مع صدور العدد المئة من مجلَّة المشرق: أربعون عامًا على تأسيس مركز التَّوثيق والأبحاث العربيَّة المسيحيَّة (سيدراك) في الجامعة اليسوعيَّة في بيروت

تلتقي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬محطَّتان‭ ‬ثقافيَّتان‭ ‬وعلميَّتان‭ ‬تحملان‭ ‬دلالة‭ ‬خاصَّة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬البحث‭ ‬العلميِّ‭ ‬العربيّ‭: ‬صدور‭ ‬العدد‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق،‭ ‬ومرور‭ ‬أربعين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭...

نفير سورية أحد عشر منشورًا (١٨٦٠-١٨٦١) للمعلِّم بطرس البستانيّ. استيقاظ الهمَّة في حبِّ الوطن والتَّمدُّن الحقيقيّ

هذه‭ ‬الدِّراسة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬السِّياسيَّة‭ ‬الوطنيَّة‭ ‬نفير‭ ‬سورية‭ ‬الَّتي‭ ‬أسَّسها‭ ‬المعلِّم‭ ‬بطرس‭ ‬البستانيّّ (١٨١٩-١٨٨٣)‭ ‬ردًّا‭ ‬على‭ ‬الفتنة‭ ‬الطَّائفيّة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬منها،‭ ‬بالتَّمام،‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عددًا (١٨٦٠-١٨٦١). ‬كان‭ ‬المعلِّم‭...

لاهوتيُّون مسيحيُّون في معترك حقوق الإنسان

تنطلق هذه المقالة من تحوُّل يلاحَظ اليوم ويتعلَّق بمحاولة فتح مسارات جديدة لتبنٍّ أشمل لحقوق الإنسان. واحدٌ من هذه المسارات يعمل على مدِّ جسور التَّواصل مع الأديان من منطلق أنَّ شرعة حقوق الإنسان قد ربطت مسألة الحقوق بالكرامة الإنسانيَّة. وفكرةُ الكرامة الإنسانيَّة،...

نصٌّ لم يسبق نشره لثاوذورُس أبي قُرَّة († نحو ٨٣٠م) – الرَّدُّ على الَّذين يَقولون إنَّ كَلِمةَ الله مَخلُوقةٌ

نجدُ هذا الرَّدّ، غير المنشور قبلًا، في ختام مجموعة مسائل عنوانها في المخطوطات: «طعنٌ على البرَّانيِّين». تضمُّ عددًا من جوابات أبي قُرَّة على اعتراضات يطرحها المسلمون في مخالفتهم لجوانب شتَّى من الإيمان المسيحيّ. حقَّقنا النَّصَّ اعتمادًا على مخطوطَين من خزانة...

السِّياسة الشَّرعيَّة والشَّرعيَّة السِّياسيَّة في الفكر الإسلاميّ الإشكاليَّات وإمكانات التَّوظيف

لقرون طويلة، ظلَّ اعتبار الدِّين سببًا في قيام الدَّولة، حاضرًا ويلقي بظلاله داخل الدَّائرة السُّنِّيَّة، مسبِّبًا حالةَ التباس بشأن طبيعة الدَّولة وموقع الدِّين منها وفيها. وقد تفاقم الأمر مع مرور الزَّمن بفعل التَّراكم الكلاميّ والفقهيِّ حتَّى تحوَّل في العقل...

الشَّعبويَّة والعنصريَّة الاختلافيَّة وإعادة اختراع أوروبَّا ثقافيًّا. المقاربة الفلسفيَّة لبيير أندري تاغييف

يبحث المقال في دلالات الشَّعبويَّة بوصفها تجسيدًا أنطولوجيًّا لأزمة اللِّيبراليَّة المعاصرة، وتكثيفًا لإشكاليَّة الدِّيمقراطيَّة السِّياسيَّة. كما يستعرض سياقات بروز العنصريَّة الاختلافيَّة، وآثارها السُّوسيوثقافيَّة على البِنية السِّياسيَّة لدول المركز الأوروبِّيّ....

حين يصير الواقع احتمالاً: نيتشه والفكر العجائبيّ

تتناوَل هذه الورقة البحثيَّة حضور العجائبيِّ في الخطاب الفلسفيِّ عند نيتشه، انطلاقًا من فهم العجائبيَّة بوصفها منطقة توتُّر بين الواقع والخيال، والحقيقة والوهم، والمألوف والغريب. لا تُقدَّم العجائبيَّة هنا باعتبارها تقنيَّة أدبيّة فحسب، بل بوصفها أفقًا فلسفيًّا يسمح...

