّان منطقة مرجعيون أثمانًا باهظة نتيجة تلك المعارك، من قتل وجرح العشرات، وتهديم البيوت، ونهب الممتلكات والثّروات، وتهجير السّكّان، واحتراق المحاصيل الزّراعيّة، فكان أن خيّم أيضًا خطر المجاعة.

ومع محاولة المرجعيونيّين؛ محليًّا واغترابيًّا (لا سيّما في الولايات المتّحدة الأميركيّة) استيعاب نتائج تلك المعارك الكارثيّة، بالتّساعد أو باللّجوء إلى الدّولة اللّبنانيّة والمسؤولين الفرنسيّين، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا على المنكوبين. فيما سعت القوّات الإنكليزيّة إلى تدبير بعض الأعمال المدفوعة للسّكّان المنكوبين، كحفر الخنادق الّتي ما زال بعض آثارها باقيًا في منطقة مرجعيون.

كلمات مفتاحيّة: الحرب العالميّة الثّانية ، جديدة مرجعيون، القلم الصّريح، ألفرد أبو سمرا، فلسطين، قوّات فيشي، الحلفاء، الإنكليز، الكولونيل أوبريه، الكولونيل ألبورد، الجنراك كاترو، الجنرال دانتز، سورية، حاصبيّا، الفرقتان الأوستراليّتان، الخيام، إبل السّقي، القليعة، كوكبا، راشيّا الفخّار، الخربة، المغتربون المرجعيونيّون، فريد حبيب، سلطة الانتداب، حنّا حردان.

La Seconde Guerre mondiale et ses répercussions
sur les habitants de la Région de Marjeyoun

L’emplacement stratégique de la Région de Marjeyoun était d’une importance particulière pendant la Seconde Guerre mondiale, étant proche des frontières palestinienne et syrienne. Par conséquent, cela a affecté le cours et les résultats des batailles qui ont eu lieu à cette époque dans cette région, suite à la prise de contrôle par les forces françaises pro-allemandes de Vichy de l’autorité du Mandat dans notre pays en 1940.

Cependant, avant le déclenchement des hostilités entre les Vichystes et les Alliés, la région a connu une grande crise économique et sociale, comme le reste des régions libanaises, en raison du blocus naval imposé par les Alliés, qui empêchait l’arrivée de fournitures nécessaires à toute la société libanaise.

À ce stade, les forces de Vichy dans la Région de Marjeyoun et dans son entourage avaient organisé leurs positions militaires, et préparé leurs forces et leurs armes en prévision des affrontements avec les forces alliées stationnées en Palestine. Les autorités libanaises locales à Marjeyoun, de leur côté, ont également cherché à encourager les habitants à creuser des abris depuis 1940, en prévision des inévitables combats.

Les originaires de Marjeyoun, tant sur place qu’à l’étranger, ont tenté de combler les résultats catastrophiques de ces combats, en s’entraidant, et en recourant à l’Etat libanais, et aux responsables français dans notre pays, pour réclamer la réparation des dommages.

Les forces britanniques, de leur côté, ont également cherché à aider la population affligée en organisant une partie du travail qui leur était payé, comme le creusement de ces tranchées, dont certains vestiges subsistent encore dans la Région de Marjeyoun.

Mots clés: La Deuxième Guerre Mondiale, Jdaydet Marjeyoun, Al-Kalam al-Sarih, Palestine, Les Vichystes, Les Alliés, Le colonel Albord , Le général Catroux, Le général Dentz, Syrie, Hasbayya, Les Deux Divisions australiennes, Al- Khiyam, Ebel El Saki, Al-Klay’a, Rachayya Al- Fakhkhar, Al- Khirba, Les Emigrés originaires de Marjeyoun (ou les Emigrés de Marjeyoun), Les Etats Unis d’Amérique, Farid Habib, Le Mandat, Hanna Hardan.

الدّكتورة جوليات الرّاسي  : أستاذة في الجامعة اللّبنانيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. خرّيجة جامعة السّوربون (باريس الرّابعة)، متخصّصة في التّاريخ العربيّ الوسيط وتحقيق المخطوطات. من مؤلّفاتها ثلاثة كتب منشورة، وعشرات الأبحاث باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة.

[email protected]

المقاربة الشّعريّة النِّسْويّة بين عبد الحقّ حميد تارهان وخليل مطران دراسة تداوليّة – مقارنة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يُعدّ موضوع الشّعر النِّسْويّ من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى كتابة هذا البحث؛ كما أنّ الدّراسات المقارنة الّتي عالجت الشّعر النّسويّ بين أديبين في لغتين قليلة جدًّا، نسبةً إلى الدّراسات المقارنة الّتي قامت في مجال الشّعر. وقد تمّ الاعتماد على مصطلح «النِّسْويّة» بدلًا من «النِّسائيّة» في هذه المقاربة، كونها هيّأت للنّظر إلى النِّساء العربيّات والتّركيّات كذوات وموضوعات؛ كما ساعدت، بوساطة المنهج التّداوليّ، في إبراز السّمات الخاصّة بهويّة البطلات، وتعبيرهنّ عن حياة النّساء والموقف الإيديولوجيّ الّذي تؤدّيه أفعال الكلام في النّصّ الشّعريّ بشأن قوّتهنّ وسيطرتهنّ، أو ضعفهنّ وخضوعهنّ. وتتجلّى صعوبة الموضوع الشّعريّ في الدّراسات المقارنة بالتّرجمة؛ إذ تحتاج إلى التّوفيق بين النّظريّات القائلة بإمكان ترجمة الشّعر من دون أن يفقد شيئًا من عناصره المكوّنة له، وعدم وجود تكافؤ يوازي بين النّصّ الأصليّ والنّصّ المترجم. لذلك، سيتمّ التّركيز على مقارنة العناصر المتكافئة عند كلا الشّاعرين، والّتي ستسهم في انتشار المضمون المستقبليّ للتّرجمة، وتهيّئ التّشابك التّركيبيّ للبِنى اللّغويّة وفقًا للمعنى.

في هذه المقاربة لا أبتغِي الخوض في الكتابات النِّسْويّة (العربيّة والغربيّة) في مراحلهما التّأثّريّة والتّأثيريّة، ولكن اكتشاف الملامح النِّسْويّة عند كلّ من مطران وتارهان، والّتي مكّنت المقارنة اللّسانيّة من مقاربة النّصّ الشّعريّ المعتمِد على أفعال الكلام القادرة على إنطاق المرأة، وتحويل الكلام إلى فعل.

كلمات مفتاحيّة: النِّسْويّة، النِّسائيّة، مقاربة نِسويّة، التّداوليّة، الاستلزام الحواريّ، الرّاديكاليّة، ما بعد البنيويّة، اللّيبراليّة، المكوّنات القوليّة، أفعال الكلام.

L’approche poétique féministe entre Abd al-Haqq Hamid Tarhan et Khalil Moutran.
Etude pragmatique comparative

Le sujet de poésie féministe est l’une des raisons les plus importantes qui ont poussé à la rédaction de cette recherche. De plus, rares sont les études comparatives traitant le sujet entre deux écrivains en deux langues, en relation avec les études comparatives faites dans le domaine de la poésie. Le terme “féminisme” a été utilisé au lieu de “féminin” dans cette approche, vu sa possibilité de voir les femmes Arabes et Turques à la fois comme des sujets et objectifs. Ces études ont aussi aidé, grâce à la méthodologie délibérante, à mettre les caractéristiques propres à l’identité des héroïnes en valeur. Nous nous attarderons sur la comparaison des éléments égaux chez les deux poètes, éléments qui participeront à la propagation du contenu futur de la traduction.

A travers cette étude, mon but n’est pas de m’approfondir dans les écrits féministes (Arabes et occidentaux) dans leurs phases affectives et percutantes, mais plutôt de découvrir les caractéristiques féministes chez Khalil Moutran et Abd al-Haqq Hamid Tarhan qui ont permis à la comparaison linguistique d’aborder le texte en se basant sur l’expression verbale de la femme.

Mots clés: féminisme, féminin, approche féministe, pragmatisme, exigence conversationnelle, radicalisme, au-delà de la construction, libéralisme, composantes verbales, actions de la parole.

 الدّكتورة ندى مرعشلي
صاحبة أطروحة دكتوراه في «الأسلوبيّة والخطاب الشّعريّ الحديث». حائزة ماستر ١ Computational Linguistics في مركز اللّغة والتّواصل – الجامعة اللّبنانيّة، ٢٠٢١، وإجازة في علم التّركيّات من الجامعة نفسها، ٢٠٢٠. وتشغل فيها منصب المديرة التّنفيذيّة والمنسّقة العامّة لمسابقة «الإملاء العربيّ وذهنيّة الكتابة». لها كتب وأبحاث عدّة منشورة ابتداء من العام 2011، من ضمنها مؤلّفات في علم الصّوتيّات.

[email protected]

 

الأنا والنّصّ: قراءة في تجلّيات الذّات في مختارات داغر الشّعريّة: قيافة الأثر: سيرتي تتفقّد قصيدتي

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

«قيافة الأثر: سيرتي تتفقّد قصيدتي» هي مختارات شعريّة للشّاعر شربل داغر، يتحدّث عنها في مقدّمة كتابه قائلًا: «سيرة شعريّة، وإنّما قصائد تتجوّل في سيرتي، بصحبتي: شاعرًا أكثر منّي الإنسان الّذي كنتُ عليه». 

إنّ هذا العنوان غير المألوف شكّل دافعًا إلى القراءة التّحليليّة والتّأويل، وسيلة للغوص في متاهات النّصوص، وذلك عبر تتبّعنا وظائف الكلام في المقاطع الشّعريّة قيد الدّرس الّتي ستساعدنا على دراسة الضّمائر البارزة، ولا سيّما هيمنة ضمير المتكلّم الّذي يحيل، بمؤازرة المعنى، على إظهار تمكّن الكاتب من إبراز سيرته الذّاتيّة عبر تكثيف حضور الأنا في النّصوص.

انطلاقًا من هذه الغاية قسمنا البحث أربعة أقسام: أوضحنا في القسم الأوّل منه مفهوم السّيرة الذّاتيّة، لننتقل في الأقسام التّالية إلى دراسة الوظائف الآتية: الوظيفة الانفعاليّة التّعبيريّة، والوظيفة المرجعيّة، والوظيفة التّأثيريّة، إذ لكلّ وظيفة دورها الفعّال في الدّراسة التّحليليّة.

والواقع، إنّ ما كتبه داغر يشكّل حافزًا لمعرفة كيف تجلّى المعنى، وكيف تجلّت الذّات في النّصوص الشّعريّة قيد الدّرس. فهل يمكن إدراج هذه المجموعة في جنس أدبيّ يحمل عنوان السّيرة الذّاتيّة، أو هي مجموعة انطلقت من السّيرة لتفتح الحدود بين أجناس وأنواع أدبيّة مختلفة؟ وهل هو يتحدّث في هذه النّصوص عن سيرته الذّاتيّة أو عن سيرة أناه المبدعة؟

كلمات مفتاحيّة: السّيرة، السّيرة الذّاتيّة، الأنا، الضّمير، وظائف الكلام، الوظيفة التّعبيريّة، الوظيفة المرجعيّة، الوظيفة التّأثيريّة.

Le Moi et le texte: lecture sur les manifestations du Soi dans les choix de poèmes de Charbel Dagher:
À la recherche de traces: ma poésie inspecte mon récit

Charbel Dagher débute son livre par: «récit poétique, ou plutôt des poèmes qui se promènent dans mon récit, m’accompagnent: poète plus que l’homme que j’étais».

Ce titre inhabituel fut le motif qui m’a poussée à une lecture analytique et à l’interprétation, afin de m’approfondir dans les labyrinthes des textes, et cela en suivant les fonctions du langage dans les poèmes. L’étude de ces fonctions va m’aider à étudier les pronoms proéminents, surtout la dominance du pronom possessif (1ère personne), qui renvoie, par l’aide du sens, à montrer la capacité de l’auteur à présenter son récit personnel en employant avec abondance le moi dans les textes.

L’article est donc divisé en quatre parties: la notion du récit personnel, puis la fonction expressive, la fonction référentielle, et la fonction impressive.

Peut-on inscrire ce recueil poétique dans un genre littéraire connu par l’autobiographie? Ou bien est-il un recueil qui, à partir de cette dernière, vise à ouvrir les limites entre les différents genres littéraires? Traite-t-il dans ces textes son autobiographie ou le récit de son moi créatif?

Mots clés: Le récit, l’autobiographie, le moi, le pronom, les fonctions du langage, la fonction expressive, la fonction référentielle, la fonction impressive.

الدّكتورة دورين نصر : دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها. شاعرة، رئيسة فرع الرّابطة للمثقّفين العرب في لبنان، باحثة، وناقدة، وكاتبة في وكالة أخبار المرأة.

[email protected]

الـمَقاصِدُ الدّلالِيَّةُ وَالأُسْلوبِيَّةُ لِوَضْعِ الاسْمِ الظّاهِرِ مَوضِع الضَّمير في القُرْآنِ الكَريمِ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنَّ للضَّمائرِ صوَرًا لفظيَّةً تدلُّ على الأسماءِ وتَنوبُ عَنْها، لكنَّ النُّحاةَ وَالبَلاغيّينَ ذهبوا إلى أنَّه لا يجوزُ استِعمالُ الاسمِ حيثُ أمكَنَ استِعمالُ الضَّميرِ، إلّا إذا كانَتْ في استِعمالِ الاسمِ الظّاهِرِ أغراضٌ دلاليَّةٌ وَبَلاغيَّةٌ وَأُسلوبيَّة، وهيَ كثيرةٌ ومتنوِّعة. وَفي هذا البحثِ، أحصيْتُ مِنْها عشرةَ أغراضٍ، هيَ كالآتي: استِكمالُ عَناصِرِ الجملَةِ وَاستِقلالها بذاتِها، والانتِقالُ بِالحُكْمِ مِنْ خُصوصيَّةِ السِّياقِ إلى العُمومِ وَالشُّمول، وَزِيادةُ ترسيخِ الاسمِ في الذِّهن، وَإزالةُ اللَّبْسِ وَاعتِمادُ التَّعبيرِ القَطْعيِّ في الأُمورِ المُهمَّة، وَالتَّأسيسُ بِالاسمِ الظّاهِرِ لإضافَتِهِ أوْ وَصْفِهِ، وَتَقريرُ قَواعِدِ الاعتِقادِ الكُلِّيَّة، وَتَعليلُ سبَبِ الحُكْم، وَإفادةُ وصْفٍ جَديدٍ لا يدلُّ عليْهِ الضَّميرُ، وَالقَصْدُ إلى التَّهويلِ وَالتَّعظيمِ وَالاهتِمامِ وَالتَّشويقِ، وإظهارُ الفَضْلِ وَالعِنايةِ الإلهيَّةِ بِالرُّسُلِ وَالمُؤمِنين.

كلِمات مفتاحيَّة: الاسمُ الظّاهِر – الضَّمير – العُدول.

Les fins sémantiques et stylistiques de mettre le nom apparent à la place du pronom dans le Coran

Les pronoms ont des formes verbales qui indiquent les noms et les représentent, mais les grammairiens et les rhéteurs ont estimé qu’il n’est pas permis d’utiliser le nom là où on peut utiliser le pronom, à moins que le nom ne soit utilisé pour des fins sémantiques, rhétoriques et stylistiques du nom, dont dix seront présentées dans cette recherche: compléter les éléments de la phrase et leur donner leur indépendance par eux-mêmes, déplacer le jugement de la spécificité du contexte vers le général et l’inclusivité, consolider le nom dans nos esprits dans la toute-puissance, supprimer la confusion et adopter l’expression hyperbolique dans les cas importants, établir sur le nom pour l’ajouter ou le décrire, faire le rapport des règles générales de croyance, expliquer la raison du jugement, témoigner d’une nouvelle description que le pronom n’indique plus, vouloir l’intimidation, la valorisation, l’attention et la suspense, montrer le crédit et le soin de Dieu des messagers divins et des croyants.

Mots clés: le nom, le pronom, la régression.

الأستاذ مصطفى محمّد الدّرويش  :  باحث سوريّ  متخصّص في اللّغة العربيّة وآدابها. طالب دكتوراه في جامعة القدّيس يوسف.

[email protected]

مراجعة في بعض قرارات مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ المراجعة المقصودة في هذا البحث هي اعتماد مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، في قراراته، على أدلّة في بعضها اضطراب، وتناقض، وضعف. وقد تناول البحث خمسة أوجه:

أوّلها: التّضادّ في قرارات مجمع اللّغة، فقد أحصى البحث عشرين قرارًا متناقضًا للمجمع.

ثانيها: التّعديل في قرارات المجمع السّابقة، وأحصى البحث سبعة قرارات عدّل المجمع فيها.

ثالثها: الغموض في قرارات المجمع، وأحصى البحث في هذا المضمار أربعة قرارات.

رابعها: عدم إصابة قرارات المجمع الهدف أحيانًا، حيث بيّن البحث أنّ المجمع في بعض الأحيان، في معالجته مسألةً لغويّة، يركّز اهتمامه على ناحية منها، ويغفل ناحيةً أخرى أَوْلى بالاهتمام والمعالجة، كمسألة حذف همزة «ابن» أو إثباتها، والشّروط الواجب توافرها في كلتا الحالتين.

وخامسها: الضّعف والوَهَن، فقد ركّز البحث على مسألتين اتّخذ المجمع في كلّ منهما قرارين متناقضين، أي إنَّ المجمع تراجع في كلّ منهما عن قرار له إلى قرار آخر يناقضه، ويرى الباحث أنَّ المجمع فيهما انتقل من الصّواب إلى الخطأ. وهاتان المسألتان هما: مسألة تصدّر أدوات الاستفهام، ومسألة وصف المؤنّث بالمذكّر في المناصب والأعمال، بشرط ذكر الموصوف.

كلمات مفتاحيّة: المراجعة، مجمع اللّغة العربيّة، القرار، الاضطراب، التّناقض والتّضادّ، التّعديل، الضّعف، اللّبس، الغموض والإبهام، الوهن، الخطأ، الإفصاح، الإبانة، الإفهام، الاهتمام، الإتقان، الصّواب.

Revue de quelques décisions prises par l’Académie
de la langue Arabe au Caire

La “revue” des décisions prises par l’Académie de la langue Arabe au Caire traite “la faiblesse, la confusion, et la contradiction des preuves. Cet article présente cinq aspects en question:

1- Les contradictions présentes dans les décisions de l’Académie; la recherche en a repéré vingt.

2- les modifications opérées dans les décisions de l’Académie; la recherche en mentionne sept.

3- l’ambiguïté présente dans les décisions; la recherche en cite quatre.

4- il arrive que l’Académie ne traite pas le plus important; la recherche montre que l’Académie se concentre sur l’un des aspects des problèmes linguistiques, et en néglige d’autres aspects plus importants, par exemple: la hamza du mot “Ibn” et ses conditions.

5- la faiblesse dans les décisions; la recherche fait le point sur deux sujets ayant subi deux décisions contradictoires. L’Académie avait remplacé une décision par une autre contredisant la première, et il s’est avéré que c’était une initiative incorrecte.

Mots clés: Revue, l’Académie de la langue Arabe, décision, confusion, contradiction, modification, faiblesse, ambiguïté, faux, divulgation, clarification, compréhension, intérêt, perfection, correct.

الدّكتور محمّد زكريّا صبّاغ : باحث لغويّ، عيّن مدير تعليم الطّلبة السّوريّين في مدارس الإيمان الإسلاميّة في شمال لبنان من العام 2012 وحتّى العام 2020. حائز دكتوراه في علم الصّرف، وماجستير في علم النّحو من جامعة القدّيس يوسف (معهد الآداب الشّرقيّة).

[email protected]

خطبة في دخول والدة الإله إلى الهيكل ليوحنّا عبد المسيح الأنطاكيّ من كتاب معين الحياة. المركب السّائر في ميناء النّجاة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

عاش يوحنّا عبد المسيح في القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر. في وقت غير معروف، صار راهبًا في أحد أديار أنطاكية. ثمّ، ما لبث أن دُعي لجثلقة ساس ورومجيريس قرابة عام 1000 م.، في زمان دوقيّة نيكيفورس أورانوس على أنطاكية. اعتذر يوحنّا عن هذه المهمّة، وعاد ليعيش في دير السيّدة والدة الإله «أرشايا» بالقرب من أنطاكية. هناك عمِل على كتابِه معين الحياة. المركب السّائر في ميناء النّجاة، وهو مجموع سِير قدّيسين وعظات للمناسبات الكنسيّة. أدرج يوحنّا في كتابه هذا خطبةً ألّفها مُسجّعةً لعيد دخول السّيّدة إلى الهيكل. ننشر هنا نصّها مع دراسة لفحواها ومصادرها.

كلمات مفتاحيّة: يوحنّا عبد المسيح الأنطاكيّ، الأدب المسيحيّ العربيّ، دخول السّيّدة إلى الهيكل، أندراوس الكريتيّ، تيبولوجيا.

Discours sur la Présentation de la Vierge au Temple de Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ al-Anṭākī

Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ vécut au 10e et début du 11e siècle. À une date inconnue, il devint moine dans l’un des monastères d’Antioche. Puis, il fut élu catholicos de Sas (ou Šāš) et Romagyris. Vers l’an mille, sous le doux d’Antioche Nicéphore Ouranus, Yūḥannā démissionna et revint vivre dans le Monastère de la Mère de Dieu «Archaïa» près d’Antioche. Il y travailla sur son œuvre magistrale «Source de vie. Navire qui avance dans le port du salut», un recueil de vies de saints et d’homélies pour les fêtes ecclésiastiques. Nous retrouvons dans ce recueil un Discours sur la Présentation de la Vierge au Temple que Yūḥannā même composa en prose rimée. Nous le publions avec une étude du contenu et des sources.

Mots clés: Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ al-Anṭākī, Littérature arabe chrétienne, Présentation de la Vierge au Temple, André de Crête, typologie.

الدّكتور حبيب إبراهيم :  باحث في مركز التراث العربيّ المسيحيّ، جامعة القدّيس يوسف – بيروت.

[email protected]

عيسى المسيح في إنجيل كنيسة نجران القرن الخامس الميلاديّ (القسم الثّاني)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ أقدم استعمال عربيّ لاسم عيسى، بدلًا من يسوع، يعود، على ما يبدو، إلى ترجمة عربيّة للإنجيل تمَّتْ، على الأرجح، في محيط نجران (ق. 5م.). أبدلت هذه التّرجمة تعابير «ابني»، بـ «صفوتي» و«حبيبي»… وتعابير «أبي» بـ «ﷲ»، أو حذفتها أحيانًا… فعلى الأرجح هذه ترجمة أريوسيّة، انتقل منها اسم «عيسى» إلى قصائد جاهليّة، ونقوش حجريّة، وربّما إلى القرآن.

حمل شعراء في الجاهليّة ونقوش في نجران أسماء وردت في هذا الإنجيل، مثل: المهلهل والسّالم والحَصين والحسَل والعبيد ومَذيذ وعمَن…

ربّما، نفهم في هذه الدّراسة، لماذا لا يسمّي المسيحيّون أولادهم باسم «يسوع»، أي ابن ﷲ، في حين أنّهم لا يزالون، مع إخوتهم المسلمين، يسمّون مواليدهم باسم «عيسى» أي النّبيّ.

كلمات مفتاحيّة: عيسى، يسوع، يوحنّا، الإنجيل، القرآن، السّريانيّة، اليونانيّة، المخطوطات، الشّعر الجاهليّ، النّقوش الحجريّة، نجران، الجزيرة العربيّة.

Le Christ ʿIssā dans l’évangile de l’église de Najran
5e siècle Ap.J. (2)

Il semble que le premier emploi arabe du nom «ʿIssa», à la place de celui de «Jésus», est dû à une traduction arabe de l’Évangile, réalisée probablement dans la région de Najran (vème s.). Cette traduction a remplacé l’expression «mon Fils» par «mon élu» ou par «mon bien-aimé», etc., et l’expression: «mon Père» par «Dieu». Ces expressions ont été parfois complètement supprimées. Vraisemblablement, il s’agit d’une traduction arienne.

Le nom «ʿIssa» fut transmis à des poèmes préislamiques, à des inscriptions, etc., et peut-être au Coran.

À l’époque préislamique, des poètes, des inscriptions à Najran, portaient des noms mentionnés dans l’Évangile, comme: «al-Muhalhil», «al-Sālim», «al-ḥaṣīn», «al-ḥasal», «al-ʿAbīd», «Mazīd», «ʿAman», etc.

Probablement, cette étude nous fait comprendre pourquoi les chrétiens ne nomment pas leurs enfants «Jésus» − en tant que Fils de Dieu −, alors qu’ils les nomment, ainsi que leurs frères musulmans, «ʿIssa» − en tant que prophète.

Mots clés: ʿIssa, Jésus, Jean, l’Évangile, le Coran, la langue syriaque, la langue grecque, les manuscrits, la poésie préislamique, les sculptures sur pierre, Najran, la péninsule arabe.

الأب حنّا اسكندر : أستاذ مادّة التَّاريخ واللّغات القديمة في الجامعة اللّبنانيّة. نال شهادة الدّكتوراه في التّاريخ من جامعة القدّيس يوسف. نشر عشرات الكتب وعددًا من المقالات البحثيّة. فَهْرَسَ وحقَّق حوالى خمسين ألف وثيقةٍ وأكثر من مئة مخطوطة. اشترك في عددٍ من البرامج التّلفزيونيّة والإذاعيّة.

[email protected]

القدّيس ألفونس رُودْرِيكس شفيع الإخوة في الرّهبانيّة اليسوعيّة (1)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أكبرت المؤلّفة سيرة حياة ألفونس رودريكس اليسوعيّ (Alphonse Rodgriguez) العابقة بأنقى الرّايات وأتقى العطور، فترجمت لهذا القدّيس في مقالة من ثلاثة أجزاء: الأوّل نورده في هذا العدد من المشرق، وقد افتتحته بذكر طائفة من الكلمات الرّزينة الّتي قالها فيه عدد من الصّلحاء. ثمّ تطرّقت إلى ولادته في مدينة سيغوڤيا (Ségovie) الإسبانيّة، وأبرز الفضائل الّتي نمت في فؤاده، فكيفيّة قيام بعض اليسوعيّين الّذين قصدوا مسقط رأسه، بتروية براعمه النّاصعة، فسفَره إلى كلّيّة ألكالا التّابعة لرهبانيّة هؤلاء الفضلاء. ثمّ أظهرت كيف اضطرَّ بعد حوالى سنة إلى العودة إلى سيغوڤيا، حيث أصيب بمجموعة من المصائب الغليظة المؤلمة… ثمّ تحدّثت الكاتبة عن كيفيّة ترائي يسوع والعذراء له مع القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ. ثمّ تطرّقت الكاتبة إلى رؤيتين رامزتين خامرتا عيونه، وحثّتاه على دخول الرّهبانيّة اليسوعيّة الّتي أرسلته إلى مدرسة في مدينة بالما (Palma) فأمضى فيها بوظيفة بوّاب ما تبقّى من عمره. وقد ذكرت في هذا المضمار خطوطًا من أفعاله اليوميّة الزّاخرة بالورع، ووقفت على فضيلتين وَسَمَتا عمره أجمل وسْم. ونلفت إلى أنّ المؤلّفة – لمزيد من الدّقّة والإفادة – عوّلت، في كلّ ما تقدّم ذكره، على مجموعة مهمّة من المراجع.

كلمات مفتاحيّة: القدّيس، الفضائل، رهبانيّة، يسوع، العذراء، الكنيسة.

