السنة ٩٧

الجزء الأوَّل

السّنة السّابعة والتّسعون | الجزء الأول | كانون الثّاني- حزيران ٢٠٢٣

اِشتر نسختك الرقميّة

افتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

النّفط والغاز ومعارك القوّة والسّياسة

أثارت الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة وقضيّة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل مسألة أساسيّة أبعد من موضوع استخراج المنتوجات البتروليّة والغازيّة، واستهلاكها:

ما هو موقع النّفط في تاريخ الشّعوب والدّول لتكون له هذه القيمة، وليكون له ذلك الدور؟ فإذا كانت الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة، بحدّ ذاتها، هي العنوان الأوّل في الإعلام، فإنَّ العنوان الموازي هو انقطاع الغاز عن أوروبّا والمحور الغربيّ، وارتفاع الأسعار الجنونيّ. وإذا كانت الأزمة الاقتصاديّة الاجتماعيّة هي خبز اللّبنانيّين اليوميّ، فإنَّ موضوع ترسيم الحدود وانفتاح الطّريق نحو إنتاج الغاز من حقل قانا لهو الجديد في تاريخ لبنان الحديث، اللّهمّ إلّا إذا كان ذلك مجرّد وهم وسراب؛ وبالتّالي فإنّ سحر اليوم سوف ينقلب على السّاحر والسّحرة؛ فالطّاقة النّفطيّة والغازيّة، من حيث إنتاجها وبيعها وتصنيعها ليست عمليّة تجاريّة فحسب، بل هي ومنذ وقتٍ طويل نتاج “السّياسة والتّوازنات الدّوليّة”. إنّه تاريخ علاقات القوّة والسّيطرة، بالعسكر والمال والسّياسة، على أجزاء واسعة من الكرة الأرضيّة بين معسكر وآخر، لأنَّ الاقتصادات العالميّة الرّئيسة في الشّرق والغرب، إنّما تعتمد بدرجةٍ عاليةٍ واستراتيجيّة على الطّاقة واستهلاكها مختلف الحاجات المنزليّة والصّناعيّة. وهذه الطّاقة أساسيّة في نموّ الاقتصادات، وبالتّالي في تعزيز الثّروات والمداخيل الوطنيّة.

إنّ تاريخ الطّاقة، في العديد من صفحاته، تاريخ عنيف تتخلّله حروب بين الدّول (الكويت والعراق على سبيل المثال)، أكان ذلك في الشّرق الأوسط، منذ حرب قناة السّويس، إلى حروب أخرى في أفريقيا وأميركا اللّاتينيّة (قضيّة فنزويلا). الواقع، إنَّ هذه الحروب، وإن انتهت أحيانًا برابح وخاسر، فإنَّ من نظّمَ الأمور هي تلك العلاقات الدّوليّة، أو ما بين الدّول، الّتي بشكل براغماتيكيّ، تعمد إلى الحلول والتّنظيمات السّياسيّة لأنَّ إنتاج الطّاقة والتّداول بها إنّما هو بحاجة إلى حالة سلام وأمان. ولذلك فإنّ الكثير من المحلّلين السّياسيّين والدّبلوماسيّين إنّما يرَون أنّ الأزمة الحاليّة بشأن الطّاقة لن تثير الحروب، بل إنّ هذه الحرب ليست حتميّة، لأنَّ ما تريده القوى العظمى هو الأمن والسّياسة لتستطيع الوصول إلى ذلك.

إلّا أنّ للأزمة وجهًا آخر له أهمّيّته الاستراتيجيّة. فالدّور المهيمن في مجال الطّاقة اليوم هو للوقود الأحفوريّ أي النّفط والغاز والفحم، وهو، من ناحية، ملوِّثٌ كبيرٌ للأرض وفضائها، ومحفِّزٌ على الحرارة المتزايدة ممّا يشكّل أزمة شديدة البطش، ألا وهي أزمة المناخ الكونيّ، ومن ناحية أخرى، وبحسب تقدير الخبراء في ظلّ الاستهلاك العالميّ الحاليّ، ومع تزايد معدّلات هذا الاستهلاك، فإنَّ الاحتياطات القابلة للاستغلال ستكون محدودة، إذ إنّ النّفط مخزونه سينضب بعد أربعين أو خمسين عامًا على الأكثر، والغاز بعد حوالى السّتّين أو السّبعين عامًا، في وقت سيستمرّ الفحم في وتيرة استهلاكيّة أكثر من 230 عامًا.

وهنا نطرح الأسئلة الإشكاليّة، كالآتي:

أ – كيف يتمّ ضمان الاستهلاك المتواتر مع الحفاظ على البيئة والسّلامة العامّة، وكيف يتمّ تأمين الطّاقة أيضًا للبلدان النّاشئة والفقيرة لتنمية اقتصادها، وفي الوقت عينه ضمان استهلاك الدّول المتقدّمة لتستمرّ في مستوى معيشتها الحاليّ؟

ب – كيف تتمّ حماية أمن الطّاقة في سياق دوليّ منافس أكثر فأكثر، وفي ظلّ أوضاع محليّة وإقليميّة متفجِّرة ومتعارضة للغاية. ربّما في نموذج التّرسيم، الّذي حصل بين لبنان وبلد لا يعترف به هذا الأخير لا بل يعتبره عدوًّا، مثالٌ يُحتذى به لتأمين الطّاقة وإنتاجها قبل أيّ أمر آخر؟

ج – وأخيرًا كيف يتمّ التّوفيق بين عولمة سُوق الطّاقة كالاستثمارات والنّقل والأسعار إلخ… مع تأكيد سيادة الدّول الّتي تريد بدورها الاستفادة من ثروتها، وبالتّالي تحديد سياساتٍ محافظة على الطّاقة، مع العلم بأنّ احتياطات الهيدروكاربون هي في يد الشّركات الوطنيّة؟

لا شكّ في أنّ الأجوبة عن هذه الأسئلة ليست في متناول اليد. وحدها الدّيبلوماسيّة الصّامتة والصّبورة تستطيع حلحلة العقد الموجودة اليوم، والّتي ستزداد غدًا مع ثروة يبدو أنّها ليست أبديّة. وبالتّالي، فإنّ التّفكير ينصبّ أيضًا على أمور أخرى أساسيّة حيال الطّاقة:

أوّلًا: تغيير السّلوكيّات في الاستهلاك، وفي هذه الحالة دعوة إلى إعادة التّركيز على الأخلاقيّات الحميدة في الاستهلاك.

ثانيًا: العمل على تطوير الطّاقات البديلة، وخصوصًا تلك النّظيفة منها، سعيًا إلى احترام نظام الأرض وتوازناتها البيئيّة.

ثالثًا: العمل على تجديد السّياسات الخاصّة بالطّاقة للحدّ من أزماتها، لأنّ تفاعلها إنّما يؤدّي إلى حروب ونزاعات، الإنسانيّة اليوم هي بغنى عنها.

وهكذا، هل سيكون تاريخ الطّاقة متلازمًا مع الحروب والعنف، أم سيكون انقلابًا في المفاهيم والسّلوكيّات ليصبح تاريخ الدّيبلوماسيّة الهادئة؟!

 

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988)، ويدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.
[email protected]

افتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

النّفط والغاز ومعارك القوّة والسّياسة

أثارت الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة وقضيّة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل مسألة أساسيّة أبعد من موضوع استخراج المنتوجات البتروليّة والغازيّة، واستهلاكها:

ما هو موقع النّفط في تاريخ الشّعوب والدّول لتكون له هذه القيمة، وليكون له ذلك الدور؟ فإذا كانت الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة، بحدّ ذاتها، هي العنوان الأوّل في الإعلام، فإنَّ العنوان الموازي هو انقطاع الغاز عن أوروبّا والمحور الغربيّ، وارتفاع الأسعار الجنونيّ. وإذا كانت الأزمة الاقتصاديّة الاجتماعيّة هي خبز اللّبنانيّين اليوميّ، فإنَّ موضوع ترسيم الحدود وانفتاح الطّريق نحو إنتاج الغاز من حقل قانا لهو الجديد في تاريخ لبنان الحديث، اللّهمّ إلّا إذا كان ذلك مجرّد وهم وسراب؛ وبالتّالي فإنّ سحر اليوم سوف ينقلب على السّاحر والسّحرة؛ فالطّاقة النّفطيّة والغازيّة، من حيث إنتاجها وبيعها وتصنيعها ليست عمليّة تجاريّة فحسب، بل هي ومنذ وقتٍ طويل نتاج “السّياسة والتّوازنات الدّوليّة”. إنّه تاريخ علاقات القوّة والسّيطرة، بالعسكر والمال والسّياسة، على أجزاء واسعة من الكرة الأرضيّة بين معسكر وآخر، لأنَّ الاقتصادات العالميّة الرّئيسة في الشّرق والغرب، إنّما تعتمد بدرجةٍ عاليةٍ واستراتيجيّة على الطّاقة واستهلاكها مختلف الحاجات المنزليّة والصّناعيّة. وهذه الطّاقة أساسيّة في نموّ الاقتصادات، وبالتّالي في تعزيز الثّروات والمداخيل الوطنيّة.

إنّ تاريخ الطّاقة، في العديد من صفحاته، تاريخ عنيف تتخلّله حروب بين الدّول (الكويت والعراق على سبيل المثال)، أكان ذلك في الشّرق الأوسط، منذ حرب قناة السّويس، إلى حروب أخرى في أفريقيا وأميركا اللّاتينيّة (قضيّة فنزويلا). الواقع، إنَّ هذه الحروب، وإن انتهت أحيانًا برابح وخاسر، فإنَّ من نظّمَ الأمور هي تلك العلاقات الدّوليّة، أو ما بين الدّول، الّتي بشكل براغماتيكيّ، تعمد إلى الحلول والتّنظيمات السّياسيّة لأنَّ إنتاج الطّاقة والتّداول بها إنّما هو بحاجة إلى حالة سلام وأمان. ولذلك فإنّ الكثير من المحلّلين السّياسيّين والدّبلوماسيّين إنّما يرَون أنّ الأزمة الحاليّة بشأن الطّاقة لن تثير الحروب، بل إنّ هذه الحرب ليست حتميّة، لأنَّ ما تريده القوى العظمى هو الأمن والسّياسة لتستطيع الوصول إلى ذلك.

إلّا أنّ للأزمة وجهًا آخر له أهمّيّته الاستراتيجيّة. فالدّور المهيمن في مجال الطّاقة اليوم هو للوقود الأحفوريّ أي النّفط والغاز والفحم، وهو، من ناحية، ملوِّثٌ كبيرٌ للأرض وفضائها، ومحفِّزٌ على الحرارة المتزايدة ممّا يشكّل أزمة شديدة البطش، ألا وهي أزمة المناخ الكونيّ، ومن ناحية أخرى، وبحسب تقدير الخبراء في ظلّ الاستهلاك العالميّ الحاليّ، ومع تزايد معدّلات هذا الاستهلاك، فإنَّ الاحتياطات القابلة للاستغلال ستكون محدودة، إذ إنّ النّفط مخزونه سينضب بعد أربعين أو خمسين عامًا على الأكثر، والغاز بعد حوالى السّتّين أو السّبعين عامًا، في وقت سيستمرّ الفحم في وتيرة استهلاكيّة أكثر من 230 عامًا.

وهنا نطرح الأسئلة الإشكاليّة، كالآتي:

أ – كيف يتمّ ضمان الاستهلاك المتواتر مع الحفاظ على البيئة والسّلامة العامّة، وكيف يتمّ تأمين الطّاقة أيضًا للبلدان النّاشئة والفقيرة لتنمية اقتصادها، وفي الوقت عينه ضمان استهلاك الدّول المتقدّمة لتستمرّ في مستوى معيشتها الحاليّ؟

ب – كيف تتمّ حماية أمن الطّاقة في سياق دوليّ منافس أكثر فأكثر، وفي ظلّ أوضاع محليّة وإقليميّة متفجِّرة ومتعارضة للغاية. ربّما في نموذج التّرسيم، الّذي حصل بين لبنان وبلد لا يعترف به هذا الأخير لا بل يعتبره عدوًّا، مثالٌ يُحتذى به لتأمين الطّاقة وإنتاجها قبل أيّ أمر آخر؟

ج – وأخيرًا كيف يتمّ التّوفيق بين عولمة سُوق الطّاقة كالاستثمارات والنّقل والأسعار إلخ… مع تأكيد سيادة الدّول الّتي تريد بدورها الاستفادة من ثروتها، وبالتّالي تحديد سياساتٍ محافظة على الطّاقة، مع العلم بأنّ احتياطات الهيدروكاربون هي في يد الشّركات الوطنيّة؟

لا شكّ في أنّ الأجوبة عن هذه الأسئلة ليست في متناول اليد. وحدها الدّيبلوماسيّة الصّامتة والصّبورة تستطيع حلحلة العقد الموجودة اليوم، والّتي ستزداد غدًا مع ثروة يبدو أنّها ليست أبديّة. وبالتّالي، فإنّ التّفكير ينصبّ أيضًا على أمور أخرى أساسيّة حيال الطّاقة:

أوّلًا: تغيير السّلوكيّات في الاستهلاك، وفي هذه الحالة دعوة إلى إعادة التّركيز على الأخلاقيّات الحميدة في الاستهلاك.

ثانيًا: العمل على تطوير الطّاقات البديلة، وخصوصًا تلك النّظيفة منها، سعيًا إلى احترام نظام الأرض وتوازناتها البيئيّة.

ثالثًا: العمل على تجديد السّياسات الخاصّة بالطّاقة للحدّ من أزماتها، لأنّ تفاعلها إنّما يؤدّي إلى حروب ونزاعات، الإنسانيّة اليوم هي بغنى عنها.

وهكذا، هل سيكون تاريخ الطّاقة متلازمًا مع الحروب والعنف، أم سيكون انقلابًا في المفاهيم والسّلوكيّات ليصبح تاريخ الدّيبلوماسيّة الهادئة؟!

 

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ : رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988)، ويدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.
[email protected]

محتويات العدد

i

مقالات هذا العدد

المنهج الجامعيّ على وقع الأزمات والحاجات التّربويّة المستجدّة في التّعليم العالي في لبنان – كلّيّة التّربية في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة (USAL) نموذجًا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تنبثق هذه الدّراسة من حاجة ملحّة تستدعيها التّحدّيات المستجدّة على واقع الحياة عمومًا والقطاع التّربويّ في التّعليم العالي خصوصًا، وتهدف إلى البحث في التّعديلات الأساسيّة الّتي يجب إدخالها على المنهج الجامعيّ المتّبع في قسم تربية الطّفولة المبكّرة في كلّيّة التّربية في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة. وقد انتهجت الدّراسة المنهج الوصفيّ التّحليليّ الكمّيّ والنّوعيّ بالاعتماد على أداتين اثنتين هما: الاستبيان ومجموعات التّركيز. أظهرت النّتائج ثغرات أساسيّة في الكفاية الرّقميّة المتمثّلة بتكييف الأدوات الرّقميّة بمرونة وفعّاليّة لخدمة العمليّة التعليميّة التّعلّميّة. كذلك أوضحت الدّراسة وجود ثغرات في المهارات الإجرائيّة لعدد من الكفايات المرتبطة بتكييف المنهج مع الحاجات الفرديّة للمتعلّمين، والاستخدام الصّحيح والدّقيق للّغتين العربيّة والأجنبيّة، وفي معالجة التّحدّيات المحتملة في خلال العمليّة التعليميّة والتّعلّميّة، وتوظيف التّفكير النّقديّ الاستقصائيّ النّشط لضبط المعارف المكتسبة وتحليلها واستخدامها في ما يناسب الموقف التعليميّ. هذا بالإضافة إلى ثغرات في بعض مقرّرات اختصاص تربية الطّفولة المبكّرة الّتي يغيب عن محتواها إعداد الطّالبات إعدادًا يخوّلهنّ القيام بالمهامّ المطلوبة كافّة لتعليم أطفال هذه المرحلة الممتدّة من الولادة حتّى سنّ الثّامنة. وفي الختام، توصي الدّراسة بعدد من الإجراءات الممكن تنفيذها لإدخال التّعديلات اللّازمة.

كلمات مفتاحيّة: المنهج الجامعيّ، الحاجات التّربويّة المستجدّة، اختصاص تربية الطّفولة المبكّرة، الكفاية.

Le programme académique universitaire en fonction des crises et besoins éducatifs advenus au sein de l’enseignement supérieur au Liban –l’Institut d’Education à l’Université des Sciences et des Arts au Liban (USAL) en exemple

Dr. Imane Freij

Cet article est le fruit d’un besoin urgent émanant des défis parus surtout dans le domaine éducatif supérieur. Il vise à repérer les changements essentiels à appliquer au programme académique adopté dans le département d’éducation précoce à l’Institut d’Education à l’USAL. Dans cette recherche nous avons adopté la méthode analytique descriptive qualitative et quantitative, en nous basant sur deux outils: des questionnaires et des groupes de discussion. Le résultat montra un manque au niveau électronique, dont l’utilisation subtile et efficace des outils électroniques au service de l’enseignement et de l’apprentisssage. Un manque apparut aussi au niveau des compétences procédurales propres aux capacités d’adaptation de la méthode en question, aux besoins individuels des enseignants, et d’utilisation correcte et précise des deux langues Arabe et Française, ainsi qu’au niveau de l’étude des défis potentiels tout au long de l’enseignement et de l’apprentissage, et d’adoption de l’esprit critique et investigateur pour contrôler les connaissances acquises, et pour les employer comme il convient au processus éducatif. .

Apparurent aussi des lacunes en ce qui concerne les décisions à propos de la spécialisation en éducation précoce, qui n’offre guère aux étudiantes une formation leur permettant de prendre en charge l’enseignement des enfants, depuis la naissance jusqu’à l’âge de huit ans. .

Enfin, cette recherche propose un nombre de mesures à prendre afin d’effectuer les changements nécessaires. .

Mots clés: Programme académique, nouveaux besoins éducatifs, spécialisation en éducation précoce, compétences. .

 : الدّكتورة إيمان فريج 

رئيسة قسم تربية الطّفولة المبكّرة، وأستاذة مساعدة في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة USAL. حائزة شهادة دكتوراه في التّربية من الجامعة اللّبنانيّة في العام 2020. لها عدد من الأبحاث التّربويّة، ومنها: “الذّكاء العاطفيّ للمدير وارتباطه ببعض العلاقات الإنسانيّة: دراسة عيّنة لمدراء المدارس الخاصّة في بيروت”، نشر في المجلّة التّربويّة الصّادرة عن مجلس النّشر العلميّ لجامعة الكويت، ديسمبر 2019، وبحث آخر بعنوان: SWOT Analysis: Examining the readiness for Advanced (Cognia currently) Accreditation Process: A Case Study، نشر في مجلّة المنافذ الثّقافيّة المحكّمة، العدد السّابع والعشرون، 2019.

[email protected]

النّازحون السّوريّون واندماجهم بالنّظام التّعليميّ اللّبنانيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ العوامل المزعزعة الاستقرار في لبنان ليست نادرة، كما أنّ حجم تدفّقات اللّاجئين بوجهٍ عامّ، وخصوصًا النّازحين السّوريّين واحد من بين تلك العوامل. طوال العامَين الأوّلين من الصّراع السّوريّ، بين العامَين ٢٠١٢-٢٠١٤، تركت السّلطات اللّبنانيّة المنظّمات الدّوليّة وحدها تقدّم المساعدات الطّارئة إلى اللّاجئين، وتقدّر اليونيسيف أنّ ثمّة أكثر من ٥٠٠ ألف طفل سوريّ في لبنان ضمن مراحل التّحصيل العلميّ. في كانون الأوّل “ديسمبر” ٢٠١٣، طلبت الحكومة اللّبنانيّة رسميًّا المساعدة على تسجيل هؤلاء الأطفال في المدارس الرّسميّة. لكن، هل يندرج هذا الالتحاق في التّعليم ضمن سياسة اندماج مدروسة؟ وهل يعتمد على الرّعاية الاجتماعيّة للّاجئين خصوصًا أنّ لبنان معروف بمكانته التّعليميّة الجيّدة في جميع أنحاء العالم؟ في هذه الدّراسة، سنحاول الإجابة عن سؤال اندماج اللّاجئين في التّعليم، وكيفيّة ضمان السُّبل المناسبة على مستويات عدّة للّاجئين الشّبيبة في النّظام التّعليميّ. على الصّعد السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، للبنان دور يؤدّيه خصوصًا فيما يتعلّق بأسباب اللّجوء وعواقبه على الاقتصاد، حيث إنّ تجربة لبنان لظاهرة اللّجوء، وتاريخ اللّاجئين فيه غنيّة ومتنوّعة للغاية. نقترح، في نهاية هذه الدّراسة، ضرورة استخدام مؤشِّرات لتقييم اندماج النّازحين السّوريّين، وكذلك أهمّيّة الابتكار في التّعليم، واستخدام التّكنولوجيا لتعزيز الاندماج، والتّعلّم والتّكيّف مع احتياجات النّازحين الشّباب بحسب احتياجات سوق العمل.

 

كلمات مفتاحيّة: اللّاجئون – الاندماج – لبنان – سورية – التّعليم – النّازحون السّوريّون

Les déplacés syriens et leur inclusion dans le système éducatif libanais

Dr. Nada Mallah Boustani

Les facteurs de déstabilisation au Liban ne se font pas rares, et l’ampleur des flux de déplacés syriens en est un de plus. Pendant les deux premières années du conflit syrien, entre 2012 et 2014, les autorités libanaises ont laissé les organisations internationales livrer, seules, une aide d’urgence aux réfugiés. De plus, l’Unicef estime plus que 500 000 les enfants syriens à l’âge scolaire. Alors en décembre 2013, le gouvernement libanais a officiellement demandé de l’aide pour scolariser ces enfants dans les écoles publiques. Cette scolarisation et ce recours à l’éducation tombent-ils dans une politique d’inclusion étudiée et tablent-ils sur le bien-être social des réfugiés surtout que le Liban est reconnu pour sa bonne position mondiale au niveau de l’éducation ? Dans cette étude, nous allons essayer de répondre à la question de l’inclusion des réfugiés sur le plan de l’éducation et comment pourrait-on assurer une inclusion adéquate sur plusieurs plans pour les jeunes réfugiés dans le système éducatif ? Sur le plan politique, économique et social, le Liban a un rôle à jouer surtout quant aux causes et conséquences des réfugiés sur l’économie puisque l’exemple du Liban et l’historique des réfugiés au Liban sont très riches et variés. Nous proposons, à la fin de cette étude, la nécessité de recourir à des indicateurs d’évaluation de l’inclusion des déplacés ainsi que l’importance de l’innovation dans l’enseignement et le recours à la technologie favorisant l’inclusion, l’apprentissage, et l’adaptation des jeunes déplacés aux besoins du marché.

Mots clés: Réfugiés – inclusion – Liban – Syrie – éducation – les déplacés Syriens.

الدّكتورة ندى الملّاح البستانيّ:

بروفسورة في كلّيّة الإدارة والأعمال في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، وبروفسورة زائرة في الجامعة الكاثوليكيّة في ليل – فرنسا. حائزة شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا. رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التّميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتّنمية الاقتصاديّة «AXISSED». أستاذة في الهيئة اليسوعيّة العالميّة للتّعليم «JWL». عضوة ناشطة في العديد من الهيئات البحثيّة العلميّة «AIS, LEFMI,CERNAS-Polytech»، وعضوة مؤسِّسة في المنظّمة البيئيّة «Green Community».

www.profnadamb.com

مشروع « الأخوّة الإنسانيّ » يوتوبيا لمسيحيّي الشّرق أم ديستوبيا؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

علامَ يعوّل مسيحيّو الشّرق في مسألة بقائهم؟ وهل من ضمانات تساعدهم على الاستمرار بالرّغم من الأزمة العصيبة والتّحدّيات الكثيرة الّتي يواجهونها؟

يمكن أن يبقى المسيحيّون منغلقين على أنفسهم، غير مبالين بما يحدث حولهم من تغيرُّات جوهريّة في بنية المجتمع المحلّيّ والعالميّ. ويمكنهم انتظار الخلاص من خلال “معجزة” تأتيهم من الخارج، من علُ. وريثما يأتي الحدث الخارق، يعيشون غرباء عن واقعهم بألمٍ وحسرة، أو في اشتياقٍ إلى ماضٍ كانوا فيه روّادًا وصنّاع حضارة. ولكنّهم، بين الحنين إلى ماضٍ ولّى وترقّب زمنٍ “مسيحانيّ” يحرّرهم من واقعهم التّعِس، يفقدون فرصة المساهمة الفاعلة في الوقت الحاضر.

ويمكنهم، بالمقابل، عدم نسيان الماضي، الّذي سطّر المسيحيّون فيه صفحاتٍ بِيضًا في تاريخ أوطانهم، وانتظار مستقبلٍ آخر يبدأ صنعه منذ الآن، هم فيه مشاركون مؤثّرون وروّادٌ حقيقيّون. فالرّجاء الّذي فيهم (1 بط 3: 15) يجعلهم قادرين على القيام بذلك. فيغدون، إذّاك، مساهمين في صناعة الحضارة من خلال نشر ثقافة “الأخوّة الإنسانيّة”. بهذا يعيدون اكتشاف عمق معنى وجودهم الّذي ليس وليد المصادفة، بل هو تدبيرٌ إلهيّ (را. يو 15: 16: لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتُكم وأقمتُكم لتثمروا ويزداد ثمَرُكم) ودعوة متأصّلة في كونهم مسيحيّين، أي ملح هذا العالم ونوره وخميرته (را. متى 5: 13-14؛ 13: 33).

لن نتناول في هذا المقال إشكاليّة أزمة مسيحيّي الشّرق الوجوديّة، ولن نتناول بالتّحليل المفصّل التّحدّيات الحقيقيّة الّتي  يواجهونها، فهناك العديد من الأبحاث والمقالات والمؤتمرات الّتي أَكبَّت على توصيف كلّ ذلك. سوف نتناول إمكانيّة رهان المسيحيّين على مشروع “الأخوّة الإنسانيّة” انطلاقًا من إيمانهم. هل هو رهانٌ ممكن (يوتوبيا)، أم يستحيل تحقيقه (ديستوبيا)؟

كلمات مفتاحيّة: يوتوبيا، ديستوبيا، إيديولوجيا، الأخوّة الإنسانيّة، هندسة السّلام

Le projet de la « fraternité humaine » est-il une utopie pour les chrétiens d’Orient ou une dystopie?

P. Firas Loutfi

Sur quelles raisons les chrétiens du Moyen-Orient fondent-ils leur présence? Quelles sont les raisons qui les font persévérer malgré les nombreuses crises et défis qui existent?

Les chrétiens peuvent se replier sur eux-mêmes, sans s’intéresser aux changements fondamentaux qui affectent la société régionale et internationale. Ils peuvent attendre le salut d’un “miracle” qui vient de là-haut. Et, en attendant cet événement extraordinaire, ils vivent des intentions hors de leur contexte, entre nostalgie d’un passé glorieux et avenir «messianique».

D’un autre côté, ils peuvent chérir le passé et, en attendant l’avenir, ils peuvent aider à le construire dès maintenant. Ils possèdent déjà «l’Espérance» (1 Pt 3,15). Ce n’est qu’ainsi qu’ils deviennent des bâtisseurs de civilisation et répandent la «fraternité humaine». On redécouvre ainsi le sens profond de leur présence en Orient, non par coïncidence mais par Providence divine (Jn 15, 16: «Ce n’est pas vous qui m’avez choisi, mais moi, je vous ai choisis, et je vous ai établis ainsi afin que vous portiez du fruit et que votre fruit demeure»). Être chrétien est une véritable vocation, c’est-à-dire être lumière, sel et levain (cf. Mt 5, 13-14; 13,33).

Cet article n’examine pas les multiples crises liées à la présence chrétienne au Moyen-Orient, il analyse les multiples crises auxquelles elles doivent faire face. Mais, discutons ici éventuellement du pari des Chrétiens sur le projet de la «fraternité humaine», à partir de leur foi. Ce pari est-il possible (utopie), ou impossible à réaliser (dystopie)?

Mots clés: Utopie, dystopie, fraternité humaine, idéologie, consolidation de la paix.

الأب فراس  لطفي الفرنسيسكانيّ:

مُجاز في الفلسفة واللّاهوت من الجامعة الحبريّة الأنطونيّة بروما. حائز شهادة ماجستير في اللّاهوت الكتابيّ من الجامعة الغريغوريّة بروما، ويحضّر أطروحة دكتوراه في جامعة القدّيس يوسف ببيروت. يشغل حاليًّا منصب رئاسة الآباء الفرنسيسكان في دمشق، وهو كاهن رعيّة “اهتداء القدّيس بولس” – باب توما. له العديد من التّرجمات الصّادرة عن دار المشرق.

[email protected]

 

سيرة العاشقَين إساف ونائلة في مكّة قبل الإسلام بين المصادر العربيّة ومعتقدات الشّعوب القديمة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لم تصل إلينا أخبار آلهة العرب قبل الإسلام من مصادرها المباشرة، بل وصلت إلينا من خلال مصادر عربيّة - إسلاميّة أسقطت عليها مفاهيمها الدّينيّة، فعزلت الرّوايات الأصليّة عن محيطها الفكريّ والثّقافيّ. من هذه الآلهة نتناول سيرة عاشقَين هما إساف ونائلة اللّذان تركا اليمن، وقصدا مكّة للحجّ في كعبتها، ولكنّهما ما إن اختليا لفترة في أرجائها حتّى مارسا الجنس. ونظرًا “لتدنيسهما” المكان المقدّس، مُسخا حجرَين ليصبحا عبرة لغيرهما. ولتكتمل العناصر الأسطوريّة في سيرتهما، تورد المصادر العربيّة أنّهما تحوّلا، على الرَّغم من العقوبة، إلى إلهين سادت عبادتهما في مدينة مكّة قبل الإسلام، وبات صنماهما محجًّا يتبرّك منهما المؤمنون، ويتلون الصّلوات ويقدّمون الطّلبات لنيل بركاتهما.

إنّ تحليل المصادر العربيّة بعمق يقودنا إلى فهم جديد للفكر الدّينيّ الّذي ساد الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ويحتّم على الباحثين أن يدرسوا الرّوايات المرتبطة بالآلهة كمؤشّر على نسج العرب قبل الإسلام روايات وأساطير دينيّة. ومن هنا تدور إشكاليّة دراستنا في أصل تلك الرّوايات، ومدى ارتباط سيرة إساف ونائلة بالترّاث الدّينيّ العربيّ القديم، وبخصائص آلهة الخصب في بلاد الكنعانيّين والآراميّين وغيرهم، وبآلهة العشق في بعض نصوص الميثولوجيا الإغريقيّة.