تهيئة المعلِّمين لأداء رسالتهم التَّعليميَّة والتَّربويَّة

تسلِّط المقالة الضَّوء على الدَّور الأساسيِّ للمعلِّم في رسالة المدرسة والجامعة التَّربويَّة. فعلى الرَّغم من التَّحوُّلات التّكنولوجيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة العميقة، يبقى المعلِّم الفاعل الرَّئيس في نقل المعارف والقِيَم والكفايات اللَّازمة للنُّموِّ المتكامل...

القواعد التَّعليميَّة بين النَّزعة التَّقعيديَّة والمنحى الوصفيِّ التَّداوليّ نظريَّة التَّعاون – غرايس

تُعدُّ النَّزعة التَّقعيديَّة في القواعد التَّعليميَّة من أهمِّ أسباب ضعفها، لطغيان المنهج الشَّكليِّ على المنهج الوظيفيّ، وسيطرة الإعراب والتَّصنيف فيهما، فالمتعلِّم هو مجرَّد حافظ للقاعدة المحاطة بقانون لغويٍّ صارم لا يصلح للاستعمال. هذا الانفصال بين القاعدة...

رُؤًى نحويَّة

ينهض هذا البحثُ العلميُّ عَلى مُناقشةِ جُملةٍ مِن الآراءِ النَّحويَّة لبحثينِ يقعان في نطاقِ عِلمِ النَّحو، ليستوثقَ مِنْ مدَى صحَّةِ نَتائجهما وَمدَى تمسُّكهِما بالأصلِ والغايةِ اللَّذين بُني عَليهما عِلمُ النَّحو نفسُهُ؛ وَعَليه سيُناقشُ فرضيَّة المقالة الموسومة...

لات: حقيقتها، عملها، ومعناها

يتناول هذا البحث أداة «لات» من حيث حقيقتها وعملها ومعناها في النَّحو العربيّ، في ضوء اختلاف النُّحاة حولها. وقد عرض الباحث أبرز المذاهب الَّتي قيلت في حقيقتها، فبلغت ستَّة اتِّجاهات، أهمُّها القول بأنَّها مركَّبة من «لا» والتَّاء، وهو الرَّأي الرَّاجح وفق المنهج...

تحوُّلات صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ بفعل الحرب

تتطرَّق هذه المقالة إلى تحوُّل صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ عبر ثلاث مراحل أساسيَّة: قبل الحرب الأهليَّة، في خلالها، وبعدها، مع التَّركيز على دلالات تمثيلها كمدينة تنهض من الخراب، مستكشِفةً كيف يصوِّر الأدب اللُّبنانيُّ بيروت كـ «شخصيَّة حيَّة» تتغيَّر ملامحها مع...

تجلِّيات الرَّمز في شعر محمود درويش

إذا كانت اللُّغة الشِّعريَّة هي لغة المجاز، فإنَّها لغة الرَّمز أيضًا: الرَّمز الاجتماعيّ، الرَّمز الدِّينيّ، الرَّمز النَّفسيّ، الرَّمز الأسطوريّ... فمسألة الرَّمز في الشِّعر واسعةٌ وآفاقها رحبة وطاقاتها الإيحائيَّة كثيفة. وبما أنَّ الرَّمز الطَّبيعيّ، التُّراثيَّ أو...

اللَّيل في ميزان الشَّاعريَّة بين امرئ القيس وأحمد شوقي

يُعنى هذا المقال بتتبُّع مفهوم الشَّاعريَّة في أهمِّ المصادر العربيَّة القديمة والحديثة، لناحيتَي المصطلح والدَّلالة، ويسعى إلى تحديد أبرز الشُّروط اللَّازمة لقيام ذلك المفهوم ونموِّه واكتماله لدى الشَّاعر. بعد ذلك، وفي تطبيق عمليّ، نعقد، في مقالنا، مقارنة بين مقطع...