Saint Alphonse Rodriguez
Intercesseur des frères à la compagnie de Jésus (1)

L’auteure de l’article met en relief la vie de Saint Alphonse Rodriguez, une vie ornée d’étendards et d’arômes; elle traita alors ce sujet dans un article divisé en trois parties: la première paraîtra dans ce numéro d’al-Machriq. Il contient une série d’éloges faites à Saint Alphonse, par un bon nombre de personnes vertueuses. Puis elle cite sa naissance dans la ville espagnole de Ségovie, et ses plus grandes vertus qui ont grandi avec lui, ainsi que maintes circonstances de son parcours. Puis elle cite les deux visions qui le poussèrent à faire partie de la Compagnie de Jésus qui l’envoya à la ville de Palma où il exerça le métier de concierge le restant de ses jours.

Enfin, l’article mentionne les actions vertueuses que Saint Alphonse a réalisées au quotidien, ainsi que des traits de sa personnalité qui l’ont clairement distingué. Il nous offre aussi une riche bibliographie qui nous aide à élargir l’éventail de nos informations sur Saint Alphonse.

Mots clés: Saint, vertus, Compagnie de Jésus, Jésus, La Vierge, l’Eglise.

الدّكتورة منى كرم  : باحثة متخصّصة بالآداب العربيّة. لها مقالات عديدة أدبيّة وتاريخيّة ودينيّة.

نوبل للسّلام.. لمَن؟ بين الأوجاعِ والتّناقضات، حضاراتٌ تولَد

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الدّكتور غي سركيس

نوبل للسّلام.. لمَن؟
بين الأوجاعِ والتّناقضات، حضاراتٌ تولَد

376 ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1213-3)

«نوبل للسّلام… لِمَن؟ محاكمةُ التّاريخ وقلقُ المستقبل

إذا كان الحائزون جوائز نوبل مرايا عصورهم، ويعكسون اتّجاهات البشر أو يصنعون جزءًا لا بأس به من تطوّر مجتمعاتهم، فإنّ كتاب نوبل للسّلام… لمن؟ هو بلا مغالاة مرآة مختصرة لمئة عام مضت. فحين نطوي صفحة الكتاب الأخيرة من الثّلاثمئة وسبعين صفحة، نُدرك أنّ المؤلِّف والكاتب الموسوعيّ والإنسانيّ بامتياز الأب الدّكتور غي سركيس، تمايز عن جلّ مَن تناول هذه الجائزة العالميّة والفائزين بها، بأنّه لم يضع نوبل هدفًا لبحثه العلميّ والتّاريخيّ والاجتماعيّ الدّقيق، بل غاص في تقلّبات الماضي لاستشراف توجّهات البشريّة جمعاء.

هو كتاب ندُرَ مثلُه في العالم العربيّ حاليًّا؛ بحثًا وتوثيقًا وتحليلًا واستشرافًا، ذلك أنّه من خلال الأسماء السّتّة عشر الّتي اختارها الكاتب من بين الحائزين جوائز نوبل، لأسباب «غير موضوعيّة وغير عشوائيّة»، كما يقول، يُشرّح بمِبضَع الباحث الأكاديميّ، وخصوصا مبضع الإنسان الحقيقيّ المهجوسِ ببناء إنسانيّة فُضلى، مئة عام من الحروب والأزمات والاكتشافات والقوانين والرّجال الّذين مهما اختلفت الآراء بشأنهم، تركوا بصماتهم على جبين البشريّة.

لا يستخدم الكاتب مصطلح «التّطوّر»، بل يؤثرُ مصطلح «التّبدّل»، ولا يكتفي بسرد الوقائع وسيَر حيوات الحاصلين على جائزة نوبل، وإنّما يَدخلُ من أبواب كثيرة، في علوم السّياسة والاجتماع والفلسفة والتّاريخ وتحليل الخطاب، حتّى يكاد يختصر أبرز الأفكار الكُبرى والفلسفات الوجوديّة لقرن وعشرين عامًا خلت.

من عنوان المقدّمة استشراف الماضي يضع الكاتب إشكاليّة الأقسام اللّاحقة، فهل الماضي يُستشرف؟ يبدو نعم. إذا كانت دراسته ليست هدفًا في ذاتها، بل جسر لفهم الحاضر وتوقّع المُستقبل، ذلك أنّه: «من الخصائص الّتي يتفوّق بها البشرُ على الكائنات الأخرى، قدرةٌ على إنجاز القراءة الاستعاديّة (Retrospection)». هنا بالضّبط تُصبح الشّخصيّة المُختارة من الشّخصيّات الّتي حازت جائزة نوبل، مِسبارًا للإطار العامّ الّذي عاشت فيه هذه الشّخصيّة، وسياقات الأحداث الّتي عاصرتها، أو ساهمت فيها، أو تسبّبت بحدوثها (نلسون مانديلا، هنري كيسنجر، ميخائيل غورباتشوف، رالف بونش الوسيط بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين… إلخ).

تحت عنوان فرعيّ في المقدّمة المعرفيّة والتّحليليّة الطّويلة الذّاكرة المُتلاعب بها، يُصبح بعضُ العودة إلى الماضي موضع انتقاد واتّهام عند الكاتب، ذلك أنّ تلك العودة لم تَستخدِم الماضي كجسر إلى المُستقبل، بل اختارته لتبرير العجز البشريّ والتّخلّف في الحاضر. وهذا ما يقوده إلى تسليط الضّوء على هذه الآفة عند الشّرقيّين الّذين يشتهرون «بحنينهم إلى الأزمان الماضية واتّباع السّلف بمثلنتِه، لأنّ هذا التّصرّف يسمح لهم بحياكةِ الأساطير لكسب الفخر أو للتّعويض من انحطاطهم».

يعترف الكاتب بأنّه لم يختر الأكثر استحقاقًا لهذه الجوائز، ولا الأوسع شهرة، ولا الأكثر تعلّقًا بالسّلام، بل اختار «الّذين يعكسون بوجه أفضل جِدّة أزمنتهم»، ذلك لأنّ «التّاريخ ظالم التّفرقة بين النّاس، قد نثمّن بعضهم (أي من الحائزين نوبل)، ونحتقر آخرين، ولكن لا يمكننا إنكار عبقريّة أيّ منهم». فهو حين يُسلّط الضّوء مثلًا على الألمانيّ هاينز كسنجر، (وهو الاسم الحقيقيّ لهنري كيسنجر)، يعود إلى تاريخ العائلة اليهوديّ، وما تعرّضت له في الحرب العالميّة، وهجرتها إلى الولايات المتّحدة، ثمّ يفنّد إطار المناصب العامّ والّتي تقلّدها كيسنجر، والدّبلوماسيّة الّتي خاضها في مناطق النّزاعات من فيتنام وكمبوديا وباكستان والهند إلى الشّرق الأوسط فالصّين والاتّحاد السّوفياتيّ.

يفعل كلّ ذلك ليس للقدح أو المدح، بل للوصول من خلال تلك السّياقات إلى خلاصة مفادها أنّ النّجاحات والأخطاء الكثيرة الّتي حقّقها أو ارتكبها كيسنجر في مسيرته الطّويلة لا تُلغي أبدًا أنّه «بفضله تفوّقت الدّبلوماسيّة على السّلاح»، لكنّ «السّياسة الواقعيّة» الّتي تميّز بها «تُعاب بأربع: التّفرّد في صنع القرار، وحصر الوظائف في يد واحدة، وانعدام المناقشة الجديّة قبل اتّخاذ القرار، وتخطّي الموظّفين في الإدارات».

نُلاحظ في سرد الكاتب سياقات حياة وأحداث شخصيّة كيسنجر أو الشّخصيّات الأخرى أنّ الميل إلى تحليل ما حصل في زمنه بالاستناد إلى الوقائع، يُراد منه ليس شرح الماضي كهدف، بل وضع الإصبع على جرح الماضي، لجعل المُستقبل أقلّ وطأة، وأكثر إنسانيّة. ولذلك غالبًا ما نجد أنّ الإنسانيّ في تحليل السّياقات الدّقيق هذا، يتقدّم على السّياسيّ أو الاجتماعيّ، فلا يُمكن أن نفهم شخصيّة كيسنجر من دون العودة إلى تأثير محارق اليهود، وحياة العائلة، وتربية أعرق الدّبلوماسيّين الأميركيّين وتعليمه، هو الّذي صعد سلّم المجد الدّبلوماسيّ في بلاده والعالم، وهو في مقتبل الشّباب، وأراد إعادة جائزة نوبل لأنّه شعر بعدم استحقاقه لها.

السّياق (Le contexte) يبدو في الكتاب متقدّمًا على السّرد، أو أسماء وسِير الحائزين نوبل، وهذا مهمّ جدًّا، ففي نظريّة تحليل الخطاب البراغماتيّ، يكون السّياق هو الحامل كلّ التّأثيرات والمؤثّرات على الأشخاص والأحداث، وهو الدّافع باتّجاه الكثير من أفعالهم أو ردود أفعالهم. هذا بالضّبط ما يدفع قارئ الكتاب إلى طرح السّؤال الآتي: «هل أراد الأب سركيس الحديث فعلًا عن الحائزين جوائز نوبل أم كلّ ما أحاط بهم من أحداث، لرصد الدّوافع الخفيّة للأحداث الكُبرى، وإشكاليّة الحداثة وما بعدها؟» وسرعان ما يأتي الجواب بأنّ السّياق أهمّ من الجوائز.

غاب عن الكتاب ياسر عرفات وإسحق رابين أو شيمون بيريز أو الأمّ تيريزا وغيرهم، ليس لأنّ خيارات الكاتب «غير الموضوعيّة» لا تُريد الدّخول في متاهات ودهاليز لا نهاية لها وحسب؛ مثلًا في الصّراع العربيّ الإسرائيليّ (ولذلك اختار الوسيط رالف بونش) بل لأنّ له رأيه الخاصّ في هذا الصّراع، وفي شخصيّاته والمؤثّرين فيه. ولعلّه أراد تجنيب القارئ تلك الشّخصنة بالرّغم من حضورها في بعض الأقسام.

أمّا عربيًّا فيُشير الأب غي سركيس إلى أنّ العشرة الحائزين جوائز نوبل إنّما حصلوا عليها بفضل الجنسيّة الأخرى الّتي يحملونها، ما يؤشّر إلى «افتقار دولهم إلى مؤسّسات تسمح للعالِم بالقيام بأبحاثه وتطوير نفسه، كما أنّ عدد الجوائز الغالب لذوي الأصول العربيّة إنّما مُنح من أجل السّلام، ما يؤشّر إلى واقع الاضطرابات الدّائمة في العالم العربيّ».

لا بدّ من التّوقّف عند جرأة الكاتب في مواضع عديدة، وبينها مثلًا رأيه بالحاج أمين الحسينيّ والثّورة العربيّة الكُبرى، الّتي يقول إنّها ألحقت الأذى بالعرب أكثر منه باليهود:

«ضحايا عرب كثيرون يُقدّرون بـ 10 بالمئة من الرّجال الفلسطينيّين بين قتيل وجريح وسجين ومنفيّ، واقتصاد عربيّ كارثيّ، إذ فرض الثوّار الضّرائب على مواطنيهم الأثرياء، وبطالة طالت العمّال الفلسطينيّين الّذين استغنى اليهود عن خدماتهم».

ونكتشف مع الكاتب أنّ اسم فلسطين لفظةٌ استُخدمت في الغرب أساسًا، وهو يؤكّد أنّ «أوّل مَن تصدّى للصّهيونيّة في العالم العربيّ وخطرها هم المسيحيّون؛ فقد أثار المارونيّ القوميّ العربيّ نجيب عازوري (+1916) مؤلّف يقظة الأمّة العربيّة والخطر اليهوديّ العالميّ خطورة الحضور اليهوديّ في الأرض المقدّسة، أمّا المسلمون فدأبوا على انتقاد أسسها ابتداءً من العام 1918، ففنّد الإصلاحيّ السّوريّ المصريّ محمّد رشيد رضا (+1935) الأسس الدّينيّة في الحركة الصّهيونيّة، بأنّها لا تُبقي لا على مسلمين ولا على مسيحيّين في أرض الميعاد الّتي لم تُعط في الحقيقة لليهود حصرًا، بل لأبناء إبراهيم جميعًا».

لا ينسى الكاتب وطنه في هذا الدّفق التّاريخيّ والتّحليليّ والاستشرافيّ الغزير، فيدخل لبنان من بوّابة المقارنة مع جنوب أفريقيا ونلسون مانديلا، ليروي كيف تصالح أهل جنوب أفريقيا، بينما «أبناء المجتمع اللّبنانيّ لم يتصالحوا، وأضاعوا فرصة البحث عن الحقائق بابتداعهم شعار لا غالب ولا مغلوب، فانتهت الحرب بأنْ حكم أفراد الوطن معًا، بعد أن تقاتلوا مدّة سنوات، ولعلّ في ذلك ما يفسّر العجز عن تأليف كتاب تاريخٍ موحّد يروي الأحداث الّتي حصلت منذ إعلان استقلال لبنان في العام 1943».

وكما بدأ الأب غي سركيس مؤلّفه هذا بمقدّمة تحليليّة مستندة إلى التّوثيق المعرفيّ واقتباس الشّهادات وإلى عشرات المراجع العالميّة، يختم بعنوانين: الأوّل عبارة عن سؤال: «والآن؟» والثّاني: «العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة» فيرى: «أنّ زمن ما بعد الحداثة يشكّك في محوريّة الشّخص البشريّ، وفي مطلقيّة القيم الأخلاقيّة والسّياسيّة كما قدرة العقل البشريّ ومبادئ أخرى كثيرة، كانت في صلب الحداثة».

إذا كانت الموضوعيّة المُطلقة غير موجودة في تعامل البشر مع أيّ شيء ممّا يحيط بهم، فلا شكّ في أنّ الأب الدّكتور غي سركيس، يعكس، عن قصد أو من دون أن يدري، كثيرًا من شخصه وإنسانيّته وآرائه وهواجسه عن الكون والإنسان والحاضر والمستقبل والحياة وماهيّتها وجدواها وما بعدها بشفافيّة عالية، وذلك في إطار تحليله سياقات الشّخصيّات الّتي اختارها؛ التّاريخيّة منها والاجتماعيّة والنّفسيّة والإنسانيّة والسّياسيّة. كيف لا يفعل، وهو الّذي نذر حياته للرّهبنة وعلم اللّاهوت والتّعليم، وله في رصيده حتّى الآن ستّة مؤلّفات.

إنّه كتابٌ غنيٌّ بالمعلومات، شيّقٌ ورشيقُ الأسلوب، عميقُ التّحليل، يتمحور على سؤال وجوديّ كبير: «هل الإنسان يتطوّر فعلًا؟». وربّما نضيف سؤالين آخرين أقلّ أهميّة: «هل الإنسان يتعلّم من تاريخه؟ وهل إذا تعلّم من تجارب الماضي، يُصبح أكثر إنسانيّة وأقلّ همجيّة وجشعًا في هذه الحياة العابرة؟» ليس مؤكّدًا.

الدّكتور سامي كليب

 

الدّكتور سامي كليب :  باحث وكاتب وإعلاميّ. حائز دكتوراه في علوم الإعلام والاتّصال من الجامعة اللّبنانيّة، وماجستير في تحليل الخطاب السّياسيّ من جامعة السّوربون الثّالثة في فرنسا. أستاذ محاضر في الجامعة اللّبنانيّة، وفي كليّة أركان الجيش اللّبنانيّ. مؤسّس ورئيس تحرير موقع «لعبة الأمم»، ومقدّم برنامج «حوار سامي» عبر يوتيوب. له العديد من الكتب والمقالات السّياسيّة والثّقافيّة.

[email protected]

سلوة العارفين وأُنْس المشتاقين لأبي خلف الطّبريّ (توفّي نحو 470هـ./1077 م.)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جرهارد بورينغ وبلال الأُرفه لي

سلوة العارفين وأُنْس المشتاقين
لأبي خلف الطّبريّ (توفّي نحو 470هـ./1077 م.)

​616 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-8180-1)

صدر عن دار المشرق تحقيق نقديّ لـ كتاب سَلوة العارفين وأُنْس المشتاقين لمؤلّفه أبي خلف الطّبريّ (ت. ٤٧٠/١٠٧٧) بتحقيق وتقديم جرهارد بورينغ أستاذ الدّراسات الإسلاميّة في جامعة ييل الأمريكيّة، وبلال الأرفه لي أستاذ كرسيّ الشّيخ زايد للدّراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعة الأمريكيّة في بيروت. وكان المحقِّقان قد نشرا، قبل ذلك، هذا التّحقيق عن دار بريل – ليدن سنة ٢٠١٣ ضمن «سلسلة التّاريخ والحضارة الإسلاميّة.» ترجَم هاني رمضان مقدّمة الكتاب إلى العربيّة، وغطّت لوحة بريشة الفنّان التشكيليّ محمود الدّاود غلاف الكتاب.

مؤلِّف الكتاب هو أبو خلف محمّد بن عبد الملك الشّافعيّ السّلميّ الطّبريّ، وهو فقيه شافعيّ ومؤلِّف في الفقه والتّصوُّف. عاش في نيسابور عاصمة إقليم خراسان ومركزها الثّقافيّ. وتذكر كتب التّراجم كُتبًا له في الفقه منها كتاب الكفاية، وكتاب المعين، وشرحه على كتاب المفتاح، غير أنّه لم يصل إلينا أيٌّ من أعماله الفقهيّة المذكورة. وكان الطّبريّ قد وضع كتابه هذا بطلبٍ من أبي عليّ حسّان بن سعيد المنيعيّ (ت. ٤٦٣/١٠٧١) الذي كان رئيسًا للفتوّة الصّوفيّة في نيسابور وراعيًا لعلمائها.

حقّق جرهارد بورينغ وبلال الأرفه لي الكتاب عن مخطوط فريد، محفوظ في دار الكتب المصريّة في القاهرة ضمن مجموعة طلعت باشا. ويرجّح المحقّقان أن تكون هذه المخطوطة منسوخة عن نُسخة الكاتب الأصليّة، ما يجعلها في منتهى الأهمّيّة. يبدأ كتاب سَلوة العارفين بمقدّمة قصيرة من وضع الطّبريّ نفسه، ثمّ ينقسم في اثنين وسبعين بابًا تتحرّك بين معاني التّصوُّف وطرقه وأحواله. ويتألّف النّصّ المحقّق من ٤٤٥ صفحة، بالإضافة إلى فهارس الآيات، ومتون الحديث، والأعلام، والأماكن، والأشعار، والاصطلاحات. وتأتي المقدّمة من عمل المحقّقَين، وترجمة هاني رمضان، لتسلّط الأضواء على النّصّ وعتباته الضّروريّة من قبيل البحث في حياة أبي خلف الطّبريّ ومؤلّفاته، ومسيرته العلميّة، كما تقدّم دراسة نصّيّة موجزة لمخطوطة دار الكتب المصريّة. وتضع المقدّمة كتاب سَلْوة العارفين في سياق الآداب والمؤلّفات الصّوفيّة السّابقة عليه والمعاصرة له مثل رسالة القشيريّ (ت. ٤٥٩/١٠٧٢)، وتهذيب الأسرار للخركوشيّ (ت. ٤٠٧/١٠١٦)، وطبقات الصّوفيّة لأبي عبد الرّحمن السّلميّ (ت. ٤١٢/١٠٢١).

تشرح أبواب الكتاب مفردات واصطلاحات صوفيّة وإيمانيّة واجتماعيّة، وتبدأ معظمها بلازمة «باب في بيان معنى..» ويُعنون الطّبريّ الباب الأوّل من الكتاب «باب في بيان معنى التّصوُّف ونعت الصّوفيّة»، ثمّ يتحرّك إلى الكلام في التّوحيد ومعناه عند المتصوِّفة. ينتقل بعد ذلك للتكلّم في طقوس المتصوّفة وآدابهم الحياتيّة في مجموعة من الأبواب في التّوبة، والزّهد، والورع، والتّقوى، والخوف، والرّجاء، والخشوع والتّواضع. ويُلحِق الطّبريّ هذه الأبواب بالحديث عن النّفس، والقلب، والهوى، والدّنيا، والوقت. يعود بعد ذلك للحديث عن طرق الصّوفيّة في التّعامل مع مشكلات النّفس الإنسانيّة من خلال حديثه عن المجاهدة، والاستقامة، والمراقبة، والخلوة والعزلة، والصّمت، والقناعة، والرّضا، والصّبر، والجوع والتّوكّل، والجود والسّخاء، والإيثار. وتأتي الأبواب تباعًا لتصل إلى توصيف علاقة المتصوّف مع ربّه، ليتحدّث الطّبريّ هنا عن الإخلاص، والمحبّة، والشّوق، والمشاهدة، والأُنس، والمكاشفة. تأتي آخر أبواب الكتاب لتتناول مجتمع المتصوّفة، فمكاتباتهم، ووصاياهم، وأحوالهم، وطبقاتهم. وبذلك تأتي معظم أبواب الكتاب ضمن نسق واضح ينمّ عن خطّة المؤلّف في كتابه.

يمكن أيضًا النّظر إلى أبواب الكتاب الاثنين والسّبعين بحسب أغراض الباحثين والدّارسين المعاصرين وأسئلتهم البحثيّة؛ فالأبواب المهتمّة بالتّجريد، ومنها: أبواب التّوحيد، والهوى، والجمع والتّفرقة، والصّحو والسّكر، والتّواجد والوجد والوجود، والتّفكُّر، والحكمة. والأبواب المهتمّة بمجاهدة النّفس، ومنها: أبواب الزّهد، والجوع، والجود والسّخاء والإيثار، والتّقوى، والورع، والخوف، والصّبر، والشّوق. والأبواب المهتمّة بالقلوب، ومنها: أبواب الرّضا، والحرّيّة والعبوديّة، والذّكر، والشّكر، والمحبّة، واليقين، والمعرفة، والمشاهدة، والسّتر والتّجلّي والمحو والإثبات. وبطبيعة الحال يمكن إعادة تنسيق الأبواب وضمّها إلى مجموعات مختلفة بحسب زاوية النّظر الّتي سيأخذها دارس النّصّ أو صاحب التّجربة الصّوفيّة.

يجمع أبو خلف الطّبريّ مادّته ومعارفه من آدم إلى الجنَيد (ت. ٢٩٧/٩١٠) انتهاءً بمعاصريه من المتصوّفة. الكتاب مشغولٌ بأدقّ التّفاصيل؛ ومن ذلك تضمين سنة الوفاة في فهارس الأعلام، وهي إضافة جديدة على تقنيّات التّحقيق الأكاديميّ. ويلحظ القارئ تفادي المحقّقَين تحريك النّصّ، أدّى ذلك في بعض المواضع إلى التباس المعنى، لكنّه حافظ على لغة المخطوط الأصليّة وأبعاده التّجريديّة، ورسم له آفاقًا متعدّدة بتعدّد القراءات والمفاهيم.

سبق للأرفه لي، بالتّعاون مع ندى صعب أستاذة الدّراسات العربيّة في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة، أن نشر كتاب البياض والسّواد من خصائص حِكَم العباد في نعت المُريد والمُراد لمؤلِّفه أبي الحسن السّيرجانيّ (ت. نحو ٤٧٠/١٠٧٧). ويُشار هنا إلى معاصرة الطّبريّ للسّيرجانيّ وإلى وجودهما في إقليمَين متقاربَين: إقليم خراسان (شمال شرق إيران حاليًّا) وإقليم كرمان (جنوب إيران) بالتّتالي، كما يُشار إلى تشابه الأعلام وبعض الأبواب في الكتابَين. يدعوني ذلك إلى الإشارة لمقدّمة المحقّقَين على كتاب البياض والسّواد، وإضاءتها على تاريخ المتصوّفة وبيئتهم الاجتماعيّة في القرن الخامس/الحادي عشر. كما تبحث هذه المقدّمة في بُنية الكتاب، ومصادره، ما يجعلها رافدًا مفيدًا لكتاب سَلوة العارفين أيضًا.

أشير أيضًا إلى أنّ كتاب سَلوة العارفين وأُنس المشتاقين مناسبٌ للباحث في التّصوُّف كما هو للقارئ العامّيّ، لتقديمه طائفة من حِكَم وأقوال ومأثورات وأشعار ومواعظ إيمانيّة واجتماعيّة وسلوكيّة عامّة.

 

الأستاذ علاء أحمد كيّالي : حائز شهادة الماجستير في الأدب العربيّ من الجامعة الأميركيّة في بيروت. مهتمّ بالنّثر العربيّ الكلاسيكيّ، ويعمل حاليًّا على أدبيّات الجاحظ بما في ذلك الصّلة بين الأدب وعلم الكلام.

[email protected]

Le Liban ou l’irréductible distance

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Frank Darwiche

Le Liban ou l’irréductible distance

135 p. Redlands, CA: Elyssar Press, 2020
(ISBN: 978-1-7334529-5-3)

 

«شي مش قليل أن يكون المرء لبنانيًّا». مقولة تحمل في طيّاتها الكثير عن بلادٍ، شكلّ الحرّيّة والحلم والخيال والطّموح أبرز حناياها منذ البدء، ومنذ أن كانت الكلّمة وكان النّور .وما عنوان الكتاب «لبنان أو البُعد غير القابل للاختزال» إلّا خير دليل على ذلك.

حاول المؤلِّف تأطير أفكاره الفلسفيّة والشّعريّة والأدبيّة والعاطفيّة والوجوديّة للولوج إلى كينونة وطنه، مستكشفًا طريقه بين جبال لبنان السّاحِرة، ووديانه العميقة، ومدنه العابرة، وقُراه المعلّقة بين الأرض والسّماء. والدّلالة على ذلك، ظاهر النّصّ الّذي لا ينتمي إلى نوعٍ أدبيّ معيّن، وقد امتزج فيه الشّعر والأسلوب القصصيّ والفلسفة والرّومانسيّة والتّاريخ وحتّى الجغرافيا. بيدَ أنّ هذا الأسلوب الـمُـشتّت ظاهريًّا يُؤشّر إلى حيرة الكاتب أمام وطنٍ لا ينام ولا يرتاح، بل يعيش منذ فجر التّاريخ مع التّحدّيات والمخاطر والمحن الّتي تأتيه من كلّ حدبٍ وصوب، بدءًا من محيطه القريب، وصولًا إلى أقاصي الكون.

يحاول الكاتب سبر أغوار وطنِه الأمّ المترسِّخة في التّاريخ، مع كلّ ما يذخر به من بطولات وتناقضات وحتّى انقسامات، كما ورد في مقدّمة الكتاب، والّتي تحمل عنوان «الانقسام منذ البدء» أو L’origine divisée [1]. فالتّاريخ يصنِّف الشّعوب على قاعدة مدى مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانيّة أو هدمها.

وهكذا ينطلق الكاتب في رحلته الطّويلة من مدينة طرابلس، حيث يتوقّف طويلًا، صعودًا إلى منطقة الكورة بصحبة بطله سجعان ذي الاسم الفينيقيّ الأصل، كما يقول، والّذي يبحث عن حبيبة لا يدركها، ويبدو أنّه لا يعرف عنها الكثير، كما يوحي ظاهر النّصّ.

ماذا لو كانت هذه الحبيبة تمثّل علاقة الحبّ الخياليّة الّتي تربط الكاتب بوطنه المنزلق بين يديه، ولا يستطيع الإحاطة بكلّ معانيه وحناياه، فلا يدرك تمامًا خفاياه وتعقيداته الغائصة في التّاريخ، على صورة تلك الحبيبة الغامضة الّتي لا يعرف عنها الكثير؟

حاول الكاتب البحث عن هذا الحبّ الدّفين. فقادته مسيرته الطّويلة إلى كلّ أرجاء الوطن من الشّمال الخالد بأرزه، مرورًا بوسط البلاد قلب لبنان، وصولًا إلى الجنوب بلاد البشارة والزّيتون والعطور.