تنطلق دراستنا من عرض تاريخيّ لأبرز ما ورد في المصادر العربيّة الّتي تناولت سيرة إساف ونائلة، ندرس النّصوص ونحلّلها ونبحث عن مصادرها، ونقارنها بعضها ببعض، مركّزين على التّمايز بين مضامينها. وبعد سَوق الاستنتاجات العلميّة بشأن ما ورد فيها، نبحث عن جذور الأسطورة في نقوش جنوب الجزيرة العربيّة، وفي بقايا أساطير الشّعوب القديمة، وسيَر آلهة العشق والخصوبة.

كلمات مفتاحيّة: إساف ونائلة، الأصنام، الكعبة، المصادر العربيّة، الأساطير القديمة.

La biographie des deux amants Isaf et Na’ila à La Mecque avant l’Islam.
Étude comparative entre les sources arabes et les croyances des peuples anciens

Dr. Marwan Abi Fadel

Les informations sur les dieux arabes préislamiques ne nous sont pas parvenues de leurs sources directes, mais plutôt à travers des sources arabo-islamiques qui ont isolé ainsi les récits originaux de leur environnement intellectuel et culturel. À partir de ces divinités, nous discutons de la biographie de deux amants, Isaf et Na’ila, qui ont quitté le Yémen, selon le mythologie, et se sont rendus à La Mecque pour le pèlerinage à sa Ka‘ba, mais dès qu’ils ont été seuls dans ses bâtiments pendant un certain temps, ils ont commis l’adultère dans le sanctuaire. Et en raison de leur «profanation» du lieu saint, ils se sont punis et transformés en deux pierres pour servir d’exemple aux autres. Par contre, pour compléter les éléments mythologiques de leur biographie, les sources arabes mentionnent qu’ils se sont élevés au rang des divinités vénérées à La Mecque avant l’Islam, et leurs idoles sont devenues un lieu de pèlerinage dont les croyants recherchaient les bénédictions.

L’analyse approfondie des sources arabes nous amène à une nouvelle compréhension de la pensée religieuse dans la péninsule arabique avant l’Islam. Et elle suscite les chercheurs à relire les récits associés aux divinités. C’est ainsi que notre étude porte sur l’origine de ces récits, et le lien de la biographie d’Isaf et de Na’ila à l’ancien héritage religieux arabe, cananéen, araméen, grecque et autres.

Notre étude part d’une présentation historique des sources arabes qui traitent de la biographie d’Isaf et de Na’ila, en suivant une étude comparative entre ces sources, afin de rechercher les racines de la légende dans les inscriptions du sud de l’Arabie, dans les vestiges des mythes des peuples anciens, et dans les biographies des dieux de l’amour et de la fertilité.

Mots clés: Isaf et Na’ila, les idoles, al-Ka‘ba, les sources arabes, les mythes antiques.

الدّكتور مروان أبي فاضل :

مدير سابق لكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللّبنانيّة، الفرع الثّاني، الفنار. أستاذ التّاريخ القديم في الكلّيّة، وفي عمادة كلّيّة الآداب.

       حائز شهادة دكتوراه في التّاريخ القديم من جامعة الرّوح القدس في العام 2007 عن أطروحة بعنوان : “الحضارة الكنعانيّة الفينيقيّة من خلال المصادر العربيّة.” من مؤلّفاته، كتب مدرسيّة في التّاريخ والجغرافيا للمراحل كافّة، بالإضافة إلى كتب ومقالات أكاديميّة متعدّدة في التّاريخ القديم وتعليم التّاريخ، نشرت في لبنان والخارج

[email protected]

الحرب العالميّة الثّانية وانعكاساتها على سكّان منطقة مرجعيون (3)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كان لموقع منطقة مرجعيون الاستراتيجيّ أهميّته الخاصّة في مرحلة الحرب العالميّة الثّانية، إذ إنّها قريبة من الحدود الفلسطينيّة كما السّوريّة، ممّا أثّر في مسار المعارك ونتائجها آنذاك. وقبيل اندلاع الأعمال الحربيّة في منطقة مرجعيون بين الفيشيّين والحلفاء، عاشت تلك المنطقة ضائقة اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة، بسبب الحصار البحريّ المفروض من الحلفاء.

دارت معارك عنيفة، واستمرّت من 8 حزيران حتّى 10 تمّوز 1941. وقد شبّهت بأخطر المعارك الّتي وقعت في أوروبّا وشمال أفريقية. لقد دفع سكّان منطقة مرجعيون أثمانًا باهظة نتيجة تلك المعارك، فيما أدّى احتراق المحاصيل الزّراعيّة إلى التّهديد بخطر المجاعة.

ومع محاولة المرجعيونيّين، محليًّا واغترابيًّا، استيعاب نتائج تلك المعارك الكارثيّة، بالتّساعد أو باللّجوء إلى الدّولة اللّبنانيّة والمسؤولين الفرنسيّين، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا على المنكوبين، فيما سعت القوّات الإنكليزيّة إلى تدبير بعض الأعمال المدفوعة للسّكّان المنكوبين، كحفر الخنادق الّتي ما تزال بعض آثارها باقية في منطقة مرجعيون.

كلمات مفتاحيّة: مرجعيون، القلم الصّريح، قوّات فيشي، المجاعة، الجنرال كاترو، المغتربون، الخنادق، الحرب العالميّة الثّانية.

La Seconde Guerre mondiale et ses répercussions sur les habitants de la région de Marjeyoun (3)

Dr. Juliette Al-Rassi

L’emplacement stratégique de la Région de Marjeyoun était d’une importance particulière pendant la Seconde Guerre mondiale, étant proche des frontières palestinienne et syrienne. Par conséquent, cela affecta le cours et les résultats des batailles qui ont eu lieu à cette époque dans cette région. Cependant, avant le déclenchement des hostilités entre les Vichystes et les Alliés, la région a connu une grande crise économique et sociale, en raison du blocus naval imposé par les Alliés.

En effet, de violents combats ont eu lieu dans la région, et ont duré du 8 juin au 10 juillet 1941. Ces combats ont été comparés aux combats les plus dangereux et violents qui ont eu lieu en Europe et en Afrique du Nord, et les habitants de la Région de Marjeyoun en payèrent un lourd tribut. Des récoltes agricoles ont été brûlées et détruites, et la population a été exposée à la menace de la famine. Les originaires de Marjeyoun, tant sur place qu’à l’étranger, ont tenté de combler les résultats catastrophiques de ces combats, en s’entraidant, et en recourant à l’Etat libanais, et aux responsables français dans notre pays, pour réclamer la réparation des dommages. Les forces britanniques, de leur côté, ont également cherché à aider la population affligée en organisant une partie du travail qui leur était payé, comme le creusement de ces tranchées, dont certains vestiges subsistent encore dans la Région de Marjeyoun.

Mots clés: Marjeyoun, Al-Kalam al-Sarih, les Vichystes, la famine, le Général Catroux, les émigrés de Marjeyoun, des tranchées, a Deuxième Guerre Mondiale.

: الدّكتورة جوليات الرّاسي

أستاذة في الجامعة اللّبنانيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. خرّيجة جامعة السّوربون (باريس الرّابعة)، متخصّصة في التّاريخ العربيّ الوسيط وتحقيق المخطوطات. من مؤلّفاتها ثلاثة كتب منشورة، وعشرات الأبحاث باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة.

[email protected]

التّطوّر الدّلاليّ لصورة « العذراء الملاذ » في ديوان المطران جرمانوس فرحات

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ اللّغة، بألفاظها وتراكيبها، متحرّرة ولا تخضع للجمود. وكلّ تشكيل جديد يولّد معنى جديدًا، كما أنّ المعاني الـمُرادة تفرض تشكيلات جديدة على المستوى اللّغويّ. ويعدّ ديوان المطران جرمانوس فرحات رائعةً من روائع المصنّفات الشّعريّة في الأدب العربيّ. واللّافت أنّه تكاد لا تخلو قصيدة من قصائده إلّا وكتب في ختامها بعض الأبيات عن العذراء مريم؛ لذلك، وبمنهج استقرائيّ وصفيّ لهذه الأبيات الشّعريّة، أظهرت هذه الدّراسة التّطوّر الدّلاليّ فيما يختصّ بصورة «العذراء الملاذ»، مع ما يرتبط بها من الألفاظ الآتية: الملجأ، الحصن، والحِمى، على مستوى السّمات، والصّورة الشّعريّة. وإنّ هذه الألفاظ تحمل في ذاتها وسماتها دلالات متنوّعة تطوّرت بشكل لافت، وتماهت مع صورة العذراء مريم، كأمّ اﷲ وأمّ أبناء اﷲ، فلا يشعر القارئ بفارق، عند ذِكر هذه الألفاظ، بينها وبين السّيّدة العذراء، فقد لبست شخصيّة العذراء ودورها الأموميّ في حياة الإنسان.

كلمات مفتاحيّة: ديوان المطران جرمانوس فرحات، التّطوّر الدّلاليّ، العذراء، الملاذ، الملجأ، الحصن، الحِمى، السّمات الدّلاليّة، الصّور الشعريّة، النّعت المختصّ.

Le développement sémantique de l’image «La Vierge sanctuaire» dans la collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat

Dr. Daniel Chedid

Le langage, avec ses énoncés et ses structures, est libérateur et non soumis à la stagnation. Chaque nouvelle formation engendre un nouveau sens, de même, les significations correspondantes imposent de nouvelles formations au niveau linguistique. La collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat est considérée comme un chef-d’œuvre fabuleux de la littérature arabe. Il est à noter que presque tous ses poèmes contiennent des vers concernant la Vierge Marie. Ainsi, par une approche inductive et descriptive de ces vers poétiques, cette étude a donc démontré une évolution sémantique de l’image de la «Vierge sanctuaire», avec les mots suivants qui lui sont associés: refuge, forteresse, et protection, au niveau des traits et l’image poétique. Ces expressions, qui sont elles-mêmes marquées par des connotations très différentes se sont fortement développées et correspondent à l’image de la Vierge Marie, comme mère de Dieu ou mère des enfants de Dieu. Donc, le lecteur ne ressent aucune différence entre ces termes qui ont mis en valeur le caractère et le rôle maternel de la Vierge dans la vie humaine, et la Vierge.

Mots clés: La collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat, développement sémantique, la Vierge, le sanctuaire, le refuge, la forteresse, la protection, les traits sémantiques, les images poétiques, l’épithète spécifique.

الخوري  الدّكتور دانيال شديد :

حائز شهادة الدّكتوراه في اللّغة العربية وآدابها، وشهادة الماجستير في الإدارة المدرسيّة من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. ناظر في ثانويّة مار أنطونيوس للرّاهبات الأنطونيّات – الخالديّة، زغرتا. من مؤلّفاته: صورة يسوع المسيح والعذراء مريم في ديوان المطران جرمانوس فرحات. ودراسة عن تأثير تنشيط الاستراحات المدرسيّة في تطوير قدرة التّأقلم مع الحياة المدرسيّة.

           [email protected]

أَساسُ البَلاغَةِ للزَّمَخْشَريِّ مُعْجَمٌ مُتَفَرِّدٌ مِنْ حَيْثُ المَنْهَجُ وَالمَضْمونُ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة
شاعَ عِندَ العُلَماءِ أنَّ “أساسَ البَلاغَةِ” للزَّمخشَريِّ مُعجَمٌ لُغويٌّ، تميَّزَ عَنْ غيره مِنَ المَعاجِمِ، بِالتَّفريقِ بينَ الحَقيقَةِ وَالمَجازِ في الاستِعمالاتِ اللَّفظيَّةِ. وفي هذا البحثِ، سيظهرُ أنَّ “الأساسَ”، وإنْ كانَ يشبهُ مَعاجِمَ الألفاظِ في طَريقةِ العرضِ وَالتَّرتيبِ، لكنَّهُ لا يشبهها في الـمَنهَجِ والغرَضِ. ولذلكَ، لا يمكنُ اعتِبارُهُ مِنْ مَعاجِمِ الألفاظِ، وإنَّما هوَ مُعجَمٌ لُغويٌّ، حَوى الاستِعمالاتِ الفَصيحةَ، ذاتَ الـمَزايا الفنِّيـَّةِ وَالجَماليَّةِ، وغرَضُهُ تَزويدُ القارئ بِالعِباراتِ البَلاغيَّةِ، ليختزنَها في ذهنِهِ، ويستعمِلَها في كَلامِه وَكِتاباتِهِ؛ فغرَضُهُ، إذن، تَحسينُ الأساليبِ وَالارتِقاءُ بِها، وليس جمعَ الألفاظِ وتَفسيرَها.

كلمات مفتاحيّة: أساسُ البلاغة، الزَّمَخشريّ، المُعْجَم، المَنْهَج، المَضْمون، السِّياق، التَّفْسِير، الاسْتِشْهَاد.

Le fondement de l’éloquence d’Al-Zamakhshari, dictionnaire unique en termes de méthode et de contenu

Dr. Mostafa Al-Darwish

Il était courant parmi les érudits que «Le fondement de l’éloquence» d’Al-Zamakhshari était un dictionnaire linguistique, se distinguant des autres dictionnaires, en différenciant la vérité et les métaphores. Dans cette recherche, il sera montré que «Le fondement», bien qu’il soit similaire aux dictionnaires de mots dans la manière de présentation et d’arrangement, il ne leur est pas similaire dans le programme d’études et dans le but. Par conséquent, il ne peut pas être considéré comme l’un des dictionnaires de mots, mais c’est plutôt un dictionnaire linguistique, contenant les usages éloquents, avec des avantages artistiques et esthétiques. Et son but est de fournir au lecteur des phrases rhétoriques, pour les mémoriser dans son esprit, et les utiliser dans son discours et son écriture; Son objectif est donc d’améliorer et d’élever les méthodes, pas de collecter et d’expliquer les mots.

Mots clés: Le fondement de l’éloquence, dictionnaire, programme d’études, contenu, le contexte, explication, al-Zamakhshari, martyre..

الدّكتور مصطفى محمّد الدّرويش:

دكتور وباحث لغويّ سوريّ، مُتخصّص في علوم اللُّغة العربيَّة وآدابها، حائز شهادة الدّكتوراه من جامعة القدّيس يُوسف. من مؤلّفاته : “المُعجم اللُّغويّ العربيّ المُعاصِر بين التَّقليد والتَّجديد (المُعجم الوسيط – المُعجم العربيّ الأساسيّ – المُنجد في اللُّغة العربيَّة المعاصِرة)”-أُطروحة دكتوراه، و”المُصطلح النَّحويّ بين النَّحو والدّلالة (المرفوعات والمنصوبات نموذجًا) “-رسالة ماجستير، و”المقاصد الدّلاليَّة والأسلوبيَّة لِوضع الاسم الظّاهر مَوضع الضَّمير في القرآن الكريم”- مقال مَنشور في مجلّة المَشرق (السّنة 96، ج.1، ك.2 – حزيران ٢٠٢٢).

[email protected]

 

البدل وعطف البيان: اثنان أم واحد؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ترى الباحثة أنّ تفريق النّحاة بين بدل الكلّ من الكلّ وعطف البيان هو تفريقٌ مصطنع قائم على نظريّة العامل، وأساسه أنّ البدل على نيّة تكرار العامل في المبدل منه.

وعليه، ترى الباحثة أنّ كلّ ما يعرب عطفَ بيان يصحّ إعرابه بدل كلّ من كلّ، وللبرهنة على صحّة رأيها تناولت: البدل تعريفًا، وفائدةً، وأنواعًا، وحكمًا، والعامل فيه، وأوجه الاختلاف بينه وبين النّعت، ثمّ تناولت من جهة أخرى عطف البيان تعريفًا، وتسميةً، وحكمًا، وأوجه الاختلاف بين عطف البيان والنّعت. لتنتهي بتبيان ما يقوله النّحاة من فروق بين عطف البيان وبدل الكلّ من الكلّ لتفنيدها.

كلمات مفتاحيّة: البدل – عطف النّسق – الاختلاف – التّشابه – العامل الإعراب – النّحو – التّسمية – الحكم.

L’apposition explicative et la conjonction: sont-elles identiques ou différentes ?

Par Dr. Eva Amiouny

La chercheuse trouve que la distinction que les grammairiens ont faite entre l’apposition explicative et la conjonction est une distinction factice basée sur la théorie du facteur agissant. Il est convenu selon lui que dans l’apposition le facteur agissant se répète dans le mot remplacé.

La chercheuse avait fixé un objectif dans sa recherche qui est le suivant: tout ce qui est analysé comme Atif El Bayan peut être considéré comme apposition.

Pour aboutir à son objectif, la chercheuse a avancé d’une part dans son étude: la définition de l’apposition, sa fonction, ses genres, ses règles, le facteur qui la définit et les différences entre l’apposition et l’adjectif qualificatif.

D’autre part, elle a défini Atif Al Bayan, son appellation, ses règles et les différences entre Atif Al Bayan et l’adjectif qualificatif.

Elle finit son étude par démontrer ce que les grammairiens ont affirmé comme traits distinctifs entre l’apposition et la conjonction afin de les analyser d’une manière approfondie.

Mots clés: Apposition, différence, similarité, facteur agissant, analyse grammaticale, syntaxe, appellation, règle.

الدّكتورة إيفا  سامي أميوني :

أستاذة في التّعليم الثّانويّ في مدرسة مار مارون طرابلس منذ العام 2004، وحاليًّا تقيم في دبي. حائزة شهادة الدّكتوراه في النّحو من جامعة القدّيس يوسف في العام 2021-2022، عن أطروحة بعنوان “الإضمار النّحويّ وأثره في صعوبة النّحو العربيّ.”

[email protected]

 

السّلطة التّعليميّة في خدمة ضمير المؤمن وأمانة شعب ﷲ. التّنظيم الكنسيّ للحياة الأخلاقيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يورد الفصل السّادس عشر من إنجيل متّى قول يسوع لبطرس: “ما تَربُطُهُ في الأرض يُربَطُ في السّموات وما تَحُلُّهُ في الأرض يُحَلُّ في السّموات” (متى 16، 19). وفي الفصل الثّامن عشر يوجّه يسوع القول نفسه بصيغة الجمع للتّلاميذ مجتمعين (متى 18، 18). إذا ما اعتبرنا أنّ مسألة الرّبط والحلّ تتعلّق بالحكم على الخيارات والأفعال الّتي تشكّل المسارات المتنوّعة في حياة المعمّد في قلب الكنيسة، وإذا ما افترضنا أنّ كلّ حكم يتطلّب عمليّة إدراك صائب وتمييز مسؤول، لا بدّ من البحث في دور كلّ من المؤمن والسّلطة التّعليميّة في تلقّف إلهامات الرّوح القدس، روح الحقّ، في الكنيسة حتّى يبلغ الجميع “ملء قامة المسيح” (أف 4، 13).

يتناول هذا المقال بعض الأسس اللّاهوتيّة والأطر القانونيّة والمبادئ الأخلاقيّة الكامنة في التّكامل الفعّال بين تعليم السّلطة الكنسيّة ومسؤوليّة الضّمير الشّخصيّ في عمليّة التّمييز في حياة المؤمنين. يتألّف المقال من ثلاثة أقسام: الرّوح القدس وحسّ الإيمان، التّنظيم الكنسيّ للإيمان والأعمال، التّمييز الأخلاقيّ المسؤول ومبادئ عامّة  لتنوير الضّمير.

كلمات مفتاحيّة: رسالة الكنيسة، التّمييز الأخلاقيّ، الرّوح القدس، السّلطة التّعليميّة، حسّ الإيمان، تنوير الضّمير، الحقيقة والحرّيّة.

Le Magistère de l’Eglise au service de la conscience morale du croyant  et de la fidélité du Peuple de Dieu. La régulation ecclésiale des mœurs

P. Edgard El Haiby

Le seizième chapitre de l’Évangile de Matthieu cite Jésus disant à Pierre: «Quoi que tu lies sur la terre, ce sera tenu dans les cieux pour lié, et quoi que tu délies sur la terre, ce sera tenu dans les cieux pour délié» (Matthieu 16, 19). Et au dix-huitième chapitre, Jésus adresse la même parole, au pluriel, aux disciples réunis (Matthieu 18, 18). Si l’on considère que le fait de retenir une faute (un péché) ou d’en accorder la dissolution est tributaire du jugement mené par rapport aux choix et aux actions constituant les différents chemins de la vie du baptisé au cœur de l’Église, et si l’on suppose que chaque jugement requiert un processus de prise de conscience convenable et un discernement responsable de la part du sujet, nous sommes invités à nous interroger sur le rôle aussi bien du croyant que de celui du Magistère ecclésial dans la réception des inspirations de l’Esprit-Saint, Esprit de Vérité, au sein de l’Eglise pour que chacun puisse atteindre la «plénitude du Christ» (Ep. 4, 13).

Cet article traite de quelques fondements théologiques, cadres juridiques et principes éthiques qui sous-tendent l’intégration effective de l’enseignement du Magistère et de la responsabilité de la conscience personnelle dans le processus de discernement dans la vie des croyants. L’essai se compose de trois sections: le Saint-Esprit et le sens de la foi (sensus fidei), la régulation ecclésiale de la foi et des mœurs, le discernement éthique responsable et les principes généraux pour éclairer la conscience.

Mots clés: Mission de l’Église, discernement éthique, Esprit-Saint, Magistère vivant, Sens de la foi, Illumination de la conscience morale, Vérité et liberté.

الأب الدّكتور إدغار الهيبي :

بروفسور في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. حائز شهادة دكتوراه في اللّاهوت الأخلاقيّ وأخلاقيّات علوم الحياة من الجامعة الكاثوليكيّة في باريس. وهو عضو في جمعيّة اللّاهوتيّين الفرنكوفونيّة العالميّة لدراسة الشّؤون الأخلاقيّة. أمين عامّ اللّجنة الأسقفيّة لرعويّة الخدمات الصّحيّة في لبنان في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان. مؤسّس ورئيس جمعيّة “جنين” لمرافقة الإنجاب المتعثّر.

[email protected].lb

 

« دراسة ديموغرافيّة لرعيّة حريقص بين العامَين 1918 -1900 » من خلال دفتر الخمس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تسلّط هذه الدّراسة الضّوء، من خلال “الدّيموغرافيا التّاريخيّة”، على مرحلة مفصليّة من تاريخ قرية حريقص، الواقعة ضمن قضاء زغرتا في محافظة لبنان الشّماليّ، والتّابعة كنسيًّا لأبرشيّة طرابلس المارونيّة، والّتي تشكّل نموذجًا حيًّا لمثيلاتها من القرى على الصّعيد الاجتماعيّ، ببعدَيه الدّينيّ والأُسَريّ، ولا سيّما أنّ المرحلة المبحوث فيها 1900-1918 شهدت تداعيات الحرب العالميّة الأولى، وقد حدّت من نموّها السّكّانيّ، نتيجة كثرة الوفَيات، بين أهاليها صغارًا وكبارًا، رغم أنّ الوفَيات لم تكن نتيجة المجاعة الكبرى بحكم موقعها في جبل تربل وقربها من سهل عكّار ومدينة طرابلس، بل على الأغلب نتيجة انتشار الأمراض المعدية الّتي تفشّت بشكل كبير بين أبنائها. كما أنّها بيّنت أيضًا مدى انغلاق هذه المجتمعات بعضها على بعض، حيث إنّ النّسبة الأكبر من الزّيجات حصلت بين أبناء الرّعيّة فحسب. وأكّدت أيضًا مدى التزام أبناء الرّعيّة بقوانين الكنيسة المارونيّة والتّقيّد بها. بالإضافة إلى تأثير هذه القوانين في حياتهم الاجتماعيّة، إن كان في تحديد تاريخ الزّيجات أو العمادات، ومدى تعلّق أهل الرّعيّة بالسّيّدة مريم العذراء شفيعة الرّعيّة، حيث شكّل اسمها النّسبة الأكبر من أسماء الإناث فيها. كذلك أشارت إلى علاقة رعيّة حريقص بالقرى المجاورة لها، إن كان ضمن متصرّفيّة جبل لبنان أو بالقرى الواقعة ضمن ولاية بيروت، وبخاصّة طرابلس وعكّار. وأبرزت أيضًا جانبًا من العادات والتّقاليد المتعلّقة بالزّواج وخروج العروس من بيت أبيها، وأيضًا الأشهُر الّتي شكّلت موسم الأعراس في هذه الرّعيّة، وبخاصّة أنّ معظم سكّانها من الفلّاحين، وقد تأثّرت بشكل كبير بموسم الحصاد. وأعطت مثالًا واضحًا عن التّعايش الإسلاميّ المسيحيّ في المنطقة في تلك المرحلة.

كلمات مفتاحيّة: رعيّة حريقص – دفتر الخمس – ديموغرافيا.

Etude démographique basée sur le registre paroissial de Hrayquess (Années 1900-1918)

Majdeline Saad el Ters

Cette étude vient mettre en lumière, à partir de la «démographie historique», une période primordiale de l’Histoire du village de Hrayquess situé dans la Caza de Zgharta au Liban Nord, et rattaché à l’évêché maronite de Tripoli. En effet, Hrayquess représente un exemple vivant des autres villages au niveau socioreligieux aussi bien que socio-familial, d’autant plus que la période étudiée s’étalant de 1900 à 1918 avait subi les conséquences de la Première Guerre mondiale qui affecta sa démographie suite à la mortalité élevée de sa population jeune aussi bien qu’âgée. A noter que cette mortalité élevée n’eut pas lieu suite à la Première Guerre mondiale, le village se situant dans la montagne de Terbul, à proximité de la plaine du Akkar et de la ville de Tripoli ; mais ce fut plutôt l’effet des épidémies qui se répandirent énormément parmi les habitants.

D’autre part, cette étude souligne la vie renfermée de ces sociétés où les mariages s’accomplissaient uniquement entre les habitants de la même paroisse; elle met aussi en relief l’engagement total des paroissiens et leur obéissance absolue aux lois ecclésiastiques maronites qui réglaient leur vie sociale au niveau des mariages et des baptêmes; elle révèle encore l’attachement des croyants à la Sainte Vierge patronne de la paroisse, qui donna son nom à la majorité des villageoises.

En outre, cette étude met en valeur la relation de Hrayquess avec les villages voisins situés dans la Moutassarrifia du Mont Liban ou dans la Wilaya de Beyrouth, en particulier Tripoli et Akkar. Nous y verrons même certaines coutumes de l’époque, concernant le mariage, le départ de la mariée de sa maison paternelle et les principaux mois où se déroulaient ces cérémonies dans cette paroisse, d’autant plus que la majorité de ses habitants étaient de simples paysans dont les us et coutumes étaient réglés au rythme des saisons, précisément celle des moissons. Sans oublier que Hrayquess fut à cette époque-là un modèle de la convivialité entre les Musulmans et les Chrétiens de la région.

Mots clés: La paroisse de Hrayquess, le registre paroissial ou de catholicité, la démographie.

مجدولين سعد الترس :

طالبة دكتوراه في كلّيّة الآداب والفنون، قسم التّاريخ في جامعة الرّوح القدس – الكسليك. عنوان الأطروحة:” البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة لزغرتا – إهدن بين عامَي 1900-1918 (دراسة موثّقة)”. وحائزة شهادة الماستر من الجامعة اللّبنانيّة عن رسالة بعنوان: ” تاريخ جبيل السّياحيّ بين عامَي 1998-2017″.

[email protected]

Perspectives libanaises Les historiens écrivent l’Histoire et les hommes politiques s’en servent

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Louis Honeiné

Perspectives Libanaises
Janvier 2017 – Octobre 2019

412 p. 1ère édition.Beyrouth : Dar el-Machreq, 2022
(ISBN: 978-2-7214-7113-0)

يتألّف الكتاب من مجموعة مقالات نشرها المؤلّف الدّكتور لويس حنينه على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ومن ثمّ أعاد طباعتها لأنّه ينتمي، بحسب تعبيره، إلى جيلٍ كان يكتب بالرّيشة والحبر والقلم والقلب والعاطفة. أمّا موضوعات الكتاب فهي متشعّبة، لا تتبع أيّة مقاربة منهجيّة، إذ تناولت الأحداث الّتي جَرَت في لبنان بين شهرَي كانون الثّاني 2017 وتشرين الأوّل من العام 2019. لذلك جاءت الموضوعات متناثرة ومتنوّعة، ولا رابط بينها سوى ما عَصفَ بلبنان في تلك الفترة.

في المقابل، يشكّل الكتاب نوعًا من الشّهادة الشّخصيّة لتاريخ لبنان، في فترة سجّلت أحداثًا خطيرة كادت أن تودي بالوطن، بقلم باحثٍ ومواطن يعشق وطنه، متناولًا أحداثًا اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة جرت في لبنان، أو أثّرت في علاقة لبنان بالدّول المجاورة، من دون إغفال بعض الأحداث الدّوليّة، بأسلوب سرديّ ونقدي في آنٍ واحد.

تطرّقت أولى المقالات إلى موضوع المدارس الكاثوليكيّة في لبنان الّتي تتخبّط في أزمات ماليّة واجتماعيّة وتربويّة تهدّد مستقبل لبنان التّربويّ، لما لهذه المدارس من دورٍ رائد في جعل لبنان منارةً للشّرق والعالم، فالأزمة الاقتصاديّة خانقة والأقساط المدرسيّة تُرهق كاهل الأهالي – وقد حدّت من تطوّر العائلات الدّيموغرافيّ – والحلول غائبة، فوقفَ الكاتب بحسرة أمام هذا الوضع المُزري، ولكن من دون أن يُقدِّم أيّة حلول عمليّة للتّوفيق بين واقع الأهل الاجتماعيّ وضرورة المحافظة على مستوى المدارس الكاثوليكيّة التّربويّ، لأنّ التّعليم العالي الجودة مُكلِف. وفي الواقع، فإنّ الكاتب غالبًا ما يوصّف الأحداث بدقّة، ولكنّه لا يقترح الحلول النّاجعة، ولكنّ ذلك لا يقلّل من حماسته ورغبته في خدمة بلاده.