النَّقد المسرحيُّ العربيُّ بين أفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى: تحوُّلات الخطاب بين النَّصِّ والجمهور

يتناول هذا البحث تحوُّلات الخطاب النَّقديِّ المسرحيِّ العربيِّ في علاقته بأفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى، مع التَّركيز على التَّفاعل بين النَّصِّ المسرحيّ، والعرض المسرحيّ، والجمهور. ينطلق البحث من مقاربات نقديَّة معاصرة تكشف أنَّ الخطاب المسرحيَّ لم يعد حكرًا على...

إنسانيَّة يسوع – حيث يلتقي ﷲ بضُعف الإنسان

في عالمٍ يتَّسم بتسارع التَّحوُّلات، وتفاقم الأزمات، وتزايد الإحساس بالهشاشة واللَّايقين، يقف الإنسان المُعاصر أمام أسئلة وجوديَّة مُلِحَّة تتجاوز حدود المعرفة العقليَّة إلى اختبار المعنى ذاته: مَن أنا؟ لماذا الألم؟ وهل ﷲ قريبٌ من معاناتي أم يظلُّ مُتعاليًا عنها؟ ضمن...

الشيخ طاهر الجزائريّ الدمشقيّ

مقالات من أرشيف مجلَّة المشرق السَّنة الثَّامنة عشرة، العدد ٢، شباط (١٩٢٠) عيسى اسكندر المعلوف صاحب مجلّة الآثار

الرِّسالة البابويَّة العامَّة – الإنسانيَّة الرَّائعة

البابا لاوُن الرابع عشر(١) الإنسانيَّة الرَّائعة اقتداءً بسلفِهِ الرَّاحل البابا لاوُن الثَّالث عشر الَّذي أصدَرَ في سنِي حبريَّتِه رسالةً عامَّةً بهدف مواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الأولى، أصدر قداسة البابا لاوُن الرَّابع عَشَر في الخامس عشر من شهر أيَّار...

تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام، تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش

القسّ عيسى ديابتاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام،تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيشط.١، ٤٤٨ ص.، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦ISBN: 978-2-7214-5050-0 الكتاب بانوراما للعلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة في منطقة الشَّرق الأوسط منذ ظهور الإسلام حتَّى يومنا هذا. لم يحصر...

باباوات وسلاطين، حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسها

جوليو تشيبولُّونيباباوات وسلاطين،حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسهاتعريب: ميرفت كلّي وبارتولوميو بيرونيط.١، ٣٣٦ صفحة، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦ISBN: 978-2-7214-5049-4 الكتاب قراءة في تاريخ الحروب الصَّليبيَّة وليس تأريخًا لها. فالكاتب يعود إلى الوثائق القديمة: كتابات...

La figure de Salomon dans les Chroniques: La sagesse au service du temple

P. Sami Nehmé:La figure de Salomon dans les ChroniquesLa sagesse au service du templePremière édition, 296 pages, Beirut : Dar el-Machreq, 2026ISBN : 978-2-7214-6038-7   تُركِّز «دورة سليمان» (Cycle de Salomon) في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني (الإصحاحات ١-٩) على...

Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme

Pierre JabbourUne affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalismeBeyrouth: Éditions de l'USJ; Paris: Geuthner, Cahiers d’études syriaques, 280 p. 2025.ISBN: 978-614-8019-88-3 يشكِّل كتاب بيار جبُّور إضافة علميَّة بارزة إلى حقل الدِّراسات المارونيَّة...

Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance

FRANÇOIS BOËDECComme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérancePremière édition, 253 pages, Paris: Loyola Press, 2025. راهبٌ يسوعيُّ فرنسيّ، فرنسوا بوادك هو الرَّئيس الحاليُّ لجامعة القدِّيس يوسف في بيروت. حاز شهادة الدُّكتوراه بالعلوم السِّياسيَّة في العام...

الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

إلياس عبد المسيحالشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّط.١، ٦٧٧ صفحة، لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥ يتميَّز الشَّرق الأوسط بأَنَّه مكان ولادة الدِّيانات الثَّلاث الكبرى في العالم: اليهوديَّة والمسيحيّة والإسلام....

Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo

Sobhi Habchi Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo Librairie d’Amérique et d’Orient, Claire MAISONNEUVE, 2020, 324 pages ISBN: 978-2720-012075 ها هو صبحي حبشي يطلُّ علينا مجدَّدًا بكتابٍ...