توقّف صاحب الكتاب في رحلته عند محطّات عديدة تناول فيها العلاقات الاجتماعيّة والتّاريخ، ودخل في حوارات مع العديد من الأشخاص الّذين استوقفوه طويلًا، مرحّبين به أطيب ترحيب، ومتبادلين معه المواضيع كافّة، تلك الّتي تدور عن الوطن وعاداته وتقاليده.

إنّ هذه الرحلة الطّويلة غنيّة بمعانيها ورمزيّتها. فالانطلاق نحو الآخر في رحلة الألف ميل يحمل في طيّاته البحث عن جوهر الأمور، وسرّ الوجود، وعن الوطن وصيرورته الماضية والحاضرة والمستقبليّة، إذ إنّ الانطلاق نحو البعيد يحرّر الإنسان من هموم الحياة الّتي تقيّده، فيصبح قادرًا على الاستماع وفهم جوهر الأمور. وهنا يحضر أمامنا «كنديد» Candide بطل القصّة الّتي تحمل نفس الاسم، وقد كتبها الفيلسوف العظيم ڤولتير Voltaire، وحاول فيها البطل استكشاف أسرار ومعاني الوجود من خلال رحلتِهِ حول العالم. ولكن هل وصلت مسيرة الكاتب إلى نهاية الطّريق أم تدور على نفسها وتعود إلى نقطة الانطلاق؟

تسلّح الكاتب في سيرته بالتّاريخ والعقل والمنطق، متدخّلًا مباشرةً في النّصّ من خلال الهوامش الّتي سرد فيها معلومات تاريخيّة مفصّلة عن المناطق الّتي مرّ فيها، وهذا خفّف من شاعريّة النّصّ ومن جمال السّرد، لأنّه عزّز الجانب التّاريخيّ على حساب الجانب الأدبيّ.

يشير هذا المنحى في الكتابة إلى أنّ الكاتب يريد أن يُعلِم القارئ بأنّه وطنيّ مخلص، ويعرف تاريخ بلاده وعاداتها وتقاليدها، محاولًا العبور من المنظور المادّيّ إلى اللّامنظور، ولكنّ الواقع الجغرافيّ شيء، وما وراءه شيءٌ آخر.

لا شكّ في أنّ الطّبيعة اللّبنانيّة الخلّابة تذخر بالرّموز والمعاني والقداسة والبطولة، لأنّ كلّ حبّة تراب فيها تشهد على صراع شعب، جابه القدر وتغلّب عليه. فمنظر البحر مثلًا ينقل الكاتب إلى المحيطات الّتي وصل إليها يومًا الفينيقيّون، هذا الشّعب الأسطورة الّذي اقتحم المجهول، ونقل الحضارة والأبجديّة إلى العالم، كما يقول الكاتب:

“Sur le vaste horizon des gens bleus de Sajân la mer posait ses rides, se calmait, un “calme d’huile” comme on dit au pays du Mont Blanc. Les choses se dessinaient sur la pupille, essayaient de s’immiscer dans son horizon, mais elles se trouvaient repoussées constamment par les images de l’histoire: Sidon, Europe, puis le lointain: le tour de l’Afrique et ses côtes puniques… autour des paradigmes du commerce, père et mère du mot, et de la guerre inévitable”.[2]

أمّا الجبل فهو رمز الشّموخ والرّأس المرفوعة والحرّيّة والصّمود. وقد تحصّن وراءه اللّبنانيّون منذ القدم، مدافعين عن حريّتهم الّتي أبَوا أن يعيشوا يومًا من دونها. وهذا الأمر، جعل لبنان واحة خضراء عطرة ومعطاءة في محيطٍ تميّز بشظفه وقساوته وقلّة سعة صدره. وقد دفع اللّبنانيّون ثمن هذه الحرّيّة على مدى العصور وحتّى هذه اللّحظة. هذا الواقع زاد من إباء الكاتب، ولكن طرح عليه إشكاليّات جديدة باطنُها عدم الاستقرار، والخوف من المستقبل، كما يحدث اليوم، وعدم الثّقة باستمرار الأعجوبة اللّبنانيّة الّتي لا يمكن اختزالها.

فيما يشكّل السّهل بمسطّحاته، الّتي تجاور الأفق البعيد، الانفتاح على المشرق بكلّ تعقيداته وازدواجيّته وكثبانه الرّمليّة الملتهبة.

تصارعت كلّ هذه المتناقضات في ذهن الكاتب، فولّدت شلّالًا فكريًّا من الفرح والعنفوان والألم والفراق، والبحث عن الجذور، عبر تاريخٍ صاخب لم يعرف الهدوء والسّكينة يومًا. كيف لا والشّعوب الّتي لا تاريخ لها تعيش على هامش الحضارة في غيبوبةٍ مملّة. وقد عبّر الكاتب عن هذا الصّراع من خلال استعمال كلمات ترمز إلى الجروح العميقة والألم والخوف من المستقبل، والعودة مجدّدًا إلى الحياة في وطنٍ لا يمكن اختزاله، على غرار أرزه الخالد.

“Sur le blanc céleste, il porte la blessure du départ marin et le portail d’un temple hostile. Il dissout la colère dans la vacuité humide où ses racines, dans un réel insoumis, Ecoutent le devenir.

Il supporte le Nom d’une patrie qu’il dissout dans les premières nuits d’été.

Pour décerner aux côtes

Leurs traits et leurs visages[3].

في الواقع، إنّ العلاقة بين الإنسان والوطن علاقة حبّ متبادل، كما يقول إرنست رينان Ėrnest Renan، يتداخل فيها الواقع والأسطورة والخيال، ليشكّل مدماكًا صلبًا، يتحصّن خلفه المواطن، ويدافع عنه حتّى الرّمق الأخير من حياته.

إنّ ثقافة المؤلّف الواسعة جعلته يُدرك أنّ كلّ محطّة من محطّات رحلته زاخرة بالبطولات والمآسي والعظمة والكفاح والمجد. لقد تناول الكاتب في كتابه موضوعات تتناول الانتماء والعلاقة بالوطن ومآسي الماضي وصراع البقاء، وقد سبقه إليها الكثير من الكتّاب اللّبنانيّين. نذكر على سبيل المثال الشّاعر اللبنانيّ هكتور خلاط الّذي يعبّر في شعره عن المشاعر نفسها.

“Que dira le courant double qui me gouverne,

Ce qui fait mon délice ensemble et mon tourment

Mon âme est un musée étrange et composite.

Riche des souvenirs, des siècles traversés

Chaque sentiment et chaque pensée…

Je les dois à cette union passée”[4].

جاهَر الكاتب بحبّه العميق لوطنه الأمّ، ووفائه لتاريخه العظيم. وقد حاول أمام المحنة الوجوديّة الّتي تهدّد وجوده وكيانه أن يستشرف هذا الماضي من خلال الشّعر والقصص وأدب الرّحلة والتّاريخ. إنّها مقاربة فريدة originale من ناحية الشّكل والمضمون غير المألوفَين، يبدّ أنّه كان من الأفضل أن يبقى الكاتب في سرده مُستلهمًا الأسطورة والخيال والجمال من دون الاستشهاد بمعلومات تاريخيّة جامدة، لا تتناسب مع سرديّة تضجّ بالشّعر والخيال والحلم أمام وطنٍ فريد، ملأ الدّنيا ولم يقعدها، وهو أمام المحن كطائر الفينيق يتلاشى، ثمّ يعود ويُبعث حيًّا من الرّماد.

 

[1]   Frank Darwiche, Le Liban ou irréductible distance (CA, Redlonds: Elyssar Press, 2020), 7.

[2]   Darwiche, Le Liban ou irréductible distance, 23.

[3]   Darwiche, ibid, 55.

[4]   Hector Klat, Le cèdre et le lys (Beyrouth: Editions de la Revue phénicienne, 1935), 10, 12.

الدّكتور جورج لبكي : رئيس مجلس إدارة المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز دكتوراه في القانون من السّوربون، ودكتوراه في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس (XII الثّانية عشرة). من مؤلّفاته باللّغة الفرنسيّة: أنثولوجيا. الأدب اللبنانيّ باللّغة الفرنسيّة. ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

[email protected]

أعظم خطابات التاريخ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كيفِن لابيوس

أعظم خطابات التاريخ

نقله إلى العربيّة كريستيان الضاهر
112ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1212-6)

ينبري الكتاب منصّة لاستعادة ألق القيم الإنسانيّة، ومسعى لأنسنة العالم بالكلمة الّتي قالها «رجالات تطنّ في آذاننا، وترجعنا حقبات إلى الوراء، فنتفكّر ونتأمّل» .هي خطابات عظيمة في التّاريخ، ولعلّ من أهمّها، فالنّصوص المختارة هنا تعود لشخصيّات تميّزوا في المفاصل التّاريخيّة، إنْ لم تصنع هي التّاريخ، كالنّبيّ موسى (سفر التّثنية)، ويسوع النّاصريّ (العظة على الجبل)، والنّبيّ محمّد رسول اﷲ (الآيات عن الصّلاة)، والقدّيس فرنسيس الأسّيزيّ (عظة للعصافير). كأنّها مختارات تكمل بعضها بعضًا على مستوى التّعاليم السّماويّة، أو على مستويات المذاهب المحلّية، أو المساعي لترجمة إيمان أو التزام أو عقائد.

يَجمع الكتاب بين سيرة الشّخصيّات الذاتيّة، كتمهيد لمناسبة الخطبة ومضمونها. يأتي التّعريف بالشّخصيّة المتكلّمة، أوّلًا، إطارًا عامًّا لحدود الخطاب الّذي يعكس بدقّة زمان الخطبة ومكانها، كالتزام بقضايا العالم وواقعه وشؤونه وشجونه. لذا، تناول الكتاب مجموعة خطب لسياسيّين كإليزابيث الأولى (خطاب إلى الجنود)، والملك تشارلز الأوّل ملك إنكلترا (كلمته قبل إعدامه)، والثّائر الفرنسيّ لويس أنطوان ساينت جست (خطاب في محاكمة الملك لويس السّادس عشر)، ونابليون بونابرت (كلمة وداع إلى أفراد الحرس القديم)، وإبراهيم لنكولن (خطاب جيتبسيرغ)، كما تناول خطبًا لأدباء؛ كفيكتور هيغو (خطاب في شأن أفريقيا)، وبيار جو كوبرتان (البيان الأولمبيّ)، ولسياسيّين، وقادة عسكريّين، ورسل سلام معاصرين؛ كغاندي (خطاب باناراس)، وأدولف هتلر (خطاب إلى أعضاء منظّمة شباب هتلر)، وشارل دو غول (نداء دوغول إلى المقاومة)، وونستون تشرتشل (خطاب فلتون)، وفيديل كاسترو (مرافعة في أثناء محاكمته)، وجون كينيدي (خطاب أنا مواطن من برلين)، ومارتن لوثر كينغ (خطاب مسيرو واشنغتن)، والأمّ تيريزا (خطاب قبول جائزة نوبل للسّلام)، وياسر عرفات (كلمته أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة)، وميخائيل غورباتشيف (خطاب استقالته من منصبه)، ونلسون مانديلا (خطاب تنصيبه)، وجورج واكر بوش (خطاب أمام الكونغرس الأميركيّ)، ودومينيك دو فيلبان (كلمته أمام مجلس الأمن).

ذهب عنوان الكتاب إلى أعظم خطابات التّاريخ، ولم يقل خطابات العالم، فالتّاريخ هو الأصول، ومتى ضاعت الأصول ضاع التّاريخ. لقد ترك خطباء المنابر آثارًا تنوّعت تداعياتها، وأسهمت في رسم العالم من باب تاريخيّة الحدث وصناعته. من هنا كانت انطلاقة الكاتب كيفن لابيوس الّذي هو في الأصل مدرّس مادّة التّاريخ والجغرافيا، فصبغ نصوصه بمفهومَي الزّمان والمكان، وارتباطهما بالحدث التاريخيّ ومفاعيله في مسرى تفاصيل الظّروف والأحوال وتدبير شؤون النّاس في أزمنة السّلم والحرب، إضافة إلى فهمه حركيّة «تاريخ الغد» انطلاقًا من أنّ إهانة التّاريخ هو إهانة للبشريّة، وأنّ تقسيم المدن هو طغيان الفصل بين العائلات، ما يعني أنّ تقسيمها هو تقسيم بغيض للحريّة الّتي من دونها لن تتحررّ البشريّة وتحيا. (من جون كينيدي)، عندها يجلجل صوت الحريّة، في أرجاء كلّ قلّاية، وكلّ ضيعة، وكلّ ولاية ومدينة، حينها سنستطيع أن نأتي بذلك اليوم الّذي فيه يجتمع كلّ أبناء اﷲ، السّود والبيض، واليهود والأبرار، والبروتستانت والكاثوليك ليمسك بعضهم بأيدي بعض، ويرنّموا اللّحن الرّوحيّ الزّنجيّ القديم:» أخيرا أحرار! أخيرًا أحرار. (من مارتن لوثر كينغ).

هذا كتاب للمتأمّلين في كلام اﷲ المنثور في المواقف الإنسانيّة الواردة في مفاصل تاريخ هذه الخطب. هو كتاب يمضي إلى فقراء الكلمة، وهو هنا، في دعوته هذه، يشبه رسالة الأمّ تيريزا الّتي قالت: «ها أنذا أخاطبكم اليوم في هذا المكان. أريدكم أن تبحثوا أوّلا عن الفقراء هنا في بلدكم، وتذهبوا إلى ملاقاتهم مباشرة، وأريدكم أن تبدأوا في مبادلتهم الحبّ والمحبة في بلدكم. كونوا البُشرى السّارة عند شعبكم. اكتشفوا قريبكم. هل تعرفون هويّة قريبكم؟»

إنّ الجواب عن هويّة هذا القريب، يمكن أن يستشفّه المرء من تجواله كسائح على دروب هذه الخطب، في مراحل أحداثها ومتاعب خطبائها، وانكساراتهم وانتصاراتهم، لنتأمّل في ما بين السّطور مصائر هذه الشّعوب.

الدّكتور جان توما : حائز دكتوراة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدّيس يوسف، واللّبنانيّة، وسيّدة اللويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيّة، وشعريّة، ورواية، ودراسات تربويّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]

تسلسل الأحداث التّاريخيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أندريه لارانيه

تسلسل الأحداث التّاريخيّة
ما الذي فعلناه طوال العشرين ألف سنة المنصرمة؟

نقلته إلى العربيّة إليزابيتّا أبوجوده
176 ص. ط.1 بيروت:  دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1210-2)

إنّ التّاريخ هو دراسة الحوادث، أو هو الحوادث نفسها، وبنظر المؤرّخ هو كلّ ما يطرأ على حياة البشر، وكلّ ما يطرأ على الأرض، أو في الكون بشكل عامّ متّصلًا أو مؤثّرًا بالحياة الّتي نعيشها.

يقول المؤرّخ الفرنسيّ «غوستاف مونو» (Gustave Mounod): «إنّ التّاريخ هو إعادة تمثيل الحياة البشريّة السّابقة كما هي».

والتّاريخ هو المعرفة بالماضي الإنسانيّ من قديم الزّمان عن طريق إنسان اليوم، إنسان الغد، الّذي هو المؤرّخ.

أمّا العمل التّاريخيّ المميّز الواقع بين أيدينا، فيصبّ في معلوماته ضمن إطار كشف اللّثام عن أزمنة غبرت، أحياها أحد المؤرّخين، الكاتب الفرنسيّ أندريه لارانيه الّذي خاض دراسة التّاريخ حتّى نال درجة الماجستير، واستهوته الهندسة فكان أحد روّادها. كما اقتحم مهنة المتاعب (الصّحافة)، وفي ذلك أعطى من ذاته ليرضي بعضًا من طموحه، لكن بقي التّاريخ هاجسه الأساس، ورأى فيه علمًا لكلّ العلوم، وأراد أن يستشرف الزّمن بكلّ مراحله وعهوده، فتعمّق في دراسته، وأغنى المكتبة التّاريخيّة في كتابه «تسلسل الأحداث التّاريخيّة، ليكون مشهديّة معبّرة عمّا مضى من غابر الزّمان، معتمدًا في ذلك على معلومات استقاها من باطن الكتب الموثّقة من الّذين دوّنوا الأحداث، وأرّخوا لها من عشرين ألف سنة، فكان الكتاب «بانوراما» مصغّرة ومتسلسلة، تعاقبت على مدى السّنين.

والقارئ يقف على حافّة كلّ مرحلة تاريخيّة ليرى أحوال الملوك والأمراء والحكّام ورجال الدّين، إضافة إلى العلماء والفلاسفة والأدباء والشّعراء وغيرهم، مسهبًا في  مساهمة الشّعوب في بناء تاريخها، حيث يتنقّل بشكلٍ علميّ مشوِّق، يتأمّل التّاريخ من على مسارح جغرافيّة الواقع، منطلقًا من عصور موغلة في القدم، ومن أعماق الحقبات الزّمنيّة، ليطلعنا على كيفيّة تطوّر العنصر البشريّ اعتبارًا من ظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens) وحتّى وقتنا الحاضر.

يدرس أندريه لارانيه في كتابه، الّذي هو موسوعة مختصرة، تسلسل الأحداث التّاريخيّة في كلّ بقعة على الأرض عرفها الإنسان، وأقام عليها كيانات ودولًا وتجمّعات، متكلّمًا عن أهمّ المنجزات والأعمال من اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، محدِّدًا ذلك بدقّة التّاريخ الزّمنيّ، وبتسلسل منطقيّ يحاكي الواقع الحقيقيّ في كلّ ما يكتب، شارحًا الإنجازات البشريّة في كلّ حقبة تاريخيّة وفي كلّ العصور، غير غافل عن داخلٍ التّاريخ أو عابرٍ فيه، شارحًا أسباب ارتقاء الأمم أو انحدارها، ونشأة أنظمة الحكم وتحوّلاتها وتطوّراتها، وعمل المؤسّسات السّياسيّة والمدنيّة والعسكريّة والحروب الّتي شهدها العالم وتأثيراتها، والثّورات الّتي غيّرت وجهة التّاريخ في العديد من الدّول، دارسًا دور الأيديولوجيّات والأحزاب والعقائد الدّينيّة بمختلف أشكالها وأهدافها وانعكاساتها على السّياسات المحليّة والإقليميّة والدّوليّة.

وبذلك يُعتبر الكتاب «روزنامة» تدرس تاريخ الأمم والشّعوب بطريقة علميّة موجزة، وهو مدعّم بصور معبّرة لأهمّ الشّخصيّات العالميّة على مدى التّاريخ، وبخرائط جغرافيّة للمناطق الّتي شهدت قيام الإمبراطوريّات والدّول، وما أنجزته من أعمال حضاريّة وما خلّفته من آثار وتراث. وما يزيد من أهميّة الكتاب هو التّسلسل المنطقيّ في تسجيل الوقائع والتّواريخ، ما يجعلك أمام عمل متكامل، رغم بساطته ومختصراته. وكلّما غصتَ فيه، كلّما زاد اندفاعك لمتابعة القراءة. وامتاز الكاتب بعلميّته وسعيه وراء الحقيقة المجرّدة، الّتي هي غاية الباحثين والمؤرّخين.

وقد انبرت دار المشرق العريقة إلى تلقّف هذا الإنجاز التّاريخيّ، وعمدت إلى نشره، ما أعطى الكتاب قيمة علميّة إضافيّة ومميّزة.

الدّكتور نافذ الأحمر : حائز دكتوراة في التّاريخ من  الجامعة اللّبنانيّة، ومحاضر فيها، وفي جامعة الجنان. وهو يشغل منصب  رئيس قسم الدّراسات العليا في كلّية الآداب – الجامعة الإسلاميّة.

مشيخة عقل الدّروز في لبنان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

سعيد أبو زكي

مشيخة عقل الدّروز في لبنان
بحث في أصولها ومعناها وتطوّرها

392ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-6035-6)

«ما هو الكتاب الّذي تنصحني به كي أفهم المجتمع الدّرزيّ بشكل أفضل؟»

سؤالٌ كثيرًا ما يُطرح عليّ. وبصفتي باحثًا يعمل في جغرافيا المجتمع الدّرزيّ السّياسيّة، أجد نفسي عاجزًا دائمًا عن الإجابة. سبب ذلك أنّ معظم الكتب الّتي قرأتها عن تاريخ الدّروز السّياسيّ والاجتماعيّ وتراثهم الدّينيّ يعاني من إشكاليّات متنوّعة تُضعِف قيمتَها العلميّة، وتقلّل من فائدة القارئ المعرفيّة. أخطر تلك الإشكاليّات يظهر في ضعف المنهجيّة العلميّة المتّبعة في معالجة الموضوعات المختارة، وفي التّعامل مع المصادر المتوفرة عنها. فقد وجّه كثير من الباحثين تحليلاتهم ومقالاتهم وفق آرائهم الخاصّة، وتصوّراتهم المسبقة بشأن تراث الدّروز الدّينيّ، وتاريخهم السّياسيّ والاجتماعيّ، فيما حصر آخرون روايتهم في الجانب العسكريّ من تاريخ الدّروز، متجاهلين تاريخهم الاجتماعيّ والدّينيّ.

بفضل كتاب سعيد أبوزكي الجديد بات لديّ، أخيرًا، إجابة واضحة ومفيدة: «مشيخة عقل الدّروز في لبنان: بحث في أصولها ومعناها وتطوّرها.»

هذا الكتاب نسخة منقّحة عن أطروحة أعدّها المؤلّف لإتمام شهادة الماجستير في الآداب بدائرة التّاريخ في الجامعة الأميركيّة في بيروت. يُتيح عنوان الكتاب الفرعيّ فهم حجم المشروع الفكريّ الّذي طرحه المؤلّف، إذ يتخطّى مجال التّاريخ ليشمل البحث في أصول مشيخة العقل في لبنان، ومعناها، وأبرز مراحل تطوّرها؛ فيعالج موضوعَ البحث ضمن سياقه الدّينيّ، أي مسلك العقل والولاية الدّينيّة لدى الدّروز. ينتج من ذلك بانوراما تاريخيّة شاملة ومبتكرة لحقبتَيْن رئيسيّتين من تاريخ الدّروز في لبنان، تشمل الأولى القرنين الخامس عشر والسّابع عشر، وقد شهدت حركة إصلاح دينيّ فعّالة بدأها الأمير عبد اللَّه التّنوخيّ في خلال القرن الخامس عشر في بلدة عبيه جنوبَ العاصمة اللّبنانيّة بيروت، وشملت مناطق تواجد الدّروز كافة في بلاد الشّام، وثبّتها الشّيخ الفاضل محمّد أبي هلال لاحقًا في القرن السّابع عشر. أمّا الحقبة الثانّية فتبدأ في الرّبع الثّاني من القرن التّاسع عشر، عندما بدأ نفوذ الدّروز السّياسيّ يتراجع في جبل لبنان.

خصّص المؤلّف الفصلين الأوّل والثّاني من كتابه لنقد المراجع الحديثة المتّصلة بالموضوع، والتّعريف بالمصادر الأساسيّة المتوافرة لدراسته. فاعتبر أنّ المعرفة الّتي تعطيها تلك المراجع عن تاريخ مشيخة العقل «هزيلة» (ص. ١٩). ويسلّط أبو زكي الضّوء على مشكلة كبيرة تعاني منها غالبيّة الدّراسات الحديثة عن الموضوع، وتتمثّل باعتمادها على المراجع الدّرزيّة الحديثة حصرًا، ما يؤدّي إلى تكرار الأخطاء الجسيمة الّتي حفلت بها تلك المراجع. ويوضح البحث أنّ المراجع الدّرزيّة غير موثوقة بسبب «الأخطاء المنهجيّة» (ص. ٣٥) و«فوضى التّواريخ والأسماء» فيها (ص. ٤٩). ويشير كذلك إلى مشكلة المؤرّخين الّذين كتبوا عن الموضوع من دون الاعتماد على أيّ مصدر تاريخيّ . أحد هؤلاء كمال الصّليبيّ، من أهمّ المؤرّخين اللّبنانيّين، الّذي زعم أنّ ‘الرّؤساء الدّروز الرّوحيّين (أي: شيوخ العقل) في جبل لبنان، خضعوا مبكرًا لسلطة زعماء طائفتهم الإقطاعيّين’ (ص. ٢٤)، ولكنّه لم يُسند مقولته الخطيرة هذه إلى أيّ مصدر أساسيّ من مصادر تاريخ لبنان السّياسيّ!

وللتّغلّب على هذا النّقص في المصادر الأساسيّة، قام أبو زكي بعمل أكاديميّ رصين، بدأه ببحث ميدانيّ دام سنوات عدّة، مكّنه من الوصول إلى أرشيفات محلّيّة نادرة ومفيدة للغاية، بالإضافة إلى مصادر متنوّعة: تاريخيّة وأدبيّة ووثائقيّة وشفهيّة وأثريّة. أجاد المؤلّف في تعامله مع تلك المصادر، مع أنّ كثيرًا منها لا صلة له مباشرة بموضوع البحث، مستعملًا في تحليلها منهجًا واضحًا ومتماسكًا، أتاح له السّير المنتظم في مجاهل بحثه الدّقيق؛ وقدّم تعريفات أصيلة لمفاهيم رئيسيّة تتّصل بتنظيم عقّال الدّروز الدّينيّ، وطرُق عبادتهم، ومسلكهم في الحياة. وقد استغلّ جيّدًا ما تقدّمه المصادر تلك من معلومات وأدلّة، وبخاصّة الوصايا الشّخصيّة الّتي جمعها، لتحديد أسماء رؤساء الدّين الدّروز وكبار عقّالهم، ابتداءً من القرن الثّامن عشر.

يسمح لنا الكتاب بفهم أفضل لحقبة تاريخيّة أساسيّة في تاريخ الدّروز الدّينيّ والاجتماعيّ، وهي حقبة الإصلاح الدّينيّ المشار إليها أعلاه. وذلك من خلال قراءة المصادر الأساسيّة المتّصلة بالأمير السّيّد عبد اﷲ التّنوخيّ والشّيخ الفاضل محمّد أبي هلال، بدقّة. وبخلاف الكثير من المؤلّفات الّتي كُتبت عنهما، يكشف الكتاب عن أبرز معالم حركة الإصلاح تلك، ويشرح مرتكزاتها الدّينيّة وأغراضها، مظهرًا التّجانس القائم بين تعاليم الأمير السّيّد والشّيخ الفاضل، وإنْ فصل بينهما قرن من الزّمن. وقد أظهر المؤلّف في هذا المجال، كما في سائر أجزاء البحث، حرصًا واضحًا في اختيار المصطلحات وإيضاحها للقارئ المتخصّص وغير المتخصّص على السّواء، لتبرير استخدامه إيّاها. على سبيل المثال، استعمل أبو زكي مصطلح «الإصلاح الدّينيّ» بديلًا من «النّهضة الدّينيّة» للدّلالة على ما قام به الأمير السّيّد من تنظيم مسلك العقّال الدّروز وتوضيح معتقداتهم، وذلك لأنّ الحقبة الّتي سبقت بروز الأمير السّيّد شهدت اضطرابًا دينيًّا واجتماعيًّا كبيرًا جدًّا، أدخل الخلّل إلى معتقدات الدّروز وطرق عبادتهم. وقد شملت حركة الأمير السّيّد الإصلاحيّة إيضاحًا مفهومًا لـ «الولاية الدّينيّة»، وهو مفهوم أساسيّ يرتبط عضويًّا بموضوع البحث (ص. ١٩٢). فاستخلص المؤلّف من تراث الأمير السّيّد وغيره من مصادر بحثه الأساسيّة الشّروط التّسعة لتحقيق «الولاية الدّينيّة».