أمّا بخصوص الجامعة اللّبنانيّة، الّتي هي بمثابة الجامعة الوطنيّة الحاضنة أكبر عدد من شريحة الطّلّاب الجامعيّين في لبنان، فانتقد الكاتب جنوحها نحو الفئويّة والمذهبيّة، مشدّدًا على دورها الوطنيّ المرتبط مباشرة بالميثاق الوطنيّ الّذي يؤمن به الكاتب بقوّة، ويعتبره مدماكًا أساسيًّا في الصّيغة اللّبنانيّة الفريدة، والّتي بدونها لا وطن ولا حريّة ولا مستقبل.

وتتوالى المقالات محاكيةً، في صفحات قليلة، التّطوّرات السّياسيّة المحليّة والإقليميّة والدّوليّة والتّاريخيّة، كالمجازر ضدّ الشّعب الأرمنيّ، والحروب الأميركيّة على العراق، والإرهاب على أنواعه، والرّبيع العربيّ.

يقف المؤلِّف، بحيرة الباحث، أمام هذه المآسي والجرائم، مفتّشًا عن الحقيقة والرّابط بين كلّ هذه الأحداث، والّذي يحول دون بناء عالَم يسوده السّلام والوئام والاستقرار، فيستنتج أنَّ رجال السّياسة يستعملون التّاريخ لمصالحهم الخاصّة، من دون خجل.

«Les historiens écrivent l’Histoire et les hommes politiques s’en servent».[1]

من جهةٍ أخرى، لا يخلو الكتاب من بعض المقالات الفكاهيّة الّتي تُرطّب الأجواء المتشنّجة، كقصّة الدّعوى القضائيّة الّتي تقدّمت بها إحدى العائلات الفرنسيّة ضدّ جيرانها، بسبب انزعاجها من صياح ديكها. وقد وردت القصّة على صفحات جريدة  «لوموند Le Monde» الرّصينة، تحت عنوان «ديك موريس Le Coq de Maurice». واللّافت أنّ المؤلِّف أضاف إليها تجربته الخاصّة في قريته، حيث كان الأهالي يتبارون في معرفة جنس طيور الدّجاج قبل ولادتها.

أمّا عن قرية المؤلِّف، بكاسين، فعنها سرد آخر. هي الرّابضة على تلّة في جنوب لبنان، أرض الأنبياء والرُّسل، متوّجةً بغابات من الصّنوبر والملّول والوزّال. مع الإشارة إلى أنّ الكاتب لا ينكفئ عن التّكلّم على حياته في القرية، منذ بداية الكتاب حتّى السّطر الأخير.

«Bkassine est mon village, et je suis fier que les Libanais l’aient choisi comme village modèle… Mon village est propre… Nous avons de jolies demeures… Vous êtes chez vous à réchauffer à un rayon de soleil automnal, très agréable…»[2]

ولكنّ هذا الحبّ الجارف والصّادق لا يلبث أن يتحوّل إلى مأساة وجوديّة تسبّبت بها الحرب اللّبنانيّة، فتغيّرت صورة القرية الجميلة، بعد أن تهجّر أهلها، وتشوّهت صورة المنطقة الّتي ترعرع فيها، فأضحى الكاتب غريبًا عمّا يجري من أحداث في وطنه، ممّا دفعه إلى طرح جديد لمسألة الهويّة والانتماء والإصلاح والثّقافة والمستقبل في ضوء الماضي والحاضر.

«Et la guerre est arrivée. Cette guerre est venue accélérer le processus de désertification démographique et social de Bkassine… Comment sauver nos villages?… La guerre n’a pas seulement rendu nos villages déserts, mais elle a surtout dévoyé notre classe politique».[3]

وإذ يتأسّف الكاتب على واقع الحال، حيث الفساد مُنتشِر، والطّبقة السّياسيّة لا تملك أيّة رؤيا لمعالجة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة الممعنة في التّدهور، يستشهد في مقالة تحمل عنوان «الوطن البائس والجمهوريّة الحزينة» بما قاله الشّاعر الكبير فيكتور هوغو عن الوزراء الّذين وصفهم بزجاج الشّبابيك بسبب قِصَر نظرهم[4]، وخضوعهم الكامل لزعمائهم، وكأنّهم صورة عنهم طبق الأصل.[5]

إنّ تطوّر الأوضاع المأساويّ في الوطن، وهو يهدّد الكيان والهويّة القوميّة والميثاق وكلّ الصّيغة اللّبنانيّة، دفع الكاتب إلى البحث عن صيغة جديدة، بعد أن صرّح مباشرة ومن دون تردّد بأنّ الميثاق الوطنيّ قد انتهى، مستشهدًا بقول الصّحافيّ جورج نقّاش: «إنَّ مضادَّين لا يصنعان وطنًا».[6]

إنّ معاناة الكاتب تجسّد خيبة أمل وتشاؤم جيلٍ كامل عاش وترعرع في لبنان، في فترة ما بين الاستقلال وبداية الحرب الّتي دمّرت الأحلام والهويّة والإبداع والأصالة والانتماء والانفتاح على الكون، لبنان فؤاد أفرام البستاني، وسعيد عقل، وسعيد تقي الدّين، والرّحابنة وغيرهم الكثيرين ممّن ارتقوا بلبنان كوطن للإنسان. أمّا نتيجة خيبة الأمل فغربة في الوطن، وقد انحدر إلى مصاف الدّول الفاشلة الّتي فقدت أبسط مُسلّمات وجودها وصدقيّتها، فترجّحت النّظرة إليه، بين حُبٍّ دفينٍ له وعدم إيمان بمستقبله، وقد دُفع شبابُه على طريق الهجرة، وانطفأت أنوار قناطر البيوت العريقة، وخسرت قرى الجبل الشّامخة، كقطعِ سماء على الأرض، فرسانَها الّذين عبروا المحيطات، وتشتّتوا في الكون الفسيح مثل أجدادهم الفينيقيّين.

إنّ كتاب الأديب والأستاذ الجامعيّ لويس حنينه «توقّعات لبنانيّة» يعبّر عن مأساة وطن فقدَ معظمُ أبنائه ثقتهم به، وهذه بداية الانحطاط.

 

[1]       Louis Honeiné; Perspectives Libanaises, janvier 2017 – octobre 2019 (Beyrouth:  Dar el-Machreq, 2022), 333.

[2]       Honeiné, 69., Ibid,

[3]       Honeiné; Ibid., 70.

[4]       «Les Ministres actuels sont des carreaux de vitres. On voit le président au travers»

[5]       Philippe Alexandre, Dictionnaire amoureux de la politique (Paris: Plon, 2011), 388. (cité par l’auteur, 283.)

[6]       Honeiné, Op.cit, 231.

 

الدّكتور جورج لبكي : رئيس مجلس إدارة المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز شهادة دكتوراه في القانون من السّوربون، وأخرى في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس XII. من مؤلّفاته باللّغة الفرنسيّة: أنثولوجيا. الأدب اللّبنانيّ باللّغة الفرنسيّة. ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

[email protected]

الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

بشّار وديع رحمة

الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية،
تاريخهم الحقيقيّ، حاضرهم، والأمل بتفعيل أدوارهم

136 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-7115-4)

منذ بداية القرن العشرين، انتقل التّحذير من خطر زوال المسيحيّين من الشّرق إلى مرحلة دقّ جرس الإنذار. فالحروب في فلسطين ولبنان والعراق وسورية، وتزايد مضايقات الأصوليّين في مصر، إضافةً إلى الأزمات الاقتصاديّة، وبطء التّزايد الدّيموغرافيّ بين المسيحيّين، وارتفاع الإقبال على الهجرة الدّائمة، عوامل لم تساهم في انخفاض نسبة السّكّان المسيحيّين وحسب، بل في «انهيار» أعدادهم في البلدان الّتي عاشوا فيها منذ نشأة المسيحيّة إلى اليوم.

إلى جانب ظاهرة الانحسار هذه، يُلاحَظ انسحاب المسيحيّين الباقين في هذه البلدان من العمل السّياسيّ، بل ولنقل من المواطنة، في أنظمةٍ تعلن أنّها علمانيّة تُشرك الجميع في العمليّة السّياسيّة، لكنّ هوّةً واسعة تفصل بين الإعلان والواقع، في ظلّ توتاليتاريّةٍ تصطبغ غالبًا بالطّائفيّة.

من ناحية التّفكير العمليّ، لا الوصفيّ، الكتابات الّتي تعالج موضوع الأقلّيّات المسيحيّة ضحلة، والحلول أفلاطونيّة. من هنا تأتي أهمّيّة كتاب الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية. إنّه محاولة جادّة لتحليل اللّاوعي الجمعيّ في أذهان المسيحيّين بالبلدان العربيّة عامّةً، وسورية بخاصّة، واقتراح حلولٍ تساهم في إعادة المسيحيّين إلى مواطنتهم، وتفعيل أدوارهم في حياة البلد الّذي يعيشون فيه.

يعتمد تحليل الكاتب بشّار وديع رحمة على نظريّة المحلّل النّفسيّ يونغ في اللّاوعي الجمعيّ. كلّ إنسانٍ يحمل في لاوعيه إرثًا تاريخيًّا لا يمكن تجاهله إذا أردنا أن نفهم لماذا يعيش واقعه على هذا النّحو. قد لا يعي شخصيًّا هذا الإرث، ولا يمكنه التّعبير عنه بوضوح، لكنّه موجود ومؤثِّر مثل الهواء الّذي نستنشقه.

انطلاقًا من ذلك، يبدأ الكتاب بسردٍ موجزٍ لتاريخ المسيحيّين في سورية، وهي الفئة الّتي اختار أن يبحث في شأنها، ابتداءً من الحضارات القديمة، فيعرض الفترات الّتي كان السّكّان المحلّيّون فيها حاكمين لأنفسهم، والفترات الّتي كانوا فيها محكومين. والفكرة بسيطة وواقعيّة: حين تعيش الأجيال قرونًا وهي محكومة، لن تفكّر الأجيال الجديدة بأن تسعى لتحكم، بل ستتكيّف مع الواقع، وتعيش في سلبيّةٍ وعلى الهامش.

العرض التّاريخيّ يقول إنّ المسيحيّين الموجودين الآن في الشّرق ليسوا في غالبيّتهم شعوبًا وافدة، بل من سكّان البلد الأصليّين، يحملون في ذاكرتهم الجمعيّة اللّاوعية آثارًا من العمّوريّين والفينيقيّين والآراميّين…

بعد هذا العرض الواسع في مدّته التّاريخيّة، والمقتضب في تقديمه، ينتقل الكاتب إلى تاريخ المسيحيّين في ظلّ الإسلام، وهنا يبطئ في حديثه، لأنّ حال الأمس مرتبط بكثيرٍ من عناصره بحال اليوم. في هذا العرض، يتبنّى نظريّات علم النّفس الّتي تلاحظ أنّ «الذّاكرة البشريّة انتقائيّة سلبيّة». فنحن نتذكّر بسهولةٍ آلامنا ومعاناتنا وأخطاءنا، وبصعوبةٍ أفراحنا وهناءنا وحسناتنا. وبما أنّ تاريخ المسيحيّين في ظلّ الأنظمة الإسلاميّة المتتالية هو مزيج من السّعادة والتّعاسة، يبقى في ذاكرة المسيحيّين فترات الاضطهاد الّتي تعرّضوا لها على يد المسلمين، وهي كثيرة، ومؤلمة، و… باقية في ذاكرة اللّاوعي الجمعيّ.

الملاحظ في هذا العرض التّاريخيّ سعي الكاتب وراء الموضوعيّة قدر الإمكان، على الرّغم من أنّ المراجع الّتي يستعين بها تميل إلى التّعتيم على المسؤوليّة المحتمَلة الّتي يتحمّلها المسيحيّون في الاضطهاد الّذي شُنَّ ضدَّهم؛ كتعاونهم مثلًا مع إبراهيم باشا الذي غزا سورية في القرن التّاسع عشر، وما تلاه من مجازر في حقّ المسيحيّين بعد انسحابه. كما لا يغفل عن الإشارة إلى جزئيّة الاضطهاد، فيبيّن حدوده الجغرافيّة، ومعارضة بعض المسلمين النّافذين له.

ويزداد التّقديم تباطؤًا حين يتطرّق الكاتب إلى فترة الاستقلال وما بعدها حتّى اليوم. وبكثيرٍ من الموضوعيّة وعدم الانحياز، يسرد فترة حكم حافظ الأسد وابنه بشّار، الّتي شهدت المسيحيّة فيهما أكبر موجة هجرةٍ عرفتها البلاد (هجرة من سورية وليس إلى سورية كما حدث مع الأرمن في بداية القرن العشرين).

عناصر كثيرة تمّ تبنّيها منذ الاستقلال حُملَت إلى المسيحيّين مُرسَلَةً مفادُها: «أنتم مواطنون من الدّرجة الثّانية». وهي مُرسَلَة تتوافق مع سياق تاريخ الحكم الإسلاميّ، وموقف الحكّام من المسيحيّين، وقراراتهم المجحفة بحقّهم. فالدّستور بعد الاستقلال جعل الإسلام مصدر التّشريع، وعلى المسيحيّين أن يتبعوا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ من دون استثناءٍ اللّهمّ إلّا في دور المحاكم الكنسيّة في البتّ بأمور طلاق المسيحيّين. أمّا الإرث فعلى المحاكم الكنسيّة أن تتبع الشّرع الإسلاميّ.

ويتوقّف الكاتب قليلًا عند حدثٍ لم يؤخذ كثيرًا على محمل الجدّ: تأميم المدارس الكاثوليكيّة، وإحكام الدّولة السّيطرة على العمليّة التّعليميّة، وبذلك سُحِبَت من المسيحيّين آخر ورقةٍ كانوا يمارسون بها دورهم في المجتمع والمواطنة.

كلّ هذا العرض يسعى إلى الفصل الرّابع، الّذي يدرس مجالات تفعيل دور المسيحيّين في مجتمعاتهم. قد تبدو المقترحات للقارئ العربيّ (غير اللّبنانيّ) نوعًا من اليوتوبيا، لأنّه تآلف مع فكرة فرض الإسلام مصدرَ تشريع، ويعتبر ضربًا من الدّيستوبيا كلّ مقترحٍ ينادي بدستورٍ وقوانين لادينيّة.

الكاتب يعرض نقاطًا كثيرة في هذا الشّأن، لكنّ واحدةً استوقفتني. إنّ أحد شروط حلّ النّزاعات وإحلال السّلام هو إقرار المذنب بذنبه. وهو أمر له معناه مثلًا حين اعتذر البابا يوحنّا بولس الثّاني عن الحملات الصّليبيّة، واعتذر البابا فرنسيس، في زيارته هذه السّنة إلى كندا، من السّكّان الأصليّين عمّا فعله المسيحيّون بهم. ولا يمكن أن يزول التّوتّر التّاريخيّ بين المسيحيّين والمسلمين إن لم يعتذر المسلمون للمسيحيّين الشّرقيّين عن كلّ المجازر والاضطهادات الّتي مارسوها ضدّهم، فيكون هذا الاعتذار شاهدًا لكلّ غافل كي لا يعيد التّاريخ نفسه، ونقطة انطلاقٍ نحو التّغيير السّلوكيّ والمؤسّساتيّ والدّستوريّ. أمام مقترحٍ كهذا، نجد أنفسنا أمام ديستوبيا ويوتوبيا تتراهنان ثمّ تجلسان وتراقبان مَن منهما سيفوز.

 

.

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ :

راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.
[email protected]

السّيّدة مريم في القرآن الكريم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

حُسن عبّود

السّيّدة مريم في القرآن الكريم

303 ص. ط.2. بيروت – لبنان: دار السّاقي، 2022.
(ISBN: 978-1-85516-399-7)

لن أستعيد مقولة نصر حامد أبو زيد في اعتباره مفهوم النّصّ (ويعني به القرآن الكريم) مفهومًا محوريًّا في علوم القرآن، وفي الدّراسات الأدبيّة، على حدٍّ سواء (ص. 19)[1]. وإنّما أجعل مساهمتي بمثابة قراءة ثانية أو ثالثة للنّصّ، ولعلّها قراءة للقشور بحسب الباقلاني والغزالي وأبي زيد، تنظر في ما أنجزته دراسة الدّكتورة حُسْن عبّود، بكتابها «السّيّدة مريم في القرآن الكريم»[2]، ولا سيّما الفصل المتعلّق بدرس الأسلوبيّة الّذي طاول سورة «مريم»، المكوّنة أصلًا من 98 آية، وقد حصرتُ الدّراسة في مدوّنة مؤلّفة من 33 آية، أي تلك الّتي تروي «رحلة مريم».

ولكن، قبل الشّروع في عرض الملاحظات النّقديّة – المتواضعة – على الفصل الثّالث والسّادس، في الكتاب، لا بدّ من كلمة موجزة جدًّا عن منطلق نظرتِنا في النّقد؛ إنّها استخلاصُ كلّ المفاهيم الواصفة والمثبَتة، من التّراث النّقديّ العربيّ والغربيّ، قديمه وحديثه، من أجل تصويب عمليّة النّقد، ورفع مقدار الموضوعيّة فيها. وكيف إذا كان النّصّ المقترح درسه، والنّظر في درسه، هو القرآن الكريم، الّذي يُعدّ عنوانَ لغة الضّاد، ومبتدأها، إلى كونِه كلام الوحي للمسلمين قاطبة، في كلّ أقطار الدّنيا.

الملاحظة الأولى: تنطلق الباحثة دة. حُسن عبّود، في درسِها أسلوبيّة سورة «مريم» من معيار النُّظم المقتبس من نظريّات النّاقد الفذّ عبد القاهر الجرجاني، والّذي يمكن اعتباره «منهجًا تطبيقيًّا في تفسير الإبداع وتحليله» على حدّ تفسير محمّد جاسم جبارة (ص. 101)[3]، إلى جانب كونِه رابطًا بين النّحو والدّلالة، ومعيارًا في صلاحِ المجاز، ولكن في الشّعر.

الملاحظة الثّانية: إنّ الباحثة، في سعيها إلى تعيين جماليّة النّصّ القرآنيّ – أدبيّته – جهدت في تبيين ثلاثة مظاهر كفيلة بإبرازها، وهي: العناصر اللّغويّة (الأفعال، والفواعل)، والعناصر الجماليّة الصّوتيّة (الفواصل)، والعناصر البلاغيّة (الأدوات البيانيّة، والأسلوبيّة)، هذا بالإضافة إلى بعض المصطلحات الواصفة في علم السّرديّات الحديث، ولا سيّما ؛ أساليب القصّ (الوصف، والحوار، والمناجاة، والتّعليق، والسّرد)، وبعض المصطلحات الواصفة في علم اللّسانيّات الحديث، مثل الأنماط (التّفسير، والمحاجّة أو البرهنة، والوصف، والإبلاغ، والسّرد، والحوار).[4]

وفي استنتاج أخير، يمكن القول إنّ الباحثة دة. حُسْن عبّود اعتمدت منهجيّة مزدوجة المدخل؛ منهجًا تقليديًّا وأصيلًا ومتأثّلًا في درس النّصوص الدّينيّة، مدعّمًا بمراجع عربيّة وأجنبيّة كثيرة، ولا سيّما ما تعلّق بتأويل طبيعة الفوارق والقواسم المشتركة بين الدّيانتين المسيحيّة والإسلاميّة، في ما خصّ حكاية مريم والإطار الثّقافيّ والدّينيّ المتلازم مع الصّور الآرخيتابيّة (القديمة والماثلة في اللّاوعي الجمعيّ، وفقًا للمحلِّل النّفسيّ كارل يونغ).

وبناء على فهمنا للمنهجَين، المتداخلَين غير المتكافئَين، من حيث الحضور في الدّراسة، وعلى قراءتنا المستندة إلى معرفة بالمنهج الثّاني، وزعمٍ بفهم النّصّ المقدّس، أي سورة مريم في القرآن الكريم، تبيّن لنا الآتي، في ما تعلّق بالفصل الثّالث (ص. 89-109):

* بيّنت الباحثة وجود تطابق دلاليّ بين قصّتَي زكريّا ومريم، سواء في القرآن الكريم، أو في الأناجيل الرّسمية والمنحولة. وفي كلامها على مقام كلّ من يحيى وعيسى (المسيح) تستند إلى إشارة دالّة في السّياق، وهي تكليم عيسى بصوت «الأنا» (السّلام عليّ)، والكلام على زكريّا بصوت «الغائب» (والسّلام عليه). وفي هذا ما يدخل في صلب البُعد التّداوليّ الّذي أحسنت الباحثة بالإشارة إليه.

من أجل التّوسّع – لاحقًا – في درس التّمايزات الدّقيقة في مراتب المخَاطبين، والمعنيّين بالكلام في القرآن الكريم، أعني المقامات، وتأويل أفعال الكلام وأفعال القلوب، وأفعال القول، وغيرها ممّا يصنع الخطاب القرآنيّ الكريم الّذي قصَدت الكاتبة – الباحثة تحليله.

* ومن ثمّ انتقلت الباحثة إلى درس «محتوى النّظم وشكله»، وفقًا لما كان رسمَه عبد القاهر الجرجاني من مفهومه للنّظم – المخصوص بالشّعر على ما بيّنا سابقًا – وقد خصّته بنظم السّرد، وشرعت في تظهير أساليب القصّ (حوار، سرد، وصف، تعليق، مناجاة) بحسب ظهورها في السّياق، مع أخذ طبيعة الإيجاز البيانيّ في القرآن بالاعتبار، فلم يفتها الاختزال القرآنيّ للإطار الزّمنيّ، والابتعاد عن التحديد المكانيّ اللّازمَين لصوغ النّصّ القصصيّ بعامّة؛ في حين أنّ الحكاية المسيحيّة تعيِّن زمان ولادة المسيح على نحو مضبوط وقابل للقياس، إذ يقول لوقا:

«وفي تلك الأيّام، صدر أمر عن القيصر أوغسطس بإحصاء جميع أهل المعمورة. وجرى هذا الإحصاء الأوّل إذ كان قيرينيوس حاكم سورية» (لوقا 1/75-2-3).

ثمّ إنّ الأفعال، وإن حملت في طيّاتها سردًا لحكاية مريم، فإنّها انطوت على خطاب نبويّ يتلازم مع الخطاب السّرديّ؛ ولمّا كانت هذه هي البنية المعنويّة المزدوجة، فقد صارَ لزامًا توزيع الأفعال إلى فئتين:

أولى: هي الأفعال السّرديّة الخالصة والمتعلّقة بمريم، ولا سيّما الماضية (انتبذت، فاتّخذت، فحملته، فانتبذت، فأَجَاءَها المخاض، فأتت، فأشارت)، معطوفة على أدوات الرّبط (إذ، ف، من دونهم).

ثانية: أفعال التّدخّل الرّبّانيّ

* الفعل السّرديّ لصاحب الخطاب الأصل (فأرسلنا).

* أفعال القول الحواريّة (قالت، قال، قالت، قال).

وفعلا القول الحواريّان (قالوا، قال).

* فعلا الإنكار (لم يمْسَسْني بشرٌ، لم أكُ بغيًّا).

* فعل المضارع (لنجعلَه آية للنّاس) .

* أفعال الأمر الدّالّة على التّدبير (هزّي، وكلي، واشربي، قرّي عينًا، قولي).

* أفعال الإرادة الرّبّانيّة (أتاني، جعلني، وجعلني، وأوصاني، ولم يجعلني) .

وممّا يُستخلص من أحداث النّصّ في «قصّة مريم» في القرآن، يتبيّن للقارئ، وفقًا للبعد التّداوليّ، أنّ ثمّة أربعة مقامات متوزّعة ومتباينة الدّرجات:

1- المقام الأوّل: الإرادة الإلهيّة المتدخّلة وفاعلة الخوارق (العجائبيّة) ومانحة مريم القدرة على الولادة من روح الله، المتمثّلة بضمير المتكلّمين (نا) (أرسلنا….).

2- المقام الثّاني: النّبوّة والمتمثّلة بشخص مريم (أخت هارون) وبابنها الوليد النّبيّ عيسى، والمتمثّلة بضمير المتكلّمة («أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولمْ أكُ بغيًّا»).

3- المقام الثّالث: وسيط النّبوّة (الملاك) «الّذي أرسلنا إليها روحَنا فتمثّل لها بشرًا سويًّا»، وقد تمثّل بضمير المتكلّم («إنّما أنا رسولُ ربّك لأهبَ لكِ غلامًا زكيًّا»).

4- المقام الرّابع: قوم مريم العاذلون، من آل عمران، ويمثّلون فكر عامّة النّاس الّتي يصعب عليها أن تصدّق الخوارق (العجائب). وقد تمثّل في ضمير المخاطبة («يا أختَ هارون ما كانَ أبوكِ امرئ سوءٍ وما كانتْ أمُّكِ بغيًّا»).

إلى ما يمكن استيفاؤه من درس النّظم، على معيار عبد القاهر الجرجاني. ولئن كنّا لا نرى لزومًا لأن تقتدي بالباحث الأب رولان مينيه[5]، في منهجيّته التّوراتيّة القائمة على تفصيل الآيات، ووضعها في لوحات تركيبيّة لمزيد من الإيضاح، فإنّه من بابِ الحرص على موضوعيّة الدّراسة والإحاطة بأسلوبيّة القرآن الكريم، كان الأَولى اتّباع مفهوم المستويات، كما فعل مينيه[6].   

وهذه المستويات هي الآتية:

أ – المستوى المعجميّ: ونعني به مجموع الكلمات وتوزّعها بحسب حقول معجمية معيّنة، والكلمات المترادفة والأخرى المضادّة، والحقول الدّلاليّة الّتي تنضوي تحتها الكلمات، وأسماء العلم العربيّة والأعجميّة، وغيرها. لكن من الواضح أنّ الباحثة، وإن أكّدت التّناصّ على مستوى ظاهر النّصّ بين سورة مريم وإنجيل لوقا، إلّا أنّها لا تودّ الذّهاب به أبعد، بدراسة مقارنة معجميّة بينهما. وإن أشارت بدءًا إلى جذر الاسم مريم (رومو) وعمران (عمرام) في كلا العبريّة والسّريانيّة والعربيّة، وعيسى، و«الحواريّون».

ولم تكتف الباحثة بذلك، بل تناولت أيضًا البعد الجندريّ في فعل «اصطفاء» مريم؛ فبيّنت، بالعودة إلى قصّة طفولة مريم في سورة آل عمران، أنّ الله «اصطفى» مريم، مثلما اصطفى آدم، ونوحًا، وآل إبراهيم، وآل عمران، فكانت أمًّا للمسيح عيسى، وحقّ لها أن يُنسب إليها (عيسى ابن مريم) – والعرب ما قبل الإسلام تأخذ بشرعيّة النّسب الأموميّ (آل عِمران) على المستوى نفسه من شرعيّة النّسب الأبويّ (آل إبراهيم) كما تؤكّد الآية (33) – مقدّمة قصّة طفولة مريم. واستتباعًا، تقع الباحثة على «موتيف» فذّ من التّراثَين، المسيحيّ والإسلاميّ، وهو موتيف «قلب الموازين»، سواء في صلاة التّعظيم اللّوقاويّة «تعظّم نفسي الرّبّ» (أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتّضعين، أشبع الجياع من خيراته وصرف الأغنياء فارغين…»)، أو في التّسبيحة القرآنيّة («اللّهمّ مالكُ المُلك مَنْ تشاءُ وتنزع المُلكَ ممّنْ تشاءُ تُعِزّ مَن تشاء وتذلّ مَن تشاء…).

ب – المستوى الصّرفيّ - النّحويّ: ونعني به أنساق الصّرف المستخدمة في سورة مريم، وأزمنة الأفعال، وصيغها، وترابطاتها، ودلالاتها الضّمنيّة. فتتبّعت، على سبيل المثال، أفعال السّرد، في كلّ من «ذِكر مريم» في سورة مريم و«طفولة مريم» في سورة آل عمران (آية 35-52)، وبيّنت مجانسة الأفعال لمواقع الشّخصيّات ومقاماتِها في المتن الحكائيّ. وقد تراوحت أزمنة الأفعال بين الماضي المُثبت والمنفيّ، وبين المضارع والمستقبل. والأهمّ أنّ هذه الأفعال رسمت أيضًا مسارًا تؤدّي فيه الفواعل السّماويّة (ﷲ، الرّبّ، الرّوح، الرّسول،) دور التّحويل العجائبيّ.

ج – المستوى التّركيبيّ: ونعني به مجموع التّراكيب الجُمليّة الّتي تشكّلت منها سورة مريم، في القرآن الكريم، (جمل اسميّة/ خبريّة، نواة/بسيطة/ مركّبة، فقرة، مقطع).

د  – المستوى البلاغيّ: ونعني به الصّور البيانيّة والبديعيّة من تشبيه واستعارة وكناية، ومجاز، وجناس، وطباق، وغيره ممّا ورد في السّورة، على اعتبار أنّها من صلب عمليّة النّظم، كما أشارت إليها الباحثة، وفقًا لمرجعيّة الجرجاني.

 هـ – المستوى الإيقاعيّ: وفي هذا الشّأن، أشارت الباحثة إلى ظاهرة التّكرار في السّورة، باعتبار أنّها عنصر من جماليّة النّصّ القرآنيّ المنسجم مع طبيعته الشّفهيّة- أي، الآيات المنظومة للتّلاوة. في حين أنّنا نعتبرها نامية إلى المستوى الإيقاعيّ، شأن غيره من العناصر؛ كما يمكن اعتباره (التّكرار) استراتيجيّة بنائيّة[7]، يُعتمد عليها في صوغ الآيات.

* السّجع غير المنتظم قصدًا، أي الّذي، وإن تماهى بعضُه بسجع الكهّان في الجاهليّة، بسبب تكرار الرّويّ بل القافية عينها، على امتداد سبع عشرة آية (16-33)، تلك الّتي تختصّ بحكاية مريم، وتنطبق على حكاية زكريّا السّابقة لها أيضًا.

ذلك أنّنا لو قارنّا بين سجع الكهّان، في الجاهليّة، وبين فواصل الآيات القرآنيّة، على ما قام به رجل النّهضة الجزائريّة البشير الإبراهيمي، في دراسة أعدّها عنه حفيدُه أحمد الإبراهيمي[8]، المعتبِر «تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد»، لوجدنا فارقَين جوهريَّين بينهما؛ أوّلهما فارق ذو طبيعة دلاليّة أشارت إليه كبريات المراجع النّقديّة العربيّة، وعنيتُ به غاية التّرويج للأباطيل في الأوّل، وسرد يوميّات قبائل وعشائر، وتضخيم سيَر، والإيحاء بالسّحر، والمدح وغيرها من الأغراض.