كاتب

محور

مجلد

سنة

مقال

افتتـاحيّــة العدد الأحدث

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

مع صدور العدد المئة من مجلَّة المشرق: أربعون عامًا على تأسيس مركز التَّوثيق والأبحاث العربيَّة المسيحيَّة (سيدراك) في الجامعة اليسوعيَّة في بيروت

تلتقي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬محطَّتان‭ ‬ثقافيَّتان‭ ‬وعلميَّتان‭ ‬تحملان‭ ‬دلالة‭ ‬خاصَّة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬البحث‭ ‬العلميِّ‭ ‬العربيّ‭: ‬صدور‭ ‬العدد‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق،‭ ‬ومرور‭ ‬أربعين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭...

قراءة المزيد
i

مقالات العدد الأحدث

نفير سورية أحد عشر منشورًا (١٨٦٠-١٨٦١) للمعلِّم بطرس البستانيّ. استيقاظ الهمَّة في حبِّ الوطن والتَّمدُّن الحقيقيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

هذه‭ ‬الدِّراسة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬السِّياسيَّة‭ ‬الوطنيَّة‭ ‬نفير‭ ‬سورية‭ ‬الَّتي‭ ‬أسَّسها‭ ‬المعلِّم‭ ‬بطرس‭ ‬البستانيّّ (١٨١٩-١٨٨٣)‭ ‬ردًّا‭ ‬على‭ ‬الفتنة‭ ‬الطَّائفيّة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬منها،‭ ‬بالتَّمام،‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عددًا (١٨٦٠-١٨٦١). ‬كان‭ ‬المعلِّم‭ ‬بطرس‭ ‬البستانيّ‭ ‬الأديب‭ ‬اللُّبنانيُّ‭ ‬المتعدِّد‭ ‬الثَّقافات،‭ ‬الموسوعيّ،‭ ‬وأحد‭ ‬كبار‭ ‬مؤسِّسي‭ ‬النَّهضة‭ ‬العربيَّة‭ ‬الحديثة،‭ ‬يدعو‭ ‬أبناء‭ ‬جبل‭ ‬لبنان‭ ‬ودمشق،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شهدت‭ ‬صراعًا‭ ‬طائفيًّا‭ ‬دمويًّا،‭ ‬إلى‭ ‬الاستنفار‭ ‬العامّ‭.‬

تُطلِعُنا‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنِّية‭ ‬على‭ ‬مأساة‭ ‬الاقتتال‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬وأنواع‭ ‬الخسارات‭ ‬من‭ ‬جرَّائها،‭ ‬وعلى‭ ‬خطاب‭ ‬البستانيّ‭ ‬في‭ ‬شدِّ‭ ‬العزيمة‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنيَّة،‭ ‬ونشر‭ ‬قِيَم‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتَّمدُّن‭ ‬الحقيقيّ‭.‬تقع‭ ‬أهمِّيَّة‭ ‬الدِّراسة‭ ‬لأعداد‭ ‬جريدة‭ ‬نفير‭ ‬سورية،‭ ‬والَّتي‭ ‬كان‭ ‬البستانيّ‭ ‬مع‭ ‬كلِّ‭ ‬عدد‭ ‬منها‭ ‬يضع‭ ‬لها‭ ‬عنوان ‭]‬الوطنيَّة‭[‬، أنَّها‭ ‬تعكس‭ ‬أحوالنا‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭. ‬وكأنَّ‭ ‬الوطن‭ ‬يعيش‭ ‬الصِّراعات‭ ‬الدَّاخليَّة‭ ‬والخارجيَّة‭ ‬نفسها،‭ ‬وإن‭ ‬اختلف‭ ‬اللَّاعبون‭.‬

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬نفير‭ – ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ – ‬مفهوم‭ ‬الوطن‭ – ‬خسائر‭ ‬الوطن‭ ‬المادِّيَّة‭ ‬والأخلاقيَّة‭ ‬والرُّوحيَّة‭ – ‬أرباح‭ ‬الوطن‭ ‬الأدبيَّة‭ ‬في‭ ‬التَّمدُّن‭ ‬الحقيقيّ‭.‬

Nafīr Sūryā
Onze pamphlets (1860-1861) du maître Butrus al-Bustani,
par Dr. Hosn Abboud

Cette étude examine le journal politique national Nafir Suriyya (L’Appel de la Syrie), fondé par “al-Mu’allim” Buṭrus al-Bustānī (1819-1883) en réponse aux conflits sectaires. Onze numéros furent publiés entre 1860 et 1861. Buṭrus al-Bustānī, homme de lettres libanais, érudit aux multiples talents et encyclopédiste, figure majeure de la Renaissance arabe moderne, appela les populations du Mont-Liban et de Damas à se mobiliser pour la paix après avoir été témoins d’un conflit sectaire sanglant.