كما أوضح المؤلّف التباسًا شائعًا في الدّراسات الدّرزيّة عمومًا، يتّصل بتعريف «العقّال» و«الجهّال» لدى الدّروز، حيث تمّ حصر الاختلاف بين طبقتَي الدّروز الاجتماعيّتين بالنّطاق المعرفيّ، أي اطّلاع الأولى على تعاليم مذهبهم الدّينيّة، وجهل الثّانية تلك التّعاليم . فبيّن المؤلّف أنّ العقل في مصطلح رجال الدّين الدّروز هو طريق عبادة كليّ، يشمل مجالَي العلم والعمل معًا؛ وبالتّالي، لا يقتصر على اكتساب المعارف الدّينيّة وحسب، بل يتطلّب انضباطًا مسلكيًّا أخلاقيًّا صارمًا. ويستند المؤلّف إلى مفهوم مسلك العقل الّذي أوضحه ليقدّم تعريفًا أساسيًّا للقب «الشّيخ» لدى الدّروز، فهو «المُربّي والمُرشد للجماعة» (ص. ١٤٥).

وكان لافتًا التّحليل الدّقيق لآيات من القرآن الكريم، ومدى الاستفادة منه لإظهار أصالة المرتكزات القرآنيّة لنظرة العقّال الفريدة للعبادة والآداب المرتبطة بها؛ وهو أمرٌ غير مألوف في الدّراسات الحديثة عن الدّروز، والّتي تتقصّد في غالب الأحيان إبراز الاختلافات الكثيرة بين المعتقدات الدّينيّة الدّرزيّة والأصول الإسلاميّة. يُظهر تحليل أبو زكي مسلك العقل، باصطلاحه الخاصّ برجال الدّين الدّروز، مفهومًا روحيًّا مبنيًّا على قواعد قرآنيّة واضحة (ص. ١٢٨). وعلى المنوال نفسه، يعالج المؤلّف موضوع الوقف، وهو أمر مهمّ جدًّا وحاضر للغاية في النّقاشات الدّرزيّة الدّاخليّة في وقتنا، ليفتح الطّريق أمام الباحثين لاستكشاف تاريخه ومعالمه وأغراضه.

وسيتفاجأ القارئ بأنّ لقب شيخ العقّل غير مذكور في أيّ من المصادر الدّرزيّة الّتي تعود إلى ما قبل القرن التّاسع عشر .إذ إنّ استعماله لم يصبح شائعًا بين الدّروز إلّا في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر. ‎هذه الفترة هي أيضًا محوريّة في تاريخ لبنان السّياسيّ التّأسيسيّ . وإذا كانت كتب التّاريخ قد ركّزت كثيرًا على التّنافس بين الأمير بشير الشّهابيّ الثّاني والإقطاع الدّرزيّ وعلى رأسه آل جنبلاط وآل عماد؛ فهناك صمت بشأن العلاقة بين الأمير والعقّال، مع أنّها لا تقلّ أهمية عن الأولى. فقد لعب العقّال دورًا مهمًّا في رفض الخضوع للأمير في العام ١٨٢٥. كما كان لهم دور عسكريّ، ليس ثانويًّا على الإطلاق، ولديهم القدرة بشكل خاصّ على حشد الدّروز ليس في جبل لبنان وحسب، ولكن في حوران السّوريّة.

يرجّح المؤلّف أنّ دور العقّال في ثورة الدّروز على الأمير بشير الثّاني في العام ١٨٢٤ كان السّبب الّذي أدّى بالأمير، بعد أن هزم الإقطاعَ الدّرزيّ عسكريًّا، في سعيه بأن يكون له موقع مهيمن على عقّال الدّروز. فعيّن الامير بشير شيخًا للعقّل يمثّل الجنبلاطيّين، وشيخًا آخر يمثّل اليزبكيّين، واستمرّ هذا التّقسيم بشكل خاصّ مع متصرّفيّة جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٦)

وقد أصبح منصب شيخ العقل بمثابة «وظيفة إداريّة» منذ نهاية القرن التّاسع عشر (ص. ٢٩٧). استمرّ هذا التّرتيب مع ولادة لبنان الكبير، ولا يزال حتّى يومنا هذا. الآن تعترف الجمهوريّة اللّبنانيّة رسميًّا بمنصب شيخ العقل، ولكنّه لم يعد مرادفًا للرّئاسة الرّوحيّة الّتي انفصلت عنه في خلال القرن التّاسع عشر. ومع أنّ عمل سعيد أبو زكي أكاديميّ يتطرّق الى الأمور المنهجيّة والدّينيّة قبل كلّ شيء، فقد أضاف على مؤلّفه الأصليّ تمهيدًا عالج فيه المجال السّياسيّ في أثناء المدّة الّتي أعدّ فيها بحثه. تقصّد الكاتب إبراز الإشكاليّات الّتي ظهرت في تلك الفترة من خلال تعاطي السّياسيّين الدّروز مع الموضوع. ويُظهر التّمهيد اختلاف مقاربة هؤلاء في العقود الثّلاثة الماضيّة عن مقاربة سلفهم مسألةَ مشيخة العقل في القرن العشرين.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ترك كمال جنبلاط، وكان مثقّفًا حاذقًا قيَّمَ التّاريخ على المدى الطّويل، كبارَ عقّال الدّروز يختارون اسم شيخ العقل الجنبلاطيّ في العام ١٩٤٩. فتمّ انتخاب محمّد أبو شقرا لمشيخة العقل عن المقعد الجنبلاطيّ بتأييد من منافسه السّياسيّ التّقليديّ الأمير مجيد أرسلان، مكرّسًا بذلك إجماعًا درزيًّا دينيًّا وسياسيًّا على اختيار المرجعيّات الدّينيّة. بينما شهدت العقود الثّلاثة الماضية صراعًا حادًّا على تكريس نفوذ زعماء الدّروز السّياسيّ باختيار شيخ العقل، وتوجيه سلوكه الاجتماعيّ والسّياسيّ؛ وهو أمرٌ يتعارض مع التّراث الدّينيّ الدّرزيّ الّذي يكرّس استقلاليّة العقّال في عملهم، واختيار مرجعيّاتهم. قد يكون ذلك نتيجة النّظام الطّائفيّ اللّبنانيّ الّذي يعزّز رغبة زعماء الطّوائف السّياسيّين في السّيطرة على الهيئات الدّينيّة. غير أنّي أوافق أبوزكي قوله بأنّ أحد أسباب الإشكاليّات المذكورة، كان ولا يزال، غياب فهم تاريخ منصب شيخ العقل بشكل صحيح ؛ وربّما يكمن جوهر المشكلة بالتّحديد في عدم فهم معنى «الولاية الدّينيّة» الحقيقيّ، وإدراك ماهيّة الوظيفة الدّينيّة والاجتماعيّة الّتي تؤدّيها. وهذا بالنّسبة إليّ أحد أهمّ إسهامات الكتاب الفكريّة. فدراسة تنظيم عقّال الدّروز على النّحو الّذي نقرأه في الكتاب يساعد في الحصول على معرفةٍ حقيقيّة للتّاريخ الدّينيّ والسّياسيّ للدّروز في لبنان. وما يزيد من أهميّة المساهمة تلك، قيام العديد من المؤلّفين السّابقين، سواء كان ذلك بقصد منهم أو من دونه، بتشويه الكثير من معالم تراث الدّروز الرّوحيّ وتعاليمهم الدّينيّة؛ والمنشورُ من كتبهم في متناول الجميع.

كتاب أبوزكي مرجع مفيد للباحثين في تاريخ الدّروز عمومًا، وتنظيمهم الدّينيّ خصوصًا. هو أيضًا مرجع مهمّ للباحثين في تاريخ لبنان السّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ. فهو يقدّم معلومات قيّمة، وفي كثير من الأحيان غير معروفة على نطاق واسع، عن العديد من خصائص التّاريخ الدّرزيّ المهمّة. ومع ذلك، تترك دراسة أبوزكي لدى القارئ رغبة في معرفة المزيد عن تاريخ مشيخة العقل في القرن العشرين، إذ يقف نطاق بحثه عند انتهاء حقبة المتصرّفيّة في جبل لبنان في العام ١٩١٦. من جهة أخرى، يمكن أن تكون منهجيّة أبو زكي مثالًا يحتذى به لكلّ من يرغب في الكتابة عن تاريخ الدّروز.

سيكون الكتاب أيضًا بمثابة بوصلة للقارئ العاميّ الّذي يرغب بمعرفة المزيد عن تاريخ المجتمع الدّرزيّ وخصوصيّاته.

الأستاذ رامي خطّار أبو ذياب : حائز ماجستير في القانون من جامعة السّوربون باريس. يعمل حاليًّا على أطروحة الدّكتوراه عن «الجغرافيا السّياسيّة لدروز لبنان» في المعهد الفرنسيّ للجغرافيا السّياسيّة. نشر كتابه عن الجغرافيا السّياسيّة لجنوب سوريا عام 2019. ويكتب حاليًّا في موقع Arab News.

[email protected]

مدعوّون للشّهادة، مدعوّون للنصر

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

مدعوّون للشّهادة، مدعوّون للنّصر
أوراق في لاهوت الاستشهاد وروحانيّته

88ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-5607-6)

ما هو الاستشهاد اليوم؟ هل كلّ قتيل أو ضحيّة شهيد؟ هل الاستشهاد تحدٍّ للمضطهِد، أم قبول الموت حبًّا به؟ هل هو اعتراف أم ذبيحة؟ هل هو شهادة فاعلة أم منفعلة؟ هل هو طلب للموت أم للحياة؟

أمام هذا الارتباك في الإطار العربيّ الّذي يتخبّط بالصّراعات، يوضح لنا المؤلّف مفهوم الشّهادة خصوصًا أنّه مفهوم مسيحيّ، أثّر كثيرًا في صوغ لاهوت وروحانيّة الكنيسة في العصور الأولى، وفي عصرنا الحاضر أيضًا. ينقسم هذا الكتاب إلى ثمانية فصول، في كلّ فصل معيار لما ينبغي أن تتميّز به الشّهادة بالمفهوم المسيحيّ.

في البداية، يعطي الكاتب تعريفًا لمفهوم الشّهادة. يقول إنّ هنالك نوعين من الشّهود: الشّاهد الفاعل الّذي يعتمد على الإرادة الحرّة، والشّاهد المنفعل الّذي يُفرَض عليه الموت؛ لكنّه يرى في استشهاده ذبيحة. بعد ذلك، يعود الكاتب إلى الاضطهاد في أدب العهد الجديد، فيؤكّد أنّ الاستشهاد ينتمي إلى جوهر الكنيسة ورسالتها منذ بدايتها، لأنّها نمت في جوٍّ من الاضطهاد ويستمرّ إلى اليوم، حتّى وإن اختلفت شهادة الرّسل عن شهادة الأجيال اللّاحقة. يبقى الشّاهد هو الّذي اختبر المسيح حتّى لو لم يره.

أمّا إشكاليّة الاستشهاد فإنّها تطرح اليوم قضيّة الاضطهاد. وهنا يعطينا الكاتب معيارًا آخر لما ينبغي أن تكون عليه الشّهادة ألا وهو التّتلمذ للمسيح. هذا المعيار يزيل عن أيّ نوع من الألم، جسديًّا كان أم نفسيًّا أم اجتماعيًّا، بُعد العبثيّة واللّامعنى. فبالرّغم من أنّ إعلان البشارة ينطوي على خير لكلّ النّاس، لكنّه يولّد ألمًا واضطهادًا؛ لأنّ المسيحيّ يدخل في حرب كونيّة ضدّ قوى الشّر يكون ثمن النّصر فيها هو التّضحية حتّى الموت.

إنّ تمييز وجوب الهروب من الاستشهاد من عدمه صعب. فآباء الكنيسة أقرّوا بواجب تفادي الاستشهاد، لكنّ بعضهم واجهوا المضطهِدين بإلهام من الرّوح القدس. لذلك، بين الأمانة للإيمان والبقاء في قيد الحياة، يظهر الاستشهاد كخيار وحيد. فبالنّسبة إلى المسيحيّين الحياة هي أكثر من وجود. الحياة هي الطّاعة ﷲ، حتّى ولو أوصلتهم هذه الطّاعة إلى الموت؛ لأنّ اﷲ هو سيّد الموت وهو مانح الحياة. في حين أنّ إبليس يحتال علينا لكي يوهمنا أنّه سيّد الحياة والموت.

إنّ لاهوت الاستشهاد لاهوت عفويّ أدبيّ، يحدّد السّلوك الواجب تجاه المضطهِدين. من سماته المواجهة السّلميّة للاضطهاد باسم يسوع، ومعه، وعلى مثاله. فالمسيحيّ ليس وحيدًا في هذه المواجهة، إنّه متَّحد بالكنيسة جسد المسيح. وميزات هذه المواجهة محبّة الأعداء والشّجاعة والفطنة.

هل الشّهادة اعتراف أم ذبيحة؟ الكنيسة الشّرقيّة اعتمدت مفهوم الذّبيحة للتّعبير عن الاستشهاد، في حين اعتمدت الكنيسة الغربيّة مفهوم الاعتراف الّذي نادى به القدّيس أغوسطينوس خوفًا من الدّوناتيّة والبيلاجيانيّة؛ إذ إنّ فكرة الذّبيحة قد توحي بأنّ ذبيحة المسيح غير كاملة. لكنّ تفضيله نموذجَ الاعتراف لا يُفهم منه اعتراض على مفهوم الذّبيحة.

إنّ الكتاب سهل القراءة، وواضح على شكل أوراق، يتيح للقارئ بعد قراءة كلّ فصل، أن يضع معيارًا، يُمكِّنه من أن يفهم الشّهادة وخصوصيّتها المسيحيّة.

الأب روفائيل زغيب : حائز دكتوراه في علم اللّّاهوت الأساسيّ. علم الكنيسة الجامعة البابويّة اليونانيّة – روما: كلّيّة علم اللّاهوت الأساسيّ – 2013، وماجستير في العلوم الدّينيّة من جامعة القدّيس يوسف – بيروت: كلّيّة العلوم الدّينيّة - 2006. يجيد اللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والإيطاليّة ويلمّ بالألمانيّة. مؤسّسُ تجمّع يسوع فرحتي. ويشغل منصب المدير الوطنيّ للأعمال البابويّة في البعثات الدبلوماسيّة في لبنان (2015- ).

[email protected]

سيّدة النّجاة- بكفيّا (1833-2020)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنطوان حنّا يزبك

سيّدة النّجاة، بكفيّا (1833-2020)

96ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-5615-1)

ما أجمل أن يسعى ابن بكفيّا وتلميذ اليسوعيّين إلى توثيق تاريخ ديرٍ عريقٍ في بلدته!

سيّدة النّجاة، اسم أطلِقَ على كنائس عدّة في لبنان، ولكنّ نكهته خاصّة، حين يرتبط بأوّل ديرٍ لليسوعيّين في بلد الأرز بعد عودتهم في السّنة 1831. وتزداد هذه النّكهة حلاوةً حين يخطّ كاتب بدقّةٍ وبساطة تاريخ هذا الدّير، فيدرج التّفاصيل الفرعيّة في الحواشي، وهي تشغل أحيانًا ثلاثة أرباع الصّفحة، ويركّز على الموضوع الجوهريّ في متن النّصّ.

الكتاب مؤلّف من ثلاثة فصول: تاريخ دَير سيّدة النّجاة، وحماية سيّدة النّجاة، وخَدَمة الدّير والكنيسة. لكنّ القارئ يكاد لا ينتبه إلى هذا التّقسيم لشدّة جاذبيّة السّرد الّذي ينقله من مكانٍ إلى مكان، فيجعله يقف قليلًا ليرى المشهد (وهو الصّور الّتي تزيّن صفحات الكتاب)، ويسمع أخباره باقتضاب، لينتقل إلى مكانٍ آخر.

في الفصل الأوّل، لم ينسَ الكاتب تذكير القارئ، وربّما سكّان بكفيّا، بماضي أجدادهم، وكيف كانوا يكافحون بروح البساطة والتّواضع للعيش في هذه المنطقة الجبليّة القاسية، وكيف كانت تقواهم سندًا عزيزًا لهم. بهذه الرّوح دعموا الآباء اليسوعيّين حين وصلوا إلى المنطقة، وأمّنوا لهم مكانًا ليقيموا فيه، وساهم كلّ واحدٍ منهم في مساعدتهم على بناء الدّير، هذا بماله وذاك بذراعَيه. وينتهي الفصل بآخر أعمال البناء والهندسة الدّاخليّة الّتي تمّت في المزار ليكون كما نراه الآن.

يبدأ الفصل الثّاني بقصّة الأمير حيدر أبي اللّمع الّذي كان له الفضل الأساسيّ في تأسيس دير سيّدة النّجاة، سواء بمساعيه الدّبلوماسيّة أو بمساهماته الماليّة. ولا يروي الكاتب تاريخ هذا الأمير، بل علاقته بالدّير وما ناله من عنايةٍ إلهيّة بشفاعة العذراء، ثمّ يسرد، بحسب التّسلسل التّاريخيّ، بعض المعجزات الّتي تمّت في المنطقة بشفاعة سيّدة النّجاة. وفي هذا السّياق يخبرنا الكاتب أنّ سكّان بكفيّا، وبسبب نجاتهم من أزماتٍ عدّة بعد الصّلاة والتّضرّع أمام صورة العذراء في الدّير، اختاروا لهذه الصّورة، الّتي أحضرها الآباء من إيطاليا، لقبًا وهو: «سيّدة النّجاة»، فصار هذا اللّقب اسم دير اليسوعيّين في بكفيّا: «دير سيّدة النّجاة».

بعد التّسلسل التّاريخيّ والأحداث البارزة، خصّص الكاتب الفصل الثّالث لأبرز الشّخصيّات اليسوعيّة بحسب الترتيب الآتي: أوّلًا، بعض أبناء بكفيّا الّذين انضمّوا إلى الرّهبانيّة اليسوعيّة فكان لهم شأن في الكنيسة من خلال المناصب الّتي تبوّأوها أو الأعمال الّتي أنجزوها، وثانيًا، بعض الشّخصيّات الّتي خدمت الدّير منذ تأسيسه، مع قائمة كاملة بأسماء الآباء الّذين تولَّوا رئاسة الدّير منذ تأسيسه حتّى تاريخ نهاية تدوين مسوّدة الكتاب، أي السّنة 2020. وفي النّهاية، وعلى طريقة الرّواة، يسرد الكاتب متفرّقات جمعها من المسنّين في بكفيّا عن أخبار الدّير.

الكتاب ممتع. إنّه كتاب عائلة، غنيّ بالمعلومات التّاريخيّة والقصص، ويمكن اعتباره، على الرّغم من بساطة أسلوبه، مرجعًا تاريخيًّا جديرًا بالثّقة.

الأب سامي حلّاق : راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.

[email protected]

i

مقالات هذا العدد

اللّاهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

منذ زمن، والفكر اللّاهوتيّ ينشَط عندنا في موضوع العلاقة بين الدّين والسّياسة، وموقع الكنيسة في هذا المجال. لكنّ المرحلة الّتي تلت المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، ومعطيات الواقع اللّبنانيّ في موضوع الطّائفيّة، نشّطت البحث في هذه العلاقة، إذ طرحت مجموعات من الكهنة والعلمانيّين المسألة، وعملت على الإجابة عنها بحثًا أو التزامًا عمليًّا، بغية إيجاد صيغة تعاونٍ بين المجالين مع استقلال كلّ منهما. تسعى هذه المحاولة إلى تسليط الضّوء على بعض نماذج هذا الجهد في إطار الكنيسة المارونيّة، وخصوصًا حركة كنيسة من أجل عالمنا، ويواكيم مبارك، والمجمع المارونيّ، وشرعة العمل السّياسيّ في ضوء تعليم الكنيسة، وخصوصيّة لبنان.

كلمات مفتاحيّة: لاهوت، سياسة، نقد، كنيسة، لبنان، وجدان، عالم، مارونيّة، المسيح، المجتمع، حريّة، مؤسّسة، ميثاق، دين.

La théologie politique dans l’Eglise Maronite

Père Bassem el-Rai

Depuis quelques décennies, la pensée théologique au Liban est toujours active dans le domaine de la relation entre religion et politique et de la place de l’Église là-dedans. Après le Concile Vatican II et à la lumière de la réalité libanaise, surtout au niveau du confessionnalisme, un vrai élan de recherche sur cette relation s’est élancé. Des groupes de prêtres et de laïcs ont soulevé la question et ont travaillé pour y répondre dans des recherches ou dans un engagement pratique, afin de trouver un moyen de coopération entre les deux sphères tout en préservant l’indépendance de chacune d’elles. L’article présent se fait pour tâche d’attirer l’attention sur quelques exemples d’un effort pareil dans le cadre de l’Église maronite, notamment Mouvement Église pour notre monde, Youakim Moubarac, Synode Maronite et Charte de l’action politique à la lumière de l’enseignement de l’Église et de la spécificité du Liban.

Mots clés: Religion, politique, théologie, Eglise, maronite.

الأب باسم الرّاعي  : أستاذ فلسفة في الجامعة اللّبنانيّة، حائز شهادة الدّكتوراه من جامعة مونستر في ألمانيا، لديه العديد من المنشورات منها: ميثاق 1943 وتجذّر الهويّة الوطنيّة، المجتمع والدّولة، أرشيف البطريرك أنطون عريضة الوطنيّ، ومجموعة من المقالات، آخرها في مجلّة المشرق بعنوان: «مطالبات لبنان أو مانيفست البطريرك الحويّك الوطنيّ» (2021).

[email protected]

التّربية على ثقافة حكم القانون والعدالة لتعزيز المواطنيّة المحليّة والعالميّة

التّربية على ثقافة حكم القانون

تتناول هذه الورقة دور المدرسة في تنشئة أجيال المجتمع الّذي تتواجد فيه، وتركّز بشكل خاصّ على القانون والعدالة والتّربية المواطنيّة المحليّة والعالميّة.
فالقانون هو النّصوص الّتي يضعها المشترعون لتنظيم حياة المجتمع ومصالح أفراده، بشكل يتّسم فيها بالعدالة والمساواة. وهكذا تستطيع المدرسة نقل دور القانون إلى تلامذتها كي يتعلّموا عنه، ويحترموه، ويطبّقوه. يندرج هذا النّشاط تحت مظلّة التّربية المواطنيّة الّتي تُعتبر نشاطًا منظّمًا تقوم به المدرسة من أجل بناء مواطني المستقبل. وهكذا تستطيع المدرسة كمؤسّسة مجتمعيّة أن تغرس في نفوس تلامذتها قيمًا كثيرة، منها احترام القانون والدّستور، والسّعي إلى العدالة. ولتحقيق هذه الأهداف، يجب الاهتمام بموضوع القانون والمواطنيّة بدءًا من المناهج، حيث ترد أهداف عامّة ترتبط بالمواطنيّة المحليّة والمواطنيّة العالميّة، ومن ثمّ يتجسّد ذلك في محتوى المناهج والكتب المدرسيّة. كما أنّ طرائق التّدريس يجب أن تكون طرائق نشطة، حيث يكون للمتعلّم فيها دور إيجابيّ ومشارك. وكذلك الأمر فيما خصّ تقييم أداء المتعلّمين، إذ يجب أن تكون عمليّة التّقييم مستندة إلى نصوص تربويّة قانونيّة. فعندما يجد المتعلّم أنّ ما يشارك فيه له أسس قانونيّة، فإنّه يصبح حريصًا على الالتزام بالقوانين السّائدة في مجتمعه. كما يمكنه أن يطبّق القناعات الشّخصيّة ذاتها في أمور تحصل على الصّعيد العالميّ؛ من تأمين العدالة، والمساواة، والمشاركة في أمور كثيرة ذات طابع بيئيّ، أو ما يرتبط بالكوارث الطبيعيّة أو الأسلحة المدمّرة وغيرها. هذه الأمور كلّها يمكن أن تؤسّس لها المدرسة لتلامذتها، وهم على مقاعد الدّراسة ليتخرّجوا منها كمواطنين مسؤولين تجاه بلدهم، والعالم ككلّ.

كلمات مفتاحيّة: القانون، العدالة، التّربية المواطنيّة المحليّة، التّربية المواطنيّة العالميّة، عناصر المنهج.

L’éducation au droit et à la justice, dans le but de renforcer la citoyenneté locale et mondiale

Dr. Nadine el-Franji

Le présent document porte sur le rôle de l’école dans l’éducation des générations de la société dans laquelle elle est présente et porte en particulier sur le droit, la justice et l’éducation civique locale et mondiale.

La loi est le texte que les législateurs mettent au point pour organiser la vie de manière juste et équitable. Ainsi, l’école peut transmettre le rôle de la loi à ses élèves pour qu’ils l’apprennent, la respectent et l’appliquent. Cette activité s’inscrit dans le cadre de l’éducation à la citoyenneté. Ainsi, l’école peut inculquer à ses élèves de nombreuses valeurs, dont le respect de la loi et de la Constitution et la recherche de la justice et de l’égalité au sein de la société. Pour atteindre ces objectifs, il convient d’accorder une attention particulière au droit et à la citoyenneté, en commençant par les programmes d’études, où sont inscrits des objectifs généraux liés à la citoyenneté locale et mondiale, et donc reflétés dans le contenu des programmes et des manuels scolaires. Ajoutons les méthodes d’enseignement actives, où l’apprentissage aura un rôle participatif. Il en va de même pour l’élément d’évaluation. Lorsqu’un apprenant trouve que ce qui lui est fourni sont des principes et fondements juridiques, il veille à respecter les lois en vigueur dans sa société. Il peut aussi appliquer les mêmes convictions personnelles à des questions qui se posent dans le monde comme participer à de nombreux problèmes de nature environnementale ou liés aux armes destructrices et autres. Toutes ces choses peuvent servir de fondation à l’école pour ces élèves qui sont sur le point d’être diplômés en tant que citoyens responsables envers leur pays et le monde en général.

Mots clés: droit, justice, éducation à la citoyenneté locale, éducation à la citoyenneté mondiale, éléments du programme.

الدّكتورة نادين الفرنجي : حائزة شهادة دكتوراه في التّربية (2017)، وماجستير في العلوم السّياسيّة (2010). تعمل مستشارة تربويّة مع الفريق التّربويّ لدى البنك الدّوليّ، وتحاضر في أكثر من جامعة في حقل التّربية المواطنيّة.

[email protected]

التّربية على المواطنيّة في مناهج إعداد المعلّمين الجامعيّة كلّيّتا التّربية والآداب في الجامعة اللّبنانيّة أنموذجًا

هل يمكن معلّمًا لم يتلقَّ إعدادًا تربويًّا جامعيًّا أن يؤدّي دوره في إعداد المتعلّم المواطن، وأن يكون أمينًا على التّربية الوطنيّة والمواطنيّة في لبنان، وأن يحقّق الأهداف العامّة لمناهج التّعليم العامّ (1997)؟ ما دور كلّيّات إعداد المعلّمين في الجامعة اللّبنانيّة في هذه المهمّة التّربويّة والوطنيّة الدّقيقة؟ أسئلة استدعت إشكاليّة البحث: هل تؤمّن كلّيّات الجامعة اللّبنانيّة الّتي تمنح إجازات تعليميّة لخرّيجيها تنمية الكفايات الّتي يحتاجون إليها لإعداد المتعلّم المواطن، ومواكبته في بناء هويّته الوطنيّة، وتربيته على المواطنيّة والوطنيّة؟ ركّزت الفرضيّة المقترحة في مضمون مناهج الإعداد في كلّ من الكلّيّات الّتي تمنح إجازات تعليميّة لخرّيجيها، ومدى قدرة مقرّراتها على تنمية الكفايات الّتي يحتاجون إليها لإعداد المتعلّم المواطن وتربيته على المواطنيّة. وقد ثبت تحقّق الفرضيّة لناحية كلّيّة التّربية، فتضمّنت مناهجها، بشكل متوازن، مقرّرات خاصّة بممارسة التّعليم، وأخرى خاصّة بالإعداد التّربويّ، ومقرّرات خاصّة بمادّة الاختصاص، وانفردت بالتّركيز على مقرّري التّربية على المواطنيّة، وأخلاقيّات مهنة التّعليم. فيما تبيّن أنّ مقرّرات كلّيّة الآداب محصورة بمادّة الاختصاص ولا تلتفت إلى الكفايات التّربويّة والتّطبيقيّة.