في مقابل غاية تمكين الإيمان الجديد في النّفوس عبر نصوص القرآن المسجّعة، وبسط رؤية أخلاقيّة وإنسانيّة شاملة. ولئن تلقّى النّبيّ الأكرم الآيات الّتي نزلت بما يوافق كلام العرب وعناصرها اللّغويّة، وهو أمر بدهيّ، على ما يؤكّد رولان مينيه[9]، فإنّ نزولها وحيًا على قلب النّبيّ وصوغها بلغةِ قريش العربيّة المبيّنة، أكسبا كلّ سورة فيها وكلّ آية دلالة فريدة وعظيمة الإيحاءات. أمّا الفارق الثّاني فغالب الظّنّ هو شكليّ، وتركيبيّ بالضّرورة، يقوم على كسر التّوازن والتّوازي بين الجمَل المسجّعة، في النّصوص القرآنيّة، ولا سيّما في سورة مريم – الّتي نحن بصددها – دليلًا على الافتراق الأكيد بين المنهجين والرّؤيتين، وذلك على الرّغم من أنّ في القرآن عددًا من الآيات المتوازنة:

«فيها سرائرٌ مرفوعةٌ/وأكوابٌ موضوعةٌ» (سورة الغاشية، الآية: 13-14).

«أمّا اليتيمَ فلا تقهرْ/وأمّا السّائلَ فلا تنهرْ» (سورة الضّحى، الآية: 9-10).

وما يمكن استخلاصه من المقارنة، أو عمليّة التّناصّ، بين السّور المكّية، والنّصوص المسجّعة للشّعر ما قبل الإسلام، أنّ السّجع وإن يكن أسلوب إيقاع معتمدًا في أغلب نهايات الكلام (الفواصل) في السّوَر القرآنيّة، إلّا أنّه أبعد ما يكون عن تصنّع سجع الكُهّان، أو عن توازناتهم الشّكليّة القصيرة، وذوات التّفعيلات المتماثلة أو المتقاربة.

«فحملتْهُ فانتبذت بهِ مكانًا قصيًّا/

فأَجَاءَها المخاضُ إلى جذعِ النّخلةِ قالتْ يا ليتَني متُّ قبلَ هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا».

أمّا الاستخلاصُ الثّاني فهو أنّ درس الآيات القرآنيّة في ضوء أحدث العلوم اللّسانيّة، وخير المقاربات التّاريخيّة، والسّيميائيّة، والصّوتيّة، والفقهيّة، والتّداوليّة، والبلاغيّة القديمة، والّتي اعتمدَتها الباحثة، من دون أن تتقصّد إبرازها في متن الدّراسة، أنّ درس الآيات القرآنيّة على هذا النّحو، لا يقوى على المساس بقدسيّتها، ولا بمكانتها السّامية بين الأديان السّماويّة والإبراهيميّة. وإنّما نحن على يقين بأنّ هذه العلوم الإنسانيّة البينيّة كفيلة بتظهير أبعاد الآيات القرآنيّة المتشعّبة والممتدّة بمؤثّراتِها إلى نصوص وحضارات وأديان كتابيّة راسخة في القدم.

[1]       نصر حامد أبو زيد (1990) مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن (بيروت: دار الفكر الثّقافيّ العربيّ، 1990)، 19.

[2]       حُسن عبّود (2022) ط.2، السّيّدة مريم في القرآن الكريم: من الّنصّ إلى الخطاب (بيروت: دار السّاقي، 2022)، 89-109.

[3]       محمّد جاسم جبارة (2013)، مسائل الشّعريّة في النّقد العربيّ ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2013)، 91-100.

[4]       Jean-Michel Adam,(2001), Les textes:Types et prototypes (Paris: Nathan), 44.

[5]       Roland MEYNET (1982), Initiation à la rhétorique biblique (Paris: cerf).

[6]       MEYNET, Ibid,16-42.

[7]       Jean Molino-Joelle Gardes-Tamine (1988), Introduction à lanalyse de la poésie (Paris:puf).

[8]       أحمد الإبراهيمي (2009)، سجع الكهّان للبشير الإبراهيمي – دراسة نصيّة – رسالة ماجستير من جامعة العربيّ بن مهيدي. الجمهوريّة الجزائريّة الدّيمقراطيّة الشّعبيّة.

[9]       Roland Meynet, Initiation à la rhétorique biblique, 44.

الدّكتور أنطوان أبو زيد :

أستاذ في السّيمولوجيا وعلوم التّعلّميّة (الديداكتيك). شاعر وروائيّ وناقد ومترجم. له أبحاث في النّقد والتّعلّميّة ومجموعات شعريّة وروايات.

[email protected]

المفكّرة الرّومانيّة: يوميّات رحلة إلى المدينة الخالدة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جوزف طانيوس لبّس

المفكّرة الرّومانيّة،
يوميّات رحلة إلى المدينة الخالدة

96 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-1207-2)

أَهي مُفكِّرة، يوميّات، تقرير، شهادة حيّة؟ نحتارُ ماذا نختار تسميةً أو نعتًا لهذا الكتاب، فهو يكادُ يتحمّلُ كلّ تلك التَّسميات. وعلى صِغَرِ حجمه، يُلبّي متطلّباتِ كلٍّ منها من حيثُ الجوهر، والمعنى، والمرمى.

لم يشأ جوزف لبّس، مؤلِّفُ الكتاب، الاحتفاظَ بهذه المغامرة لنفسِه، بل قرّرَ مشاركتَنا فيها، فجعلَها تنطُقُ على الورق، ونقلَها وَصفًا، وسَردًا، وشِعرًا؛ تاريخًا يحكي، ينبُض، يصلُ إلينا بأسلوبٍ فيه من التّهذيبِ والرُّقيّ ما فيه من الدِّقّةِ والوضوح وسلامة الصِّياغة، بين إنشاءٍ وخبَر، فالمؤلِّف يحرِصُ، وبطبيعيّة مُطلقَة، على أن يوفّقَ بين إبراز جمالِ اللّغة العربيَّة وسِحرِها، وإرسالِ المعلومات الّتي يحتاجُ إليها كلُّ قارئ، صغيرًا كان أو راشِدًا، طالِبًا للعِلمِ أم باحثًا عن متعةِ المطالعة.

فها هي روما تستقبلُه؛ يستهلُّ المؤلِّفُ مشوارَه بإطلالةٍ على نوعٍ أدبيّ طبَعَ التاريخ، هو أدَبُ الرِّحلة، باختصارٍ لافت يشملُ الأساس، ويضعُ القارئ في إطارٍ مَتين يجعله يتوقّعُ ما هو بانتظارِه في الصّفحات التّالية.

«روما وفي خمسة أيّام؟» سؤال سائق سيّارة أُجرة فرنسيّ مُتعجِّب.. نعم، هذا ممكن، إن عرفَ الزائرُ أين يتّجه وماذا يقصد. والمؤلِّف، تُرافِقُه والِدتُه وابنُ أخيه، راح يجولُ في المدينة الخالدة، يسجّلُ ما يراه، يروي أحداثًا متعلّقة بالأماكن والآثار، مستطردًا شِبهَ استطراد، أحيانًا، لتمرير معلومةٍ من هنا ومن هناك، من غير حشوٍ ولا تكرار، توثِّقُ البحث، يتلقّاها القارئ عن غير قصد، فترسَخ في ذِهنِه. فأينَ لنا أن نتذكّر فرجيليوس، أعظم شعراء الرّومان وصاحب الإنياذة، أو أن نتعرّف إليه، لو لم يذكُرْه المؤلِّف في سِياق كلامه على الرُّومان وعظمةِ روما؟ وكيفَ نفكّرُ بالذِّئبة (Lupa)، لو لم يتحدّث المؤلِّف عن أسطورة رومولوس وريموس، ابنَي إله الحرب مارس؟ وكم هي كثيرةٌ الأمثلة!

وهكذا نكتشفُ روما مع المؤلِّف؛ مِن بِرنيني إلى رافاييللو، ومن تلميذ برنيني إلى ميكلانجلو، نمرُّ بكنيسة سيّدة الانتصار، وبساحة البانتيون، وصولًا إلى الكولوسّيو والـﭭاتيكانو، وكابيلّا سيستينا! ومن خلال وصف المؤلِّف، نخالُ أنفسَنا هناك، مشاهِدين مندهِشين؛ فكَم إبداعٍ، وكم جُهدٍ، وكم عبقريّةٍ التّضحيات! كم مِن أحداثٍ جرت وأعمالٍ أُنجِزت لتُصنَعَ تلك المدينةُ وتُبنى؟!

لن نُطيلَ الكلام أكثر، إذ يبقى الكتابُ بذاته هو المتكلِّم، المرجع والدَّليل.

آن ماري شكّور فهمي :

مدقّقة لغويّة ومنسّقة الإنتاج في دار المشرق – بيروت. حائزة إجازة تعليميّة وماجستير في اللّغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشّرقيّة بجامعة القدّيس يوسف – بيروت. لها ترجمات إلى العربيّة في دار المشرق، وقراءات نقديّة في مجلّة المشرق المحكّمة.

[email protected]

أسرار الكون في أربعين سؤالًا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جان بيير لومينيه

أسرار الكون في أربعين سؤالاً

نقلته إلى العربيّة إليزابيتا أبو جودة
96 ص. ط.1. بيروت – لبنان: دار المشرق، 2022.
(ISBN: 978-2-7214-1214-0)

افتح يا سمسم الكون. صرخة أطلقها كتيّب صغير مشحون بالإجابات العلميّة عن أسئلة رافقت الإنسان منذ أن رفع نظره إلى فوق، وتأمّل صنائع اﷲ وعجائبه. من هنا جاءت بداءة الكتاب في الفلكيّين البابليّين والصّينيّين والمصرّيين والإغريقيّين والعرب والأوروبيّين، من كوبرنيكس، وتيكو براهي، ويوهانس كبلر، وغاليليو إلى جورج لوميبتر، مرورًا بكوبرنيكس، وكبلر، ونيوتن، وأينشتاين وغيرهم.

من المفيد الانتباه إلى ربط مضمون الكتيّب بالحضور الإنسانيّ في الفلك الواسع، فكلّ توسّع في جواب يأتي من منصّة إنسانيّة ثابتة كقوله: «إنّ عين الإنسان، وكذلك صفائح التّصوير الفوتوغرافيّ العاديّة ، لا تدرك إلّا جزءًا صغيرًا جدًّا من الطّيف الكهرومغناطيسيّ» (ص. 9)، ليبدأ بالإجابة عن السّؤال المطروح في الضّوء مثلًا، بل يصل إلى طرح مسألة موقف الإنسان مباشرة في السّؤال: «هل ما تزال الأجسام السّماويّة الّتي يراقبها الإنسان موجودة؟» (ص. 11). هذا يعني أنّ الإنسان عالم ذاته، وفلك نفسه، ولو سلّم الكاتب بأنّ «عدد النّجوم في الكون يوازي عدد حُبيبات الرّمل على الأرض» (ص. 13). إنّ عظمة الكون لا تلغي فرادة الإنسان وحضوره على الرّغم من دراسته «القوى الرّئيسيّة الّتي تحكم الكون» (ص. 15)، و«الصّلة بين اللّامتناهي في الكبر واللّامتناهي في الصّغر» (ص. 17). صحيح أنّ المؤلِّف خصّص صفحات للحديث عن الشّمس والكواكب والمنظومة الشّمسيّة (ص. 21-36)، لكنّه قارب الموضوع من بوّابة الحياة واستمرارها ليطرح السّؤال الدّائم «هل سيسكن الإنسان يومًا في كوكب الزُّهرة؟»، وليخلص إلى أنّ «المياه على الزُّهرة تبخّرت كلّها، وأصبح تؤأمنا كوكبًا صحراويًّا ومُحرقًا» (ص. 37). كأنّ المؤلّف، رغم علميّته، خرج إلى النّظريّات الجغرافيّة الفلكيّة باحثًا عن توأم للإنسان وللعالم، وبمعنى آخر البحث عن الذّات، ليس في عمقها فحسب، بل في مظاهرها، كما في بحثه عن تفاصيل الفلك وملامحه، من الحلقات الّتي تحيط بالكواكب (ص. 39)، وعدم بقاء بلوتو كوكبًا (ص. 41)،  والمذنّبات (ص. 43)، وولادة النّجوم وشعاعها (ص. 47)، والثّقب الأسود الّذي هو عبارة «عن حدود هندسيّة ترسم حدود منطقة اللّارجوع» (ص. 53).

ليس في الكتيّب منطقة لا رجوع عن طرح القضايا المختلَفِ عليها، كنظريّة تمدّد الكون، الّتي نادى بها فريدمان في العام 1922، وجورج لومتر في العام 1927، وتعرّضا لانتقادات لاذعة من ألبرت أينشتاين وغيره، ومن فريد هومل في العام 1950، الّذي ناهض هذه النّظريّة بوضعه لفظ «الانفجار العظيم، أو «البينغ بانغ» للحطّ من قيمة نظريّة الانفجار الكونيّ. (ص. 67)، ليتابع عرضه في النّظريّات الفلكيّة ليتساءل: «هل سينكمش الكون أو سيتوسّع باستمرار»؟ (ص. 75)، «وهل من شيء قبل الانفجار العظيم»؟ (ص. 77) ليطرح الأسئلة المتعبة: «هل من حياة خارج كوكب الأرض»؟ (ص. 81)، وهل يمكن الإنسان أن يبحث عن حياة في المنظومة الشّمسيّة في مكان غير المرّيخ؟ وبالتّالي كم من حضارة قد نجد ضمن مجرّتنا؟» (ص. 91).

يختم المؤلّف كتيّبه بجواب واضح متناقض، فيذكر عن إنريكو فيرمي: «لو أنّ حضارات أكثر تقدّمًا من حضارتنا كانت موجودة في النّظم الكوكبيّة القديمة، لكانت تركت علامات (موجات كهربائيّة، أو بقايا آثار إلخ….) يمكن ملاحظتها من الأرض»، ليختم بمعارضة هذا القول من علماء آخرين خلاصتها: «ثمّة كائنات فضائيّة، ولكن، لأسباب مجهولة، فإنّ التّواصل معها، والسّفر عبر النّجوم مستحيل، أو غير محبّذ، ثانيًا إنّ الكائنات الفضائيّة تزور الأرض فعليًّا، ولكن بطريقة سرّيّة» (ص. 92).

ختامًا، يقول أدونيس: الماء جهنّم النّار، وفي هذا الكتيّب يصحّ القول: «الإجابات جهنّم الأسئلة».

الدّكتور جان توما :

حائز دكتوراة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدّيس يوسف، واللّبنانيّة، وسيّدة اللّويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيّة، وشعريّة، ورواية، ودراسات تربويّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]

الأطفال وصعوبات التّعلّم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لورا ألاريا

الأطفال وصعوبات التّعلُّم

نقلته إلى العربيّة إليزابيتا أبو جودة
128 ص. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-1215-7)

يعكس غلاف الكتاب، من حيث الشّكل، مضمونه بشكل جيّد من خلال صورة الغلاف الّتي تُظهر محاولة الأم تفهّم موقف ابنتها السّلبيّ بطريقة إيجابيّة، إضافة إلى العناوين الفرعيّة للعنوان الأساسيّ الّتي جاءت بمثابة أسئلة فرعيّة، توضح محتوى الكتاب ومضمونه. وهو يتألّف من جزأين، فتتفرّع من الجزء الأوّل سبعة عناوين، ومن الثّاني أربعة.

أمّا من حيث المضمون، فتتناول الكاتبة في الجزء الأوّل (فئات الأطفال ذوي صعوبات التّعلّم الشّديدة) تعريف اضطرابات التّعلّم بطريقة علميّة، وبحسب مجالات تلك الاضطرابات سواء على مستوى اللّغة المحكيّة أو اضطراب الانتباه، أو على مستوى الحركة، ومستوى التّعلّم في المدرسة، مع الإشارة إلى المعايير الأربعة الّتي تحدّد اضطرابات التّعلّم (الخاصيّة، الطّابع الموضوعيّ، الاستدامة وتداخل الاضطرابات الواضح). ويتدرّج المحتوى، ليتطرّق إلى تعريف أدقّ لتعامل أفضل، والكشف والتّقييم والتّشخيص، ثمّ الرّعاية لا سيّما مع ذكر أهمّيّة الأطراف الفاعلة كافّة، ودورها في العمليّة التّعليميّة. تميّز هذا الجزء بمعلومات جدًّا مفيدة وعلميّة تمّ سردها بطريقة سهلة على الفهم، وبتسلسل يشدّ القارىء لمعرفة المزيد لا سيّما المهتمّون بهذا الموضوع.

ونلاحظ في هذا الجزء أنّ فقرة أخذت حيّزًا ليس ببسيط من حيث مساحته، وهي تلك المتعلّقة ببنى المساعدة والدّعم في فرنسا، والتّعديلات الدّراسيّة فيها. هنا يظهر لنا أنّ الكاتبة قد أخذت دراسة الحالة من فرنسا، حيث وردت تفاصيل كثيرة ودقيقة عن كيفيّة القوانين النّاظمة ومسارها من أجل معالجة ذوي الصّعوبات التّعليميّة في فرنسا، مع التّطرّق إلى تفاصيل الضّمان الصّحيّ والتّعويضات، وهي تفاصيل قد لا تهمّ القارىء إن كان لا يعيش في فرنسا، إضافة إلى ورود بعض الأرقام الإحصائيّة حيث لا يظهر مصدر تلك الأرقام وعيّنتها (ص. 17).

أمّا في الجزء الثّاني، الّذي حمل عنوان «نظرة عامّة إلى اضطرابات التّعلّم»، فنجد أنّ الكاتبة، على الرّغم من ورود الكثير من التّفاصيل التّقنيّة والعلميّة البحتة، قد تمكّنت من إيصال تلك المعلومات الخاصّة بمختلف الاضطرابات والصّعوبات التّعليميّة وتفصيلها بطريقة سلسة، خصوصًا من خلال بعض شهادات أهل الأطفال الّذين يعانون من اضطراب معيّن، ممّا يقرّب الموضوع إلى القارىء، وينقل صورة ملموسة وواقعيّة عنه، مع الخروج من إطار الصّعوبات النّظريّ عندالأطفال. وفي هذا الجزء، توصيف مفصّل لاضطرابات تعلميّة مثل عسر الكلام لدى الأطفال، واضطراب التّنسيق التّنمويّ، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النّشاط أو من دونه، وأخيرًا اضطرابات التّعلّم من حيث عسر القراءة واضطراب الكتابة وعسر الحساب. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الكاتبة قد اعتمدت المنهجيّة ذاتها في مقاربة مختلف تلك الاضطرابات، بدءًا من تحديد ماهيّة الاضطراب، مصدره، وظهوره، إلى كيفيّة تقييم الأطفال ذوي الاضطراب وطريقة رعايتهم. ولم تنسَ أن تتناول كيفيّة مساعدة هؤلاء الأطفال في حياتهم اليوميّة، سواء في المنزل أو على المستوى الدّراسيّ.

ومن المهمّ التّوضيح أنّ هذا الكتاب مترجم، وقد كان من الأفضل وضع تفصيل لاختصارات التّسميات العلميّة acronyms الواردة فيه، لا سيّما لدى تشخيص الاضطرابات.

ختامًا، إنّ محتوى الكتاب مصاغ بطريقة جيّدة، والمعلومات واضحة ودقيقة في جزأيه، لا سيّما فيما يتعلّق بتشخيص الصّعوبات، ويستفيد من قراءته كلّ الأطراف الفاعلة في رعاية الأطفال الّذين يعانون من الصّعوبات، وبشكل أساسيّ الأهل، والمعلّمون واختصاصيّو الصّحّة. وهو يغطّي الموضوع من جوانبه كافّة، ويُعتبر قيمة مكمّلة ومضافة إلى مختلف الأدبيّات والكتب الّتي صدرت في هذا الإطار، وبخاصّة في مرحلة ما بعد كورونا، حيث أظهرت دراسات أجريت في أكثر من 146 دولة أنّ معظم الأطفال يعانون من صعوبات، وفاقد تعليميّ كبير. من هنا أهمّيّة عدم الخلط بين هذه الصّعوبات وتلك النّاتجة من أخرى هي أصلًا موجودة عند الطّفل، ومن الأهمّيّة بمكان تشخيصها في مرحلة مبكّرة، كي تتمّ مواكبة الطّفل من كلّ الأطراف الفاعلة في حياته، إن كان في البيت أو في المدرسة، والمساهمة في تقوية شخصيّته، وجعله إنسانًا فاعلًا في مجتمعه.

الدّكتورة نادين الفرنجي : 

حائزة شهادة دكتوراه في التّربية (2017) وماجستير في العلوم السّياسيّة (2010). تعمل مستشارة تربويّة مع الفريق التّربويّ لدى البنك الدّوليّ، وتحاضر في أكثر من جامعة في حقل التّربية المواطنيّة.

[email protected]

هلّا نصلّي سياسيًّا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يوهان بابتيست ماتس[1]

هلاّ نصلّي سياسيًّا

قدّم له ونقله إلى العربيّة الأب باسم الرّاعي
48ص. ط.1. بيروت – لبنان: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-5629-8)

في تقديم الكتاب يوضح الأب باسم الرّاعي، الذي عرّب النّصّ أيضًا، سبب اختياره هذا العنوان: هلّا نصلّي سياسيًّا. فقد نشر ماتس هذا النّصّ عن الصّلاة بمعناها السّياسيّ مع نصّ آخر لأستاذه كارل راهنر[2] في كتيّب بعنوان «الحضّ على الصّلاة» في العام 1977 بعد إلقائهما النّصّين بشكل عظة في كاتدرائيّة مار بولس في مونستر سنة 1976. ويُضيف الأب الرّاعي قائلًا: «لكنّنا آثرنا أن نعطيه هذا العنوان: هلّا نصلّي سياسيًّا لنقرّب العنوان من المضمون مباشرةً».

يتمحور التّفكير الأساسيّ في هذا الكتاب على «التّوجّه العامّ لتفكير ماتس في لاهوته السّياسيّ ضدّ حصر الدّين في الإطار الخاصّ، وإيجاد موقع له في المجتمع من منطلق أنّ الدّين يمثّل قوّة نقد… أي إنّ الكنيسة تصير سؤالًا مطروحًا على العالم. فهو يرى بالتّحديد أنّ الكنيسة هي «وجدان المجتمع النّاقد»، إذا عرفت كيف تعيش، وخصوصًا على المستوى المؤسّساتيّ، تحت علامات المخزون الإسكاتولوجيّ حتّى يكون حضورها في قلب العالم شهادة على نسبيّة أيّ مؤسّسة من جهة، وما من أجله أقيمت هذه المؤسّسة من جهة أخرى.» وبالتّالي، فإنّ الكنيسة مدعوّة لأن تسير وراء يسوع المعلّم وتتبعه في حياته وسيرته وعمله، وهذا المسار يمثّل نقدًا للواقع. «كلّ هذا تجلّى في صلاة يسوع». والسّؤال الّذي يطرحه الأب الرّاعي عن الدّافع وراء الاهتمام بهذا البعد للصّلاة هو الآتي: يأتي الجواب من الواقع اللّبنانيّ السّياسيّ وانزلاقه الّذي «أحدث طلاقًا بين الفعل السّياسيّ والشّرط القيميّ أو المعياريّ». أمّا المواطنون فهم يجدون أنفسهم عاجزين عن إحداث أيّ تغيير. «وأدهى ما في هذا الواقع أنّ كلا الطّرفين يعلن في الغالب أنّه من المؤمنين… في حين أنّ ما يجاهرون به لا ينسحب في الكثير من الأوقات على وعيهم الصّريح لارتباط الانتماء الدّينيّ والممارسة الدّينيّة بمعترك الوجود الإنسانيّ، وخصوصًا في الواقع السّياسيّ.» والسّبب في ذلك، يُعيده هنا الأب الرّاعي إلى طلاقين اثنين:

«الأوّل يرتبط بطابع الفهم الدّينيّ الّذي تسيطر عليه مسحة من التّقوى أو الخرافة بمعنى حصر صلة الرّوحيّات بالفضاء العلويّ… كما لو أنّ الرّوحيّات تخصّ المجال الإلهيّ لا الإنسانيّ.» وهذا ما يُعتَبَر «ضربًا للعقيدة الأساسيّة في المسيحيّة أي عقيدة التّجسّد».

الثّاني يرتبط بالموقف المأثور الّذي ينادي بفصل الدّين عن الدّولة وعن السّياسة. إلّا أنّ هذا القول «يتجاوز مجرّد الفصل بين الكنيسة والجامع والسّياسة. إنّه يفصل السّياسة عن أيّ مستند قيميّ أو معياريّ أي يفصل بين الدّينيّ والدّنيويّ.» وهذا ما يبدو نوعًا من «التّنكّر لأيّ مصدر قيميّ أو معياريّ للفعل السّياسيّ وبالتّالي تأصيل للتّهرّب من المسؤوليّة السّياسيّة.»

يجد الأب الرّاعي، كما المؤلّف، أنّ هذين الموقفين «يضربان عمق معنى الصّلاة الدّينيّ الأصيل» لارتباط الصّلاة نفسها بالتّجسّد. فالصّلاة هي في قلب الواقع وهي «فعل التزام في قلب الواقع. إنّها جواب على نداءات العالم بحمل شخص يسوع في قلب هذا العالم».

وبعكس ما يعتقده كثير من المؤمنين، فإنّ السّياسة ليست معزولة عن العالم وسياسته، فـ «السّياسة فيها فعل صلاة بكونها مهمّة تعمل على رفع الواقع». «الصّلاة تحضّ على المسؤوليّة تجاه العالم… تؤسَّس المسؤوليّة لا على القلق بل على التّوق نحو التّحقّق».

الصّلاة تدعونا إلى الالتزام وتحمّل المسؤوليّة تجاه واقع مدعوّ أن يرتقي لتتحقّق مشيئة الرّبّ «كما في السّماء كذلك على الأرض».

لقد استفاق الإيمان المسيحيّ على معنًى جديد للمسؤوليّة فلم يعد منفصلًا عن الحياة اليوميّة ولم يعد محصورًا بالمقدّس.

من هنا، جاء عنوان هذا الكتاب غير مترجم حرفيًّا عن الألمانيّة بل وضعه المقدِّم والمترجِم ليحاكي المضمون ويسلّط الضّوء عليه فأصبح هلّا نصلّي سياسيًّا وفيه دعوة إلى الالتزام بما نصلّي به في الممارسة السّياسيّة الّتي من شأنها أن تدير شؤون النّاس نحو الأفضل، وفيه دعوة إلى أن تستجيب الممارسة السّياسيّة لمضمون الصّلاة الّذي يرتقي بالمصلّين نحو تحقيق مشيئة الآب على الأرض.

الكتاب، بعناوينه، يدعونا إلى الدّخول مع المصلّين «في معترك التّضامن التّاريخيّ» كما يدعونا إلى تأمّل جديد في الصّلاة بالمعنى السّياسيّ وباعتبارها عودة ومقاومة.

[1]  Johann Baptist Metz.

[2]  Karl Rahner.

 الدّكتورة بتسا استيفانو :

حائزة دكتوراه في العلوم الدّينيّة، وإجازة في الأدب العربيّ من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. أستاذة محاضرة في معهد الآداب الشّرقيّة في الجامعة، ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيّة فيها. أستاذة محاضرة في جامعة «Domuni» باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللّغتين العربيّة والفرنسيّة.

[email protected]

المئويّتان في اللّاهوت وتدبير ابن الله الصّائر في الجسد للقدّيس مكسيموس المعترف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أسعد قطّان

المئويّتان في اللاّهوت
وتدبير ابن ﷲ الصّائر في الجسد
للقدّيس مكسيموس المعترف

112ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-5630-4)

عُرِف عن مكسيموس المعترِف موقفه النّاقد من إيديولوجيا قيصر رومة لتدخّله في الأمور العقائديّة، كذلك جهوده المضنية لمحاربة فلول الأورجينّسيّة، وإلمامه بالأفلاطونيّة المحدَّثة… كما تصدّى للتّيّارات المؤمِنة بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة في المسيح. وأشهر مواقفه، مناظرته العلانيّة مع البطريرك القسطنطينيّ المخلوع في العام ٦٤٥. لكن يبقى دوره المحوريّ في مجمع اللّاتران في العام ٦٤٩ من أهمّ مساهماته في بلورة العقيدة المسيحيّة، ممّا أدّى لاحقًا إلى محاكمته سياسيًّا في زمن اختلط فيه السّياسيّ والدّينيّ. وبذلك، قدّم شهادة رائعة للثّبات في الإيمان المسيحيّ القويم.

أمّا نصّه المئويّتان في اللّاهوت والتّدبير فهو من النّوع الأدبيّ البيزنطيّ الّذي يصنّف ضمن «الفصول» الّتي تمتاز بقصرها وتناول الموضوع الواحد، ويهدف إلى سهولة الحفظ والمساعدة في التّأمّل، الّذي يذكّرنا بـ «أقوال الآباء الشّيوخ». علمًا أنّ المئة مقطع ترمز إلى كمال التّعليم الّذي يحاول أن يقدّمه اللّاهوتيّ، وهو هنا يعرض مئويّتين ليؤكّد كمال تعليمه العقائديّ في مسألتَي اللّاهوت والتّدبير، وهي غير غريبة عن الكاتب، حيث يُعرف لديه مئويّاته الأربع في المحبّة. إنّ وفرة المخطوطات الّتي تقدّم إلينا هذا العمل، تناهز المئة والعشرين مخطوطًا، تؤكّد أهمّيّته في زمانه، وتعكس عمقه اللّاهوتيّ وقدرتها على تبسيط أعمال مكسيموس المعترف السّابقة.

أمّا العمل الّذي صدر عن دار المشرق فقد وضعه بين أيدينا الدّكتور أسعد الياس قطّان، الّذي حاز على شهادة الدّكتوراه في التّاريخ الكنسيّ والآبائيّات من جامعة ماربورغ، والّذي يشغل كرسيّ اللّاهوت الأرثوذكسيّ في جامعة مونستر - ألمانيا. يستند قطّان في منهجيّة التّعريب إلى نصّ الطّبعة النّقديّة المصغّرة الّتي صدرت في ألمانيا في العام ٢٠١٦. ويتحاشى تقديم أيّ تقسيم أو تلخيص للنّصّ الأصليّ، وهو بذلك يحافظ على غاية الكاتب من الأدب المئويّ، أي التّأمّل والتّعمّق والتّفاعل في الأفكار اللّاهوتيّة المقتضبة والمبسّطة. خصوصًا أنّ الفصول الأولى من كلّ مئويّة تقوم مقام المقدّمة لكلّ منها.