كلمات مفتاحيّة: التّربية على المواطنيّة – مناهج إعداد المعلّمين الجامعيّين - الإعداد الأكاديميّ – الإعداد التّربويّ، كفايات المعلّمين.

L’éducation à la citoyenneté dans les programmes de formation universitaires des enseignants -
Faculté de pédagogie et Faculté des lettres et des sciences Humaines

Un enseignant sans formation initiale pédagogique universitaire peut-il former un apprenant-citoyen conformément aux exigences des curricula Libanais? Quel est le rôle des facultés de l’Université Libanaise qui forment des enseignants dans cette mission éducative et nationale? Questions suscitant une problématique: Les facultés de l’Université libanaise qui forment des enseignements assurent-elles le développement des compétences nécessaires pour former un apprenant – citoyen? L’hypothèse proposée porte sur le contenu des programmes de formation universitaires de chacune de ces facultés. Elle est validée au niveau de la faculté de pédagogie qui assure, de manière équilibrée, des cours portant sur la didactique, la pédagogie et la discipline à enseigner. Par contre, les cours de la Faculté des lettres portent exclusivement sur les connaissances disciplinaires.

Mots-clés: éducation à la citoyenneté – Curricula universitaires de formation des enseignants – formation académique – formation initiale – formation pédagogique, compétences des enseignants.

الدّكتورة ليليان ريشا : دكتوراه في التّربية العامّة (مناهج وتربية على المواطنيّة).أستاذة محاضرة في كلّيّة التّربية – الجامعة اللّبنانيّة، لها مساهمات عديدة في مجال تطوير المناهج وتأليفها، والتّربية على المواطنيّة، بالتّعاون مع المركز التّربويّ للبحوث والإنماء. مؤلّفة كتب مدرسيّة لصفوف التّربية الحضانيّة في لبنان والمغرب والجزائر والسّعوديّة.

[email protected]

اللّامركزيّة الماليّة وحلولها المبتكرة عالميًّا – شركات التّأمين ومعضلة تعويض الانقطاع عن العمل في أثناء جائحة كوفيد-١٩

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

مهّدت الشّعبيّة المتزايدة لتقنيّة سلسلة الكتل (Blockchain) الطّريق نحو تطوير العديد من التّطبيقات الماليّة اللّامركزيّة. ورغم ذلك، لا تزال حلول التّأمين غير متوافرة، وعلاوةً على ذلك، فإنّ أهمّيّة هذا التّأمين في حالة انقطاع الأعمال أمر حيويّ لبقاء الشّركات.

لذلك يبحث هذا المقال في تأثير جائحة كوفيد-١٩ على الشّركات  وقطاع التّأمين، حيث خسرت الشّركات الصّغيرة والمتوسّطة مليارات الدّولارات  شهريًّا، وأصبح أكثر من 44 مليون موظّف بحكم العاطل عن العمل. وعندما طالبت هذه الشّركات قطاع التّأمين بتعويض خسائرها التّشغيليّة، بموجب بوليصة التّأمين ضدّ الانقطاع عن العمل، رفضت شركات التّأمين تلك الطّلبات. كما أعلن قطاع التّأمين أنّ هذا النّوع من العقود لا يغطّي الخسائر النّاجمة عن الأوبئة.

نحاول في هذا البحث أن نشير إلى أهمّيّة نظام التّأمين اللّامركزيّ من خلال تقليل عدد الوسطاء. يُظهر تقييم «سلسلة الكتل» و«العقود الذّكيّة» أنّها تسمح بالاندماج الماليّ، وخفض التّكاليف، وأتمتة عمليّات التّأمين، وهي تحصل على التّقدير لدى الشّريحة المدروسة. فيما يخصّ هذا السّؤال، تمّ إجراء دراسة كمّيّة على عيّنة من 198 مشاركًا، حيث أظهر اختبار إحصائيّ أنّ اللّبنانيّين من مختلف القطاعات الاقتصاديّة مهتمّون بعقود تأمين جديدة ومبتكرة، تعتمد على تقنيّة «سلسلة الكتل» وتغطّي مخاطر توقّف نشاطهم التّجاريّ في أثناء الجائحة.

كلمات مفتاحيّة: سلسلة الكتل، اللّامركزيّة الماليّة، انقطاع العمل، التّأمين، كوفيد-١٩.

La Finance décentralisée et ses solutions mondiales
innovantes – Le Secteur de l’assurance et l’interruption des activités pendant la pandémie du Covid-19

La popularité croissante de la «Blockchain» a ouvert la voie au développement de nombreuses applications financières décentralisées. Cependant, les solutions d’assurance font toujours défaut et, de plus, l’importance de ces assurances en cas d’interruption d’activité est cruciale pour la survie des entreprises.

Cet article présente donc l’impact de COVID-19 sur les entreprises et sur le secteur de l’assurance, dans lequel les PME ont perdu des milliards de dollars par mois et que plus de 44 millions de travailleurs sont déjà licenciés. Lorsque ces compagnies ont exigé des compagnies d’assurance qu’elles compensent leurs pertes d’exploitation au titre de la police, ces dernières ont rejeté leurs demandes. L’industrie de l’assurance a également annoncé que la police d’interruption d’activité ne couvre pas les pertes liées à la pandémie.

Nous essayons de pointer l’importance d’un système d’assurance décentralisé en réduisant le nombre d’intermédiaires. L’évaluation de l’artefact montre que la «Blockchain» et les «contrats smart» peuvent permettre l’inclusion financière, la réduction des coûts et l’automatisation des processus d’assurance. Pour cette question, une étude quantitative a été menée sur un échantillon de 198 participants où plusieurs tests statistiques ont montré que les Libanais de différents secteurs économiques sont intéressés par de nouveaux contrats d’assurance basés sur Blockchain et couvrant leur risque d’interruption d’activité en période de pandémie.

Mots clés: Blockchain, décentralisation financière, interruption d’activité, assurance, Covid 19.

الدّكتورة ندى الملّاح البستانيّ  : أستاذة في كلّيّة الإدارة والأعمال في جامعة القدّيس يوسف ببيروت. حائزة  شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا، وجائزة أفضل ورقة بحثيّة عام ٢٠١٩ عن البنوك التّقليديّة والتّكنولوجيا الاقتصاديّة: حلول ومشاكل مستقبليّة، في المؤتمر الدّوليّ ICTO. عضو ناشط في العديد من الهيئات البحثيّة العلميّة: (AIS, MENA-AIS)، وعضو مؤسِّس في المنظّمة البيئيّة «Green Community».

[email protected]

الحرب العالميّة الثّانية وانعكاساتها على سكّان منطقة مرجعيون

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كان لموقع منطقة مرجعيون الاستراتيجيّ أهميّته الخاصّة في مرحلة الحرب العالميّة الثّانية، إذ إنّها قريبة من الحدود الفلسطينيّة كما السّوريّة، ممّا أثّر في مسار المعارك ونتائجها آنذاك، وحيث سيطرت قوّات فيشي الفرنسيّة، المؤيّدة لألمانيا، على سلطة الانتداب في وطننا في العام 1940. عرفت تلك المنطقة نموًّا اقتصاديًّا، وزراعيًّا، وماليًّا، واجتماعيًّا مهمًّا، بحكم مجاورتها لسورية، وبخاصّة حوران، وكذلك فلسطين، ولا سيّما منطقة الحولة. لكن قبيل اندلاع الأعمال الحربيّة في منطقة مرجعيون بين الفيشيّين والحلفاء عاشت تلك المنطقة ضائقة اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة، مثلها مثل باقي المناطق اللّبنانيّة، بسبب الحصار البحريّ المفروض من الحلفاء.

في تلك المرحلة، نظّمت قوّات فيشي في منطقة مرجعيون ومحيطها مواقعها الحربيّة، وجهّزت قوّاتها وأسلحتها تحسّبًا لمواجهات مع قوّات الحلفاء الّتي كانت متمركزة في فلسطين. وبدورها سعت السّلطات اللّبنانيّة المحليّة لتشجيع السّكّان على حفر الملاجئ منذ العام 1940 احتياطًا من معارك واقعة لا محالة. وبالفعل دارت معارك عنيفة، واستمرّت من 8 حزيران حتّى 10 تمّوز 1941. وقد شبّهت بأخطر المعارك التي وقعت في أوروبّا وشمال أفريقية. وكانت نتائجها المباشرة سقوط الفيشيّين، وحلول الحلفاء مكانهم في سلطة الانتداب في منطقتنا، ومتابعة التّقدّم حتّى جزّين، والوصول تاليًا إلى العاصمة بيروت.

دفع سكّان منطقة مرجعيون أثمانًا باهظة نتيجة تلك المعارك، من قتل وجرح العشرات، وتهديم البيوت، ونهب الممتلكات والثّروات، وتهجير السّكّان، واحتراق المحاصيل الزّراعيّة، فكان أن خيّم أيضًا خطر المجاعة.

ومع محاولة المرجعيونيّين؛ محليًّا واغترابيًّا (لا سيّما في الولايات المتّحدة الأميركيّة) استيعاب نتائج تلك المعارك الكارثيّة، بالتّساعد أو باللّجوء إلى الدّولة اللّبنانيّة والمسؤولين الفرنسيّين، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا على المنكوبين. فيما سعت القوّات الإنكليزيّة إلى تدبير بعض الأعمال المدفوعة للسّكّان المنكوبين، كحفر الخنادق الّتي ما زال بعض آثارها باقيًا في منطقة مرجعيون.

كلمات مفتاحيّة: الحرب العالميّة الثّانية ، جديدة مرجعيون، القلم الصّريح، ألفرد أبو سمرا، فلسطين، قوّات فيشي، الحلفاء، الإنكليز، الكولونيل أوبريه، الكولونيل ألبورد، الجنراك كاترو، الجنرال دانتز، سورية، حاصبيّا، الفرقتان الأوستراليّتان، الخيام، إبل السّقي، القليعة، كوكبا، راشيّا الفخّار، الخربة، المغتربون المرجعيونيّون، فريد حبيب، سلطة الانتداب، حنّا حردان.

La Seconde Guerre mondiale et ses répercussions
sur les habitants de la Région de Marjeyoun

L’emplacement stratégique de la Région de Marjeyoun était d’une importance particulière pendant la Seconde Guerre mondiale, étant proche des frontières palestinienne et syrienne. Par conséquent, cela a affecté le cours et les résultats des batailles qui ont eu lieu à cette époque dans cette région, suite à la prise de contrôle par les forces françaises pro-allemandes de Vichy de l’autorité du Mandat dans notre pays en 1940.

Cependant, avant le déclenchement des hostilités entre les Vichystes et les Alliés, la région a connu une grande crise économique et sociale, comme le reste des régions libanaises, en raison du blocus naval imposé par les Alliés, qui empêchait l’arrivée de fournitures nécessaires à toute la société libanaise.

À ce stade, les forces de Vichy dans la Région de Marjeyoun et dans son entourage avaient organisé leurs positions militaires, et préparé leurs forces et leurs armes en prévision des affrontements avec les forces alliées stationnées en Palestine. Les autorités libanaises locales à Marjeyoun, de leur côté, ont également cherché à encourager les habitants à creuser des abris depuis 1940, en prévision des inévitables combats.

Les originaires de Marjeyoun, tant sur place qu’à l’étranger, ont tenté de combler les résultats catastrophiques de ces combats, en s’entraidant, et en recourant à l’Etat libanais, et aux responsables français dans notre pays, pour réclamer la réparation des dommages.

Les forces britanniques, de leur côté, ont également cherché à aider la population affligée en organisant une partie du travail qui leur était payé, comme le creusement de ces tranchées, dont certains vestiges subsistent encore dans la Région de Marjeyoun.

Mots clés: La Deuxième Guerre Mondiale, Jdaydet Marjeyoun, Al-Kalam al-Sarih, Palestine, Les Vichystes, Les Alliés, Le colonel Albord , Le général Catroux, Le général Dentz, Syrie, Hasbayya, Les Deux Divisions australiennes, Al- Khiyam, Ebel El Saki, Al-Klay’a, Rachayya Al- Fakhkhar, Al- Khirba, Les Emigrés originaires de Marjeyoun (ou les Emigrés de Marjeyoun), Les Etats Unis d’Amérique, Farid Habib, Le Mandat, Hanna Hardan.

الدّكتورة جوليات الرّاسي  : أستاذة في الجامعة اللّبنانيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. خرّيجة جامعة السّوربون (باريس الرّابعة)، متخصّصة في التّاريخ العربيّ الوسيط وتحقيق المخطوطات. من مؤلّفاتها ثلاثة كتب منشورة، وعشرات الأبحاث باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة.

[email protected]

المقاربة الشّعريّة النِّسْويّة بين عبد الحقّ حميد تارهان وخليل مطران دراسة تداوليّة – مقارنة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يُعدّ موضوع الشّعر النِّسْويّ من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى كتابة هذا البحث؛ كما أنّ الدّراسات المقارنة الّتي عالجت الشّعر النّسويّ بين أديبين في لغتين قليلة جدًّا، نسبةً إلى الدّراسات المقارنة الّتي قامت في مجال الشّعر. وقد تمّ الاعتماد على مصطلح «النِّسْويّة» بدلًا من «النِّسائيّة» في هذه المقاربة، كونها هيّأت للنّظر إلى النِّساء العربيّات والتّركيّات كذوات وموضوعات؛ كما ساعدت، بوساطة المنهج التّداوليّ، في إبراز السّمات الخاصّة بهويّة البطلات، وتعبيرهنّ عن حياة النّساء والموقف الإيديولوجيّ الّذي تؤدّيه أفعال الكلام في النّصّ الشّعريّ بشأن قوّتهنّ وسيطرتهنّ، أو ضعفهنّ وخضوعهنّ. وتتجلّى صعوبة الموضوع الشّعريّ في الدّراسات المقارنة بالتّرجمة؛ إذ تحتاج إلى التّوفيق بين النّظريّات القائلة بإمكان ترجمة الشّعر من دون أن يفقد شيئًا من عناصره المكوّنة له، وعدم وجود تكافؤ يوازي بين النّصّ الأصليّ والنّصّ المترجم. لذلك، سيتمّ التّركيز على مقارنة العناصر المتكافئة عند كلا الشّاعرين، والّتي ستسهم في انتشار المضمون المستقبليّ للتّرجمة، وتهيّئ التّشابك التّركيبيّ للبِنى اللّغويّة وفقًا للمعنى.

في هذه المقاربة لا أبتغِي الخوض في الكتابات النِّسْويّة (العربيّة والغربيّة) في مراحلهما التّأثّريّة والتّأثيريّة، ولكن اكتشاف الملامح النِّسْويّة عند كلّ من مطران وتارهان، والّتي مكّنت المقارنة اللّسانيّة من مقاربة النّصّ الشّعريّ المعتمِد على أفعال الكلام القادرة على إنطاق المرأة، وتحويل الكلام إلى فعل.

كلمات مفتاحيّة: النِّسْويّة، النِّسائيّة، مقاربة نِسويّة، التّداوليّة، الاستلزام الحواريّ، الرّاديكاليّة، ما بعد البنيويّة، اللّيبراليّة، المكوّنات القوليّة، أفعال الكلام.

L’approche poétique féministe entre Abd al-Haqq Hamid Tarhan et Khalil Moutran.
Etude pragmatique comparative

Le sujet de poésie féministe est l’une des raisons les plus importantes qui ont poussé à la rédaction de cette recherche. De plus, rares sont les études comparatives traitant le sujet entre deux écrivains en deux langues, en relation avec les études comparatives faites dans le domaine de la poésie. Le terme “féminisme” a été utilisé au lieu de “féminin” dans cette approche, vu sa possibilité de voir les femmes Arabes et Turques à la fois comme des sujets et objectifs. Ces études ont aussi aidé, grâce à la méthodologie délibérante, à mettre les caractéristiques propres à l’identité des héroïnes en valeur. Nous nous attarderons sur la comparaison des éléments égaux chez les deux poètes, éléments qui participeront à la propagation du contenu futur de la traduction.

A travers cette étude, mon but n’est pas de m’approfondir dans les écrits féministes (Arabes et occidentaux) dans leurs phases affectives et percutantes, mais plutôt de découvrir les caractéristiques féministes chez Khalil Moutran et Abd al-Haqq Hamid Tarhan qui ont permis à la comparaison linguistique d’aborder le texte en se basant sur l’expression verbale de la femme.

Mots clés: féminisme, féminin, approche féministe, pragmatisme, exigence conversationnelle, radicalisme, au-delà de la construction, libéralisme, composantes verbales, actions de la parole.

 الدّكتورة ندى مرعشلي
صاحبة أطروحة دكتوراه في «الأسلوبيّة والخطاب الشّعريّ الحديث». حائزة ماستر ١ Computational Linguistics في مركز اللّغة والتّواصل – الجامعة اللّبنانيّة، ٢٠٢١، وإجازة في علم التّركيّات من الجامعة نفسها، ٢٠٢٠. وتشغل فيها منصب المديرة التّنفيذيّة والمنسّقة العامّة لمسابقة «الإملاء العربيّ وذهنيّة الكتابة». لها كتب وأبحاث عدّة منشورة ابتداء من العام 2011، من ضمنها مؤلّفات في علم الصّوتيّات.

[email protected]

 

الأنا والنّصّ: قراءة في تجلّيات الذّات في مختارات داغر الشّعريّة: قيافة الأثر: سيرتي تتفقّد قصيدتي

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

«قيافة الأثر: سيرتي تتفقّد قصيدتي» هي مختارات شعريّة للشّاعر شربل داغر، يتحدّث عنها في مقدّمة كتابه قائلًا: «سيرة شعريّة، وإنّما قصائد تتجوّل في سيرتي، بصحبتي: شاعرًا أكثر منّي الإنسان الّذي كنتُ عليه». 

إنّ هذا العنوان غير المألوف شكّل دافعًا إلى القراءة التّحليليّة والتّأويل، وسيلة للغوص في متاهات النّصوص، وذلك عبر تتبّعنا وظائف الكلام في المقاطع الشّعريّة قيد الدّرس الّتي ستساعدنا على دراسة الضّمائر البارزة، ولا سيّما هيمنة ضمير المتكلّم الّذي يحيل، بمؤازرة المعنى، على إظهار تمكّن الكاتب من إبراز سيرته الذّاتيّة عبر تكثيف حضور الأنا في النّصوص.

انطلاقًا من هذه الغاية قسمنا البحث أربعة أقسام: أوضحنا في القسم الأوّل منه مفهوم السّيرة الذّاتيّة، لننتقل في الأقسام التّالية إلى دراسة الوظائف الآتية: الوظيفة الانفعاليّة التّعبيريّة، والوظيفة المرجعيّة، والوظيفة التّأثيريّة، إذ لكلّ وظيفة دورها الفعّال في الدّراسة التّحليليّة.

والواقع، إنّ ما كتبه داغر يشكّل حافزًا لمعرفة كيف تجلّى المعنى، وكيف تجلّت الذّات في النّصوص الشّعريّة قيد الدّرس. فهل يمكن إدراج هذه المجموعة في جنس أدبيّ يحمل عنوان السّيرة الذّاتيّة، أو هي مجموعة انطلقت من السّيرة لتفتح الحدود بين أجناس وأنواع أدبيّة مختلفة؟ وهل هو يتحدّث في هذه النّصوص عن سيرته الذّاتيّة أو عن سيرة أناه المبدعة؟

كلمات مفتاحيّة: السّيرة، السّيرة الذّاتيّة، الأنا، الضّمير، وظائف الكلام، الوظيفة التّعبيريّة، الوظيفة المرجعيّة، الوظيفة التّأثيريّة.

Le Moi et le texte: lecture sur les manifestations du Soi dans les choix de poèmes de Charbel Dagher:
À la recherche de traces: ma poésie inspecte mon récit

Charbel Dagher débute son livre par: «récit poétique, ou plutôt des poèmes qui se promènent dans mon récit, m’accompagnent: poète plus que l’homme que j’étais».

Ce titre inhabituel fut le motif qui m’a poussée à une lecture analytique et à l’interprétation, afin de m’approfondir dans les labyrinthes des textes, et cela en suivant les fonctions du langage dans les poèmes. L’étude de ces fonctions va m’aider à étudier les pronoms proéminents, surtout la dominance du pronom possessif (1ère personne), qui renvoie, par l’aide du sens, à montrer la capacité de l’auteur à présenter son récit personnel en employant avec abondance le moi dans les textes.

L’article est donc divisé en quatre parties: la notion du récit personnel, puis la fonction expressive, la fonction référentielle, et la fonction impressive.

Peut-on inscrire ce recueil poétique dans un genre littéraire connu par l’autobiographie? Ou bien est-il un recueil qui, à partir de cette dernière, vise à ouvrir les limites entre les différents genres littéraires? Traite-t-il dans ces textes son autobiographie ou le récit de son moi créatif?

Mots clés: Le récit, l’autobiographie, le moi, le pronom, les fonctions du langage, la fonction expressive, la fonction référentielle, la fonction impressive.

الدّكتورة دورين نصر : دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها. شاعرة، رئيسة فرع الرّابطة للمثقّفين العرب في لبنان، باحثة، وناقدة، وكاتبة في وكالة أخبار المرأة.

[email protected]

الـمَقاصِدُ الدّلالِيَّةُ وَالأُسْلوبِيَّةُ لِوَضْعِ الاسْمِ الظّاهِرِ مَوضِع الضَّمير في القُرْآنِ الكَريمِ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنَّ للضَّمائرِ صوَرًا لفظيَّةً تدلُّ على الأسماءِ وتَنوبُ عَنْها، لكنَّ النُّحاةَ وَالبَلاغيّينَ ذهبوا إلى أنَّه لا يجوزُ استِعمالُ الاسمِ حيثُ أمكَنَ استِعمالُ الضَّميرِ، إلّا إذا كانَتْ في استِعمالِ الاسمِ الظّاهِرِ أغراضٌ دلاليَّةٌ وَبَلاغيَّةٌ وَأُسلوبيَّة، وهيَ كثيرةٌ ومتنوِّعة. وَفي هذا البحثِ، أحصيْتُ مِنْها عشرةَ أغراضٍ، هيَ كالآتي: استِكمالُ عَناصِرِ الجملَةِ وَاستِقلالها بذاتِها، والانتِقالُ بِالحُكْمِ مِنْ خُصوصيَّةِ السِّياقِ إلى العُمومِ وَالشُّمول، وَزِيادةُ ترسيخِ الاسمِ في الذِّهن، وَإزالةُ اللَّبْسِ وَاعتِمادُ التَّعبيرِ القَطْعيِّ في الأُمورِ المُهمَّة، وَالتَّأسيسُ بِالاسمِ الظّاهِرِ لإضافَتِهِ أوْ وَصْفِهِ، وَتَقريرُ قَواعِدِ الاعتِقادِ الكُلِّيَّة، وَتَعليلُ سبَبِ الحُكْم، وَإفادةُ وصْفٍ جَديدٍ لا يدلُّ عليْهِ الضَّميرُ، وَالقَصْدُ إلى التَّهويلِ وَالتَّعظيمِ وَالاهتِمامِ وَالتَّشويقِ، وإظهارُ الفَضْلِ وَالعِنايةِ الإلهيَّةِ بِالرُّسُلِ وَالمُؤمِنين.

كلِمات مفتاحيَّة: الاسمُ الظّاهِر – الضَّمير – العُدول.

Les fins sémantiques et stylistiques de mettre le nom apparent à la place du pronom dans le Coran

Les pronoms ont des formes verbales qui indiquent les noms et les représentent, mais les grammairiens et les rhéteurs ont estimé qu’il n’est pas permis d’utiliser le nom là où on peut utiliser le pronom, à moins que le nom ne soit utilisé pour des fins sémantiques, rhétoriques et stylistiques du nom, dont dix seront présentées dans cette recherche: compléter les éléments de la phrase et leur donner leur indépendance par eux-mêmes, déplacer le jugement de la spécificité du contexte vers le général et l’inclusivité, consolider le nom dans nos esprits dans la toute-puissance, supprimer la confusion et adopter l’expression hyperbolique dans les cas importants, établir sur le nom pour l’ajouter ou le décrire, faire le rapport des règles générales de croyance, expliquer la raison du jugement, témoigner d’une nouvelle description que le pronom n’indique plus, vouloir l’intimidation, la valorisation, l’attention et la suspense, montrer le crédit et le soin de Dieu des messagers divins et des croyants.

Mots clés: le nom, le pronom, la régression.

الأستاذ مصطفى محمّد الدّرويش  :  باحث سوريّ  متخصّص في اللّغة العربيّة وآدابها. طالب دكتوراه في جامعة القدّيس يوسف.

[email protected]

مراجعة في بعض قرارات مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ المراجعة المقصودة في هذا البحث هي اعتماد مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، في قراراته، على أدلّة في بعضها اضطراب، وتناقض، وضعف. وقد تناول البحث خمسة أوجه:

أوّلها: التّضادّ في قرارات مجمع اللّغة، فقد أحصى البحث عشرين قرارًا متناقضًا للمجمع.

ثانيها: التّعديل في قرارات المجمع السّابقة، وأحصى البحث سبعة قرارات عدّل المجمع فيها.

ثالثها: الغموض في قرارات المجمع، وأحصى البحث في هذا المضمار أربعة قرارات.

رابعها: عدم إصابة قرارات المجمع الهدف أحيانًا، حيث بيّن البحث أنّ المجمع في بعض الأحيان، في معالجته مسألةً لغويّة، يركّز اهتمامه على ناحية منها، ويغفل ناحيةً أخرى أَوْلى بالاهتمام والمعالجة، كمسألة حذف همزة «ابن» أو إثباتها، والشّروط الواجب توافرها في كلتا الحالتين.

وخامسها: الضّعف والوَهَن، فقد ركّز البحث على مسألتين اتّخذ المجمع في كلّ منهما قرارين متناقضين، أي إنَّ المجمع تراجع في كلّ منهما عن قرار له إلى قرار آخر يناقضه، ويرى الباحث أنَّ المجمع فيهما انتقل من الصّواب إلى الخطأ. وهاتان المسألتان هما: مسألة تصدّر أدوات الاستفهام، ومسألة وصف المؤنّث بالمذكّر في المناصب والأعمال، بشرط ذكر الموصوف.

كلمات مفتاحيّة: المراجعة، مجمع اللّغة العربيّة، القرار، الاضطراب، التّناقض والتّضادّ، التّعديل، الضّعف، اللّبس، الغموض والإبهام، الوهن، الخطأ، الإفصاح، الإبانة، الإفهام، الاهتمام، الإتقان، الصّواب.

Revue de quelques décisions prises par l’Académie
de la langue Arabe au Caire

La “revue” des décisions prises par l’Académie de la langue Arabe au Caire traite “la faiblesse, la confusion, et la contradiction des preuves. Cet article présente cinq aspects en question:

1- Les contradictions présentes dans les décisions de l’Académie; la recherche en a repéré vingt.

2- les modifications opérées dans les décisions de l’Académie; la recherche en mentionne sept.

3- l’ambiguïté présente dans les décisions; la recherche en cite quatre.

4- il arrive que l’Académie ne traite pas le plus important; la recherche montre que l’Académie se concentre sur l’un des aspects des problèmes linguistiques, et en néglige d’autres aspects plus importants, par exemple: la hamza du mot “Ibn” et ses conditions.

5- la faiblesse dans les décisions; la recherche fait le point sur deux sujets ayant subi deux décisions contradictoires. L’Académie avait remplacé une décision par une autre contredisant la première, et il s’est avéré que c’était une initiative incorrecte.

Mots clés: Revue, l’Académie de la langue Arabe, décision, confusion, contradiction, modification, faiblesse, ambiguïté, faux, divulgation, clarification, compréhension, intérêt, perfection, correct.

الدّكتور محمّد زكريّا صبّاغ : باحث لغويّ، عيّن مدير تعليم الطّلبة السّوريّين في مدارس الإيمان الإسلاميّة في شمال لبنان من العام 2012 وحتّى العام 2020. حائز دكتوراه في علم الصّرف، وماجستير في علم النّحو من جامعة القدّيس يوسف (معهد الآداب الشّرقيّة).

[email protected]

خطبة في دخول والدة الإله إلى الهيكل ليوحنّا عبد المسيح الأنطاكيّ من كتاب معين الحياة. المركب السّائر في ميناء النّجاة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

عاش يوحنّا عبد المسيح في القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر. في وقت غير معروف، صار راهبًا في أحد أديار أنطاكية. ثمّ، ما لبث أن دُعي لجثلقة ساس ورومجيريس قرابة عام 1000 م.، في زمان دوقيّة نيكيفورس أورانوس على أنطاكية. اعتذر يوحنّا عن هذه المهمّة، وعاد ليعيش في دير السيّدة والدة الإله «أرشايا» بالقرب من أنطاكية. هناك عمِل على كتابِه معين الحياة. المركب السّائر في ميناء النّجاة، وهو مجموع سِير قدّيسين وعظات للمناسبات الكنسيّة. أدرج يوحنّا في كتابه هذا خطبةً ألّفها مُسجّعةً لعيد دخول السّيّدة إلى الهيكل. ننشر هنا نصّها مع دراسة لفحواها ومصادرها.

كلمات مفتاحيّة: يوحنّا عبد المسيح الأنطاكيّ، الأدب المسيحيّ العربيّ، دخول السّيّدة إلى الهيكل، أندراوس الكريتيّ، تيبولوجيا.

Discours sur la Présentation de la Vierge au Temple de Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ al-Anṭākī

Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ vécut au 10e et début du 11e siècle. À une date inconnue, il devint moine dans l’un des monastères d’Antioche. Puis, il fut élu catholicos de Sas (ou Šāš) et Romagyris. Vers l’an mille, sous le doux d’Antioche Nicéphore Ouranus, Yūḥannā démissionna et revint vivre dans le Monastère de la Mère de Dieu «Archaïa» près d’Antioche. Il y travailla sur son œuvre magistrale «Source de vie. Navire qui avance dans le port du salut», un recueil de vies de saints et d’homélies pour les fêtes ecclésiastiques. Nous retrouvons dans ce recueil un Discours sur la Présentation de la Vierge au Temple que Yūḥannā même composa en prose rimée. Nous le publions avec une étude du contenu et des sources.

Mots clés: Yūḥannā ʿAbd al-Masīḥ al-Anṭākī, Littérature arabe chrétienne, Présentation de la Vierge au Temple, André de Crête, typologie.

الدّكتور حبيب إبراهيم :  باحث في مركز التراث العربيّ المسيحيّ، جامعة القدّيس يوسف – بيروت.

[email protected]

عيسى المسيح في إنجيل كنيسة نجران القرن الخامس الميلاديّ (القسم الثّاني)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ أقدم استعمال عربيّ لاسم عيسى، بدلًا من يسوع، يعود، على ما يبدو، إلى ترجمة عربيّة للإنجيل تمَّتْ، على الأرجح، في محيط نجران (ق. 5م.). أبدلت هذه التّرجمة تعابير «ابني»، بـ «صفوتي» و«حبيبي»… وتعابير «أبي» بـ «ﷲ»، أو حذفتها أحيانًا… فعلى الأرجح هذه ترجمة أريوسيّة، انتقل منها اسم «عيسى» إلى قصائد جاهليّة، ونقوش حجريّة، وربّما إلى القرآن.

حمل شعراء في الجاهليّة ونقوش في نجران أسماء وردت في هذا الإنجيل، مثل: المهلهل والسّالم والحَصين والحسَل والعبيد ومَذيذ وعمَن…

ربّما، نفهم في هذه الدّراسة، لماذا لا يسمّي المسيحيّون أولادهم باسم «يسوع»، أي ابن ﷲ، في حين أنّهم لا يزالون، مع إخوتهم المسلمين، يسمّون مواليدهم باسم «عيسى» أي النّبيّ.

كلمات مفتاحيّة: عيسى، يسوع، يوحنّا، الإنجيل، القرآن، السّريانيّة، اليونانيّة، المخطوطات، الشّعر الجاهليّ، النّقوش الحجريّة، نجران، الجزيرة العربيّة.

Le Christ ʿIssā dans l’évangile de l’église de Najran
5e siècle Ap.J. (2)

Il semble que le premier emploi arabe du nom «ʿIssa», à la place de celui de «Jésus», est dû à une traduction arabe de l’Évangile, réalisée probablement dans la région de Najran (vème s.). Cette traduction a remplacé l’expression «mon Fils» par «mon élu» ou par «mon bien-aimé», etc., et l’expression: «mon Père» par «Dieu». Ces expressions ont été parfois complètement supprimées. Vraisemblablement, il s’agit d’une traduction arienne.

Le nom «ʿIssa» fut transmis à des poèmes préislamiques, à des inscriptions, etc., et peut-être au Coran.

À l’époque préislamique, des poètes, des inscriptions à Najran, portaient des noms mentionnés dans l’Évangile, comme: «al-Muhalhil», «al-Sālim», «al-ḥaṣīn», «al-ḥasal», «al-ʿAbīd», «Mazīd», «ʿAman», etc.

Probablement, cette étude nous fait comprendre pourquoi les chrétiens ne nomment pas leurs enfants «Jésus» − en tant que Fils de Dieu −, alors qu’ils les nomment, ainsi que leurs frères musulmans, «ʿIssa» − en tant que prophète.

Mots clés: ʿIssa, Jésus, Jean, l’Évangile, le Coran, la langue syriaque, la langue grecque, les manuscrits, la poésie préislamique, les sculptures sur pierre, Najran, la péninsule arabe.

الأب حنّا اسكندر : أستاذ مادّة التَّاريخ واللّغات القديمة في الجامعة اللّبنانيّة. نال شهادة الدّكتوراه في التّاريخ من جامعة القدّيس يوسف. نشر عشرات الكتب وعددًا من المقالات البحثيّة. فَهْرَسَ وحقَّق حوالى خمسين ألف وثيقةٍ وأكثر من مئة مخطوطة. اشترك في عددٍ من البرامج التّلفزيونيّة والإذاعيّة.

[email protected]

القدّيس ألفونس رُودْرِيكس شفيع الإخوة في الرّهبانيّة اليسوعيّة (1)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أكبرت المؤلّفة سيرة حياة ألفونس رودريكس اليسوعيّ (Alphonse Rodgriguez) العابقة بأنقى الرّايات وأتقى العطور، فترجمت لهذا القدّيس في مقالة من ثلاثة أجزاء: الأوّل نورده في هذا العدد من المشرق، وقد افتتحته بذكر طائفة من الكلمات الرّزينة الّتي قالها فيه عدد من الصّلحاء. ثمّ تطرّقت إلى ولادته في مدينة سيغوڤيا (Ségovie) الإسبانيّة، وأبرز الفضائل الّتي نمت في فؤاده، فكيفيّة قيام بعض اليسوعيّين الّذين قصدوا مسقط رأسه، بتروية براعمه النّاصعة، فسفَره إلى كلّيّة ألكالا التّابعة لرهبانيّة هؤلاء الفضلاء. ثمّ أظهرت كيف اضطرَّ بعد حوالى سنة إلى العودة إلى سيغوڤيا، حيث أصيب بمجموعة من المصائب الغليظة المؤلمة… ثمّ تحدّثت الكاتبة عن كيفيّة ترائي يسوع والعذراء له مع القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ. ثمّ تطرّقت الكاتبة إلى رؤيتين رامزتين خامرتا عيونه، وحثّتاه على دخول الرّهبانيّة اليسوعيّة الّتي أرسلته إلى مدرسة في مدينة بالما (Palma) فأمضى فيها بوظيفة بوّاب ما تبقّى من عمره. وقد ذكرت في هذا المضمار خطوطًا من أفعاله اليوميّة الزّاخرة بالورع، ووقفت على فضيلتين وَسَمَتا عمره أجمل وسْم. ونلفت إلى أنّ المؤلّفة – لمزيد من الدّقّة والإفادة – عوّلت، في كلّ ما تقدّم ذكره، على مجموعة مهمّة من المراجع.

كلمات مفتاحيّة: القدّيس، الفضائل، رهبانيّة، يسوع، العذراء، الكنيسة.

Saint Alphonse Rodriguez
Intercesseur des frères à la compagnie de Jésus (1)

L’auteure de l’article met en relief la vie de Saint Alphonse Rodriguez, une vie ornée d’étendards et d’arômes; elle traita alors ce sujet dans un article divisé en trois parties: la première paraîtra dans ce numéro d’al-Machriq. Il contient une série d’éloges faites à Saint Alphonse, par un bon nombre de personnes vertueuses. Puis elle cite sa naissance dans la ville espagnole de Ségovie, et ses plus grandes vertus qui ont grandi avec lui, ainsi que maintes circonstances de son parcours. Puis elle cite les deux visions qui le poussèrent à faire partie de la Compagnie de Jésus qui l’envoya à la ville de Palma où il exerça le métier de concierge le restant de ses jours.

Enfin, l’article mentionne les actions vertueuses que Saint Alphonse a réalisées au quotidien, ainsi que des traits de sa personnalité qui l’ont clairement distingué. Il nous offre aussi une riche bibliographie qui nous aide à élargir l’éventail de nos informations sur Saint Alphonse.

Mots clés: Saint, vertus, Compagnie de Jésus, Jésus, La Vierge, l’Eglise.

الدّكتورة منى كرم  : باحثة متخصّصة بالآداب العربيّة. لها مقالات عديدة أدبيّة وتاريخيّة ودينيّة.

نوبل للسّلام.. لمَن؟ بين الأوجاعِ والتّناقضات، حضاراتٌ تولَد

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الدّكتور غي سركيس

نوبل للسّلام.. لمَن؟
بين الأوجاعِ والتّناقضات، حضاراتٌ تولَد

376 ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1213-3)

«نوبل للسّلام… لِمَن؟ محاكمةُ التّاريخ وقلقُ المستقبل

إذا كان الحائزون جوائز نوبل مرايا عصورهم، ويعكسون اتّجاهات البشر أو يصنعون جزءًا لا بأس به من تطوّر مجتمعاتهم، فإنّ كتاب نوبل للسّلام… لمن؟ هو بلا مغالاة مرآة مختصرة لمئة عام مضت. فحين نطوي صفحة الكتاب الأخيرة من الثّلاثمئة وسبعين صفحة، نُدرك أنّ المؤلِّف والكاتب الموسوعيّ والإنسانيّ بامتياز الأب الدّكتور غي سركيس، تمايز عن جلّ مَن تناول هذه الجائزة العالميّة والفائزين بها، بأنّه لم يضع نوبل هدفًا لبحثه العلميّ والتّاريخيّ والاجتماعيّ الدّقيق، بل غاص في تقلّبات الماضي لاستشراف توجّهات البشريّة جمعاء.

هو كتاب ندُرَ مثلُه في العالم العربيّ حاليًّا؛ بحثًا وتوثيقًا وتحليلًا واستشرافًا، ذلك أنّه من خلال الأسماء السّتّة عشر الّتي اختارها الكاتب من بين الحائزين جوائز نوبل، لأسباب «غير موضوعيّة وغير عشوائيّة»، كما يقول، يُشرّح بمِبضَع الباحث الأكاديميّ، وخصوصا مبضع الإنسان الحقيقيّ المهجوسِ ببناء إنسانيّة فُضلى، مئة عام من الحروب والأزمات والاكتشافات والقوانين والرّجال الّذين مهما اختلفت الآراء بشأنهم، تركوا بصماتهم على جبين البشريّة.

لا يستخدم الكاتب مصطلح «التّطوّر»، بل يؤثرُ مصطلح «التّبدّل»، ولا يكتفي بسرد الوقائع وسيَر حيوات الحاصلين على جائزة نوبل، وإنّما يَدخلُ من أبواب كثيرة، في علوم السّياسة والاجتماع والفلسفة والتّاريخ وتحليل الخطاب، حتّى يكاد يختصر أبرز الأفكار الكُبرى والفلسفات الوجوديّة لقرن وعشرين عامًا خلت.

من عنوان المقدّمة استشراف الماضي يضع الكاتب إشكاليّة الأقسام اللّاحقة، فهل الماضي يُستشرف؟ يبدو نعم. إذا كانت دراسته ليست هدفًا في ذاتها، بل جسر لفهم الحاضر وتوقّع المُستقبل، ذلك أنّه: «من الخصائص الّتي يتفوّق بها البشرُ على الكائنات الأخرى، قدرةٌ على إنجاز القراءة الاستعاديّة (Retrospection)». هنا بالضّبط تُصبح الشّخصيّة المُختارة من الشّخصيّات الّتي حازت جائزة نوبل، مِسبارًا للإطار العامّ الّذي عاشت فيه هذه الشّخصيّة، وسياقات الأحداث الّتي عاصرتها، أو ساهمت فيها، أو تسبّبت بحدوثها (نلسون مانديلا، هنري كيسنجر، ميخائيل غورباتشوف، رالف بونش الوسيط بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين… إلخ).

تحت عنوان فرعيّ في المقدّمة المعرفيّة والتّحليليّة الطّويلة الذّاكرة المُتلاعب بها، يُصبح بعضُ العودة إلى الماضي موضع انتقاد واتّهام عند الكاتب، ذلك أنّ تلك العودة لم تَستخدِم الماضي كجسر إلى المُستقبل، بل اختارته لتبرير العجز البشريّ والتّخلّف في الحاضر. وهذا ما يقوده إلى تسليط الضّوء على هذه الآفة عند الشّرقيّين الّذين يشتهرون «بحنينهم إلى الأزمان الماضية واتّباع السّلف بمثلنتِه، لأنّ هذا التّصرّف يسمح لهم بحياكةِ الأساطير لكسب الفخر أو للتّعويض من انحطاطهم».

يعترف الكاتب بأنّه لم يختر الأكثر استحقاقًا لهذه الجوائز، ولا الأوسع شهرة، ولا الأكثر تعلّقًا بالسّلام، بل اختار «الّذين يعكسون بوجه أفضل جِدّة أزمنتهم»، ذلك لأنّ «التّاريخ ظالم التّفرقة بين النّاس، قد نثمّن بعضهم (أي من الحائزين نوبل)، ونحتقر آخرين، ولكن لا يمكننا إنكار عبقريّة أيّ منهم». فهو حين يُسلّط الضّوء مثلًا على الألمانيّ هاينز كسنجر، (وهو الاسم الحقيقيّ لهنري كيسنجر)، يعود إلى تاريخ العائلة اليهوديّ، وما تعرّضت له في الحرب العالميّة، وهجرتها إلى الولايات المتّحدة، ثمّ يفنّد إطار المناصب العامّ والّتي تقلّدها كيسنجر، والدّبلوماسيّة الّتي خاضها في مناطق النّزاعات من فيتنام وكمبوديا وباكستان والهند إلى الشّرق الأوسط فالصّين والاتّحاد السّوفياتيّ.

يفعل كلّ ذلك ليس للقدح أو المدح، بل للوصول من خلال تلك السّياقات إلى خلاصة مفادها أنّ النّجاحات والأخطاء الكثيرة الّتي حقّقها أو ارتكبها كيسنجر في مسيرته الطّويلة لا تُلغي أبدًا أنّه «بفضله تفوّقت الدّبلوماسيّة على السّلاح»، لكنّ «السّياسة الواقعيّة» الّتي تميّز بها «تُعاب بأربع: التّفرّد في صنع القرار، وحصر الوظائف في يد واحدة، وانعدام المناقشة الجديّة قبل اتّخاذ القرار، وتخطّي الموظّفين في الإدارات».

نُلاحظ في سرد الكاتب سياقات حياة وأحداث شخصيّة كيسنجر أو الشّخصيّات الأخرى أنّ الميل إلى تحليل ما حصل في زمنه بالاستناد إلى الوقائع، يُراد منه ليس شرح الماضي كهدف، بل وضع الإصبع على جرح الماضي، لجعل المُستقبل أقلّ وطأة، وأكثر إنسانيّة. ولذلك غالبًا ما نجد أنّ الإنسانيّ في تحليل السّياقات الدّقيق هذا، يتقدّم على السّياسيّ أو الاجتماعيّ، فلا يُمكن أن نفهم شخصيّة كيسنجر من دون العودة إلى تأثير محارق اليهود، وحياة العائلة، وتربية أعرق الدّبلوماسيّين الأميركيّين وتعليمه، هو الّذي صعد سلّم المجد الدّبلوماسيّ في بلاده والعالم، وهو في مقتبل الشّباب، وأراد إعادة جائزة نوبل لأنّه شعر بعدم استحقاقه لها.

السّياق (Le contexte) يبدو في الكتاب متقدّمًا على السّرد، أو أسماء وسِير الحائزين نوبل، وهذا مهمّ جدًّا، ففي نظريّة تحليل الخطاب البراغماتيّ، يكون السّياق هو الحامل كلّ التّأثيرات والمؤثّرات على الأشخاص والأحداث، وهو الدّافع باتّجاه الكثير من أفعالهم أو ردود أفعالهم. هذا بالضّبط ما يدفع قارئ الكتاب إلى طرح السّؤال الآتي: «هل أراد الأب سركيس الحديث فعلًا عن الحائزين جوائز نوبل أم كلّ ما أحاط بهم من أحداث، لرصد الدّوافع الخفيّة للأحداث الكُبرى، وإشكاليّة الحداثة وما بعدها؟» وسرعان ما يأتي الجواب بأنّ السّياق أهمّ من الجوائز.

غاب عن الكتاب ياسر عرفات وإسحق رابين أو شيمون بيريز أو الأمّ تيريزا وغيرهم، ليس لأنّ خيارات الكاتب «غير الموضوعيّة» لا تُريد الدّخول في متاهات ودهاليز لا نهاية لها وحسب؛ مثلًا في الصّراع العربيّ الإسرائيليّ (ولذلك اختار الوسيط رالف بونش) بل لأنّ له رأيه الخاصّ في هذا الصّراع، وفي شخصيّاته والمؤثّرين فيه. ولعلّه أراد تجنيب القارئ تلك الشّخصنة بالرّغم من حضورها في بعض الأقسام.

أمّا عربيًّا فيُشير الأب غي سركيس إلى أنّ العشرة الحائزين جوائز نوبل إنّما حصلوا عليها بفضل الجنسيّة الأخرى الّتي يحملونها، ما يؤشّر إلى «افتقار دولهم إلى مؤسّسات تسمح للعالِم بالقيام بأبحاثه وتطوير نفسه، كما أنّ عدد الجوائز الغالب لذوي الأصول العربيّة إنّما مُنح من أجل السّلام، ما يؤشّر إلى واقع الاضطرابات الدّائمة في العالم العربيّ».

لا بدّ من التّوقّف عند جرأة الكاتب في مواضع عديدة، وبينها مثلًا رأيه بالحاج أمين الحسينيّ والثّورة العربيّة الكُبرى، الّتي يقول إنّها ألحقت الأذى بالعرب أكثر منه باليهود:

«ضحايا عرب كثيرون يُقدّرون بـ 10 بالمئة من الرّجال الفلسطينيّين بين قتيل وجريح وسجين ومنفيّ، واقتصاد عربيّ كارثيّ، إذ فرض الثوّار الضّرائب على مواطنيهم الأثرياء، وبطالة طالت العمّال الفلسطينيّين الّذين استغنى اليهود عن خدماتهم».

ونكتشف مع الكاتب أنّ اسم فلسطين لفظةٌ استُخدمت في الغرب أساسًا، وهو يؤكّد أنّ «أوّل مَن تصدّى للصّهيونيّة في العالم العربيّ وخطرها هم المسيحيّون؛ فقد أثار المارونيّ القوميّ العربيّ نجيب عازوري (+1916) مؤلّف يقظة الأمّة العربيّة والخطر اليهوديّ العالميّ خطورة الحضور اليهوديّ في الأرض المقدّسة، أمّا المسلمون فدأبوا على انتقاد أسسها ابتداءً من العام 1918، ففنّد الإصلاحيّ السّوريّ المصريّ محمّد رشيد رضا (+1935) الأسس الدّينيّة في الحركة الصّهيونيّة، بأنّها لا تُبقي لا على مسلمين ولا على مسيحيّين في أرض الميعاد الّتي لم تُعط في الحقيقة لليهود حصرًا، بل لأبناء إبراهيم جميعًا».

لا ينسى الكاتب وطنه في هذا الدّفق التّاريخيّ والتّحليليّ والاستشرافيّ الغزير، فيدخل لبنان من بوّابة المقارنة مع جنوب أفريقيا ونلسون مانديلا، ليروي كيف تصالح أهل جنوب أفريقيا، بينما «أبناء المجتمع اللّبنانيّ لم يتصالحوا، وأضاعوا فرصة البحث عن الحقائق بابتداعهم شعار لا غالب ولا مغلوب، فانتهت الحرب بأنْ حكم أفراد الوطن معًا، بعد أن تقاتلوا مدّة سنوات، ولعلّ في ذلك ما يفسّر العجز عن تأليف كتاب تاريخٍ موحّد يروي الأحداث الّتي حصلت منذ إعلان استقلال لبنان في العام 1943».

وكما بدأ الأب غي سركيس مؤلّفه هذا بمقدّمة تحليليّة مستندة إلى التّوثيق المعرفيّ واقتباس الشّهادات وإلى عشرات المراجع العالميّة، يختم بعنوانين: الأوّل عبارة عن سؤال: «والآن؟» والثّاني: «العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة» فيرى: «أنّ زمن ما بعد الحداثة يشكّك في محوريّة الشّخص البشريّ، وفي مطلقيّة القيم الأخلاقيّة والسّياسيّة كما قدرة العقل البشريّ ومبادئ أخرى كثيرة، كانت في صلب الحداثة».

إذا كانت الموضوعيّة المُطلقة غير موجودة في تعامل البشر مع أيّ شيء ممّا يحيط بهم، فلا شكّ في أنّ الأب الدّكتور غي سركيس، يعكس، عن قصد أو من دون أن يدري، كثيرًا من شخصه وإنسانيّته وآرائه وهواجسه عن الكون والإنسان والحاضر والمستقبل والحياة وماهيّتها وجدواها وما بعدها بشفافيّة عالية، وذلك في إطار تحليله سياقات الشّخصيّات الّتي اختارها؛ التّاريخيّة منها والاجتماعيّة والنّفسيّة والإنسانيّة والسّياسيّة. كيف لا يفعل، وهو الّذي نذر حياته للرّهبنة وعلم اللّاهوت والتّعليم، وله في رصيده حتّى الآن ستّة مؤلّفات.

إنّه كتابٌ غنيٌّ بالمعلومات، شيّقٌ ورشيقُ الأسلوب، عميقُ التّحليل، يتمحور على سؤال وجوديّ كبير: «هل الإنسان يتطوّر فعلًا؟». وربّما نضيف سؤالين آخرين أقلّ أهميّة: «هل الإنسان يتعلّم من تاريخه؟ وهل إذا تعلّم من تجارب الماضي، يُصبح أكثر إنسانيّة وأقلّ همجيّة وجشعًا في هذه الحياة العابرة؟» ليس مؤكّدًا.

الدّكتور سامي كليب

 

الدّكتور سامي كليب :  باحث وكاتب وإعلاميّ. حائز دكتوراه في علوم الإعلام والاتّصال من الجامعة اللّبنانيّة، وماجستير في تحليل الخطاب السّياسيّ من جامعة السّوربون الثّالثة في فرنسا. أستاذ محاضر في الجامعة اللّبنانيّة، وفي كليّة أركان الجيش اللّبنانيّ. مؤسّس ورئيس تحرير موقع «لعبة الأمم»، ومقدّم برنامج «حوار سامي» عبر يوتيوب. له العديد من الكتب والمقالات السّياسيّة والثّقافيّة.

[email protected]

سلوة العارفين وأُنْس المشتاقين لأبي خلف الطّبريّ (توفّي نحو 470هـ./1077 م.)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جرهارد بورينغ وبلال الأُرفه لي

سلوة العارفين وأُنْس المشتاقين
لأبي خلف الطّبريّ (توفّي نحو 470هـ./1077 م.)

​616 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-8180-1)

صدر عن دار المشرق تحقيق نقديّ لـ كتاب سَلوة العارفين وأُنْس المشتاقين لمؤلّفه أبي خلف الطّبريّ (ت. ٤٧٠/١٠٧٧) بتحقيق وتقديم جرهارد بورينغ أستاذ الدّراسات الإسلاميّة في جامعة ييل الأمريكيّة، وبلال الأرفه لي أستاذ كرسيّ الشّيخ زايد للدّراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعة الأمريكيّة في بيروت. وكان المحقِّقان قد نشرا، قبل ذلك، هذا التّحقيق عن دار بريل – ليدن سنة ٢٠١٣ ضمن «سلسلة التّاريخ والحضارة الإسلاميّة.» ترجَم هاني رمضان مقدّمة الكتاب إلى العربيّة، وغطّت لوحة بريشة الفنّان التشكيليّ محمود الدّاود غلاف الكتاب.

مؤلِّف الكتاب هو أبو خلف محمّد بن عبد الملك الشّافعيّ السّلميّ الطّبريّ، وهو فقيه شافعيّ ومؤلِّف في الفقه والتّصوُّف. عاش في نيسابور عاصمة إقليم خراسان ومركزها الثّقافيّ. وتذكر كتب التّراجم كُتبًا له في الفقه منها كتاب الكفاية، وكتاب المعين، وشرحه على كتاب المفتاح، غير أنّه لم يصل إلينا أيٌّ من أعماله الفقهيّة المذكورة. وكان الطّبريّ قد وضع كتابه هذا بطلبٍ من أبي عليّ حسّان بن سعيد المنيعيّ (ت. ٤٦٣/١٠٧١) الذي كان رئيسًا للفتوّة الصّوفيّة في نيسابور وراعيًا لعلمائها.

حقّق جرهارد بورينغ وبلال الأرفه لي الكتاب عن مخطوط فريد، محفوظ في دار الكتب المصريّة في القاهرة ضمن مجموعة طلعت باشا. ويرجّح المحقّقان أن تكون هذه المخطوطة منسوخة عن نُسخة الكاتب الأصليّة، ما يجعلها في منتهى الأهمّيّة. يبدأ كتاب سَلوة العارفين بمقدّمة قصيرة من وضع الطّبريّ نفسه، ثمّ ينقسم في اثنين وسبعين بابًا تتحرّك بين معاني التّصوُّف وطرقه وأحواله. ويتألّف النّصّ المحقّق من ٤٤٥ صفحة، بالإضافة إلى فهارس الآيات، ومتون الحديث، والأعلام، والأماكن، والأشعار، والاصطلاحات. وتأتي المقدّمة من عمل المحقّقَين، وترجمة هاني رمضان، لتسلّط الأضواء على النّصّ وعتباته الضّروريّة من قبيل البحث في حياة أبي خلف الطّبريّ ومؤلّفاته، ومسيرته العلميّة، كما تقدّم دراسة نصّيّة موجزة لمخطوطة دار الكتب المصريّة. وتضع المقدّمة كتاب سَلْوة العارفين في سياق الآداب والمؤلّفات الصّوفيّة السّابقة عليه والمعاصرة له مثل رسالة القشيريّ (ت. ٤٥٩/١٠٧٢)، وتهذيب الأسرار للخركوشيّ (ت. ٤٠٧/١٠١٦)، وطبقات الصّوفيّة لأبي عبد الرّحمن السّلميّ (ت. ٤١٢/١٠٢١).