في المنهجيّة النّقديّة، يقوم قطّان بتقديم الشّروح والتّعليقات المُسهبة المثبتة في الحواشي، الّتي تهدف إلى تسهيل فهم المصطلحات والمفاهيم الأساسيّة في لغتها اليونانيّة الأصليّة. وهو في ذلك يقدّم إلينا عملًا من طابقَين، الأوّل، كما أراده صاحب النّصّ، أي القراءة والتّأمّل. والثّاني، كما يبتغي المعرّب في تقديم نصّ أكاديميّ نقديّ في وفرة الحواشي والتّعليقات. لا بل أيضًا طابقًا ثالثًا، وهو التّعليميّ، إذ إنّ وفرة الشّروحات وسلاسة أسلوبها تضع بين يدي القارئ المهتمّ أُسس التّفكير اللّاهوتيّ البيزنطيّ الّتي تُساعد في فهم أعمال أوسع من المكتبة اللّاهوتيّة نفسها.

إنّ هذا العمل في صفحاته الّتي تناهز المئة يُغني المكتبة المسيحيّة العربيّة بنتاجٍ لاهوتيّ معمّق، ويُساعد مؤمني الشّرق في التّفكّر والتّأمّل في واقعهم حيث ما يزال يختلط ما هو دينيّ بالدّنيويّ من دون تمييز لدور التّدبير الإلهيّ.

الأب طوني حمصي اليسوعيّ : حائز شهادة ماجستير في اللّاهوت الكتابيّ – كلّيّة اللّاهوت اليسوعيّة – باريس، ودبلوم جامعيّ في الصّحافة الرّقميّة، جامعة القدّيس يوسف – بيروت. مدير التّواصل الرّقميّ للرّهبانيّة اليسوعيّة في الشّرق الأدنى والمغرب العربيّ. يُشرف على النّسخة الرّقميّة للكتاب المقدّس باللّغة العربيّة في ترجمته الكاثوليكيّة، وله عديد من التّرجمات الصّادرة عن دار المشرق.

[email protected]

البابا الرّاهب-الحياة المكرّسة في فكر البابا فرنسيس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الأخت تريز السّلوى

البابا الرّاهب، الحياة المكرّسة في فكر البابا فرنسيس

112 ص. سورية: دار الكتاب المقدّس، 2022

يُقال إنّ الكتاب يُعرَف من عنوانه. والعنوان يشير إلى أمرٍ مميّزٍ تعيشه الكنيسة الكاثوليكيّة في أيّامنا، وهو أنّه، وبعد البابا بيّوس العاشر (1903- 1914)، لم يجلس على كرسيّ بطرس بابا، كان راهبًا، حتّى انتخاب البابا فرنسيس في العام 2013، أي بعد حوالى مائة عام. ولهذا البابا سمة خاصّة وهي أنّه أوّل يسوعيّ في التّاريخ يصبح بابا، على الرّغم من تمسّك اليسوعيّين، بحسب توصيات مؤسّسهم القدّيس إغناطيوس دي لويولا، برفض كلّ الرّتب الكنسيّة غير الكهنوت، وهو تمسّك يعبّرون عنه في صيغة نذرٍ. فإذا كانت خدمة الكنيسة تحتّم، بضرورةٍ قصوى، على اليسوعيّ أن يقبل رتبةً كنسيّة، يضطرّ البابا إلى حلّه من هذا النّذر، وأن يقبل الرّتبة باسم الطّاعة.

لمَ هذه المقدّمة؟ إنّها لإيضاح خصوصيّة كتابٍ كهذا. فالتّعاليم في شأن الحياة المكرّسة لا تصدر من سلطةٍ كنسيّة، بل من شخصٍ عاش التّرهّب، واختبر شخصيًّا تعزياته وآلامه. شخص يعرف تمامًا تحدّيات الحياة الدّيريّة والجماعيّة، وكلّ ما يختبره المكرّس في حياة المشورات الإنجيليّة: الفقر، والعفّة، والطّاعة.

أسلوب الكاتبة، الأخت تريز السلوى، سلس وبسيط، وقد أحسنت دار النّشر في اختيار حجم حرفٍ أكبر من الحجم اعتُمِدَ في الكتب منذ الأيّام الّتي كانت فيها غالبيّة النّاس تقرأ.

ينقسم الكتاب إلى مقدّمة، يتمّ فيها عرض حياة البابا فرنسيس بإيجاز، وأربعة مباحث.

المبحث الأوّل يتناول الأبعاد الأساسيّة للحياة المكرّسة. وتختار الكاتبة من تعاليم البابا كلّ ما يربط الحياة المكرّسة بالثّالوث: البعد الأنتروبولوجيّ يرتبط بالآب، والبعد الخريستولوجيّ بالابن، والبعد المواهبيّ بالرّوح القدس، إضافةً إلى البعد الكنسيّ الّذي يعكس حياة الأقانيم الثّلاثة معًا.

المبحث الثّاني يتناول النّذور: الفقر والعفّة والطّاعة، وهي معروضة بطريقةٍ رعائيّة صرفة، كما اعتدنا في خطابات البابا فرنسيس، فلا تدخل دراستها في الأمور الكتابيّة، بل ينطلق التّفكير فيها من يسوع ليتوجّه بعدها نحو التّحدّيات الّتي يواجهها كلّ نذرٍ في العالم المعاصر، والانحرافات الّتي قد تظهر في طريقة عيشه.

المبحث الثّالث يتناول الحياة المكرّسة، شهادة ورسالة. والرّسالة المعروضة محدودة في أربعة مواضيع: خدمة كلمة اﷲ، خدمة العائلة، خدمة القداسة، خدمة الشّبيبة. قد يبدو تسلسل هذه المواضيع غير مألوف، وربّ قائلٍ: لماذا لم توضع خدمة القداسة ثانيًا، تليها خدمة العائلة وخدمة الشّبيبة؟ بالحقيقة، رأت الكاتبة، وهذا ما تلمّح إليه، أنّ العائلة الّتي تجعل كلمة اﷲ مقيمة فيها، تجعل القداسة ممكنة، وتأتي الثّمرة في النّهاية تنشئةً صالحة تتنشّأها الشّبيبة. يتميّز هذا المبحث بأنّه يختار من تعاليم البابا كلّ ما هو عمليّ جدًّا.

المبحث الرّابع يتناول الحياة الجماعيّة. فلكي نأخذ فكرةً عن مقدار الجانب العمليّ في تعاليم البابا، نذكر بعض العناوين الفرعيّة: الفردانيّة، النّميمة والاغتياب، تجربة «مجرّد العيش».

الكتاب غنيّ جدًّا، وهو مفيد بوجهٍ خاصٍّ لكلّ مَن يعيشون الحياة المكرّسة، إذ يساعدهم على مراجعة حياتهم، وتقييمها من أجل تقويمها.

  الأب سامي حلّاق اليسوعيّ: 

راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.
[email protected]

i

مقالات هذا العدد

المنهج الجامعيّ على وقع الأزمات والحاجات التّربويّة المستجدّة في التّعليم العالي في لبنان – كلّيّة التّربية في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة (USAL) نموذجًا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تنبثق هذه الدّراسة من حاجة ملحّة تستدعيها التّحدّيات المستجدّة على واقع الحياة عمومًا والقطاع التّربويّ في التّعليم العالي خصوصًا، وتهدف إلى البحث في التّعديلات الأساسيّة الّتي يجب إدخالها على المنهج الجامعيّ المتّبع في قسم تربية الطّفولة المبكّرة في كلّيّة التّربية في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة. وقد انتهجت الدّراسة المنهج الوصفيّ التّحليليّ الكمّيّ والنّوعيّ بالاعتماد على أداتين اثنتين هما: الاستبيان ومجموعات التّركيز. أظهرت النّتائج ثغرات أساسيّة في الكفاية الرّقميّة المتمثّلة بتكييف الأدوات الرّقميّة بمرونة وفعّاليّة لخدمة العمليّة التعليميّة التّعلّميّة. كذلك أوضحت الدّراسة وجود ثغرات في المهارات الإجرائيّة لعدد من الكفايات المرتبطة بتكييف المنهج مع الحاجات الفرديّة للمتعلّمين، والاستخدام الصّحيح والدّقيق للّغتين العربيّة والأجنبيّة، وفي معالجة التّحدّيات المحتملة في خلال العمليّة التعليميّة والتّعلّميّة، وتوظيف التّفكير النّقديّ الاستقصائيّ النّشط لضبط المعارف المكتسبة وتحليلها واستخدامها في ما يناسب الموقف التعليميّ. هذا بالإضافة إلى ثغرات في بعض مقرّرات اختصاص تربية الطّفولة المبكّرة الّتي يغيب عن محتواها إعداد الطّالبات إعدادًا يخوّلهنّ القيام بالمهامّ المطلوبة كافّة لتعليم أطفال هذه المرحلة الممتدّة من الولادة حتّى سنّ الثّامنة. وفي الختام، توصي الدّراسة بعدد من الإجراءات الممكن تنفيذها لإدخال التّعديلات اللّازمة.

كلمات مفتاحيّة: المنهج الجامعيّ، الحاجات التّربويّة المستجدّة، اختصاص تربية الطّفولة المبكّرة، الكفاية.

Le programme académique universitaire en fonction des crises et besoins éducatifs advenus au sein de l’enseignement supérieur au Liban –l’Institut d’Education à l’Université des Sciences et des Arts au Liban (USAL) en exemple

Dr. Imane Freij

Cet article est le fruit d’un besoin urgent émanant des défis parus surtout dans le domaine éducatif supérieur. Il vise à repérer les changements essentiels à appliquer au programme académique adopté dans le département d’éducation précoce à l’Institut d’Education à l’USAL. Dans cette recherche nous avons adopté la méthode analytique descriptive qualitative et quantitative, en nous basant sur deux outils: des questionnaires et des groupes de discussion. Le résultat montra un manque au niveau électronique, dont l’utilisation subtile et efficace des outils électroniques au service de l’enseignement et de l’apprentisssage. Un manque apparut aussi au niveau des compétences procédurales propres aux capacités d’adaptation de la méthode en question, aux besoins individuels des enseignants, et d’utilisation correcte et précise des deux langues Arabe et Française, ainsi qu’au niveau de l’étude des défis potentiels tout au long de l’enseignement et de l’apprentissage, et d’adoption de l’esprit critique et investigateur pour contrôler les connaissances acquises, et pour les employer comme il convient au processus éducatif. .

Apparurent aussi des lacunes en ce qui concerne les décisions à propos de la spécialisation en éducation précoce, qui n’offre guère aux étudiantes une formation leur permettant de prendre en charge l’enseignement des enfants, depuis la naissance jusqu’à l’âge de huit ans. .

Enfin, cette recherche propose un nombre de mesures à prendre afin d’effectuer les changements nécessaires. .

Mots clés: Programme académique, nouveaux besoins éducatifs, spécialisation en éducation précoce, compétences. .

 : الدّكتورة إيمان فريج 

رئيسة قسم تربية الطّفولة المبكّرة، وأستاذة مساعدة في جامعة العلوم والآداب اللّبنانيّة USAL. حائزة شهادة دكتوراه في التّربية من الجامعة اللّبنانيّة في العام 2020. لها عدد من الأبحاث التّربويّة، ومنها: “الذّكاء العاطفيّ للمدير وارتباطه ببعض العلاقات الإنسانيّة: دراسة عيّنة لمدراء المدارس الخاصّة في بيروت”، نشر في المجلّة التّربويّة الصّادرة عن مجلس النّشر العلميّ لجامعة الكويت، ديسمبر 2019، وبحث آخر بعنوان: SWOT Analysis: Examining the readiness for Advanced (Cognia currently) Accreditation Process: A Case Study، نشر في مجلّة المنافذ الثّقافيّة المحكّمة، العدد السّابع والعشرون، 2019.

[email protected]

النّازحون السّوريّون واندماجهم بالنّظام التّعليميّ اللّبنانيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ العوامل المزعزعة الاستقرار في لبنان ليست نادرة، كما أنّ حجم تدفّقات اللّاجئين بوجهٍ عامّ، وخصوصًا النّازحين السّوريّين واحد من بين تلك العوامل. طوال العامَين الأوّلين من الصّراع السّوريّ، بين العامَين ٢٠١٢-٢٠١٤، تركت السّلطات اللّبنانيّة المنظّمات الدّوليّة وحدها تقدّم المساعدات الطّارئة إلى اللّاجئين، وتقدّر اليونيسيف أنّ ثمّة أكثر من ٥٠٠ ألف طفل سوريّ في لبنان ضمن مراحل التّحصيل العلميّ. في كانون الأوّل “ديسمبر” ٢٠١٣، طلبت الحكومة اللّبنانيّة رسميًّا المساعدة على تسجيل هؤلاء الأطفال في المدارس الرّسميّة. لكن، هل يندرج هذا الالتحاق في التّعليم ضمن سياسة اندماج مدروسة؟ وهل يعتمد على الرّعاية الاجتماعيّة للّاجئين خصوصًا أنّ لبنان معروف بمكانته التّعليميّة الجيّدة في جميع أنحاء العالم؟ في هذه الدّراسة، سنحاول الإجابة عن سؤال اندماج اللّاجئين في التّعليم، وكيفيّة ضمان السُّبل المناسبة على مستويات عدّة للّاجئين الشّبيبة في النّظام التّعليميّ. على الصّعد السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، للبنان دور يؤدّيه خصوصًا فيما يتعلّق بأسباب اللّجوء وعواقبه على الاقتصاد، حيث إنّ تجربة لبنان لظاهرة اللّجوء، وتاريخ اللّاجئين فيه غنيّة ومتنوّعة للغاية. نقترح، في نهاية هذه الدّراسة، ضرورة استخدام مؤشِّرات لتقييم اندماج النّازحين السّوريّين، وكذلك أهمّيّة الابتكار في التّعليم، واستخدام التّكنولوجيا لتعزيز الاندماج، والتّعلّم والتّكيّف مع احتياجات النّازحين الشّباب بحسب احتياجات سوق العمل.

 

كلمات مفتاحيّة: اللّاجئون – الاندماج – لبنان – سورية – التّعليم – النّازحون السّوريّون

Les déplacés syriens et leur inclusion dans le système éducatif libanais

Dr. Nada Mallah Boustani

Les facteurs de déstabilisation au Liban ne se font pas rares, et l’ampleur des flux de déplacés syriens en est un de plus. Pendant les deux premières années du conflit syrien, entre 2012 et 2014, les autorités libanaises ont laissé les organisations internationales livrer, seules, une aide d’urgence aux réfugiés. De plus, l’Unicef estime plus que 500 000 les enfants syriens à l’âge scolaire. Alors en décembre 2013, le gouvernement libanais a officiellement demandé de l’aide pour scolariser ces enfants dans les écoles publiques. Cette scolarisation et ce recours à l’éducation tombent-ils dans une politique d’inclusion étudiée et tablent-ils sur le bien-être social des réfugiés surtout que le Liban est reconnu pour sa bonne position mondiale au niveau de l’éducation ? Dans cette étude, nous allons essayer de répondre à la question de l’inclusion des réfugiés sur le plan de l’éducation et comment pourrait-on assurer une inclusion adéquate sur plusieurs plans pour les jeunes réfugiés dans le système éducatif ? Sur le plan politique, économique et social, le Liban a un rôle à jouer surtout quant aux causes et conséquences des réfugiés sur l’économie puisque l’exemple du Liban et l’historique des réfugiés au Liban sont très riches et variés. Nous proposons, à la fin de cette étude, la nécessité de recourir à des indicateurs d’évaluation de l’inclusion des déplacés ainsi que l’importance de l’innovation dans l’enseignement et le recours à la technologie favorisant l’inclusion, l’apprentissage, et l’adaptation des jeunes déplacés aux besoins du marché.

Mots clés: Réfugiés – inclusion – Liban – Syrie – éducation – les déplacés Syriens.

الدّكتورة ندى الملّاح البستانيّ:

بروفسورة في كلّيّة الإدارة والأعمال في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، وبروفسورة زائرة في الجامعة الكاثوليكيّة في ليل – فرنسا. حائزة شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة «Jean Moulin Lyon 3» – فرنسا. رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التّميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتّنمية الاقتصاديّة «AXISSED». أستاذة في الهيئة اليسوعيّة العالميّة للتّعليم «JWL». عضوة ناشطة في العديد من الهيئات البحثيّة العلميّة «AIS, LEFMI,CERNAS-Polytech»، وعضوة مؤسِّسة في المنظّمة البيئيّة «Green Community».

www.profnadamb.com

مشروع « الأخوّة الإنسانيّ » يوتوبيا لمسيحيّي الشّرق أم ديستوبيا؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

علامَ يعوّل مسيحيّو الشّرق في مسألة بقائهم؟ وهل من ضمانات تساعدهم على الاستمرار بالرّغم من الأزمة العصيبة والتّحدّيات الكثيرة الّتي يواجهونها؟

يمكن أن يبقى المسيحيّون منغلقين على أنفسهم، غير مبالين بما يحدث حولهم من تغيرُّات جوهريّة في بنية المجتمع المحلّيّ والعالميّ. ويمكنهم انتظار الخلاص من خلال “معجزة” تأتيهم من الخارج، من علُ. وريثما يأتي الحدث الخارق، يعيشون غرباء عن واقعهم بألمٍ وحسرة، أو في اشتياقٍ إلى ماضٍ كانوا فيه روّادًا وصنّاع حضارة. ولكنّهم، بين الحنين إلى ماضٍ ولّى وترقّب زمنٍ “مسيحانيّ” يحرّرهم من واقعهم التّعِس، يفقدون فرصة المساهمة الفاعلة في الوقت الحاضر.

ويمكنهم، بالمقابل، عدم نسيان الماضي، الّذي سطّر المسيحيّون فيه صفحاتٍ بِيضًا في تاريخ أوطانهم، وانتظار مستقبلٍ آخر يبدأ صنعه منذ الآن، هم فيه مشاركون مؤثّرون وروّادٌ حقيقيّون. فالرّجاء الّذي فيهم (1 بط 3: 15) يجعلهم قادرين على القيام بذلك. فيغدون، إذّاك، مساهمين في صناعة الحضارة من خلال نشر ثقافة “الأخوّة الإنسانيّة”. بهذا يعيدون اكتشاف عمق معنى وجودهم الّذي ليس وليد المصادفة، بل هو تدبيرٌ إلهيّ (را. يو 15: 16: لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتُكم وأقمتُكم لتثمروا ويزداد ثمَرُكم) ودعوة متأصّلة في كونهم مسيحيّين، أي ملح هذا العالم ونوره وخميرته (را. متى 5: 13-14؛ 13: 33).

لن نتناول في هذا المقال إشكاليّة أزمة مسيحيّي الشّرق الوجوديّة، ولن نتناول بالتّحليل المفصّل التّحدّيات الحقيقيّة الّتي  يواجهونها، فهناك العديد من الأبحاث والمقالات والمؤتمرات الّتي أَكبَّت على توصيف كلّ ذلك. سوف نتناول إمكانيّة رهان المسيحيّين على مشروع “الأخوّة الإنسانيّة” انطلاقًا من إيمانهم. هل هو رهانٌ ممكن (يوتوبيا)، أم يستحيل تحقيقه (ديستوبيا)؟

كلمات مفتاحيّة: يوتوبيا، ديستوبيا، إيديولوجيا، الأخوّة الإنسانيّة، هندسة السّلام

Le projet de la « fraternité humaine » est-il une utopie pour les chrétiens d’Orient ou une dystopie?

P. Firas Loutfi

Sur quelles raisons les chrétiens du Moyen-Orient fondent-ils leur présence? Quelles sont les raisons qui les font persévérer malgré les nombreuses crises et défis qui existent?

Les chrétiens peuvent se replier sur eux-mêmes, sans s’intéresser aux changements fondamentaux qui affectent la société régionale et internationale. Ils peuvent attendre le salut d’un “miracle” qui vient de là-haut. Et, en attendant cet événement extraordinaire, ils vivent des intentions hors de leur contexte, entre nostalgie d’un passé glorieux et avenir «messianique».

D’un autre côté, ils peuvent chérir le passé et, en attendant l’avenir, ils peuvent aider à le construire dès maintenant. Ils possèdent déjà «l’Espérance» (1 Pt 3,15). Ce n’est qu’ainsi qu’ils deviennent des bâtisseurs de civilisation et répandent la «fraternité humaine». On redécouvre ainsi le sens profond de leur présence en Orient, non par coïncidence mais par Providence divine (Jn 15, 16: «Ce n’est pas vous qui m’avez choisi, mais moi, je vous ai choisis, et je vous ai établis ainsi afin que vous portiez du fruit et que votre fruit demeure»). Être chrétien est une véritable vocation, c’est-à-dire être lumière, sel et levain (cf. Mt 5, 13-14; 13,33).

Cet article n’examine pas les multiples crises liées à la présence chrétienne au Moyen-Orient, il analyse les multiples crises auxquelles elles doivent faire face. Mais, discutons ici éventuellement du pari des Chrétiens sur le projet de la «fraternité humaine», à partir de leur foi. Ce pari est-il possible (utopie), ou impossible à réaliser (dystopie)?

Mots clés: Utopie, dystopie, fraternité humaine, idéologie, consolidation de la paix.

الأب فراس  لطفي الفرنسيسكانيّ:

مُجاز في الفلسفة واللّاهوت من الجامعة الحبريّة الأنطونيّة بروما. حائز شهادة ماجستير في اللّاهوت الكتابيّ من الجامعة الغريغوريّة بروما، ويحضّر أطروحة دكتوراه في جامعة القدّيس يوسف ببيروت. يشغل حاليًّا منصب رئاسة الآباء الفرنسيسكان في دمشق، وهو كاهن رعيّة “اهتداء القدّيس بولس” – باب توما. له العديد من التّرجمات الصّادرة عن دار المشرق.

[email protected]

 

سيرة العاشقَين إساف ونائلة في مكّة قبل الإسلام بين المصادر العربيّة ومعتقدات الشّعوب القديمة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لم تصل إلينا أخبار آلهة العرب قبل الإسلام من مصادرها المباشرة، بل وصلت إلينا من خلال مصادر عربيّة - إسلاميّة أسقطت عليها مفاهيمها الدّينيّة، فعزلت الرّوايات الأصليّة عن محيطها الفكريّ والثّقافيّ. من هذه الآلهة نتناول سيرة عاشقَين هما إساف ونائلة اللّذان تركا اليمن، وقصدا مكّة للحجّ في كعبتها، ولكنّهما ما إن اختليا لفترة في أرجائها حتّى مارسا الجنس. ونظرًا “لتدنيسهما” المكان المقدّس، مُسخا حجرَين ليصبحا عبرة لغيرهما. ولتكتمل العناصر الأسطوريّة في سيرتهما، تورد المصادر العربيّة أنّهما تحوّلا، على الرَّغم من العقوبة، إلى إلهين سادت عبادتهما في مدينة مكّة قبل الإسلام، وبات صنماهما محجًّا يتبرّك منهما المؤمنون، ويتلون الصّلوات ويقدّمون الطّلبات لنيل بركاتهما.

إنّ تحليل المصادر العربيّة بعمق يقودنا إلى فهم جديد للفكر الدّينيّ الّذي ساد الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ويحتّم على الباحثين أن يدرسوا الرّوايات المرتبطة بالآلهة كمؤشّر على نسج العرب قبل الإسلام روايات وأساطير دينيّة. ومن هنا تدور إشكاليّة دراستنا في أصل تلك الرّوايات، ومدى ارتباط سيرة إساف ونائلة بالترّاث الدّينيّ العربيّ القديم، وبخصائص آلهة الخصب في بلاد الكنعانيّين والآراميّين وغيرهم، وبآلهة العشق في بعض نصوص الميثولوجيا الإغريقيّة.

تنطلق دراستنا من عرض تاريخيّ لأبرز ما ورد في المصادر العربيّة الّتي تناولت سيرة إساف ونائلة، ندرس النّصوص ونحلّلها ونبحث عن مصادرها، ونقارنها بعضها ببعض، مركّزين على التّمايز بين مضامينها. وبعد سَوق الاستنتاجات العلميّة بشأن ما ورد فيها، نبحث عن جذور الأسطورة في نقوش جنوب الجزيرة العربيّة، وفي بقايا أساطير الشّعوب القديمة، وسيَر آلهة العشق والخصوبة.

كلمات مفتاحيّة: إساف ونائلة، الأصنام، الكعبة، المصادر العربيّة، الأساطير القديمة.

La biographie des deux amants Isaf et Na’ila à La Mecque avant l’Islam.
Étude comparative entre les sources arabes et les croyances des peuples anciens

Dr. Marwan Abi Fadel

Les informations sur les dieux arabes préislamiques ne nous sont pas parvenues de leurs sources directes, mais plutôt à travers des sources arabo-islamiques qui ont isolé ainsi les récits originaux de leur environnement intellectuel et culturel. À partir de ces divinités, nous discutons de la biographie de deux amants, Isaf et Na’ila, qui ont quitté le Yémen, selon le mythologie, et se sont rendus à La Mecque pour le pèlerinage à sa Ka‘ba, mais dès qu’ils ont été seuls dans ses bâtiments pendant un certain temps, ils ont commis l’adultère dans le sanctuaire. Et en raison de leur «profanation» du lieu saint, ils se sont punis et transformés en deux pierres pour servir d’exemple aux autres. Par contre, pour compléter les éléments mythologiques de leur biographie, les sources arabes mentionnent qu’ils se sont élevés au rang des divinités vénérées à La Mecque avant l’Islam, et leurs idoles sont devenues un lieu de pèlerinage dont les croyants recherchaient les bénédictions.

L’analyse approfondie des sources arabes nous amène à une nouvelle compréhension de la pensée religieuse dans la péninsule arabique avant l’Islam. Et elle suscite les chercheurs à relire les récits associés aux divinités. C’est ainsi que notre étude porte sur l’origine de ces récits, et le lien de la biographie d’Isaf et de Na’ila à l’ancien héritage religieux arabe, cananéen, araméen, grecque et autres.

Notre étude part d’une présentation historique des sources arabes qui traitent de la biographie d’Isaf et de Na’ila, en suivant une étude comparative entre ces sources, afin de rechercher les racines de la légende dans les inscriptions du sud de l’Arabie, dans les vestiges des mythes des peuples anciens, et dans les biographies des dieux de l’amour et de la fertilité.

Mots clés: Isaf et Na’ila, les idoles, al-Ka‘ba, les sources arabes, les mythes antiques.

الدّكتور مروان أبي فاضل :

مدير سابق لكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللّبنانيّة، الفرع الثّاني، الفنار. أستاذ التّاريخ القديم في الكلّيّة، وفي عمادة كلّيّة الآداب.

       حائز شهادة دكتوراه في التّاريخ القديم من جامعة الرّوح القدس في العام 2007 عن أطروحة بعنوان : “الحضارة الكنعانيّة الفينيقيّة من خلال المصادر العربيّة.” من مؤلّفاته، كتب مدرسيّة في التّاريخ والجغرافيا للمراحل كافّة، بالإضافة إلى كتب ومقالات أكاديميّة متعدّدة في التّاريخ القديم وتعليم التّاريخ، نشرت في لبنان والخارج

[email protected]

الحرب العالميّة الثّانية وانعكاساتها على سكّان منطقة مرجعيون (3)

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كان لموقع منطقة مرجعيون الاستراتيجيّ أهميّته الخاصّة في مرحلة الحرب العالميّة الثّانية، إذ إنّها قريبة من الحدود الفلسطينيّة كما السّوريّة، ممّا أثّر في مسار المعارك ونتائجها آنذاك. وقبيل اندلاع الأعمال الحربيّة في منطقة مرجعيون بين الفيشيّين والحلفاء، عاشت تلك المنطقة ضائقة اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة، بسبب الحصار البحريّ المفروض من الحلفاء.

دارت معارك عنيفة، واستمرّت من 8 حزيران حتّى 10 تمّوز 1941. وقد شبّهت بأخطر المعارك الّتي وقعت في أوروبّا وشمال أفريقية. لقد دفع سكّان منطقة مرجعيون أثمانًا باهظة نتيجة تلك المعارك، فيما أدّى احتراق المحاصيل الزّراعيّة إلى التّهديد بخطر المجاعة.

ومع محاولة المرجعيونيّين، محليًّا واغترابيًّا، استيعاب نتائج تلك المعارك الكارثيّة، بالتّساعد أو باللّجوء إلى الدّولة اللّبنانيّة والمسؤولين الفرنسيّين، إلّا أنّ الأمر لم يكن سهلًا على المنكوبين، فيما سعت القوّات الإنكليزيّة إلى تدبير بعض الأعمال المدفوعة للسّكّان المنكوبين، كحفر الخنادق الّتي ما تزال بعض آثارها باقية في منطقة مرجعيون.

كلمات مفتاحيّة: مرجعيون، القلم الصّريح، قوّات فيشي، المجاعة، الجنرال كاترو، المغتربون، الخنادق، الحرب العالميّة الثّانية.

La Seconde Guerre mondiale et ses répercussions sur les habitants de la région de Marjeyoun (3)

Dr. Juliette Al-Rassi

L’emplacement stratégique de la Région de Marjeyoun était d’une importance particulière pendant la Seconde Guerre mondiale, étant proche des frontières palestinienne et syrienne. Par conséquent, cela affecta le cours et les résultats des batailles qui ont eu lieu à cette époque dans cette région. Cependant, avant le déclenchement des hostilités entre les Vichystes et les Alliés, la région a connu une grande crise économique et sociale, en raison du blocus naval imposé par les Alliés.

En effet, de violents combats ont eu lieu dans la région, et ont duré du 8 juin au 10 juillet 1941. Ces combats ont été comparés aux combats les plus dangereux et violents qui ont eu lieu en Europe et en Afrique du Nord, et les habitants de la Région de Marjeyoun en payèrent un lourd tribut. Des récoltes agricoles ont été brûlées et détruites, et la population a été exposée à la menace de la famine. Les originaires de Marjeyoun, tant sur place qu’à l’étranger, ont tenté de combler les résultats catastrophiques de ces combats, en s’entraidant, et en recourant à l’Etat libanais, et aux responsables français dans notre pays, pour réclamer la réparation des dommages. Les forces britanniques, de leur côté, ont également cherché à aider la population affligée en organisant une partie du travail qui leur était payé, comme le creusement de ces tranchées, dont certains vestiges subsistent encore dans la Région de Marjeyoun.