تشرح أبواب الكتاب مفردات واصطلاحات صوفيّة وإيمانيّة واجتماعيّة، وتبدأ معظمها بلازمة «باب في بيان معنى..» ويُعنون الطّبريّ الباب الأوّل من الكتاب «باب في بيان معنى التّصوُّف ونعت الصّوفيّة»، ثمّ يتحرّك إلى الكلام في التّوحيد ومعناه عند المتصوِّفة. ينتقل بعد ذلك للتكلّم في طقوس المتصوّفة وآدابهم الحياتيّة في مجموعة من الأبواب في التّوبة، والزّهد، والورع، والتّقوى، والخوف، والرّجاء، والخشوع والتّواضع. ويُلحِق الطّبريّ هذه الأبواب بالحديث عن النّفس، والقلب، والهوى، والدّنيا، والوقت. يعود بعد ذلك للحديث عن طرق الصّوفيّة في التّعامل مع مشكلات النّفس الإنسانيّة من خلال حديثه عن المجاهدة، والاستقامة، والمراقبة، والخلوة والعزلة، والصّمت، والقناعة، والرّضا، والصّبر، والجوع والتّوكّل، والجود والسّخاء، والإيثار. وتأتي الأبواب تباعًا لتصل إلى توصيف علاقة المتصوّف مع ربّه، ليتحدّث الطّبريّ هنا عن الإخلاص، والمحبّة، والشّوق، والمشاهدة، والأُنس، والمكاشفة. تأتي آخر أبواب الكتاب لتتناول مجتمع المتصوّفة، فمكاتباتهم، ووصاياهم، وأحوالهم، وطبقاتهم. وبذلك تأتي معظم أبواب الكتاب ضمن نسق واضح ينمّ عن خطّة المؤلّف في كتابه.

يمكن أيضًا النّظر إلى أبواب الكتاب الاثنين والسّبعين بحسب أغراض الباحثين والدّارسين المعاصرين وأسئلتهم البحثيّة؛ فالأبواب المهتمّة بالتّجريد، ومنها: أبواب التّوحيد، والهوى، والجمع والتّفرقة، والصّحو والسّكر، والتّواجد والوجد والوجود، والتّفكُّر، والحكمة. والأبواب المهتمّة بمجاهدة النّفس، ومنها: أبواب الزّهد، والجوع، والجود والسّخاء والإيثار، والتّقوى، والورع، والخوف، والصّبر، والشّوق. والأبواب المهتمّة بالقلوب، ومنها: أبواب الرّضا، والحرّيّة والعبوديّة، والذّكر، والشّكر، والمحبّة، واليقين، والمعرفة، والمشاهدة، والسّتر والتّجلّي والمحو والإثبات. وبطبيعة الحال يمكن إعادة تنسيق الأبواب وضمّها إلى مجموعات مختلفة بحسب زاوية النّظر الّتي سيأخذها دارس النّصّ أو صاحب التّجربة الصّوفيّة.

يجمع أبو خلف الطّبريّ مادّته ومعارفه من آدم إلى الجنَيد (ت. ٢٩٧/٩١٠) انتهاءً بمعاصريه من المتصوّفة. الكتاب مشغولٌ بأدقّ التّفاصيل؛ ومن ذلك تضمين سنة الوفاة في فهارس الأعلام، وهي إضافة جديدة على تقنيّات التّحقيق الأكاديميّ. ويلحظ القارئ تفادي المحقّقَين تحريك النّصّ، أدّى ذلك في بعض المواضع إلى التباس المعنى، لكنّه حافظ على لغة المخطوط الأصليّة وأبعاده التّجريديّة، ورسم له آفاقًا متعدّدة بتعدّد القراءات والمفاهيم.

سبق للأرفه لي، بالتّعاون مع ندى صعب أستاذة الدّراسات العربيّة في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة، أن نشر كتاب البياض والسّواد من خصائص حِكَم العباد في نعت المُريد والمُراد لمؤلِّفه أبي الحسن السّيرجانيّ (ت. نحو ٤٧٠/١٠٧٧). ويُشار هنا إلى معاصرة الطّبريّ للسّيرجانيّ وإلى وجودهما في إقليمَين متقاربَين: إقليم خراسان (شمال شرق إيران حاليًّا) وإقليم كرمان (جنوب إيران) بالتّتالي، كما يُشار إلى تشابه الأعلام وبعض الأبواب في الكتابَين. يدعوني ذلك إلى الإشارة لمقدّمة المحقّقَين على كتاب البياض والسّواد، وإضاءتها على تاريخ المتصوّفة وبيئتهم الاجتماعيّة في القرن الخامس/الحادي عشر. كما تبحث هذه المقدّمة في بُنية الكتاب، ومصادره، ما يجعلها رافدًا مفيدًا لكتاب سَلوة العارفين أيضًا.

أشير أيضًا إلى أنّ كتاب سَلوة العارفين وأُنس المشتاقين مناسبٌ للباحث في التّصوُّف كما هو للقارئ العامّيّ، لتقديمه طائفة من حِكَم وأقوال ومأثورات وأشعار ومواعظ إيمانيّة واجتماعيّة وسلوكيّة عامّة.

 

الأستاذ علاء أحمد كيّالي : حائز شهادة الماجستير في الأدب العربيّ من الجامعة الأميركيّة في بيروت. مهتمّ بالنّثر العربيّ الكلاسيكيّ، ويعمل حاليًّا على أدبيّات الجاحظ بما في ذلك الصّلة بين الأدب وعلم الكلام.

[email protected]

Le Liban ou l’irréductible distance

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Frank Darwiche

Le Liban ou l’irréductible distance

135 p. Redlands, CA: Elyssar Press, 2020
(ISBN: 978-1-7334529-5-3)

 

«شي مش قليل أن يكون المرء لبنانيًّا». مقولة تحمل في طيّاتها الكثير عن بلادٍ، شكلّ الحرّيّة والحلم والخيال والطّموح أبرز حناياها منذ البدء، ومنذ أن كانت الكلّمة وكان النّور .وما عنوان الكتاب «لبنان أو البُعد غير القابل للاختزال» إلّا خير دليل على ذلك.

حاول المؤلِّف تأطير أفكاره الفلسفيّة والشّعريّة والأدبيّة والعاطفيّة والوجوديّة للولوج إلى كينونة وطنه، مستكشفًا طريقه بين جبال لبنان السّاحِرة، ووديانه العميقة، ومدنه العابرة، وقُراه المعلّقة بين الأرض والسّماء. والدّلالة على ذلك، ظاهر النّصّ الّذي لا ينتمي إلى نوعٍ أدبيّ معيّن، وقد امتزج فيه الشّعر والأسلوب القصصيّ والفلسفة والرّومانسيّة والتّاريخ وحتّى الجغرافيا. بيدَ أنّ هذا الأسلوب الـمُـشتّت ظاهريًّا يُؤشّر إلى حيرة الكاتب أمام وطنٍ لا ينام ولا يرتاح، بل يعيش منذ فجر التّاريخ مع التّحدّيات والمخاطر والمحن الّتي تأتيه من كلّ حدبٍ وصوب، بدءًا من محيطه القريب، وصولًا إلى أقاصي الكون.

يحاول الكاتب سبر أغوار وطنِه الأمّ المترسِّخة في التّاريخ، مع كلّ ما يذخر به من بطولات وتناقضات وحتّى انقسامات، كما ورد في مقدّمة الكتاب، والّتي تحمل عنوان «الانقسام منذ البدء» أو L’origine divisée [1]. فالتّاريخ يصنِّف الشّعوب على قاعدة مدى مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانيّة أو هدمها.

وهكذا ينطلق الكاتب في رحلته الطّويلة من مدينة طرابلس، حيث يتوقّف طويلًا، صعودًا إلى منطقة الكورة بصحبة بطله سجعان ذي الاسم الفينيقيّ الأصل، كما يقول، والّذي يبحث عن حبيبة لا يدركها، ويبدو أنّه لا يعرف عنها الكثير، كما يوحي ظاهر النّصّ.

ماذا لو كانت هذه الحبيبة تمثّل علاقة الحبّ الخياليّة الّتي تربط الكاتب بوطنه المنزلق بين يديه، ولا يستطيع الإحاطة بكلّ معانيه وحناياه، فلا يدرك تمامًا خفاياه وتعقيداته الغائصة في التّاريخ، على صورة تلك الحبيبة الغامضة الّتي لا يعرف عنها الكثير؟

حاول الكاتب البحث عن هذا الحبّ الدّفين. فقادته مسيرته الطّويلة إلى كلّ أرجاء الوطن من الشّمال الخالد بأرزه، مرورًا بوسط البلاد قلب لبنان، وصولًا إلى الجنوب بلاد البشارة والزّيتون والعطور.

توقّف صاحب الكتاب في رحلته عند محطّات عديدة تناول فيها العلاقات الاجتماعيّة والتّاريخ، ودخل في حوارات مع العديد من الأشخاص الّذين استوقفوه طويلًا، مرحّبين به أطيب ترحيب، ومتبادلين معه المواضيع كافّة، تلك الّتي تدور عن الوطن وعاداته وتقاليده.

إنّ هذه الرحلة الطّويلة غنيّة بمعانيها ورمزيّتها. فالانطلاق نحو الآخر في رحلة الألف ميل يحمل في طيّاته البحث عن جوهر الأمور، وسرّ الوجود، وعن الوطن وصيرورته الماضية والحاضرة والمستقبليّة، إذ إنّ الانطلاق نحو البعيد يحرّر الإنسان من هموم الحياة الّتي تقيّده، فيصبح قادرًا على الاستماع وفهم جوهر الأمور. وهنا يحضر أمامنا «كنديد» Candide بطل القصّة الّتي تحمل نفس الاسم، وقد كتبها الفيلسوف العظيم ڤولتير Voltaire، وحاول فيها البطل استكشاف أسرار ومعاني الوجود من خلال رحلتِهِ حول العالم. ولكن هل وصلت مسيرة الكاتب إلى نهاية الطّريق أم تدور على نفسها وتعود إلى نقطة الانطلاق؟

تسلّح الكاتب في سيرته بالتّاريخ والعقل والمنطق، متدخّلًا مباشرةً في النّصّ من خلال الهوامش الّتي سرد فيها معلومات تاريخيّة مفصّلة عن المناطق الّتي مرّ فيها، وهذا خفّف من شاعريّة النّصّ ومن جمال السّرد، لأنّه عزّز الجانب التّاريخيّ على حساب الجانب الأدبيّ.

يشير هذا المنحى في الكتابة إلى أنّ الكاتب يريد أن يُعلِم القارئ بأنّه وطنيّ مخلص، ويعرف تاريخ بلاده وعاداتها وتقاليدها، محاولًا العبور من المنظور المادّيّ إلى اللّامنظور، ولكنّ الواقع الجغرافيّ شيء، وما وراءه شيءٌ آخر.

لا شكّ في أنّ الطّبيعة اللّبنانيّة الخلّابة تذخر بالرّموز والمعاني والقداسة والبطولة، لأنّ كلّ حبّة تراب فيها تشهد على صراع شعب، جابه القدر وتغلّب عليه. فمنظر البحر مثلًا ينقل الكاتب إلى المحيطات الّتي وصل إليها يومًا الفينيقيّون، هذا الشّعب الأسطورة الّذي اقتحم المجهول، ونقل الحضارة والأبجديّة إلى العالم، كما يقول الكاتب:

“Sur le vaste horizon des gens bleus de Sajân la mer posait ses rides, se calmait, un “calme d’huile” comme on dit au pays du Mont Blanc. Les choses se dessinaient sur la pupille, essayaient de s’immiscer dans son horizon, mais elles se trouvaient repoussées constamment par les images de l’histoire: Sidon, Europe, puis le lointain: le tour de l’Afrique et ses côtes puniques… autour des paradigmes du commerce, père et mère du mot, et de la guerre inévitable”.[2]

أمّا الجبل فهو رمز الشّموخ والرّأس المرفوعة والحرّيّة والصّمود. وقد تحصّن وراءه اللّبنانيّون منذ القدم، مدافعين عن حريّتهم الّتي أبَوا أن يعيشوا يومًا من دونها. وهذا الأمر، جعل لبنان واحة خضراء عطرة ومعطاءة في محيطٍ تميّز بشظفه وقساوته وقلّة سعة صدره. وقد دفع اللّبنانيّون ثمن هذه الحرّيّة على مدى العصور وحتّى هذه اللّحظة. هذا الواقع زاد من إباء الكاتب، ولكن طرح عليه إشكاليّات جديدة باطنُها عدم الاستقرار، والخوف من المستقبل، كما يحدث اليوم، وعدم الثّقة باستمرار الأعجوبة اللّبنانيّة الّتي لا يمكن اختزالها.

فيما يشكّل السّهل بمسطّحاته، الّتي تجاور الأفق البعيد، الانفتاح على المشرق بكلّ تعقيداته وازدواجيّته وكثبانه الرّمليّة الملتهبة.

تصارعت كلّ هذه المتناقضات في ذهن الكاتب، فولّدت شلّالًا فكريًّا من الفرح والعنفوان والألم والفراق، والبحث عن الجذور، عبر تاريخٍ صاخب لم يعرف الهدوء والسّكينة يومًا. كيف لا والشّعوب الّتي لا تاريخ لها تعيش على هامش الحضارة في غيبوبةٍ مملّة. وقد عبّر الكاتب عن هذا الصّراع من خلال استعمال كلمات ترمز إلى الجروح العميقة والألم والخوف من المستقبل، والعودة مجدّدًا إلى الحياة في وطنٍ لا يمكن اختزاله، على غرار أرزه الخالد.

“Sur le blanc céleste, il porte la blessure du départ marin et le portail d’un temple hostile. Il dissout la colère dans la vacuité humide où ses racines, dans un réel insoumis, Ecoutent le devenir.

Il supporte le Nom d’une patrie qu’il dissout dans les premières nuits d’été.

Pour décerner aux côtes

Leurs traits et leurs visages[3].

في الواقع، إنّ العلاقة بين الإنسان والوطن علاقة حبّ متبادل، كما يقول إرنست رينان Ėrnest Renan، يتداخل فيها الواقع والأسطورة والخيال، ليشكّل مدماكًا صلبًا، يتحصّن خلفه المواطن، ويدافع عنه حتّى الرّمق الأخير من حياته.

إنّ ثقافة المؤلّف الواسعة جعلته يُدرك أنّ كلّ محطّة من محطّات رحلته زاخرة بالبطولات والمآسي والعظمة والكفاح والمجد. لقد تناول الكاتب في كتابه موضوعات تتناول الانتماء والعلاقة بالوطن ومآسي الماضي وصراع البقاء، وقد سبقه إليها الكثير من الكتّاب اللّبنانيّين. نذكر على سبيل المثال الشّاعر اللبنانيّ هكتور خلاط الّذي يعبّر في شعره عن المشاعر نفسها.

“Que dira le courant double qui me gouverne,

Ce qui fait mon délice ensemble et mon tourment

Mon âme est un musée étrange et composite.

Riche des souvenirs, des siècles traversés

Chaque sentiment et chaque pensée…

Je les dois à cette union passée”[4].

جاهَر الكاتب بحبّه العميق لوطنه الأمّ، ووفائه لتاريخه العظيم. وقد حاول أمام المحنة الوجوديّة الّتي تهدّد وجوده وكيانه أن يستشرف هذا الماضي من خلال الشّعر والقصص وأدب الرّحلة والتّاريخ. إنّها مقاربة فريدة originale من ناحية الشّكل والمضمون غير المألوفَين، يبدّ أنّه كان من الأفضل أن يبقى الكاتب في سرده مُستلهمًا الأسطورة والخيال والجمال من دون الاستشهاد بمعلومات تاريخيّة جامدة، لا تتناسب مع سرديّة تضجّ بالشّعر والخيال والحلم أمام وطنٍ فريد، ملأ الدّنيا ولم يقعدها، وهو أمام المحن كطائر الفينيق يتلاشى، ثمّ يعود ويُبعث حيًّا من الرّماد.

 

[1]   Frank Darwiche, Le Liban ou irréductible distance (CA, Redlonds: Elyssar Press, 2020), 7.

[2]   Darwiche, Le Liban ou irréductible distance, 23.

[3]   Darwiche, ibid, 55.

[4]   Hector Klat, Le cèdre et le lys (Beyrouth: Editions de la Revue phénicienne, 1935), 10, 12.

الدّكتور جورج لبكي : رئيس مجلس إدارة المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز دكتوراه في القانون من السّوربون، ودكتوراه في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس (XII الثّانية عشرة). من مؤلّفاته باللّغة الفرنسيّة: أنثولوجيا. الأدب اللبنانيّ باللّغة الفرنسيّة. ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

[email protected]

أعظم خطابات التاريخ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كيفِن لابيوس

أعظم خطابات التاريخ

نقله إلى العربيّة كريستيان الضاهر
112ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1212-6)

ينبري الكتاب منصّة لاستعادة ألق القيم الإنسانيّة، ومسعى لأنسنة العالم بالكلمة الّتي قالها «رجالات تطنّ في آذاننا، وترجعنا حقبات إلى الوراء، فنتفكّر ونتأمّل» .هي خطابات عظيمة في التّاريخ، ولعلّ من أهمّها، فالنّصوص المختارة هنا تعود لشخصيّات تميّزوا في المفاصل التّاريخيّة، إنْ لم تصنع هي التّاريخ، كالنّبيّ موسى (سفر التّثنية)، ويسوع النّاصريّ (العظة على الجبل)، والنّبيّ محمّد رسول اﷲ (الآيات عن الصّلاة)، والقدّيس فرنسيس الأسّيزيّ (عظة للعصافير). كأنّها مختارات تكمل بعضها بعضًا على مستوى التّعاليم السّماويّة، أو على مستويات المذاهب المحلّية، أو المساعي لترجمة إيمان أو التزام أو عقائد.

يَجمع الكتاب بين سيرة الشّخصيّات الذاتيّة، كتمهيد لمناسبة الخطبة ومضمونها. يأتي التّعريف بالشّخصيّة المتكلّمة، أوّلًا، إطارًا عامًّا لحدود الخطاب الّذي يعكس بدقّة زمان الخطبة ومكانها، كالتزام بقضايا العالم وواقعه وشؤونه وشجونه. لذا، تناول الكتاب مجموعة خطب لسياسيّين كإليزابيث الأولى (خطاب إلى الجنود)، والملك تشارلز الأوّل ملك إنكلترا (كلمته قبل إعدامه)، والثّائر الفرنسيّ لويس أنطوان ساينت جست (خطاب في محاكمة الملك لويس السّادس عشر)، ونابليون بونابرت (كلمة وداع إلى أفراد الحرس القديم)، وإبراهيم لنكولن (خطاب جيتبسيرغ)، كما تناول خطبًا لأدباء؛ كفيكتور هيغو (خطاب في شأن أفريقيا)، وبيار جو كوبرتان (البيان الأولمبيّ)، ولسياسيّين، وقادة عسكريّين، ورسل سلام معاصرين؛ كغاندي (خطاب باناراس)، وأدولف هتلر (خطاب إلى أعضاء منظّمة شباب هتلر)، وشارل دو غول (نداء دوغول إلى المقاومة)، وونستون تشرتشل (خطاب فلتون)، وفيديل كاسترو (مرافعة في أثناء محاكمته)، وجون كينيدي (خطاب أنا مواطن من برلين)، ومارتن لوثر كينغ (خطاب مسيرو واشنغتن)، والأمّ تيريزا (خطاب قبول جائزة نوبل للسّلام)، وياسر عرفات (كلمته أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة)، وميخائيل غورباتشيف (خطاب استقالته من منصبه)، ونلسون مانديلا (خطاب تنصيبه)، وجورج واكر بوش (خطاب أمام الكونغرس الأميركيّ)، ودومينيك دو فيلبان (كلمته أمام مجلس الأمن).

ذهب عنوان الكتاب إلى أعظم خطابات التّاريخ، ولم يقل خطابات العالم، فالتّاريخ هو الأصول، ومتى ضاعت الأصول ضاع التّاريخ. لقد ترك خطباء المنابر آثارًا تنوّعت تداعياتها، وأسهمت في رسم العالم من باب تاريخيّة الحدث وصناعته. من هنا كانت انطلاقة الكاتب كيفن لابيوس الّذي هو في الأصل مدرّس مادّة التّاريخ والجغرافيا، فصبغ نصوصه بمفهومَي الزّمان والمكان، وارتباطهما بالحدث التاريخيّ ومفاعيله في مسرى تفاصيل الظّروف والأحوال وتدبير شؤون النّاس في أزمنة السّلم والحرب، إضافة إلى فهمه حركيّة «تاريخ الغد» انطلاقًا من أنّ إهانة التّاريخ هو إهانة للبشريّة، وأنّ تقسيم المدن هو طغيان الفصل بين العائلات، ما يعني أنّ تقسيمها هو تقسيم بغيض للحريّة الّتي من دونها لن تتحررّ البشريّة وتحيا. (من جون كينيدي)، عندها يجلجل صوت الحريّة، في أرجاء كلّ قلّاية، وكلّ ضيعة، وكلّ ولاية ومدينة، حينها سنستطيع أن نأتي بذلك اليوم الّذي فيه يجتمع كلّ أبناء اﷲ، السّود والبيض، واليهود والأبرار، والبروتستانت والكاثوليك ليمسك بعضهم بأيدي بعض، ويرنّموا اللّحن الرّوحيّ الزّنجيّ القديم:» أخيرا أحرار! أخيرًا أحرار. (من مارتن لوثر كينغ).

هذا كتاب للمتأمّلين في كلام اﷲ المنثور في المواقف الإنسانيّة الواردة في مفاصل تاريخ هذه الخطب. هو كتاب يمضي إلى فقراء الكلمة، وهو هنا، في دعوته هذه، يشبه رسالة الأمّ تيريزا الّتي قالت: «ها أنذا أخاطبكم اليوم في هذا المكان. أريدكم أن تبحثوا أوّلا عن الفقراء هنا في بلدكم، وتذهبوا إلى ملاقاتهم مباشرة، وأريدكم أن تبدأوا في مبادلتهم الحبّ والمحبة في بلدكم. كونوا البُشرى السّارة عند شعبكم. اكتشفوا قريبكم. هل تعرفون هويّة قريبكم؟»

إنّ الجواب عن هويّة هذا القريب، يمكن أن يستشفّه المرء من تجواله كسائح على دروب هذه الخطب، في مراحل أحداثها ومتاعب خطبائها، وانكساراتهم وانتصاراتهم، لنتأمّل في ما بين السّطور مصائر هذه الشّعوب.

الدّكتور جان توما : حائز دكتوراة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدّيس يوسف، واللّبنانيّة، وسيّدة اللويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيّة، وشعريّة، ورواية، ودراسات تربويّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]

تسلسل الأحداث التّاريخيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أندريه لارانيه

تسلسل الأحداث التّاريخيّة
ما الذي فعلناه طوال العشرين ألف سنة المنصرمة؟

نقلته إلى العربيّة إليزابيتّا أبوجوده
176 ص. ط.1 بيروت:  دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-1210-2)

إنّ التّاريخ هو دراسة الحوادث، أو هو الحوادث نفسها، وبنظر المؤرّخ هو كلّ ما يطرأ على حياة البشر، وكلّ ما يطرأ على الأرض، أو في الكون بشكل عامّ متّصلًا أو مؤثّرًا بالحياة الّتي نعيشها.

يقول المؤرّخ الفرنسيّ «غوستاف مونو» (Gustave Mounod): «إنّ التّاريخ هو إعادة تمثيل الحياة البشريّة السّابقة كما هي».

والتّاريخ هو المعرفة بالماضي الإنسانيّ من قديم الزّمان عن طريق إنسان اليوم، إنسان الغد، الّذي هو المؤرّخ.

أمّا العمل التّاريخيّ المميّز الواقع بين أيدينا، فيصبّ في معلوماته ضمن إطار كشف اللّثام عن أزمنة غبرت، أحياها أحد المؤرّخين، الكاتب الفرنسيّ أندريه لارانيه الّذي خاض دراسة التّاريخ حتّى نال درجة الماجستير، واستهوته الهندسة فكان أحد روّادها. كما اقتحم مهنة المتاعب (الصّحافة)، وفي ذلك أعطى من ذاته ليرضي بعضًا من طموحه، لكن بقي التّاريخ هاجسه الأساس، ورأى فيه علمًا لكلّ العلوم، وأراد أن يستشرف الزّمن بكلّ مراحله وعهوده، فتعمّق في دراسته، وأغنى المكتبة التّاريخيّة في كتابه «تسلسل الأحداث التّاريخيّة، ليكون مشهديّة معبّرة عمّا مضى من غابر الزّمان، معتمدًا في ذلك على معلومات استقاها من باطن الكتب الموثّقة من الّذين دوّنوا الأحداث، وأرّخوا لها من عشرين ألف سنة، فكان الكتاب «بانوراما» مصغّرة ومتسلسلة، تعاقبت على مدى السّنين.

والقارئ يقف على حافّة كلّ مرحلة تاريخيّة ليرى أحوال الملوك والأمراء والحكّام ورجال الدّين، إضافة إلى العلماء والفلاسفة والأدباء والشّعراء وغيرهم، مسهبًا في  مساهمة الشّعوب في بناء تاريخها، حيث يتنقّل بشكلٍ علميّ مشوِّق، يتأمّل التّاريخ من على مسارح جغرافيّة الواقع، منطلقًا من عصور موغلة في القدم، ومن أعماق الحقبات الزّمنيّة، ليطلعنا على كيفيّة تطوّر العنصر البشريّ اعتبارًا من ظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens) وحتّى وقتنا الحاضر.

يدرس أندريه لارانيه في كتابه، الّذي هو موسوعة مختصرة، تسلسل الأحداث التّاريخيّة في كلّ بقعة على الأرض عرفها الإنسان، وأقام عليها كيانات ودولًا وتجمّعات، متكلّمًا عن أهمّ المنجزات والأعمال من اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، محدِّدًا ذلك بدقّة التّاريخ الزّمنيّ، وبتسلسل منطقيّ يحاكي الواقع الحقيقيّ في كلّ ما يكتب، شارحًا الإنجازات البشريّة في كلّ حقبة تاريخيّة وفي كلّ العصور، غير غافل عن داخلٍ التّاريخ أو عابرٍ فيه، شارحًا أسباب ارتقاء الأمم أو انحدارها، ونشأة أنظمة الحكم وتحوّلاتها وتطوّراتها، وعمل المؤسّسات السّياسيّة والمدنيّة والعسكريّة والحروب الّتي شهدها العالم وتأثيراتها، والثّورات الّتي غيّرت وجهة التّاريخ في العديد من الدّول، دارسًا دور الأيديولوجيّات والأحزاب والعقائد الدّينيّة بمختلف أشكالها وأهدافها وانعكاساتها على السّياسات المحليّة والإقليميّة والدّوليّة.

وبذلك يُعتبر الكتاب «روزنامة» تدرس تاريخ الأمم والشّعوب بطريقة علميّة موجزة، وهو مدعّم بصور معبّرة لأهمّ الشّخصيّات العالميّة على مدى التّاريخ، وبخرائط جغرافيّة للمناطق الّتي شهدت قيام الإمبراطوريّات والدّول، وما أنجزته من أعمال حضاريّة وما خلّفته من آثار وتراث. وما يزيد من أهميّة الكتاب هو التّسلسل المنطقيّ في تسجيل الوقائع والتّواريخ، ما يجعلك أمام عمل متكامل، رغم بساطته ومختصراته. وكلّما غصتَ فيه، كلّما زاد اندفاعك لمتابعة القراءة. وامتاز الكاتب بعلميّته وسعيه وراء الحقيقة المجرّدة، الّتي هي غاية الباحثين والمؤرّخين.

وقد انبرت دار المشرق العريقة إلى تلقّف هذا الإنجاز التّاريخيّ، وعمدت إلى نشره، ما أعطى الكتاب قيمة علميّة إضافيّة ومميّزة.

الدّكتور نافذ الأحمر : حائز دكتوراة في التّاريخ من  الجامعة اللّبنانيّة، ومحاضر فيها، وفي جامعة الجنان. وهو يشغل منصب  رئيس قسم الدّراسات العليا في كلّية الآداب – الجامعة الإسلاميّة.

مشيخة عقل الدّروز في لبنان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

سعيد أبو زكي

مشيخة عقل الدّروز في لبنان
بحث في أصولها ومعناها وتطوّرها

392ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-6035-6)

«ما هو الكتاب الّذي تنصحني به كي أفهم المجتمع الدّرزيّ بشكل أفضل؟»

سؤالٌ كثيرًا ما يُطرح عليّ. وبصفتي باحثًا يعمل في جغرافيا المجتمع الدّرزيّ السّياسيّة، أجد نفسي عاجزًا دائمًا عن الإجابة. سبب ذلك أنّ معظم الكتب الّتي قرأتها عن تاريخ الدّروز السّياسيّ والاجتماعيّ وتراثهم الدّينيّ يعاني من إشكاليّات متنوّعة تُضعِف قيمتَها العلميّة، وتقلّل من فائدة القارئ المعرفيّة. أخطر تلك الإشكاليّات يظهر في ضعف المنهجيّة العلميّة المتّبعة في معالجة الموضوعات المختارة، وفي التّعامل مع المصادر المتوفرة عنها. فقد وجّه كثير من الباحثين تحليلاتهم ومقالاتهم وفق آرائهم الخاصّة، وتصوّراتهم المسبقة بشأن تراث الدّروز الدّينيّ، وتاريخهم السّياسيّ والاجتماعيّ، فيما حصر آخرون روايتهم في الجانب العسكريّ من تاريخ الدّروز، متجاهلين تاريخهم الاجتماعيّ والدّينيّ.

بفضل كتاب سعيد أبوزكي الجديد بات لديّ، أخيرًا، إجابة واضحة ومفيدة: «مشيخة عقل الدّروز في لبنان: بحث في أصولها ومعناها وتطوّرها.»

هذا الكتاب نسخة منقّحة عن أطروحة أعدّها المؤلّف لإتمام شهادة الماجستير في الآداب بدائرة التّاريخ في الجامعة الأميركيّة في بيروت. يُتيح عنوان الكتاب الفرعيّ فهم حجم المشروع الفكريّ الّذي طرحه المؤلّف، إذ يتخطّى مجال التّاريخ ليشمل البحث في أصول مشيخة العقل في لبنان، ومعناها، وأبرز مراحل تطوّرها؛ فيعالج موضوعَ البحث ضمن سياقه الدّينيّ، أي مسلك العقل والولاية الدّينيّة لدى الدّروز. ينتج من ذلك بانوراما تاريخيّة شاملة ومبتكرة لحقبتَيْن رئيسيّتين من تاريخ الدّروز في لبنان، تشمل الأولى القرنين الخامس عشر والسّابع عشر، وقد شهدت حركة إصلاح دينيّ فعّالة بدأها الأمير عبد اللَّه التّنوخيّ في خلال القرن الخامس عشر في بلدة عبيه جنوبَ العاصمة اللّبنانيّة بيروت، وشملت مناطق تواجد الدّروز كافة في بلاد الشّام، وثبّتها الشّيخ الفاضل محمّد أبي هلال لاحقًا في القرن السّابع عشر. أمّا الحقبة الثانّية فتبدأ في الرّبع الثّاني من القرن التّاسع عشر، عندما بدأ نفوذ الدّروز السّياسيّ يتراجع في جبل لبنان.

خصّص المؤلّف الفصلين الأوّل والثّاني من كتابه لنقد المراجع الحديثة المتّصلة بالموضوع، والتّعريف بالمصادر الأساسيّة المتوافرة لدراسته. فاعتبر أنّ المعرفة الّتي تعطيها تلك المراجع عن تاريخ مشيخة العقل «هزيلة» (ص. ١٩). ويسلّط أبو زكي الضّوء على مشكلة كبيرة تعاني منها غالبيّة الدّراسات الحديثة عن الموضوع، وتتمثّل باعتمادها على المراجع الدّرزيّة الحديثة حصرًا، ما يؤدّي إلى تكرار الأخطاء الجسيمة الّتي حفلت بها تلك المراجع. ويوضح البحث أنّ المراجع الدّرزيّة غير موثوقة بسبب «الأخطاء المنهجيّة» (ص. ٣٥) و«فوضى التّواريخ والأسماء» فيها (ص. ٤٩). ويشير كذلك إلى مشكلة المؤرّخين الّذين كتبوا عن الموضوع من دون الاعتماد على أيّ مصدر تاريخيّ . أحد هؤلاء كمال الصّليبيّ، من أهمّ المؤرّخين اللّبنانيّين، الّذي زعم أنّ ‘الرّؤساء الدّروز الرّوحيّين (أي: شيوخ العقل) في جبل لبنان، خضعوا مبكرًا لسلطة زعماء طائفتهم الإقطاعيّين’ (ص. ٢٤)، ولكنّه لم يُسند مقولته الخطيرة هذه إلى أيّ مصدر أساسيّ من مصادر تاريخ لبنان السّياسيّ!

وللتّغلّب على هذا النّقص في المصادر الأساسيّة، قام أبو زكي بعمل أكاديميّ رصين، بدأه ببحث ميدانيّ دام سنوات عدّة، مكّنه من الوصول إلى أرشيفات محلّيّة نادرة ومفيدة للغاية، بالإضافة إلى مصادر متنوّعة: تاريخيّة وأدبيّة ووثائقيّة وشفهيّة وأثريّة. أجاد المؤلّف في تعامله مع تلك المصادر، مع أنّ كثيرًا منها لا صلة له مباشرة بموضوع البحث، مستعملًا في تحليلها منهجًا واضحًا ومتماسكًا، أتاح له السّير المنتظم في مجاهل بحثه الدّقيق؛ وقدّم تعريفات أصيلة لمفاهيم رئيسيّة تتّصل بتنظيم عقّال الدّروز الدّينيّ، وطرُق عبادتهم، ومسلكهم في الحياة. وقد استغلّ جيّدًا ما تقدّمه المصادر تلك من معلومات وأدلّة، وبخاصّة الوصايا الشّخصيّة الّتي جمعها، لتحديد أسماء رؤساء الدّين الدّروز وكبار عقّالهم، ابتداءً من القرن الثّامن عشر.

يسمح لنا الكتاب بفهم أفضل لحقبة تاريخيّة أساسيّة في تاريخ الدّروز الدّينيّ والاجتماعيّ، وهي حقبة الإصلاح الدّينيّ المشار إليها أعلاه. وذلك من خلال قراءة المصادر الأساسيّة المتّصلة بالأمير السّيّد عبد اﷲ التّنوخيّ والشّيخ الفاضل محمّد أبي هلال، بدقّة. وبخلاف الكثير من المؤلّفات الّتي كُتبت عنهما، يكشف الكتاب عن أبرز معالم حركة الإصلاح تلك، ويشرح مرتكزاتها الدّينيّة وأغراضها، مظهرًا التّجانس القائم بين تعاليم الأمير السّيّد والشّيخ الفاضل، وإنْ فصل بينهما قرن من الزّمن. وقد أظهر المؤلّف في هذا المجال، كما في سائر أجزاء البحث، حرصًا واضحًا في اختيار المصطلحات وإيضاحها للقارئ المتخصّص وغير المتخصّص على السّواء، لتبرير استخدامه إيّاها. على سبيل المثال، استعمل أبو زكي مصطلح «الإصلاح الدّينيّ» بديلًا من «النّهضة الدّينيّة» للدّلالة على ما قام به الأمير السّيّد من تنظيم مسلك العقّال الدّروز وتوضيح معتقداتهم، وذلك لأنّ الحقبة الّتي سبقت بروز الأمير السّيّد شهدت اضطرابًا دينيًّا واجتماعيًّا كبيرًا جدًّا، أدخل الخلّل إلى معتقدات الدّروز وطرق عبادتهم. وقد شملت حركة الأمير السّيّد الإصلاحيّة إيضاحًا مفهومًا لـ «الولاية الدّينيّة»، وهو مفهوم أساسيّ يرتبط عضويًّا بموضوع البحث (ص. ١٩٢). فاستخلص المؤلّف من تراث الأمير السّيّد وغيره من مصادر بحثه الأساسيّة الشّروط التّسعة لتحقيق «الولاية الدّينيّة».

كما أوضح المؤلّف التباسًا شائعًا في الدّراسات الدّرزيّة عمومًا، يتّصل بتعريف «العقّال» و«الجهّال» لدى الدّروز، حيث تمّ حصر الاختلاف بين طبقتَي الدّروز الاجتماعيّتين بالنّطاق المعرفيّ، أي اطّلاع الأولى على تعاليم مذهبهم الدّينيّة، وجهل الثّانية تلك التّعاليم . فبيّن المؤلّف أنّ العقل في مصطلح رجال الدّين الدّروز هو طريق عبادة كليّ، يشمل مجالَي العلم والعمل معًا؛ وبالتّالي، لا يقتصر على اكتساب المعارف الدّينيّة وحسب، بل يتطلّب انضباطًا مسلكيًّا أخلاقيًّا صارمًا. ويستند المؤلّف إلى مفهوم مسلك العقل الّذي أوضحه ليقدّم تعريفًا أساسيًّا للقب «الشّيخ» لدى الدّروز، فهو «المُربّي والمُرشد للجماعة» (ص. ١٤٥).

وكان لافتًا التّحليل الدّقيق لآيات من القرآن الكريم، ومدى الاستفادة منه لإظهار أصالة المرتكزات القرآنيّة لنظرة العقّال الفريدة للعبادة والآداب المرتبطة بها؛ وهو أمرٌ غير مألوف في الدّراسات الحديثة عن الدّروز، والّتي تتقصّد في غالب الأحيان إبراز الاختلافات الكثيرة بين المعتقدات الدّينيّة الدّرزيّة والأصول الإسلاميّة. يُظهر تحليل أبو زكي مسلك العقل، باصطلاحه الخاصّ برجال الدّين الدّروز، مفهومًا روحيًّا مبنيًّا على قواعد قرآنيّة واضحة (ص. ١٢٨). وعلى المنوال نفسه، يعالج المؤلّف موضوع الوقف، وهو أمر مهمّ جدًّا وحاضر للغاية في النّقاشات الدّرزيّة الدّاخليّة في وقتنا، ليفتح الطّريق أمام الباحثين لاستكشاف تاريخه ومعالمه وأغراضه.

وسيتفاجأ القارئ بأنّ لقب شيخ العقّل غير مذكور في أيّ من المصادر الدّرزيّة الّتي تعود إلى ما قبل القرن التّاسع عشر .إذ إنّ استعماله لم يصبح شائعًا بين الدّروز إلّا في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر. ‎هذه الفترة هي أيضًا محوريّة في تاريخ لبنان السّياسيّ التّأسيسيّ . وإذا كانت كتب التّاريخ قد ركّزت كثيرًا على التّنافس بين الأمير بشير الشّهابيّ الثّاني والإقطاع الدّرزيّ وعلى رأسه آل جنبلاط وآل عماد؛ فهناك صمت بشأن العلاقة بين الأمير والعقّال، مع أنّها لا تقلّ أهمية عن الأولى. فقد لعب العقّال دورًا مهمًّا في رفض الخضوع للأمير في العام ١٨٢٥. كما كان لهم دور عسكريّ، ليس ثانويًّا على الإطلاق، ولديهم القدرة بشكل خاصّ على حشد الدّروز ليس في جبل لبنان وحسب، ولكن في حوران السّوريّة.

يرجّح المؤلّف أنّ دور العقّال في ثورة الدّروز على الأمير بشير الثّاني في العام ١٨٢٤ كان السّبب الّذي أدّى بالأمير، بعد أن هزم الإقطاعَ الدّرزيّ عسكريًّا، في سعيه بأن يكون له موقع مهيمن على عقّال الدّروز. فعيّن الامير بشير شيخًا للعقّل يمثّل الجنبلاطيّين، وشيخًا آخر يمثّل اليزبكيّين، واستمرّ هذا التّقسيم بشكل خاصّ مع متصرّفيّة جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٦)

وقد أصبح منصب شيخ العقل بمثابة «وظيفة إداريّة» منذ نهاية القرن التّاسع عشر (ص. ٢٩٧). استمرّ هذا التّرتيب مع ولادة لبنان الكبير، ولا يزال حتّى يومنا هذا. الآن تعترف الجمهوريّة اللّبنانيّة رسميًّا بمنصب شيخ العقل، ولكنّه لم يعد مرادفًا للرّئاسة الرّوحيّة الّتي انفصلت عنه في خلال القرن التّاسع عشر. ومع أنّ عمل سعيد أبو زكي أكاديميّ يتطرّق الى الأمور المنهجيّة والدّينيّة قبل كلّ شيء، فقد أضاف على مؤلّفه الأصليّ تمهيدًا عالج فيه المجال السّياسيّ في أثناء المدّة الّتي أعدّ فيها بحثه. تقصّد الكاتب إبراز الإشكاليّات الّتي ظهرت في تلك الفترة من خلال تعاطي السّياسيّين الدّروز مع الموضوع. ويُظهر التّمهيد اختلاف مقاربة هؤلاء في العقود الثّلاثة الماضيّة عن مقاربة سلفهم مسألةَ مشيخة العقل في القرن العشرين.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ترك كمال جنبلاط، وكان مثقّفًا حاذقًا قيَّمَ التّاريخ على المدى الطّويل، كبارَ عقّال الدّروز يختارون اسم شيخ العقل الجنبلاطيّ في العام ١٩٤٩. فتمّ انتخاب محمّد أبو شقرا لمشيخة العقل عن المقعد الجنبلاطيّ بتأييد من منافسه السّياسيّ التّقليديّ الأمير مجيد أرسلان، مكرّسًا بذلك إجماعًا درزيًّا دينيًّا وسياسيًّا على اختيار المرجعيّات الدّينيّة. بينما شهدت العقود الثّلاثة الماضية صراعًا حادًّا على تكريس نفوذ زعماء الدّروز السّياسيّ باختيار شيخ العقل، وتوجيه سلوكه الاجتماعيّ والسّياسيّ؛ وهو أمرٌ يتعارض مع التّراث الدّينيّ الدّرزيّ الّذي يكرّس استقلاليّة العقّال في عملهم، واختيار مرجعيّاتهم. قد يكون ذلك نتيجة النّظام الطّائفيّ اللّبنانيّ الّذي يعزّز رغبة زعماء الطّوائف السّياسيّين في السّيطرة على الهيئات الدّينيّة. غير أنّي أوافق أبوزكي قوله بأنّ أحد أسباب الإشكاليّات المذكورة، كان ولا يزال، غياب فهم تاريخ منصب شيخ العقل بشكل صحيح ؛ وربّما يكمن جوهر المشكلة بالتّحديد في عدم فهم معنى «الولاية الدّينيّة» الحقيقيّ، وإدراك ماهيّة الوظيفة الدّينيّة والاجتماعيّة الّتي تؤدّيها. وهذا بالنّسبة إليّ أحد أهمّ إسهامات الكتاب الفكريّة. فدراسة تنظيم عقّال الدّروز على النّحو الّذي نقرأه في الكتاب يساعد في الحصول على معرفةٍ حقيقيّة للتّاريخ الدّينيّ والسّياسيّ للدّروز في لبنان. وما يزيد من أهميّة المساهمة تلك، قيام العديد من المؤلّفين السّابقين، سواء كان ذلك بقصد منهم أو من دونه، بتشويه الكثير من معالم تراث الدّروز الرّوحيّ وتعاليمهم الدّينيّة؛ والمنشورُ من كتبهم في متناول الجميع.

كتاب أبوزكي مرجع مفيد للباحثين في تاريخ الدّروز عمومًا، وتنظيمهم الدّينيّ خصوصًا. هو أيضًا مرجع مهمّ للباحثين في تاريخ لبنان السّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ. فهو يقدّم معلومات قيّمة، وفي كثير من الأحيان غير معروفة على نطاق واسع، عن العديد من خصائص التّاريخ الدّرزيّ المهمّة. ومع ذلك، تترك دراسة أبوزكي لدى القارئ رغبة في معرفة المزيد عن تاريخ مشيخة العقل في القرن العشرين، إذ يقف نطاق بحثه عند انتهاء حقبة المتصرّفيّة في جبل لبنان في العام ١٩١٦. من جهة أخرى، يمكن أن تكون منهجيّة أبو زكي مثالًا يحتذى به لكلّ من يرغب في الكتابة عن تاريخ الدّروز.

سيكون الكتاب أيضًا بمثابة بوصلة للقارئ العاميّ الّذي يرغب بمعرفة المزيد عن تاريخ المجتمع الدّرزيّ وخصوصيّاته.

الأستاذ رامي خطّار أبو ذياب : حائز ماجستير في القانون من جامعة السّوربون باريس. يعمل حاليًّا على أطروحة الدّكتوراه عن «الجغرافيا السّياسيّة لدروز لبنان» في المعهد الفرنسيّ للجغرافيا السّياسيّة. نشر كتابه عن الجغرافيا السّياسيّة لجنوب سوريا عام 2019. ويكتب حاليًّا في موقع Arab News.

[email protected]

مدعوّون للشّهادة، مدعوّون للنصر

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

مدعوّون للشّهادة، مدعوّون للنّصر
أوراق في لاهوت الاستشهاد وروحانيّته

88ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-5607-6)

ما هو الاستشهاد اليوم؟ هل كلّ قتيل أو ضحيّة شهيد؟ هل الاستشهاد تحدٍّ للمضطهِد، أم قبول الموت حبًّا به؟ هل هو اعتراف أم ذبيحة؟ هل هو شهادة فاعلة أم منفعلة؟ هل هو طلب للموت أم للحياة؟

أمام هذا الارتباك في الإطار العربيّ الّذي يتخبّط بالصّراعات، يوضح لنا المؤلّف مفهوم الشّهادة خصوصًا أنّه مفهوم مسيحيّ، أثّر كثيرًا في صوغ لاهوت وروحانيّة الكنيسة في العصور الأولى، وفي عصرنا الحاضر أيضًا. ينقسم هذا الكتاب إلى ثمانية فصول، في كلّ فصل معيار لما ينبغي أن تتميّز به الشّهادة بالمفهوم المسيحيّ.

في البداية، يعطي الكاتب تعريفًا لمفهوم الشّهادة. يقول إنّ هنالك نوعين من الشّهود: الشّاهد الفاعل الّذي يعتمد على الإرادة الحرّة، والشّاهد المنفعل الّذي يُفرَض عليه الموت؛ لكنّه يرى في استشهاده ذبيحة. بعد ذلك، يعود الكاتب إلى الاضطهاد في أدب العهد الجديد، فيؤكّد أنّ الاستشهاد ينتمي إلى جوهر الكنيسة ورسالتها منذ بدايتها، لأنّها نمت في جوٍّ من الاضطهاد ويستمرّ إلى اليوم، حتّى وإن اختلفت شهادة الرّسل عن شهادة الأجيال اللّاحقة. يبقى الشّاهد هو الّذي اختبر المسيح حتّى لو لم يره.

أمّا إشكاليّة الاستشهاد فإنّها تطرح اليوم قضيّة الاضطهاد. وهنا يعطينا الكاتب معيارًا آخر لما ينبغي أن تكون عليه الشّهادة ألا وهو التّتلمذ للمسيح. هذا المعيار يزيل عن أيّ نوع من الألم، جسديًّا كان أم نفسيًّا أم اجتماعيًّا، بُعد العبثيّة واللّامعنى. فبالرّغم من أنّ إعلان البشارة ينطوي على خير لكلّ النّاس، لكنّه يولّد ألمًا واضطهادًا؛ لأنّ المسيحيّ يدخل في حرب كونيّة ضدّ قوى الشّر يكون ثمن النّصر فيها هو التّضحية حتّى الموت.

إنّ تمييز وجوب الهروب من الاستشهاد من عدمه صعب. فآباء الكنيسة أقرّوا بواجب تفادي الاستشهاد، لكنّ بعضهم واجهوا المضطهِدين بإلهام من الرّوح القدس. لذلك، بين الأمانة للإيمان والبقاء في قيد الحياة، يظهر الاستشهاد كخيار وحيد. فبالنّسبة إلى المسيحيّين الحياة هي أكثر من وجود. الحياة هي الطّاعة ﷲ، حتّى ولو أوصلتهم هذه الطّاعة إلى الموت؛ لأنّ اﷲ هو سيّد الموت وهو مانح الحياة. في حين أنّ إبليس يحتال علينا لكي يوهمنا أنّه سيّد الحياة والموت.

إنّ لاهوت الاستشهاد لاهوت عفويّ أدبيّ، يحدّد السّلوك الواجب تجاه المضطهِدين. من سماته المواجهة السّلميّة للاضطهاد باسم يسوع، ومعه، وعلى مثاله. فالمسيحيّ ليس وحيدًا في هذه المواجهة، إنّه متَّحد بالكنيسة جسد المسيح. وميزات هذه المواجهة محبّة الأعداء والشّجاعة والفطنة.

هل الشّهادة اعتراف أم ذبيحة؟ الكنيسة الشّرقيّة اعتمدت مفهوم الذّبيحة للتّعبير عن الاستشهاد، في حين اعتمدت الكنيسة الغربيّة مفهوم الاعتراف الّذي نادى به القدّيس أغوسطينوس خوفًا من الدّوناتيّة والبيلاجيانيّة؛ إذ إنّ فكرة الذّبيحة قد توحي بأنّ ذبيحة المسيح غير كاملة. لكنّ تفضيله نموذجَ الاعتراف لا يُفهم منه اعتراض على مفهوم الذّبيحة.

إنّ الكتاب سهل القراءة، وواضح على شكل أوراق، يتيح للقارئ بعد قراءة كلّ فصل، أن يضع معيارًا، يُمكِّنه من أن يفهم الشّهادة وخصوصيّتها المسيحيّة.

الأب روفائيل زغيب : حائز دكتوراه في علم اللّّاهوت الأساسيّ. علم الكنيسة الجامعة البابويّة اليونانيّة – روما: كلّيّة علم اللّاهوت الأساسيّ – 2013، وماجستير في العلوم الدّينيّة من جامعة القدّيس يوسف – بيروت: كلّيّة العلوم الدّينيّة - 2006. يجيد اللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والإيطاليّة ويلمّ بالألمانيّة. مؤسّسُ تجمّع يسوع فرحتي. ويشغل منصب المدير الوطنيّ للأعمال البابويّة في البعثات الدبلوماسيّة في لبنان (2015- ).

[email protected]

سيّدة النّجاة- بكفيّا (1833-2020)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنطوان حنّا يزبك

سيّدة النّجاة، بكفيّا (1833-2020)

96ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2021
(ISBN: 978-2-7214-5615-1)

ما أجمل أن يسعى ابن بكفيّا وتلميذ اليسوعيّين إلى توثيق تاريخ ديرٍ عريقٍ في بلدته!

سيّدة النّجاة، اسم أطلِقَ على كنائس عدّة في لبنان، ولكنّ نكهته خاصّة، حين يرتبط بأوّل ديرٍ لليسوعيّين في بلد الأرز بعد عودتهم في السّنة 1831. وتزداد هذه النّكهة حلاوةً حين يخطّ كاتب بدقّةٍ وبساطة تاريخ هذا الدّير، فيدرج التّفاصيل الفرعيّة في الحواشي، وهي تشغل أحيانًا ثلاثة أرباع الصّفحة، ويركّز على الموضوع الجوهريّ في متن النّصّ.

الكتاب مؤلّف من ثلاثة فصول: تاريخ دَير سيّدة النّجاة، وحماية سيّدة النّجاة، وخَدَمة الدّير والكنيسة. لكنّ القارئ يكاد لا ينتبه إلى هذا التّقسيم لشدّة جاذبيّة السّرد الّذي ينقله من مكانٍ إلى مكان، فيجعله يقف قليلًا ليرى المشهد (وهو الصّور الّتي تزيّن صفحات الكتاب)، ويسمع أخباره باقتضاب، لينتقل إلى مكانٍ آخر.

في الفصل الأوّل، لم ينسَ الكاتب تذكير القارئ، وربّما سكّان بكفيّا، بماضي أجدادهم، وكيف كانوا يكافحون بروح البساطة والتّواضع للعيش في هذه المنطقة الجبليّة القاسية، وكيف كانت تقواهم سندًا عزيزًا لهم. بهذه الرّوح دعموا الآباء اليسوعيّين حين وصلوا إلى المنطقة، وأمّنوا لهم مكانًا ليقيموا فيه، وساهم كلّ واحدٍ منهم في مساعدتهم على بناء الدّير، هذا بماله وذاك بذراعَيه. وينتهي الفصل بآخر أعمال البناء والهندسة الدّاخليّة الّتي تمّت في المزار ليكون كما نراه الآن.

يبدأ الفصل الثّاني بقصّة الأمير حيدر أبي اللّمع الّذي كان له الفضل الأساسيّ في تأسيس دير سيّدة النّجاة، سواء بمساعيه الدّبلوماسيّة أو بمساهماته الماليّة. ولا يروي الكاتب تاريخ هذا الأمير، بل علاقته بالدّير وما ناله من عنايةٍ إلهيّة بشفاعة العذراء، ثمّ يسرد، بحسب التّسلسل التّاريخيّ، بعض المعجزات الّتي تمّت في المنطقة بشفاعة سيّدة النّجاة. وفي هذا السّياق يخبرنا الكاتب أنّ سكّان بكفيّا، وبسبب نجاتهم من أزماتٍ عدّة بعد الصّلاة والتّضرّع أمام صورة العذراء في الدّير، اختاروا لهذه الصّورة، الّتي أحضرها الآباء من إيطاليا، لقبًا وهو: «سيّدة النّجاة»، فصار هذا اللّقب اسم دير اليسوعيّين في بكفيّا: «دير سيّدة النّجاة».

بعد التّسلسل التّاريخيّ والأحداث البارزة، خصّص الكاتب الفصل الثّالث لأبرز الشّخصيّات اليسوعيّة بحسب الترتيب الآتي: أوّلًا، بعض أبناء بكفيّا الّذين انضمّوا إلى الرّهبانيّة اليسوعيّة فكان لهم شأن في الكنيسة من خلال المناصب الّتي تبوّأوها أو الأعمال الّتي أنجزوها، وثانيًا، بعض الشّخصيّات الّتي خدمت الدّير منذ تأسيسه، مع قائمة كاملة بأسماء الآباء الّذين تولَّوا رئاسة الدّير منذ تأسيسه حتّى تاريخ نهاية تدوين مسوّدة الكتاب، أي السّنة 2020. وفي النّهاية، وعلى طريقة الرّواة، يسرد الكاتب متفرّقات جمعها من المسنّين في بكفيّا عن أخبار الدّير.

الكتاب ممتع. إنّه كتاب عائلة، غنيّ بالمعلومات التّاريخيّة والقصص، ويمكن اعتباره، على الرّغم من بساطة أسلوبه، مرجعًا تاريخيًّا جديرًا بالثّقة.

الأب سامي حلّاق : راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.

[email protected]

Share This