Mots clés: Marjeyoun, Al-Kalam al-Sarih, les Vichystes, la famine, le Général Catroux, les émigrés de Marjeyoun, des tranchées, a Deuxième Guerre Mondiale.

: الدّكتورة جوليات الرّاسي

أستاذة في الجامعة اللّبنانيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. خرّيجة جامعة السّوربون (باريس الرّابعة)، متخصّصة في التّاريخ العربيّ الوسيط وتحقيق المخطوطات. من مؤلّفاتها ثلاثة كتب منشورة، وعشرات الأبحاث باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة.

[email protected]

التّطوّر الدّلاليّ لصورة « العذراء الملاذ » في ديوان المطران جرمانوس فرحات

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إنّ اللّغة، بألفاظها وتراكيبها، متحرّرة ولا تخضع للجمود. وكلّ تشكيل جديد يولّد معنى جديدًا، كما أنّ المعاني الـمُرادة تفرض تشكيلات جديدة على المستوى اللّغويّ. ويعدّ ديوان المطران جرمانوس فرحات رائعةً من روائع المصنّفات الشّعريّة في الأدب العربيّ. واللّافت أنّه تكاد لا تخلو قصيدة من قصائده إلّا وكتب في ختامها بعض الأبيات عن العذراء مريم؛ لذلك، وبمنهج استقرائيّ وصفيّ لهذه الأبيات الشّعريّة، أظهرت هذه الدّراسة التّطوّر الدّلاليّ فيما يختصّ بصورة «العذراء الملاذ»، مع ما يرتبط بها من الألفاظ الآتية: الملجأ، الحصن، والحِمى، على مستوى السّمات، والصّورة الشّعريّة. وإنّ هذه الألفاظ تحمل في ذاتها وسماتها دلالات متنوّعة تطوّرت بشكل لافت، وتماهت مع صورة العذراء مريم، كأمّ اﷲ وأمّ أبناء اﷲ، فلا يشعر القارئ بفارق، عند ذِكر هذه الألفاظ، بينها وبين السّيّدة العذراء، فقد لبست شخصيّة العذراء ودورها الأموميّ في حياة الإنسان.

كلمات مفتاحيّة: ديوان المطران جرمانوس فرحات، التّطوّر الدّلاليّ، العذراء، الملاذ، الملجأ، الحصن، الحِمى، السّمات الدّلاليّة، الصّور الشعريّة، النّعت المختصّ.

Le développement sémantique de l’image «La Vierge sanctuaire» dans la collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat

Dr. Daniel Chedid

Le langage, avec ses énoncés et ses structures, est libérateur et non soumis à la stagnation. Chaque nouvelle formation engendre un nouveau sens, de même, les significations correspondantes imposent de nouvelles formations au niveau linguistique. La collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat est considérée comme un chef-d’œuvre fabuleux de la littérature arabe. Il est à noter que presque tous ses poèmes contiennent des vers concernant la Vierge Marie. Ainsi, par une approche inductive et descriptive de ces vers poétiques, cette étude a donc démontré une évolution sémantique de l’image de la «Vierge sanctuaire», avec les mots suivants qui lui sont associés: refuge, forteresse, et protection, au niveau des traits et l’image poétique. Ces expressions, qui sont elles-mêmes marquées par des connotations très différentes se sont fortement développées et correspondent à l’image de la Vierge Marie, comme mère de Dieu ou mère des enfants de Dieu. Donc, le lecteur ne ressent aucune différence entre ces termes qui ont mis en valeur le caractère et le rôle maternel de la Vierge dans la vie humaine, et la Vierge.

Mots clés: La collection des poèmes de l’évêque Germanos Farhat, développement sémantique, la Vierge, le sanctuaire, le refuge, la forteresse, la protection, les traits sémantiques, les images poétiques, l’épithète spécifique.

الخوري  الدّكتور دانيال شديد :

حائز شهادة الدّكتوراه في اللّغة العربية وآدابها، وشهادة الماجستير في الإدارة المدرسيّة من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. ناظر في ثانويّة مار أنطونيوس للرّاهبات الأنطونيّات – الخالديّة، زغرتا. من مؤلّفاته: صورة يسوع المسيح والعذراء مريم في ديوان المطران جرمانوس فرحات. ودراسة عن تأثير تنشيط الاستراحات المدرسيّة في تطوير قدرة التّأقلم مع الحياة المدرسيّة.

           [email protected]

أَساسُ البَلاغَةِ للزَّمَخْشَريِّ مُعْجَمٌ مُتَفَرِّدٌ مِنْ حَيْثُ المَنْهَجُ وَالمَضْمونُ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة
شاعَ عِندَ العُلَماءِ أنَّ “أساسَ البَلاغَةِ” للزَّمخشَريِّ مُعجَمٌ لُغويٌّ، تميَّزَ عَنْ غيره مِنَ المَعاجِمِ، بِالتَّفريقِ بينَ الحَقيقَةِ وَالمَجازِ في الاستِعمالاتِ اللَّفظيَّةِ. وفي هذا البحثِ، سيظهرُ أنَّ “الأساسَ”، وإنْ كانَ يشبهُ مَعاجِمَ الألفاظِ في طَريقةِ العرضِ وَالتَّرتيبِ، لكنَّهُ لا يشبهها في الـمَنهَجِ والغرَضِ. ولذلكَ، لا يمكنُ اعتِبارُهُ مِنْ مَعاجِمِ الألفاظِ، وإنَّما هوَ مُعجَمٌ لُغويٌّ، حَوى الاستِعمالاتِ الفَصيحةَ، ذاتَ الـمَزايا الفنِّيـَّةِ وَالجَماليَّةِ، وغرَضُهُ تَزويدُ القارئ بِالعِباراتِ البَلاغيَّةِ، ليختزنَها في ذهنِهِ، ويستعمِلَها في كَلامِه وَكِتاباتِهِ؛ فغرَضُهُ، إذن، تَحسينُ الأساليبِ وَالارتِقاءُ بِها، وليس جمعَ الألفاظِ وتَفسيرَها.

كلمات مفتاحيّة: أساسُ البلاغة، الزَّمَخشريّ، المُعْجَم، المَنْهَج، المَضْمون، السِّياق، التَّفْسِير، الاسْتِشْهَاد.

Le fondement de l’éloquence d’Al-Zamakhshari, dictionnaire unique en termes de méthode et de contenu

Dr. Mostafa Al-Darwish

Il était courant parmi les érudits que «Le fondement de l’éloquence» d’Al-Zamakhshari était un dictionnaire linguistique, se distinguant des autres dictionnaires, en différenciant la vérité et les métaphores. Dans cette recherche, il sera montré que «Le fondement», bien qu’il soit similaire aux dictionnaires de mots dans la manière de présentation et d’arrangement, il ne leur est pas similaire dans le programme d’études et dans le but. Par conséquent, il ne peut pas être considéré comme l’un des dictionnaires de mots, mais c’est plutôt un dictionnaire linguistique, contenant les usages éloquents, avec des avantages artistiques et esthétiques. Et son but est de fournir au lecteur des phrases rhétoriques, pour les mémoriser dans son esprit, et les utiliser dans son discours et son écriture; Son objectif est donc d’améliorer et d’élever les méthodes, pas de collecter et d’expliquer les mots.

Mots clés: Le fondement de l’éloquence, dictionnaire, programme d’études, contenu, le contexte, explication, al-Zamakhshari, martyre..

الدّكتور مصطفى محمّد الدّرويش:

دكتور وباحث لغويّ سوريّ، مُتخصّص في علوم اللُّغة العربيَّة وآدابها، حائز شهادة الدّكتوراه من جامعة القدّيس يُوسف. من مؤلّفاته : “المُعجم اللُّغويّ العربيّ المُعاصِر بين التَّقليد والتَّجديد (المُعجم الوسيط – المُعجم العربيّ الأساسيّ – المُنجد في اللُّغة العربيَّة المعاصِرة)”-أُطروحة دكتوراه، و”المُصطلح النَّحويّ بين النَّحو والدّلالة (المرفوعات والمنصوبات نموذجًا) “-رسالة ماجستير، و”المقاصد الدّلاليَّة والأسلوبيَّة لِوضع الاسم الظّاهر مَوضع الضَّمير في القرآن الكريم”- مقال مَنشور في مجلّة المَشرق (السّنة 96، ج.1، ك.2 – حزيران ٢٠٢٢).

[email protected]

 

البدل وعطف البيان: اثنان أم واحد؟

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ترى الباحثة أنّ تفريق النّحاة بين بدل الكلّ من الكلّ وعطف البيان هو تفريقٌ مصطنع قائم على نظريّة العامل، وأساسه أنّ البدل على نيّة تكرار العامل في المبدل منه.

وعليه، ترى الباحثة أنّ كلّ ما يعرب عطفَ بيان يصحّ إعرابه بدل كلّ من كلّ، وللبرهنة على صحّة رأيها تناولت: البدل تعريفًا، وفائدةً، وأنواعًا، وحكمًا، والعامل فيه، وأوجه الاختلاف بينه وبين النّعت، ثمّ تناولت من جهة أخرى عطف البيان تعريفًا، وتسميةً، وحكمًا، وأوجه الاختلاف بين عطف البيان والنّعت. لتنتهي بتبيان ما يقوله النّحاة من فروق بين عطف البيان وبدل الكلّ من الكلّ لتفنيدها.

كلمات مفتاحيّة: البدل – عطف النّسق – الاختلاف – التّشابه – العامل الإعراب – النّحو – التّسمية – الحكم.

L’apposition explicative et la conjonction: sont-elles identiques ou différentes ?

Par Dr. Eva Amiouny

La chercheuse trouve que la distinction que les grammairiens ont faite entre l’apposition explicative et la conjonction est une distinction factice basée sur la théorie du facteur agissant. Il est convenu selon lui que dans l’apposition le facteur agissant se répète dans le mot remplacé.

La chercheuse avait fixé un objectif dans sa recherche qui est le suivant: tout ce qui est analysé comme Atif El Bayan peut être considéré comme apposition.

Pour aboutir à son objectif, la chercheuse a avancé d’une part dans son étude: la définition de l’apposition, sa fonction, ses genres, ses règles, le facteur qui la définit et les différences entre l’apposition et l’adjectif qualificatif.

D’autre part, elle a défini Atif Al Bayan, son appellation, ses règles et les différences entre Atif Al Bayan et l’adjectif qualificatif.

Elle finit son étude par démontrer ce que les grammairiens ont affirmé comme traits distinctifs entre l’apposition et la conjonction afin de les analyser d’une manière approfondie.

Mots clés: Apposition, différence, similarité, facteur agissant, analyse grammaticale, syntaxe, appellation, règle.

الدّكتورة إيفا  سامي أميوني :

أستاذة في التّعليم الثّانويّ في مدرسة مار مارون طرابلس منذ العام 2004، وحاليًّا تقيم في دبي. حائزة شهادة الدّكتوراه في النّحو من جامعة القدّيس يوسف في العام 2021-2022، عن أطروحة بعنوان “الإضمار النّحويّ وأثره في صعوبة النّحو العربيّ.”

[email protected]

 

السّلطة التّعليميّة في خدمة ضمير المؤمن وأمانة شعب ﷲ. التّنظيم الكنسيّ للحياة الأخلاقيّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يورد الفصل السّادس عشر من إنجيل متّى قول يسوع لبطرس: “ما تَربُطُهُ في الأرض يُربَطُ في السّموات وما تَحُلُّهُ في الأرض يُحَلُّ في السّموات” (متى 16، 19). وفي الفصل الثّامن عشر يوجّه يسوع القول نفسه بصيغة الجمع للتّلاميذ مجتمعين (متى 18، 18). إذا ما اعتبرنا أنّ مسألة الرّبط والحلّ تتعلّق بالحكم على الخيارات والأفعال الّتي تشكّل المسارات المتنوّعة في حياة المعمّد في قلب الكنيسة، وإذا ما افترضنا أنّ كلّ حكم يتطلّب عمليّة إدراك صائب وتمييز مسؤول، لا بدّ من البحث في دور كلّ من المؤمن والسّلطة التّعليميّة في تلقّف إلهامات الرّوح القدس، روح الحقّ، في الكنيسة حتّى يبلغ الجميع “ملء قامة المسيح” (أف 4، 13).

يتناول هذا المقال بعض الأسس اللّاهوتيّة والأطر القانونيّة والمبادئ الأخلاقيّة الكامنة في التّكامل الفعّال بين تعليم السّلطة الكنسيّة ومسؤوليّة الضّمير الشّخصيّ في عمليّة التّمييز في حياة المؤمنين. يتألّف المقال من ثلاثة أقسام: الرّوح القدس وحسّ الإيمان، التّنظيم الكنسيّ للإيمان والأعمال، التّمييز الأخلاقيّ المسؤول ومبادئ عامّة  لتنوير الضّمير.

كلمات مفتاحيّة: رسالة الكنيسة، التّمييز الأخلاقيّ، الرّوح القدس، السّلطة التّعليميّة، حسّ الإيمان، تنوير الضّمير، الحقيقة والحرّيّة.

Le Magistère de l’Eglise au service de la conscience morale du croyant  et de la fidélité du Peuple de Dieu. La régulation ecclésiale des mœurs

P. Edgard El Haiby

Le seizième chapitre de l’Évangile de Matthieu cite Jésus disant à Pierre: «Quoi que tu lies sur la terre, ce sera tenu dans les cieux pour lié, et quoi que tu délies sur la terre, ce sera tenu dans les cieux pour délié» (Matthieu 16, 19). Et au dix-huitième chapitre, Jésus adresse la même parole, au pluriel, aux disciples réunis (Matthieu 18, 18). Si l’on considère que le fait de retenir une faute (un péché) ou d’en accorder la dissolution est tributaire du jugement mené par rapport aux choix et aux actions constituant les différents chemins de la vie du baptisé au cœur de l’Église, et si l’on suppose que chaque jugement requiert un processus de prise de conscience convenable et un discernement responsable de la part du sujet, nous sommes invités à nous interroger sur le rôle aussi bien du croyant que de celui du Magistère ecclésial dans la réception des inspirations de l’Esprit-Saint, Esprit de Vérité, au sein de l’Eglise pour que chacun puisse atteindre la «plénitude du Christ» (Ep. 4, 13).

Cet article traite de quelques fondements théologiques, cadres juridiques et principes éthiques qui sous-tendent l’intégration effective de l’enseignement du Magistère et de la responsabilité de la conscience personnelle dans le processus de discernement dans la vie des croyants. L’essai se compose de trois sections: le Saint-Esprit et le sens de la foi (sensus fidei), la régulation ecclésiale de la foi et des mœurs, le discernement éthique responsable et les principes généraux pour éclairer la conscience.

Mots clés: Mission de l’Église, discernement éthique, Esprit-Saint, Magistère vivant, Sens de la foi, Illumination de la conscience morale, Vérité et liberté.

الأب الدّكتور إدغار الهيبي :

بروفسور في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. حائز شهادة دكتوراه في اللّاهوت الأخلاقيّ وأخلاقيّات علوم الحياة من الجامعة الكاثوليكيّة في باريس. وهو عضو في جمعيّة اللّاهوتيّين الفرنكوفونيّة العالميّة لدراسة الشّؤون الأخلاقيّة. أمين عامّ اللّجنة الأسقفيّة لرعويّة الخدمات الصّحيّة في لبنان في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان. مؤسّس ورئيس جمعيّة “جنين” لمرافقة الإنجاب المتعثّر.

[email protected].lb

 

« دراسة ديموغرافيّة لرعيّة حريقص بين العامَين 1918 -1900 » من خلال دفتر الخمس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تسلّط هذه الدّراسة الضّوء، من خلال “الدّيموغرافيا التّاريخيّة”، على مرحلة مفصليّة من تاريخ قرية حريقص، الواقعة ضمن قضاء زغرتا في محافظة لبنان الشّماليّ، والتّابعة كنسيًّا لأبرشيّة طرابلس المارونيّة، والّتي تشكّل نموذجًا حيًّا لمثيلاتها من القرى على الصّعيد الاجتماعيّ، ببعدَيه الدّينيّ والأُسَريّ، ولا سيّما أنّ المرحلة المبحوث فيها 1900-1918 شهدت تداعيات الحرب العالميّة الأولى، وقد حدّت من نموّها السّكّانيّ، نتيجة كثرة الوفَيات، بين أهاليها صغارًا وكبارًا، رغم أنّ الوفَيات لم تكن نتيجة المجاعة الكبرى بحكم موقعها في جبل تربل وقربها من سهل عكّار ومدينة طرابلس، بل على الأغلب نتيجة انتشار الأمراض المعدية الّتي تفشّت بشكل كبير بين أبنائها. كما أنّها بيّنت أيضًا مدى انغلاق هذه المجتمعات بعضها على بعض، حيث إنّ النّسبة الأكبر من الزّيجات حصلت بين أبناء الرّعيّة فحسب. وأكّدت أيضًا مدى التزام أبناء الرّعيّة بقوانين الكنيسة المارونيّة والتّقيّد بها. بالإضافة إلى تأثير هذه القوانين في حياتهم الاجتماعيّة، إن كان في تحديد تاريخ الزّيجات أو العمادات، ومدى تعلّق أهل الرّعيّة بالسّيّدة مريم العذراء شفيعة الرّعيّة، حيث شكّل اسمها النّسبة الأكبر من أسماء الإناث فيها. كذلك أشارت إلى علاقة رعيّة حريقص بالقرى المجاورة لها، إن كان ضمن متصرّفيّة جبل لبنان أو بالقرى الواقعة ضمن ولاية بيروت، وبخاصّة طرابلس وعكّار. وأبرزت أيضًا جانبًا من العادات والتّقاليد المتعلّقة بالزّواج وخروج العروس من بيت أبيها، وأيضًا الأشهُر الّتي شكّلت موسم الأعراس في هذه الرّعيّة، وبخاصّة أنّ معظم سكّانها من الفلّاحين، وقد تأثّرت بشكل كبير بموسم الحصاد. وأعطت مثالًا واضحًا عن التّعايش الإسلاميّ المسيحيّ في المنطقة في تلك المرحلة.

كلمات مفتاحيّة: رعيّة حريقص – دفتر الخمس – ديموغرافيا.

Etude démographique basée sur le registre paroissial de Hrayquess (Années 1900-1918)

Majdeline Saad el Ters

Cette étude vient mettre en lumière, à partir de la «démographie historique», une période primordiale de l’Histoire du village de Hrayquess situé dans la Caza de Zgharta au Liban Nord, et rattaché à l’évêché maronite de Tripoli. En effet, Hrayquess représente un exemple vivant des autres villages au niveau socioreligieux aussi bien que socio-familial, d’autant plus que la période étudiée s’étalant de 1900 à 1918 avait subi les conséquences de la Première Guerre mondiale qui affecta sa démographie suite à la mortalité élevée de sa population jeune aussi bien qu’âgée. A noter que cette mortalité élevée n’eut pas lieu suite à la Première Guerre mondiale, le village se situant dans la montagne de Terbul, à proximité de la plaine du Akkar et de la ville de Tripoli ; mais ce fut plutôt l’effet des épidémies qui se répandirent énormément parmi les habitants.

D’autre part, cette étude souligne la vie renfermée de ces sociétés où les mariages s’accomplissaient uniquement entre les habitants de la même paroisse; elle met aussi en relief l’engagement total des paroissiens et leur obéissance absolue aux lois ecclésiastiques maronites qui réglaient leur vie sociale au niveau des mariages et des baptêmes; elle révèle encore l’attachement des croyants à la Sainte Vierge patronne de la paroisse, qui donna son nom à la majorité des villageoises.

En outre, cette étude met en valeur la relation de Hrayquess avec les villages voisins situés dans la Moutassarrifia du Mont Liban ou dans la Wilaya de Beyrouth, en particulier Tripoli et Akkar. Nous y verrons même certaines coutumes de l’époque, concernant le mariage, le départ de la mariée de sa maison paternelle et les principaux mois où se déroulaient ces cérémonies dans cette paroisse, d’autant plus que la majorité de ses habitants étaient de simples paysans dont les us et coutumes étaient réglés au rythme des saisons, précisément celle des moissons. Sans oublier que Hrayquess fut à cette époque-là un modèle de la convivialité entre les Musulmans et les Chrétiens de la région.

Mots clés: La paroisse de Hrayquess, le registre paroissial ou de catholicité, la démographie.

مجدولين سعد الترس :

طالبة دكتوراه في كلّيّة الآداب والفنون، قسم التّاريخ في جامعة الرّوح القدس – الكسليك. عنوان الأطروحة:” البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة لزغرتا – إهدن بين عامَي 1900-1918 (دراسة موثّقة)”. وحائزة شهادة الماستر من الجامعة اللّبنانيّة عن رسالة بعنوان: ” تاريخ جبيل السّياحيّ بين عامَي 1998-2017″.

[email protected]

Perspectives libanaises Les historiens écrivent l’Histoire et les hommes politiques s’en servent

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Louis Honeiné

Perspectives Libanaises
Janvier 2017 – Octobre 2019

412 p. 1ère édition.Beyrouth : Dar el-Machreq, 2022
(ISBN: 978-2-7214-7113-0)

يتألّف الكتاب من مجموعة مقالات نشرها المؤلّف الدّكتور لويس حنينه على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ومن ثمّ أعاد طباعتها لأنّه ينتمي، بحسب تعبيره، إلى جيلٍ كان يكتب بالرّيشة والحبر والقلم والقلب والعاطفة. أمّا موضوعات الكتاب فهي متشعّبة، لا تتبع أيّة مقاربة منهجيّة، إذ تناولت الأحداث الّتي جَرَت في لبنان بين شهرَي كانون الثّاني 2017 وتشرين الأوّل من العام 2019. لذلك جاءت الموضوعات متناثرة ومتنوّعة، ولا رابط بينها سوى ما عَصفَ بلبنان في تلك الفترة.

في المقابل، يشكّل الكتاب نوعًا من الشّهادة الشّخصيّة لتاريخ لبنان، في فترة سجّلت أحداثًا خطيرة كادت أن تودي بالوطن، بقلم باحثٍ ومواطن يعشق وطنه، متناولًا أحداثًا اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة جرت في لبنان، أو أثّرت في علاقة لبنان بالدّول المجاورة، من دون إغفال بعض الأحداث الدّوليّة، بأسلوب سرديّ ونقدي في آنٍ واحد.

تطرّقت أولى المقالات إلى موضوع المدارس الكاثوليكيّة في لبنان الّتي تتخبّط في أزمات ماليّة واجتماعيّة وتربويّة تهدّد مستقبل لبنان التّربويّ، لما لهذه المدارس من دورٍ رائد في جعل لبنان منارةً للشّرق والعالم، فالأزمة الاقتصاديّة خانقة والأقساط المدرسيّة تُرهق كاهل الأهالي – وقد حدّت من تطوّر العائلات الدّيموغرافيّ – والحلول غائبة، فوقفَ الكاتب بحسرة أمام هذا الوضع المُزري، ولكن من دون أن يُقدِّم أيّة حلول عمليّة للتّوفيق بين واقع الأهل الاجتماعيّ وضرورة المحافظة على مستوى المدارس الكاثوليكيّة التّربويّ، لأنّ التّعليم العالي الجودة مُكلِف. وفي الواقع، فإنّ الكاتب غالبًا ما يوصّف الأحداث بدقّة، ولكنّه لا يقترح الحلول النّاجعة، ولكنّ ذلك لا يقلّل من حماسته ورغبته في خدمة بلاده.

أمّا بخصوص الجامعة اللّبنانيّة، الّتي هي بمثابة الجامعة الوطنيّة الحاضنة أكبر عدد من شريحة الطّلّاب الجامعيّين في لبنان، فانتقد الكاتب جنوحها نحو الفئويّة والمذهبيّة، مشدّدًا على دورها الوطنيّ المرتبط مباشرة بالميثاق الوطنيّ الّذي يؤمن به الكاتب بقوّة، ويعتبره مدماكًا أساسيًّا في الصّيغة اللّبنانيّة الفريدة، والّتي بدونها لا وطن ولا حريّة ولا مستقبل.

وتتوالى المقالات محاكيةً، في صفحات قليلة، التّطوّرات السّياسيّة المحليّة والإقليميّة والدّوليّة والتّاريخيّة، كالمجازر ضدّ الشّعب الأرمنيّ، والحروب الأميركيّة على العراق، والإرهاب على أنواعه، والرّبيع العربيّ.

يقف المؤلِّف، بحيرة الباحث، أمام هذه المآسي والجرائم، مفتّشًا عن الحقيقة والرّابط بين كلّ هذه الأحداث، والّذي يحول دون بناء عالَم يسوده السّلام والوئام والاستقرار، فيستنتج أنَّ رجال السّياسة يستعملون التّاريخ لمصالحهم الخاصّة، من دون خجل.

«Les historiens écrivent l’Histoire et les hommes politiques s’en servent».[1]

من جهةٍ أخرى، لا يخلو الكتاب من بعض المقالات الفكاهيّة الّتي تُرطّب الأجواء المتشنّجة، كقصّة الدّعوى القضائيّة الّتي تقدّمت بها إحدى العائلات الفرنسيّة ضدّ جيرانها، بسبب انزعاجها من صياح ديكها. وقد وردت القصّة على صفحات جريدة  «لوموند Le Monde» الرّصينة، تحت عنوان «ديك موريس Le Coq de Maurice». واللّافت أنّ المؤلِّف أضاف إليها تجربته الخاصّة في قريته، حيث كان الأهالي يتبارون في معرفة جنس طيور الدّجاج قبل ولادتها.

أمّا عن قرية المؤلِّف، بكاسين، فعنها سرد آخر. هي الرّابضة على تلّة في جنوب لبنان، أرض الأنبياء والرُّسل، متوّجةً بغابات من الصّنوبر والملّول والوزّال. مع الإشارة إلى أنّ الكاتب لا ينكفئ عن التّكلّم على حياته في القرية، منذ بداية الكتاب حتّى السّطر الأخير.

«Bkassine est mon village, et je suis fier que les Libanais l’aient choisi comme village modèle… Mon village est propre… Nous avons de jolies demeures… Vous êtes chez vous à réchauffer à un rayon de soleil automnal, très agréable…»[2]

ولكنّ هذا الحبّ الجارف والصّادق لا يلبث أن يتحوّل إلى مأساة وجوديّة تسبّبت بها الحرب اللّبنانيّة، فتغيّرت صورة القرية الجميلة، بعد أن تهجّر أهلها، وتشوّهت صورة المنطقة الّتي ترعرع فيها، فأضحى الكاتب غريبًا عمّا يجري من أحداث في وطنه، ممّا دفعه إلى طرح جديد لمسألة الهويّة والانتماء والإصلاح والثّقافة والمستقبل في ضوء الماضي والحاضر.

«Et la guerre est arrivée. Cette guerre est venue accélérer le processus de désertification démographique et social de Bkassine… Comment sauver nos villages?… La guerre n’a pas seulement rendu nos villages déserts, mais elle a surtout dévoyé notre classe politique».[3]

وإذ يتأسّف الكاتب على واقع الحال، حيث الفساد مُنتشِر، والطّبقة السّياسيّة لا تملك أيّة رؤيا لمعالجة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة الممعنة في التّدهور، يستشهد في مقالة تحمل عنوان «الوطن البائس والجمهوريّة الحزينة» بما قاله الشّاعر الكبير فيكتور هوغو عن الوزراء الّذين وصفهم بزجاج الشّبابيك بسبب قِصَر نظرهم[4]، وخضوعهم الكامل لزعمائهم، وكأنّهم صورة عنهم طبق الأصل.[5]

إنّ تطوّر الأوضاع المأساويّ في الوطن، وهو يهدّد الكيان والهويّة القوميّة والميثاق وكلّ الصّيغة اللّبنانيّة، دفع الكاتب إلى البحث عن صيغة جديدة، بعد أن صرّح مباشرة ومن دون تردّد بأنّ الميثاق الوطنيّ قد انتهى، مستشهدًا بقول الصّحافيّ جورج نقّاش: «إنَّ مضادَّين لا يصنعان وطنًا».[6]

إنّ معاناة الكاتب تجسّد خيبة أمل وتشاؤم جيلٍ كامل عاش وترعرع في لبنان، في فترة ما بين الاستقلال وبداية الحرب الّتي دمّرت الأحلام والهويّة والإبداع والأصالة والانتماء والانفتاح على الكون، لبنان فؤاد أفرام البستاني، وسعيد عقل، وسعيد تقي الدّين، والرّحابنة وغيرهم الكثيرين ممّن ارتقوا بلبنان كوطن للإنسان. أمّا نتيجة خيبة الأمل فغربة في الوطن، وقد انحدر إلى مصاف الدّول الفاشلة الّتي فقدت أبسط مُسلّمات وجودها وصدقيّتها، فترجّحت النّظرة إليه، بين حُبٍّ دفينٍ له وعدم إيمان بمستقبله، وقد دُفع شبابُه على طريق الهجرة، وانطفأت أنوار قناطر البيوت العريقة، وخسرت قرى الجبل الشّامخة، كقطعِ سماء على الأرض، فرسانَها الّذين عبروا المحيطات، وتشتّتوا في الكون الفسيح مثل أجدادهم الفينيقيّين.

إنّ كتاب الأديب والأستاذ الجامعيّ لويس حنينه «توقّعات لبنانيّة» يعبّر عن مأساة وطن فقدَ معظمُ أبنائه ثقتهم به، وهذه بداية الانحطاط.

 

[1]       Louis Honeiné; Perspectives Libanaises, janvier 2017 – octobre 2019 (Beyrouth:  Dar el-Machreq, 2022), 333.

[2]       Honeiné, 69., Ibid,

[3]       Honeiné; Ibid., 70.

[4]       «Les Ministres actuels sont des carreaux de vitres. On voit le président au travers»

[5]       Philippe Alexandre, Dictionnaire amoureux de la politique (Paris: Plon, 2011), 388. (cité par l’auteur, 283.)

[6]       Honeiné, Op.cit, 231.

 

الدّكتور جورج لبكي : رئيس مجلس إدارة المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز شهادة دكتوراه في القانون من السّوربون، وأخرى في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس XII. من مؤلّفاته باللّغة الفرنسيّة: أنثولوجيا. الأدب اللّبنانيّ باللّغة الفرنسيّة. ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

[email protected]

الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

بشّار وديع رحمة

الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية،
تاريخهم الحقيقيّ، حاضرهم، والأمل بتفعيل أدوارهم

136 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-7115-4)

منذ بداية القرن العشرين، انتقل التّحذير من خطر زوال المسيحيّين من الشّرق إلى مرحلة دقّ جرس الإنذار. فالحروب في فلسطين ولبنان والعراق وسورية، وتزايد مضايقات الأصوليّين في مصر، إضافةً إلى الأزمات الاقتصاديّة، وبطء التّزايد الدّيموغرافيّ بين المسيحيّين، وارتفاع الإقبال على الهجرة الدّائمة، عوامل لم تساهم في انخفاض نسبة السّكّان المسيحيّين وحسب، بل في «انهيار» أعدادهم في البلدان الّتي عاشوا فيها منذ نشأة المسيحيّة إلى اليوم.

إلى جانب ظاهرة الانحسار هذه، يُلاحَظ انسحاب المسيحيّين الباقين في هذه البلدان من العمل السّياسيّ، بل ولنقل من المواطنة، في أنظمةٍ تعلن أنّها علمانيّة تُشرك الجميع في العمليّة السّياسيّة، لكنّ هوّةً واسعة تفصل بين الإعلان والواقع، في ظلّ توتاليتاريّةٍ تصطبغ غالبًا بالطّائفيّة.

من ناحية التّفكير العمليّ، لا الوصفيّ، الكتابات الّتي تعالج موضوع الأقلّيّات المسيحيّة ضحلة، والحلول أفلاطونيّة. من هنا تأتي أهمّيّة كتاب الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية. إنّه محاولة جادّة لتحليل اللّاوعي الجمعيّ في أذهان المسيحيّين بالبلدان العربيّة عامّةً، وسورية بخاصّة، واقتراح حلولٍ تساهم في إعادة المسيحيّين إلى مواطنتهم، وتفعيل أدوارهم في حياة البلد الّذي يعيشون فيه.

يعتمد تحليل الكاتب بشّار وديع رحمة على نظريّة المحلّل النّفسيّ يونغ في اللّاوعي الجمعيّ. كلّ إنسانٍ يحمل في لاوعيه إرثًا تاريخيًّا لا يمكن تجاهله إذا أردنا أن نفهم لماذا يعيش واقعه على هذا النّحو. قد لا يعي شخصيًّا هذا الإرث، ولا يمكنه التّعبير عنه بوضوح، لكنّه موجود ومؤثِّر مثل الهواء الّذي نستنشقه.

انطلاقًا من ذلك، يبدأ الكتاب بسردٍ موجزٍ لتاريخ المسيحيّين في سورية، وهي الفئة الّتي اختار أن يبحث في شأنها، ابتداءً من الحضارات القديمة، فيعرض الفترات الّتي كان السّكّان المحلّيّون فيها حاكمين لأنفسهم، والفترات الّتي كانوا فيها محكومين. والفكرة بسيطة وواقعيّة: حين تعيش الأجيال قرونًا وهي محكومة، لن تفكّر الأجيال الجديدة بأن تسعى لتحكم، بل ستتكيّف مع الواقع، وتعيش في سلبيّةٍ وعلى الهامش.

العرض التّاريخيّ يقول إنّ المسيحيّين الموجودين الآن في الشّرق ليسوا في غالبيّتهم شعوبًا وافدة، بل من سكّان البلد الأصليّين، يحملون في ذاكرتهم الجمعيّة اللّاوعية آثارًا من العمّوريّين والفينيقيّين والآراميّين…

بعد هذا العرض الواسع في مدّته التّاريخيّة، والمقتضب في تقديمه، ينتقل الكاتب إلى تاريخ المسيحيّين في ظلّ الإسلام، وهنا يبطئ في حديثه، لأنّ حال الأمس مرتبط بكثيرٍ من عناصره بحال اليوم. في هذا العرض، يتبنّى نظريّات علم النّفس الّتي تلاحظ أنّ «الذّاكرة البشريّة انتقائيّة سلبيّة». فنحن نتذكّر بسهولةٍ آلامنا ومعاناتنا وأخطاءنا، وبصعوبةٍ أفراحنا وهناءنا وحسناتنا. وبما أنّ تاريخ المسيحيّين في ظلّ الأنظمة الإسلاميّة المتتالية هو مزيج من السّعادة والتّعاسة، يبقى في ذاكرة المسيحيّين فترات الاضطهاد الّتي تعرّضوا لها على يد المسلمين، وهي كثيرة، ومؤلمة، و… باقية في ذاكرة اللّاوعي الجمعيّ.

الملاحظ في هذا العرض التّاريخيّ سعي الكاتب وراء الموضوعيّة قدر الإمكان، على الرّغم من أنّ المراجع الّتي يستعين بها تميل إلى التّعتيم على المسؤوليّة المحتمَلة الّتي يتحمّلها المسيحيّون في الاضطهاد الّذي شُنَّ ضدَّهم؛ كتعاونهم مثلًا مع إبراهيم باشا الذي غزا سورية في القرن التّاسع عشر، وما تلاه من مجازر في حقّ المسيحيّين بعد انسحابه. كما لا يغفل عن الإشارة إلى جزئيّة الاضطهاد، فيبيّن حدوده الجغرافيّة، ومعارضة بعض المسلمين النّافذين له.

ويزداد التّقديم تباطؤًا حين يتطرّق الكاتب إلى فترة الاستقلال وما بعدها حتّى اليوم. وبكثيرٍ من الموضوعيّة وعدم الانحياز، يسرد فترة حكم حافظ الأسد وابنه بشّار، الّتي شهدت المسيحيّة فيهما أكبر موجة هجرةٍ عرفتها البلاد (هجرة من سورية وليس إلى سورية كما حدث مع الأرمن في بداية القرن العشرين).

عناصر كثيرة تمّ تبنّيها منذ الاستقلال حُملَت إلى المسيحيّين مُرسَلَةً مفادُها: «أنتم مواطنون من الدّرجة الثّانية». وهي مُرسَلَة تتوافق مع سياق تاريخ الحكم الإسلاميّ، وموقف الحكّام من المسيحيّين، وقراراتهم المجحفة بحقّهم. فالدّستور بعد الاستقلال جعل الإسلام مصدر التّشريع، وعلى المسيحيّين أن يتبعوا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ من دون استثناءٍ اللّهمّ إلّا في دور المحاكم الكنسيّة في البتّ بأمور طلاق المسيحيّين. أمّا الإرث فعلى المحاكم الكنسيّة أن تتبع الشّرع الإسلاميّ.

ويتوقّف الكاتب قليلًا عند حدثٍ لم يؤخذ كثيرًا على محمل الجدّ: تأميم المدارس الكاثوليكيّة، وإحكام الدّولة السّيطرة على العمليّة التّعليميّة، وبذلك سُحِبَت من المسيحيّين آخر ورقةٍ كانوا يمارسون بها دورهم في المجتمع والمواطنة.

كلّ هذا العرض يسعى إلى الفصل الرّابع، الّذي يدرس مجالات تفعيل دور المسيحيّين في مجتمعاتهم. قد تبدو المقترحات للقارئ العربيّ (غير اللّبنانيّ) نوعًا من اليوتوبيا، لأنّه تآلف مع فكرة فرض الإسلام مصدرَ تشريع، ويعتبر ضربًا من الدّيستوبيا كلّ مقترحٍ ينادي بدستورٍ وقوانين لادينيّة.

الكاتب يعرض نقاطًا كثيرة في هذا الشّأن، لكنّ واحدةً استوقفتني. إنّ أحد شروط حلّ النّزاعات وإحلال السّلام هو إقرار المذنب بذنبه. وهو أمر له معناه مثلًا حين اعتذر البابا يوحنّا بولس الثّاني عن الحملات الصّليبيّة، واعتذر البابا فرنسيس، في زيارته هذه السّنة إلى كندا، من السّكّان الأصليّين عمّا فعله المسيحيّون بهم. ولا يمكن أن يزول التّوتّر التّاريخيّ بين المسيحيّين والمسلمين إن لم يعتذر المسلمون للمسيحيّين الشّرقيّين عن كلّ المجازر والاضطهادات الّتي مارسوها ضدّهم، فيكون هذا الاعتذار شاهدًا لكلّ غافل كي لا يعيد التّاريخ نفسه، ونقطة انطلاقٍ نحو التّغيير السّلوكيّ والمؤسّساتيّ والدّستوريّ. أمام مقترحٍ كهذا، نجد أنفسنا أمام ديستوبيا ويوتوبيا تتراهنان ثمّ تجلسان وتراقبان مَن منهما سيفوز.

 

.

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ :

راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.
[email protected]

السّيّدة مريم في القرآن الكريم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

حُسن عبّود

السّيّدة مريم في القرآن الكريم

303 ص. ط.2. بيروت – لبنان: دار السّاقي، 2022.
(ISBN: 978-1-85516-399-7)

لن أستعيد مقولة نصر حامد أبو زيد في اعتباره مفهوم النّصّ (ويعني به القرآن الكريم) مفهومًا محوريًّا في علوم القرآن، وفي الدّراسات الأدبيّة، على حدٍّ سواء (ص. 19)[1]. وإنّما أجعل مساهمتي بمثابة قراءة ثانية أو ثالثة للنّصّ، ولعلّها قراءة للقشور بحسب الباقلاني والغزالي وأبي زيد، تنظر في ما أنجزته دراسة الدّكتورة حُسْن عبّود، بكتابها «السّيّدة مريم في القرآن الكريم»[2]، ولا سيّما الفصل المتعلّق بدرس الأسلوبيّة الّذي طاول سورة «مريم»، المكوّنة أصلًا من 98 آية، وقد حصرتُ الدّراسة في مدوّنة مؤلّفة من 33 آية، أي تلك الّتي تروي «رحلة مريم».

ولكن، قبل الشّروع في عرض الملاحظات النّقديّة – المتواضعة – على الفصل الثّالث والسّادس، في الكتاب، لا بدّ من كلمة موجزة جدًّا عن منطلق نظرتِنا في النّقد؛ إنّها استخلاصُ كلّ المفاهيم الواصفة والمثبَتة، من التّراث النّقديّ العربيّ والغربيّ، قديمه وحديثه، من أجل تصويب عمليّة النّقد، ورفع مقدار الموضوعيّة فيها. وكيف إذا كان النّصّ المقترح درسه، والنّظر في درسه، هو القرآن الكريم، الّذي يُعدّ عنوانَ لغة الضّاد، ومبتدأها، إلى كونِه كلام الوحي للمسلمين قاطبة، في كلّ أقطار الدّنيا.

الملاحظة الأولى: تنطلق الباحثة دة. حُسن عبّود، في درسِها أسلوبيّة سورة «مريم» من معيار النُّظم المقتبس من نظريّات النّاقد الفذّ عبد القاهر الجرجاني، والّذي يمكن اعتباره «منهجًا تطبيقيًّا في تفسير الإبداع وتحليله» على حدّ تفسير محمّد جاسم جبارة (ص. 101)[3]، إلى جانب كونِه رابطًا بين النّحو والدّلالة، ومعيارًا في صلاحِ المجاز، ولكن في الشّعر.

الملاحظة الثّانية: إنّ الباحثة، في سعيها إلى تعيين جماليّة النّصّ القرآنيّ – أدبيّته – جهدت في تبيين ثلاثة مظاهر كفيلة بإبرازها، وهي: العناصر اللّغويّة (الأفعال، والفواعل)، والعناصر الجماليّة الصّوتيّة (الفواصل)، والعناصر البلاغيّة (الأدوات البيانيّة، والأسلوبيّة)، هذا بالإضافة إلى بعض المصطلحات الواصفة في علم السّرديّات الحديث، ولا سيّما ؛ أساليب القصّ (الوصف، والحوار، والمناجاة، والتّعليق، والسّرد)، وبعض المصطلحات الواصفة في علم اللّسانيّات الحديث، مثل الأنماط (التّفسير، والمحاجّة أو البرهنة، والوصف، والإبلاغ، والسّرد، والحوار).[4]

وفي استنتاج أخير، يمكن القول إنّ الباحثة دة. حُسْن عبّود اعتمدت منهجيّة مزدوجة المدخل؛ منهجًا تقليديًّا وأصيلًا ومتأثّلًا في درس النّصوص الدّينيّة، مدعّمًا بمراجع عربيّة وأجنبيّة كثيرة، ولا سيّما ما تعلّق بتأويل طبيعة الفوارق والقواسم المشتركة بين الدّيانتين المسيحيّة والإسلاميّة، في ما خصّ حكاية مريم والإطار الثّقافيّ والدّينيّ المتلازم مع الصّور الآرخيتابيّة (القديمة والماثلة في اللّاوعي الجمعيّ، وفقًا للمحلِّل النّفسيّ كارل يونغ).

وبناء على فهمنا للمنهجَين، المتداخلَين غير المتكافئَين، من حيث الحضور في الدّراسة، وعلى قراءتنا المستندة إلى معرفة بالمنهج الثّاني، وزعمٍ بفهم النّصّ المقدّس، أي سورة مريم في القرآن الكريم، تبيّن لنا الآتي، في ما تعلّق بالفصل الثّالث (ص. 89-109):

* بيّنت الباحثة وجود تطابق دلاليّ بين قصّتَي زكريّا ومريم، سواء في القرآن الكريم، أو في الأناجيل الرّسمية والمنحولة. وفي كلامها على مقام كلّ من يحيى وعيسى (المسيح) تستند إلى إشارة دالّة في السّياق، وهي تكليم عيسى بصوت «الأنا» (السّلام عليّ)، والكلام على زكريّا بصوت «الغائب» (والسّلام عليه). وفي هذا ما يدخل في صلب البُعد التّداوليّ الّذي أحسنت الباحثة بالإشارة إليه.

من أجل التّوسّع – لاحقًا – في درس التّمايزات الدّقيقة في مراتب المخَاطبين، والمعنيّين بالكلام في القرآن الكريم، أعني المقامات، وتأويل أفعال الكلام وأفعال القلوب، وأفعال القول، وغيرها ممّا يصنع الخطاب القرآنيّ الكريم الّذي قصَدت الكاتبة – الباحثة تحليله.

* ومن ثمّ انتقلت الباحثة إلى درس «محتوى النّظم وشكله»، وفقًا لما كان رسمَه عبد القاهر الجرجاني من مفهومه للنّظم – المخصوص بالشّعر على ما بيّنا سابقًا – وقد خصّته بنظم السّرد، وشرعت في تظهير أساليب القصّ (حوار، سرد، وصف، تعليق، مناجاة) بحسب ظهورها في السّياق، مع أخذ طبيعة الإيجاز البيانيّ في القرآن بالاعتبار، فلم يفتها الاختزال القرآنيّ للإطار الزّمنيّ، والابتعاد عن التحديد المكانيّ اللّازمَين لصوغ النّصّ القصصيّ بعامّة؛ في حين أنّ الحكاية المسيحيّة تعيِّن زمان ولادة المسيح على نحو مضبوط وقابل للقياس، إذ يقول لوقا:

«وفي تلك الأيّام، صدر أمر عن القيصر أوغسطس بإحصاء جميع أهل المعمورة. وجرى هذا الإحصاء الأوّل إذ كان قيرينيوس حاكم سورية» (لوقا 1/75-2-3).

ثمّ إنّ الأفعال، وإن حملت في طيّاتها سردًا لحكاية مريم، فإنّها انطوت على خطاب نبويّ يتلازم مع الخطاب السّرديّ؛ ولمّا كانت هذه هي البنية المعنويّة المزدوجة، فقد صارَ لزامًا توزيع الأفعال إلى فئتين:

أولى: هي الأفعال السّرديّة الخالصة والمتعلّقة بمريم، ولا سيّما الماضية (انتبذت، فاتّخذت، فحملته، فانتبذت، فأَجَاءَها المخاض، فأتت، فأشارت)، معطوفة على أدوات الرّبط (إذ، ف، من دونهم).

ثانية: أفعال التّدخّل الرّبّانيّ

* الفعل السّرديّ لصاحب الخطاب الأصل (فأرسلنا).

* أفعال القول الحواريّة (قالت، قال، قالت، قال).

وفعلا القول الحواريّان (قالوا، قال).

* فعلا الإنكار (لم يمْسَسْني بشرٌ، لم أكُ بغيًّا).

* فعل المضارع (لنجعلَه آية للنّاس) .

* أفعال الأمر الدّالّة على التّدبير (هزّي، وكلي، واشربي، قرّي عينًا، قولي).

* أفعال الإرادة الرّبّانيّة (أتاني، جعلني، وجعلني، وأوصاني، ولم يجعلني) .

وممّا يُستخلص من أحداث النّصّ في «قصّة مريم» في القرآن، يتبيّن للقارئ، وفقًا للبعد التّداوليّ، أنّ ثمّة أربعة مقامات متوزّعة ومتباينة الدّرجات:

1- المقام الأوّل: الإرادة الإلهيّة المتدخّلة وفاعلة الخوارق (العجائبيّة) ومانحة مريم القدرة على الولادة من روح الله، المتمثّلة بضمير المتكلّمين (نا) (أرسلنا….).

2- المقام الثّاني: النّبوّة والمتمثّلة بشخص مريم (أخت هارون) وبابنها الوليد النّبيّ عيسى، والمتمثّلة بضمير المتكلّمة («أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولمْ أكُ بغيًّا»).

3- المقام الثّالث: وسيط النّبوّة (الملاك) «الّذي أرسلنا إليها روحَنا فتمثّل لها بشرًا سويًّا»، وقد تمثّل بضمير المتكلّم («إنّما أنا رسولُ ربّك لأهبَ لكِ غلامًا زكيًّا»).

4- المقام الرّابع: قوم مريم العاذلون، من آل عمران، ويمثّلون فكر عامّة النّاس الّتي يصعب عليها أن تصدّق الخوارق (العجائب). وقد تمثّل في ضمير المخاطبة («يا أختَ هارون ما كانَ أبوكِ امرئ سوءٍ وما كانتْ أمُّكِ بغيًّا»).

إلى ما يمكن استيفاؤه من درس النّظم، على معيار عبد القاهر الجرجاني. ولئن كنّا لا نرى لزومًا لأن تقتدي بالباحث الأب رولان مينيه[5]، في منهجيّته التّوراتيّة القائمة على تفصيل الآيات، ووضعها في لوحات تركيبيّة لمزيد من الإيضاح، فإنّه من بابِ الحرص على موضوعيّة الدّراسة والإحاطة بأسلوبيّة القرآن الكريم، كان الأَولى اتّباع مفهوم المستويات، كما فعل مينيه[6].   

وهذه المستويات هي الآتية:

أ – المستوى المعجميّ: ونعني به مجموع الكلمات وتوزّعها بحسب حقول معجمية معيّنة، والكلمات المترادفة والأخرى المضادّة، والحقول الدّلاليّة الّتي تنضوي تحتها الكلمات، وأسماء العلم العربيّة والأعجميّة، وغيرها. لكن من الواضح أنّ الباحثة، وإن أكّدت التّناصّ على مستوى ظاهر النّصّ بين سورة مريم وإنجيل لوقا، إلّا أنّها لا تودّ الذّهاب به أبعد، بدراسة مقارنة معجميّة بينهما. وإن أشارت بدءًا إلى جذر الاسم مريم (رومو) وعمران (عمرام) في كلا العبريّة والسّريانيّة والعربيّة، وعيسى، و«الحواريّون».

ولم تكتف الباحثة بذلك، بل تناولت أيضًا البعد الجندريّ في فعل «اصطفاء» مريم؛ فبيّنت، بالعودة إلى قصّة طفولة مريم في سورة آل عمران، أنّ الله «اصطفى» مريم، مثلما اصطفى آدم، ونوحًا، وآل إبراهيم، وآل عمران، فكانت أمًّا للمسيح عيسى، وحقّ لها أن يُنسب إليها (عيسى ابن مريم) – والعرب ما قبل الإسلام تأخذ بشرعيّة النّسب الأموميّ (آل عِمران) على المستوى نفسه من شرعيّة النّسب الأبويّ (آل إبراهيم) كما تؤكّد الآية (33) – مقدّمة قصّة طفولة مريم. واستتباعًا، تقع الباحثة على «موتيف» فذّ من التّراثَين، المسيحيّ والإسلاميّ، وهو موتيف «قلب الموازين»، سواء في صلاة التّعظيم اللّوقاويّة «تعظّم نفسي الرّبّ» (أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتّضعين، أشبع الجياع من خيراته وصرف الأغنياء فارغين…»)، أو في التّسبيحة القرآنيّة («اللّهمّ مالكُ المُلك مَنْ تشاءُ وتنزع المُلكَ ممّنْ تشاءُ تُعِزّ مَن تشاء وتذلّ مَن تشاء…).

ب – المستوى الصّرفيّ - النّحويّ: ونعني به أنساق الصّرف المستخدمة في سورة مريم، وأزمنة الأفعال، وصيغها، وترابطاتها، ودلالاتها الضّمنيّة. فتتبّعت، على سبيل المثال، أفعال السّرد، في كلّ من «ذِكر مريم» في سورة مريم و«طفولة مريم» في سورة آل عمران (آية 35-52)، وبيّنت مجانسة الأفعال لمواقع الشّخصيّات ومقاماتِها في المتن الحكائيّ. وقد تراوحت أزمنة الأفعال بين الماضي المُثبت والمنفيّ، وبين المضارع والمستقبل. والأهمّ أنّ هذه الأفعال رسمت أيضًا مسارًا تؤدّي فيه الفواعل السّماويّة (ﷲ، الرّبّ، الرّوح، الرّسول،) دور التّحويل العجائبيّ.

ج – المستوى التّركيبيّ: ونعني به مجموع التّراكيب الجُمليّة الّتي تشكّلت منها سورة مريم، في القرآن الكريم، (جمل اسميّة/ خبريّة، نواة/بسيطة/ مركّبة، فقرة، مقطع).

د  – المستوى البلاغيّ: ونعني به الصّور البيانيّة والبديعيّة من تشبيه واستعارة وكناية، ومجاز، وجناس، وطباق، وغيره ممّا ورد في السّورة، على اعتبار أنّها من صلب عمليّة النّظم، كما أشارت إليها الباحثة، وفقًا لمرجعيّة الجرجاني.

 هـ – المستوى الإيقاعيّ: وفي هذا الشّأن، أشارت الباحثة إلى ظاهرة التّكرار في السّورة، باعتبار أنّها عنصر من جماليّة النّصّ القرآنيّ المنسجم مع طبيعته الشّفهيّة- أي، الآيات المنظومة للتّلاوة. في حين أنّنا نعتبرها نامية إلى المستوى الإيقاعيّ، شأن غيره من العناصر؛ كما يمكن اعتباره (التّكرار) استراتيجيّة بنائيّة[7]، يُعتمد عليها في صوغ الآيات.

* السّجع غير المنتظم قصدًا، أي الّذي، وإن تماهى بعضُه بسجع الكهّان في الجاهليّة، بسبب تكرار الرّويّ بل القافية عينها، على امتداد سبع عشرة آية (16-33)، تلك الّتي تختصّ بحكاية مريم، وتنطبق على حكاية زكريّا السّابقة لها أيضًا.

ذلك أنّنا لو قارنّا بين سجع الكهّان، في الجاهليّة، وبين فواصل الآيات القرآنيّة، على ما قام به رجل النّهضة الجزائريّة البشير الإبراهيمي، في دراسة أعدّها عنه حفيدُه أحمد الإبراهيمي[8]، المعتبِر «تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد»، لوجدنا فارقَين جوهريَّين بينهما؛ أوّلهما فارق ذو طبيعة دلاليّة أشارت إليه كبريات المراجع النّقديّة العربيّة، وعنيتُ به غاية التّرويج للأباطيل في الأوّل، وسرد يوميّات قبائل وعشائر، وتضخيم سيَر، والإيحاء بالسّحر، والمدح وغيرها من الأغراض.

في مقابل غاية تمكين الإيمان الجديد في النّفوس عبر نصوص القرآن المسجّعة، وبسط رؤية أخلاقيّة وإنسانيّة شاملة. ولئن تلقّى النّبيّ الأكرم الآيات الّتي نزلت بما يوافق كلام العرب وعناصرها اللّغويّة، وهو أمر بدهيّ، على ما يؤكّد رولان مينيه[9]، فإنّ نزولها وحيًا على قلب النّبيّ وصوغها بلغةِ قريش العربيّة المبيّنة، أكسبا كلّ سورة فيها وكلّ آية دلالة فريدة وعظيمة الإيحاءات. أمّا الفارق الثّاني فغالب الظّنّ هو شكليّ، وتركيبيّ بالضّرورة، يقوم على كسر التّوازن والتّوازي بين الجمَل المسجّعة، في النّصوص القرآنيّة، ولا سيّما في سورة مريم – الّتي نحن بصددها – دليلًا على الافتراق الأكيد بين المنهجين والرّؤيتين، وذلك على الرّغم من أنّ في القرآن عددًا من الآيات المتوازنة:

«فيها سرائرٌ مرفوعةٌ/وأكوابٌ موضوعةٌ» (سورة الغاشية، الآية: 13-14).

«أمّا اليتيمَ فلا تقهرْ/وأمّا السّائلَ فلا تنهرْ» (سورة الضّحى، الآية: 9-10).

وما يمكن استخلاصه من المقارنة، أو عمليّة التّناصّ، بين السّور المكّية، والنّصوص المسجّعة للشّعر ما قبل الإسلام، أنّ السّجع وإن يكن أسلوب إيقاع معتمدًا في أغلب نهايات الكلام (الفواصل) في السّوَر القرآنيّة، إلّا أنّه أبعد ما يكون عن تصنّع سجع الكُهّان، أو عن توازناتهم الشّكليّة القصيرة، وذوات التّفعيلات المتماثلة أو المتقاربة.

«فحملتْهُ فانتبذت بهِ مكانًا قصيًّا/

فأَجَاءَها المخاضُ إلى جذعِ النّخلةِ قالتْ يا ليتَني متُّ قبلَ هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا».

أمّا الاستخلاصُ الثّاني فهو أنّ درس الآيات القرآنيّة في ضوء أحدث العلوم اللّسانيّة، وخير المقاربات التّاريخيّة، والسّيميائيّة، والصّوتيّة، والفقهيّة، والتّداوليّة، والبلاغيّة القديمة، والّتي اعتمدَتها الباحثة، من دون أن تتقصّد إبرازها في متن الدّراسة، أنّ درس الآيات القرآنيّة على هذا النّحو، لا يقوى على المساس بقدسيّتها، ولا بمكانتها السّامية بين الأديان السّماويّة والإبراهيميّة. وإنّما نحن على يقين بأنّ هذه العلوم الإنسانيّة البينيّة كفيلة بتظهير أبعاد الآيات القرآنيّة المتشعّبة والممتدّة بمؤثّراتِها إلى نصوص وحضارات وأديان كتابيّة راسخة في القدم.

[1]       نصر حامد أبو زيد (1990) مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن (بيروت: دار الفكر الثّقافيّ العربيّ، 1990)، 19.

[2]       حُسن عبّود (2022) ط.2، السّيّدة مريم في القرآن الكريم: من الّنصّ إلى الخطاب (بيروت: دار السّاقي، 2022)، 89-109.

[3]       محمّد جاسم جبارة (2013)، مسائل الشّعريّة في النّقد العربيّ ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2013)، 91-100.

[4]       Jean-Michel Adam,(2001), Les textes:Types et prototypes (Paris: Nathan), 44.

[5]       Roland MEYNET (1982), Initiation à la rhétorique biblique (Paris: cerf).

[6]       MEYNET, Ibid,16-42.

[7]       Jean Molino-Joelle Gardes-Tamine (1988), Introduction à lanalyse de la poésie (Paris:puf).

[8]       أحمد الإبراهيمي (2009)، سجع الكهّان للبشير الإبراهيمي – دراسة نصيّة – رسالة ماجستير من جامعة العربيّ بن مهيدي. الجمهوريّة الجزائريّة الدّيمقراطيّة الشّعبيّة.

[9]       Roland Meynet, Initiation à la rhétorique biblique, 44.

الدّكتور أنطوان أبو زيد :

أستاذ في السّيمولوجيا وعلوم التّعلّميّة (الديداكتيك). شاعر وروائيّ وناقد ومترجم. له أبحاث في النّقد والتّعلّميّة ومجموعات شعريّة وروايات.

[email protected]

المفكّرة الرّومانيّة: يوميّات رحلة إلى المدينة الخالدة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جوزف طانيوس لبّس

المفكّرة الرّومانيّة،
يوميّات رحلة إلى المدينة الخالدة

96 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-1207-2)

أَهي مُفكِّرة، يوميّات، تقرير، شهادة حيّة؟ نحتارُ ماذا نختار تسميةً أو نعتًا لهذا الكتاب، فهو يكادُ يتحمّلُ كلّ تلك التَّسميات. وعلى صِغَرِ حجمه، يُلبّي متطلّباتِ كلٍّ منها من حيثُ الجوهر، والمعنى، والمرمى.

لم يشأ جوزف لبّس، مؤلِّفُ الكتاب، الاحتفاظَ بهذه المغامرة لنفسِه، بل قرّرَ مشاركتَنا فيها، فجعلَها تنطُقُ على الورق، ونقلَها وَصفًا، وسَردًا، وشِعرًا؛ تاريخًا يحكي، ينبُض، يصلُ إلينا بأسلوبٍ فيه من التّهذيبِ والرُّقيّ ما فيه من الدِّقّةِ والوضوح وسلامة الصِّياغة، بين إنشاءٍ وخبَر، فالمؤلِّف يحرِصُ، وبطبيعيّة مُطلقَة، على أن يوفّقَ بين إبراز جمالِ اللّغة العربيَّة وسِحرِها، وإرسالِ المعلومات الّتي يحتاجُ إليها كلُّ قارئ، صغيرًا كان أو راشِدًا، طالِبًا للعِلمِ أم باحثًا عن متعةِ المطالعة.

فها هي روما تستقبلُه؛ يستهلُّ المؤلِّفُ مشوارَه بإطلالةٍ على نوعٍ أدبيّ طبَعَ التاريخ، هو أدَبُ الرِّحلة، باختصارٍ لافت يشملُ الأساس، ويضعُ القارئ في إطارٍ مَتين يجعله يتوقّعُ ما هو بانتظارِه في الصّفحات التّالية.

«روما وفي خمسة أيّام؟» سؤال سائق سيّارة أُجرة فرنسيّ مُتعجِّب.. نعم، هذا ممكن، إن عرفَ الزائرُ أين يتّجه وماذا يقصد. والمؤلِّف، تُرافِقُه والِدتُه وابنُ أخيه، راح يجولُ في المدينة الخالدة، يسجّلُ ما يراه، يروي أحداثًا متعلّقة بالأماكن والآثار، مستطردًا شِبهَ استطراد، أحيانًا، لتمرير معلومةٍ من هنا ومن هناك، من غير حشوٍ ولا تكرار، توثِّقُ البحث، يتلقّاها القارئ عن غير قصد، فترسَخ في ذِهنِه. فأينَ لنا أن نتذكّر فرجيليوس، أعظم شعراء الرّومان وصاحب الإنياذة، أو أن نتعرّف إليه، لو لم يذكُرْه المؤلِّف في سِياق كلامه على الرُّومان وعظمةِ روما؟ وكيفَ نفكّرُ بالذِّئبة (Lupa)، لو لم يتحدّث المؤلِّف عن أسطورة رومولوس وريموس، ابنَي إله الحرب مارس؟ وكم هي كثيرةٌ الأمثلة!

وهكذا نكتشفُ روما مع المؤلِّف؛ مِن بِرنيني إلى رافاييللو، ومن تلميذ برنيني إلى ميكلانجلو، نمرُّ بكنيسة سيّدة الانتصار، وبساحة البانتيون، وصولًا إلى الكولوسّيو والـﭭاتيكانو، وكابيلّا سيستينا! ومن خلال وصف المؤلِّف، نخالُ أنفسَنا هناك، مشاهِدين مندهِشين؛ فكَم إبداعٍ، وكم جُهدٍ، وكم عبقريّةٍ التّضحيات! كم مِن أحداثٍ جرت وأعمالٍ أُنجِزت لتُصنَعَ تلك المدينةُ وتُبنى؟!

لن نُطيلَ الكلام أكثر، إذ يبقى الكتابُ بذاته هو المتكلِّم، المرجع والدَّليل.

آن ماري شكّور فهمي :

مدقّقة لغويّة ومنسّقة الإنتاج في دار المشرق – بيروت. حائزة إجازة تعليميّة وماجستير في اللّغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشّرقيّة بجامعة القدّيس يوسف – بيروت. لها ترجمات إلى العربيّة في دار المشرق، وقراءات نقديّة في مجلّة المشرق المحكّمة.

[email protected]

أسرار الكون في أربعين سؤالًا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جان بيير لومينيه

أسرار الكون في أربعين سؤالاً

نقلته إلى العربيّة إليزابيتا أبو جودة
96 ص. ط.1. بيروت – لبنان: دار المشرق، 2022.
(ISBN: 978-2-7214-1214-0)

افتح يا سمسم الكون. صرخة أطلقها كتيّب صغير مشحون بالإجابات العلميّة عن أسئلة رافقت الإنسان منذ أن رفع نظره إلى فوق، وتأمّل صنائع اﷲ وعجائبه. من هنا جاءت بداءة الكتاب في الفلكيّين البابليّين والصّينيّين والمصرّيين والإغريقيّين والعرب والأوروبيّين، من كوبرنيكس، وتيكو براهي، ويوهانس كبلر، وغاليليو إلى جورج لوميبتر، مرورًا بكوبرنيكس، وكبلر، ونيوتن، وأينشتاين وغيرهم.

من المفيد الانتباه إلى ربط مضمون الكتيّب بالحضور الإنسانيّ في الفلك الواسع، فكلّ توسّع في جواب يأتي من منصّة إنسانيّة ثابتة كقوله: «إنّ عين الإنسان، وكذلك صفائح التّصوير الفوتوغرافيّ العاديّة ، لا تدرك إلّا جزءًا صغيرًا جدًّا من الطّيف الكهرومغناطيسيّ» (ص. 9)، ليبدأ بالإجابة عن السّؤال المطروح في الضّوء مثلًا، بل يصل إلى طرح مسألة موقف الإنسان مباشرة في السّؤال: «هل ما تزال الأجسام السّماويّة الّتي يراقبها الإنسان موجودة؟» (ص. 11). هذا يعني أنّ الإنسان عالم ذاته، وفلك نفسه، ولو سلّم الكاتب بأنّ «عدد النّجوم في الكون يوازي عدد حُبيبات الرّمل على الأرض» (ص. 13). إنّ عظمة الكون لا تلغي فرادة الإنسان وحضوره على الرّغم من دراسته «القوى الرّئيسيّة الّتي تحكم الكون» (ص. 15)، و«الصّلة بين اللّامتناهي في الكبر واللّامتناهي في الصّغر» (ص. 17). صحيح أنّ المؤلِّف خصّص صفحات للحديث عن الشّمس والكواكب والمنظومة الشّمسيّة (ص. 21-36)، لكنّه قارب الموضوع من بوّابة الحياة واستمرارها ليطرح السّؤال الدّائم «هل سيسكن الإنسان يومًا في كوكب الزُّهرة؟»، وليخلص إلى أنّ «المياه على الزُّهرة تبخّرت كلّها، وأصبح تؤأمنا كوكبًا صحراويًّا ومُحرقًا» (ص. 37). كأنّ المؤلّف، رغم علميّته، خرج إلى النّظريّات الجغرافيّة الفلكيّة باحثًا عن توأم للإنسان وللعالم، وبمعنى آخر البحث عن الذّات، ليس في عمقها فحسب، بل في مظاهرها، كما في بحثه عن تفاصيل الفلك وملامحه، من الحلقات الّتي تحيط بالكواكب (ص. 39)، وعدم بقاء بلوتو كوكبًا (ص. 41)،  والمذنّبات (ص. 43)، وولادة النّجوم وشعاعها (ص. 47)، والثّقب الأسود الّذي هو عبارة «عن حدود هندسيّة ترسم حدود منطقة اللّارجوع» (ص. 53).

ليس في الكتيّب منطقة لا رجوع عن طرح القضايا المختلَفِ عليها، كنظريّة تمدّد الكون، الّتي نادى بها فريدمان في العام 1922، وجورج لومتر في العام 1927، وتعرّضا لانتقادات لاذعة من ألبرت أينشتاين وغيره، ومن فريد هومل في العام 1950، الّذي ناهض هذه النّظريّة بوضعه لفظ «الانفجار العظيم، أو «البينغ بانغ» للحطّ من قيمة نظريّة الانفجار الكونيّ. (ص. 67)، ليتابع عرضه في النّظريّات الفلكيّة ليتساءل: «هل سينكمش الكون أو سيتوسّع باستمرار»؟ (ص. 75)، «وهل من شيء قبل الانفجار العظيم»؟ (ص. 77) ليطرح الأسئلة المتعبة: «هل من حياة خارج كوكب الأرض»؟ (ص. 81)، وهل يمكن الإنسان أن يبحث عن حياة في المنظومة الشّمسيّة في مكان غير المرّيخ؟ وبالتّالي كم من حضارة قد نجد ضمن مجرّتنا؟» (ص. 91).

يختم المؤلّف كتيّبه بجواب واضح متناقض، فيذكر عن إنريكو فيرمي: «لو أنّ حضارات أكثر تقدّمًا من حضارتنا كانت موجودة في النّظم الكوكبيّة القديمة، لكانت تركت علامات (موجات كهربائيّة، أو بقايا آثار إلخ….) يمكن ملاحظتها من الأرض»، ليختم بمعارضة هذا القول من علماء آخرين خلاصتها: «ثمّة كائنات فضائيّة، ولكن، لأسباب مجهولة، فإنّ التّواصل معها، والسّفر عبر النّجوم مستحيل، أو غير محبّذ، ثانيًا إنّ الكائنات الفضائيّة تزور الأرض فعليًّا، ولكن بطريقة سرّيّة» (ص. 92).

ختامًا، يقول أدونيس: الماء جهنّم النّار، وفي هذا الكتيّب يصحّ القول: «الإجابات جهنّم الأسئلة».

الدّكتور جان توما :

حائز دكتوراة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدّيس يوسف، واللّبنانيّة، وسيّدة اللّويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيّة، وشعريّة، ورواية، ودراسات تربويّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]

الأطفال وصعوبات التّعلّم

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لورا ألاريا

الأطفال وصعوبات التّعلُّم

نقلته إلى العربيّة إليزابيتا أبو جودة
128 ص. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-1215-7)

يعكس غلاف الكتاب، من حيث الشّكل، مضمونه بشكل جيّد من خلال صورة الغلاف الّتي تُظهر محاولة الأم تفهّم موقف ابنتها السّلبيّ بطريقة إيجابيّة، إضافة إلى العناوين الفرعيّة للعنوان الأساسيّ الّتي جاءت بمثابة أسئلة فرعيّة، توضح محتوى الكتاب ومضمونه. وهو يتألّف من جزأين، فتتفرّع من الجزء الأوّل سبعة عناوين، ومن الثّاني أربعة.

أمّا من حيث المضمون، فتتناول الكاتبة في الجزء الأوّل (فئات الأطفال ذوي صعوبات التّعلّم الشّديدة) تعريف اضطرابات التّعلّم بطريقة علميّة، وبحسب مجالات تلك الاضطرابات سواء على مستوى اللّغة المحكيّة أو اضطراب الانتباه، أو على مستوى الحركة، ومستوى التّعلّم في المدرسة، مع الإشارة إلى المعايير الأربعة الّتي تحدّد اضطرابات التّعلّم (الخاصيّة، الطّابع الموضوعيّ، الاستدامة وتداخل الاضطرابات الواضح). ويتدرّج المحتوى، ليتطرّق إلى تعريف أدقّ لتعامل أفضل، والكشف والتّقييم والتّشخيص، ثمّ الرّعاية لا سيّما مع ذكر أهمّيّة الأطراف الفاعلة كافّة، ودورها في العمليّة التّعليميّة. تميّز هذا الجزء بمعلومات جدًّا مفيدة وعلميّة تمّ سردها بطريقة سهلة على الفهم، وبتسلسل يشدّ القارىء لمعرفة المزيد لا سيّما المهتمّون بهذا الموضوع.

ونلاحظ في هذا الجزء أنّ فقرة أخذت حيّزًا ليس ببسيط من حيث مساحته، وهي تلك المتعلّقة ببنى المساعدة والدّعم في فرنسا، والتّعديلات الدّراسيّة فيها. هنا يظهر لنا أنّ الكاتبة قد أخذت دراسة الحالة من فرنسا، حيث وردت تفاصيل كثيرة ودقيقة عن كيفيّة القوانين النّاظمة ومسارها من أجل معالجة ذوي الصّعوبات التّعليميّة في فرنسا، مع التّطرّق إلى تفاصيل الضّمان الصّحيّ والتّعويضات، وهي تفاصيل قد لا تهمّ القارىء إن كان لا يعيش في فرنسا، إضافة إلى ورود بعض الأرقام الإحصائيّة حيث لا يظهر مصدر تلك الأرقام وعيّنتها (ص. 17).

أمّا في الجزء الثّاني، الّذي حمل عنوان «نظرة عامّة إلى اضطرابات التّعلّم»، فنجد أنّ الكاتبة، على الرّغم من ورود الكثير من التّفاصيل التّقنيّة والعلميّة البحتة، قد تمكّنت من إيصال تلك المعلومات الخاصّة بمختلف الاضطرابات والصّعوبات التّعليميّة وتفصيلها بطريقة سلسة، خصوصًا من خلال بعض شهادات أهل الأطفال الّذين يعانون من اضطراب معيّن، ممّا يقرّب الموضوع إلى القارىء، وينقل صورة ملموسة وواقعيّة عنه، مع الخروج من إطار الصّعوبات النّظريّ عندالأطفال. وفي هذا الجزء، توصيف مفصّل لاضطرابات تعلميّة مثل عسر الكلام لدى الأطفال، واضطراب التّنسيق التّنمويّ، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النّشاط أو من دونه، وأخيرًا اضطرابات التّعلّم من حيث عسر القراءة واضطراب الكتابة وعسر الحساب. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الكاتبة قد اعتمدت المنهجيّة ذاتها في مقاربة مختلف تلك الاضطرابات، بدءًا من تحديد ماهيّة الاضطراب، مصدره، وظهوره، إلى كيفيّة تقييم الأطفال ذوي الاضطراب وطريقة رعايتهم. ولم تنسَ أن تتناول كيفيّة مساعدة هؤلاء الأطفال في حياتهم اليوميّة، سواء في المنزل أو على المستوى الدّراسيّ.

ومن المهمّ التّوضيح أنّ هذا الكتاب مترجم، وقد كان من الأفضل وضع تفصيل لاختصارات التّسميات العلميّة acronyms الواردة فيه، لا سيّما لدى تشخيص الاضطرابات.

ختامًا، إنّ محتوى الكتاب مصاغ بطريقة جيّدة، والمعلومات واضحة ودقيقة في جزأيه، لا سيّما فيما يتعلّق بتشخيص الصّعوبات، ويستفيد من قراءته كلّ الأطراف الفاعلة في رعاية الأطفال الّذين يعانون من الصّعوبات، وبشكل أساسيّ الأهل، والمعلّمون واختصاصيّو الصّحّة. وهو يغطّي الموضوع من جوانبه كافّة، ويُعتبر قيمة مكمّلة ومضافة إلى مختلف الأدبيّات والكتب الّتي صدرت في هذا الإطار، وبخاصّة في مرحلة ما بعد كورونا، حيث أظهرت دراسات أجريت في أكثر من 146 دولة أنّ معظم الأطفال يعانون من صعوبات، وفاقد تعليميّ كبير. من هنا أهمّيّة عدم الخلط بين هذه الصّعوبات وتلك النّاتجة من أخرى هي أصلًا موجودة عند الطّفل، ومن الأهمّيّة بمكان تشخيصها في مرحلة مبكّرة، كي تتمّ مواكبة الطّفل من كلّ الأطراف الفاعلة في حياته، إن كان في البيت أو في المدرسة، والمساهمة في تقوية شخصيّته، وجعله إنسانًا فاعلًا في مجتمعه.

الدّكتورة نادين الفرنجي : 

حائزة شهادة دكتوراه في التّربية (2017) وماجستير في العلوم السّياسيّة (2010). تعمل مستشارة تربويّة مع الفريق التّربويّ لدى البنك الدّوليّ، وتحاضر في أكثر من جامعة في حقل التّربية المواطنيّة.

[email protected]

هلّا نصلّي سياسيًّا

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يوهان بابتيست ماتس[1]

هلاّ نصلّي سياسيًّا

قدّم له ونقله إلى العربيّة الأب باسم الرّاعي
48ص. ط.1. بيروت – لبنان: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-5629-8)

في تقديم الكتاب يوضح الأب باسم الرّاعي، الذي عرّب النّصّ أيضًا، سبب اختياره هذا العنوان: هلّا نصلّي سياسيًّا. فقد نشر ماتس هذا النّصّ عن الصّلاة بمعناها السّياسيّ مع نصّ آخر لأستاذه كارل راهنر[2] في كتيّب بعنوان «الحضّ على الصّلاة» في العام 1977 بعد إلقائهما النّصّين بشكل عظة في كاتدرائيّة مار بولس في مونستر سنة 1976. ويُضيف الأب الرّاعي قائلًا: «لكنّنا آثرنا أن نعطيه هذا العنوان: هلّا نصلّي سياسيًّا لنقرّب العنوان من المضمون مباشرةً».

يتمحور التّفكير الأساسيّ في هذا الكتاب على «التّوجّه العامّ لتفكير ماتس في لاهوته السّياسيّ ضدّ حصر الدّين في الإطار الخاصّ، وإيجاد موقع له في المجتمع من منطلق أنّ الدّين يمثّل قوّة نقد… أي إنّ الكنيسة تصير سؤالًا مطروحًا على العالم. فهو يرى بالتّحديد أنّ الكنيسة هي «وجدان المجتمع النّاقد»، إذا عرفت كيف تعيش، وخصوصًا على المستوى المؤسّساتيّ، تحت علامات المخزون الإسكاتولوجيّ حتّى يكون حضورها في قلب العالم شهادة على نسبيّة أيّ مؤسّسة من جهة، وما من أجله أقيمت هذه المؤسّسة من جهة أخرى.» وبالتّالي، فإنّ الكنيسة مدعوّة لأن تسير وراء يسوع المعلّم وتتبعه في حياته وسيرته وعمله، وهذا المسار يمثّل نقدًا للواقع. «كلّ هذا تجلّى في صلاة يسوع». والسّؤال الّذي يطرحه الأب الرّاعي عن الدّافع وراء الاهتمام بهذا البعد للصّلاة هو الآتي: يأتي الجواب من الواقع اللّبنانيّ السّياسيّ وانزلاقه الّذي «أحدث طلاقًا بين الفعل السّياسيّ والشّرط القيميّ أو المعياريّ». أمّا المواطنون فهم يجدون أنفسهم عاجزين عن إحداث أيّ تغيير. «وأدهى ما في هذا الواقع أنّ كلا الطّرفين يعلن في الغالب أنّه من المؤمنين… في حين أنّ ما يجاهرون به لا ينسحب في الكثير من الأوقات على وعيهم الصّريح لارتباط الانتماء الدّينيّ والممارسة الدّينيّة بمعترك الوجود الإنسانيّ، وخصوصًا في الواقع السّياسيّ.» والسّبب في ذلك، يُعيده هنا الأب الرّاعي إلى طلاقين اثنين:

«الأوّل يرتبط بطابع الفهم الدّينيّ الّذي تسيطر عليه مسحة من التّقوى أو الخرافة بمعنى حصر صلة الرّوحيّات بالفضاء العلويّ… كما لو أنّ الرّوحيّات تخصّ المجال الإلهيّ لا الإنسانيّ.» وهذا ما يُعتَبَر «ضربًا للعقيدة الأساسيّة في المسيحيّة أي عقيدة التّجسّد».

الثّاني يرتبط بالموقف المأثور الّذي ينادي بفصل الدّين عن الدّولة وعن السّياسة. إلّا أنّ هذا القول «يتجاوز مجرّد الفصل بين الكنيسة والجامع والسّياسة. إنّه يفصل السّياسة عن أيّ مستند قيميّ أو معياريّ أي يفصل بين الدّينيّ والدّنيويّ.» وهذا ما يبدو نوعًا من «التّنكّر لأيّ مصدر قيميّ أو معياريّ للفعل السّياسيّ وبالتّالي تأصيل للتّهرّب من المسؤوليّة السّياسيّة.»

يجد الأب الرّاعي، كما المؤلّف، أنّ هذين الموقفين «يضربان عمق معنى الصّلاة الدّينيّ الأصيل» لارتباط الصّلاة نفسها بالتّجسّد. فالصّلاة هي في قلب الواقع وهي «فعل التزام في قلب الواقع. إنّها جواب على نداءات العالم بحمل شخص يسوع في قلب هذا العالم».

وبعكس ما يعتقده كثير من المؤمنين، فإنّ السّياسة ليست معزولة عن العالم وسياسته، فـ «السّياسة فيها فعل صلاة بكونها مهمّة تعمل على رفع الواقع». «الصّلاة تحضّ على المسؤوليّة تجاه العالم… تؤسَّس المسؤوليّة لا على القلق بل على التّوق نحو التّحقّق».

الصّلاة تدعونا إلى الالتزام وتحمّل المسؤوليّة تجاه واقع مدعوّ أن يرتقي لتتحقّق مشيئة الرّبّ «كما في السّماء كذلك على الأرض».

لقد استفاق الإيمان المسيحيّ على معنًى جديد للمسؤوليّة فلم يعد منفصلًا عن الحياة اليوميّة ولم يعد محصورًا بالمقدّس.

من هنا، جاء عنوان هذا الكتاب غير مترجم حرفيًّا عن الألمانيّة بل وضعه المقدِّم والمترجِم ليحاكي المضمون ويسلّط الضّوء عليه فأصبح هلّا نصلّي سياسيًّا وفيه دعوة إلى الالتزام بما نصلّي به في الممارسة السّياسيّة الّتي من شأنها أن تدير شؤون النّاس نحو الأفضل، وفيه دعوة إلى أن تستجيب الممارسة السّياسيّة لمضمون الصّلاة الّذي يرتقي بالمصلّين نحو تحقيق مشيئة الآب على الأرض.

الكتاب، بعناوينه، يدعونا إلى الدّخول مع المصلّين «في معترك التّضامن التّاريخيّ» كما يدعونا إلى تأمّل جديد في الصّلاة بالمعنى السّياسيّ وباعتبارها عودة ومقاومة.

[1]  Johann Baptist Metz.

[2]  Karl Rahner.

 الدّكتورة بتسا استيفانو :

حائزة دكتوراه في العلوم الدّينيّة، وإجازة في الأدب العربيّ من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. أستاذة محاضرة في معهد الآداب الشّرقيّة في الجامعة، ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيّة فيها. أستاذة محاضرة في جامعة «Domuni» باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللّغتين العربيّة والفرنسيّة.

[email protected]

المئويّتان في اللّاهوت وتدبير ابن الله الصّائر في الجسد للقدّيس مكسيموس المعترف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أسعد قطّان

المئويّتان في اللاّهوت
وتدبير ابن ﷲ الصّائر في الجسد
للقدّيس مكسيموس المعترف

112ص. ط.1 بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-5630-4)

عُرِف عن مكسيموس المعترِف موقفه النّاقد من إيديولوجيا قيصر رومة لتدخّله في الأمور العقائديّة، كذلك جهوده المضنية لمحاربة فلول الأورجينّسيّة، وإلمامه بالأفلاطونيّة المحدَّثة… كما تصدّى للتّيّارات المؤمِنة بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة في المسيح. وأشهر مواقفه، مناظرته العلانيّة مع البطريرك القسطنطينيّ المخلوع في العام ٦٤٥. لكن يبقى دوره المحوريّ في مجمع اللّاتران في العام ٦٤٩ من أهمّ مساهماته في بلورة العقيدة المسيحيّة، ممّا أدّى لاحقًا إلى محاكمته سياسيًّا في زمن اختلط فيه السّياسيّ والدّينيّ. وبذلك، قدّم شهادة رائعة للثّبات في الإيمان المسيحيّ القويم.

أمّا نصّه المئويّتان في اللّاهوت والتّدبير فهو من النّوع الأدبيّ البيزنطيّ الّذي يصنّف ضمن «الفصول» الّتي تمتاز بقصرها وتناول الموضوع الواحد، ويهدف إلى سهولة الحفظ والمساعدة في التّأمّل، الّذي يذكّرنا بـ «أقوال الآباء الشّيوخ». علمًا أنّ المئة مقطع ترمز إلى كمال التّعليم الّذي يحاول أن يقدّمه اللّاهوتيّ، وهو هنا يعرض مئويّتين ليؤكّد كمال تعليمه العقائديّ في مسألتَي اللّاهوت والتّدبير، وهي غير غريبة عن الكاتب، حيث يُعرف لديه مئويّاته الأربع في المحبّة. إنّ وفرة المخطوطات الّتي تقدّم إلينا هذا العمل، تناهز المئة والعشرين مخطوطًا، تؤكّد أهمّيّته في زمانه، وتعكس عمقه اللّاهوتيّ وقدرتها على تبسيط أعمال مكسيموس المعترف السّابقة.

أمّا العمل الّذي صدر عن دار المشرق فقد وضعه بين أيدينا الدّكتور أسعد الياس قطّان، الّذي حاز على شهادة الدّكتوراه في التّاريخ الكنسيّ والآبائيّات من جامعة ماربورغ، والّذي يشغل كرسيّ اللّاهوت الأرثوذكسيّ في جامعة مونستر - ألمانيا. يستند قطّان في منهجيّة التّعريب إلى نصّ الطّبعة النّقديّة المصغّرة الّتي صدرت في ألمانيا في العام ٢٠١٦. ويتحاشى تقديم أيّ تقسيم أو تلخيص للنّصّ الأصليّ، وهو بذلك يحافظ على غاية الكاتب من الأدب المئويّ، أي التّأمّل والتّعمّق والتّفاعل في الأفكار اللّاهوتيّة المقتضبة والمبسّطة. خصوصًا أنّ الفصول الأولى من كلّ مئويّة تقوم مقام المقدّمة لكلّ منها.

في المنهجيّة النّقديّة، يقوم قطّان بتقديم الشّروح والتّعليقات المُسهبة المثبتة في الحواشي، الّتي تهدف إلى تسهيل فهم المصطلحات والمفاهيم الأساسيّة في لغتها اليونانيّة الأصليّة. وهو في ذلك يقدّم إلينا عملًا من طابقَين، الأوّل، كما أراده صاحب النّصّ، أي القراءة والتّأمّل. والثّاني، كما يبتغي المعرّب في تقديم نصّ أكاديميّ نقديّ في وفرة الحواشي والتّعليقات. لا بل أيضًا طابقًا ثالثًا، وهو التّعليميّ، إذ إنّ وفرة الشّروحات وسلاسة أسلوبها تضع بين يدي القارئ المهتمّ أُسس التّفكير اللّاهوتيّ البيزنطيّ الّتي تُساعد في فهم أعمال أوسع من المكتبة اللّاهوتيّة نفسها.

إنّ هذا العمل في صفحاته الّتي تناهز المئة يُغني المكتبة المسيحيّة العربيّة بنتاجٍ لاهوتيّ معمّق، ويُساعد مؤمني الشّرق في التّفكّر والتّأمّل في واقعهم حيث ما يزال يختلط ما هو دينيّ بالدّنيويّ من دون تمييز لدور التّدبير الإلهيّ.

الأب طوني حمصي اليسوعيّ : حائز شهادة ماجستير في اللّاهوت الكتابيّ – كلّيّة اللّاهوت اليسوعيّة – باريس، ودبلوم جامعيّ في الصّحافة الرّقميّة، جامعة القدّيس يوسف – بيروت. مدير التّواصل الرّقميّ للرّهبانيّة اليسوعيّة في الشّرق الأدنى والمغرب العربيّ. يُشرف على النّسخة الرّقميّة للكتاب المقدّس باللّغة العربيّة في ترجمته الكاثوليكيّة، وله عديد من التّرجمات الصّادرة عن دار المشرق.

[email protected]

البابا الرّاهب-الحياة المكرّسة في فكر البابا فرنسيس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الأخت تريز السّلوى

البابا الرّاهب، الحياة المكرّسة في فكر البابا فرنسيس

112 ص. سورية: دار الكتاب المقدّس، 2022

يُقال إنّ الكتاب يُعرَف من عنوانه. والعنوان يشير إلى أمرٍ مميّزٍ تعيشه الكنيسة الكاثوليكيّة في أيّامنا، وهو أنّه، وبعد البابا بيّوس العاشر (1903- 1914)، لم يجلس على كرسيّ بطرس بابا، كان راهبًا، حتّى انتخاب البابا فرنسيس في العام 2013، أي بعد حوالى مائة عام. ولهذا البابا سمة خاصّة وهي أنّه أوّل يسوعيّ في التّاريخ يصبح بابا، على الرّغم من تمسّك اليسوعيّين، بحسب توصيات مؤسّسهم القدّيس إغناطيوس دي لويولا، برفض كلّ الرّتب الكنسيّة غير الكهنوت، وهو تمسّك يعبّرون عنه في صيغة نذرٍ. فإذا كانت خدمة الكنيسة تحتّم، بضرورةٍ قصوى، على اليسوعيّ أن يقبل رتبةً كنسيّة، يضطرّ البابا إلى حلّه من هذا النّذر، وأن يقبل الرّتبة باسم الطّاعة.

لمَ هذه المقدّمة؟ إنّها لإيضاح خصوصيّة كتابٍ كهذا. فالتّعاليم في شأن الحياة المكرّسة لا تصدر من سلطةٍ كنسيّة، بل من شخصٍ عاش التّرهّب، واختبر شخصيًّا تعزياته وآلامه. شخص يعرف تمامًا تحدّيات الحياة الدّيريّة والجماعيّة، وكلّ ما يختبره المكرّس في حياة المشورات الإنجيليّة: الفقر، والعفّة، والطّاعة.

أسلوب الكاتبة، الأخت تريز السلوى، سلس وبسيط، وقد أحسنت دار النّشر في اختيار حجم حرفٍ أكبر من الحجم اعتُمِدَ في الكتب منذ الأيّام الّتي كانت فيها غالبيّة النّاس تقرأ.

ينقسم الكتاب إلى مقدّمة، يتمّ فيها عرض حياة البابا فرنسيس بإيجاز، وأربعة مباحث.

المبحث الأوّل يتناول الأبعاد الأساسيّة للحياة المكرّسة. وتختار الكاتبة من تعاليم البابا كلّ ما يربط الحياة المكرّسة بالثّالوث: البعد الأنتروبولوجيّ يرتبط بالآب، والبعد الخريستولوجيّ بالابن، والبعد المواهبيّ بالرّوح القدس، إضافةً إلى البعد الكنسيّ الّذي يعكس حياة الأقانيم الثّلاثة معًا.

المبحث الثّاني يتناول النّذور: الفقر والعفّة والطّاعة، وهي معروضة بطريقةٍ رعائيّة صرفة، كما اعتدنا في خطابات البابا فرنسيس، فلا تدخل دراستها في الأمور الكتابيّة، بل ينطلق التّفكير فيها من يسوع ليتوجّه بعدها نحو التّحدّيات الّتي يواجهها كلّ نذرٍ في العالم المعاصر، والانحرافات الّتي قد تظهر في طريقة عيشه.

المبحث الثّالث يتناول الحياة المكرّسة، شهادة ورسالة. والرّسالة المعروضة محدودة في أربعة مواضيع: خدمة كلمة اﷲ، خدمة العائلة، خدمة القداسة، خدمة الشّبيبة. قد يبدو تسلسل هذه المواضيع غير مألوف، وربّ قائلٍ: لماذا لم توضع خدمة القداسة ثانيًا، تليها خدمة العائلة وخدمة الشّبيبة؟ بالحقيقة، رأت الكاتبة، وهذا ما تلمّح إليه، أنّ العائلة الّتي تجعل كلمة اﷲ مقيمة فيها، تجعل القداسة ممكنة، وتأتي الثّمرة في النّهاية تنشئةً صالحة تتنشّأها الشّبيبة. يتميّز هذا المبحث بأنّه يختار من تعاليم البابا كلّ ما هو عمليّ جدًّا.

المبحث الرّابع يتناول الحياة الجماعيّة. فلكي نأخذ فكرةً عن مقدار الجانب العمليّ في تعاليم البابا، نذكر بعض العناوين الفرعيّة: الفردانيّة، النّميمة والاغتياب، تجربة «مجرّد العيش».

الكتاب غنيّ جدًّا، وهو مفيد بوجهٍ خاصٍّ لكلّ مَن يعيشون الحياة المكرّسة، إذ يساعدهم على مراجعة حياتهم، وتقييمها من أجل تقويمها.

  الأب سامي حلّاق اليسوعيّ: 

راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.
[email protected]

Share This