Cette lecture attentive nous familiarise avec la tragédie des luttes intestines entre citoyens d’une même patrie et les pertes qui en résultent. Elle met également en lumière le discours d’al-Bustānī, qui mobilisa la détermination à retrouver l’unité nationale et à diffuser les valeurs de la réforme et de la véritable civilisation. L’importance de cette étude sur les questions soulevées par Nafir Suriyya — qu’al-Bustānῑ intitule « Nationalisme » dans chaque numéro — réside dans la manière dont elle reflète la situation actuelle au Liban, en ce début de XXIe siècle, comme si la patrie était en proie aux mêmes conflits internes et externes, même si les acteurs diffèrent.

Mots-clésAppel (Nafῑr) ‒ concitoyens ‒ concept de Patrie ‒ pertes matérielles morales et spirituelles de la Patrie ‒ gains littéraires de la Patrie dans une véritable civilisation.

الدُّكتورة حُسن عبُّود: أستاذة في دائرة اللُّغة العربيَّة ولغات الشَّرق الأدنى في الجامعة الأميركيَّة في بيروت. ناقدة أدبيَّة وباحثة في الدِّراسات القرآنيَّة والأدبيَّة والنِّسائيَّة. حائزة دكتوراه في «الإسلام والفلسفة الإسلاميَّة» من دائرة حضارات الشَّرق الأوسط والأدنى في جامعة تورنتو، كندا (٢٠٠٦). من أبرز إصداراتها مونوغراف، السَّيِّدة مريم في القرآن الكريم: من النَّصِّ إلى الخطاب، ط.٢ (٢٠٢٢). Mother Mary in the Qur’an: A Literary Reading, 2 eds. (2014, 2016) ، و«المفهوم القرآنيُّ لتحرير المرأة: قراءة في النَّموذج النِّسائيّ.» في تكوين، ١ شباط، ٢٠٢٤، و«ترنيمة مريم وحافز «قلب الموازين» بالنِّسبة إلى النِّساء والمستضعَفين والفقراء.» في رندى أبي عاد، السَّلام عليك: تفكُّر إسلاميٌّ ومسيحيٌّ في السَّيِّدة مريم العذراء (بيروت: مؤسَّسة أديان والمكتبة البولسيَّة، ٢٠١٥).


hosnabboud@gmail.com

لاهوتيُّون مسيحيُّون في معترك حقوق الإنسان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تنطلق هذه المقالة من تحوُّل يلاحَظ اليوم ويتعلَّق بمحاولة فتح مسارات جديدة لتبنٍّ أشمل لحقوق الإنسان. واحدٌ من هذه المسارات يعمل على مدِّ جسور التَّواصل مع الأديان من منطلق أنَّ شرعة حقوق الإنسان قد ربطت مسألة الحقوق بالكرامة الإنسانيَّة. وفكرةُ الكرامة الإنسانيَّة، في سياق تطوُّر هذا المفهوم تاريخيًّا، لا تأتي في الأصل من الفهم الفلسفيّ (منذ الرِّواقيِّين، وشيشرون، وخصوصًا كانط) واللِّيبراليِّ وحده، بل هو مفهوم له أصل وطيد في القول الدِّينيّ أيضًا، وخصوصًا في اللَّاهوت المسيحيّ. وهناك دعوة اليوم للدِّيانات لتكون شريكًا فعَّالًا في هذا المضمار. تعمل هذه المقالة على تسليط الضَّوء على جهود بعض اللَّاهوتيِّين: يوهان بابتيست ماتس، ويورغن مولتمان، وليوناردو وكلودوفيس بوف الَّذين جعلوا من قولهم اللَّاهوتيِّ في هذا المجال التزامًا أصيلًا في معترك الحقوق، بعدما أسَّسوا لحقيقة أنَّ هضم الحقوق سببه انتهاك كرامة الإنسان، وبالتَّالي الدِّفاع عن الحقوق لا يكون من دون الدِّفاع عن الإنسان في كرامته، والنِّضال من أجل استعادة الإنسان لهذه الكرامة.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬كرامة – حقوق – إنسان – لا إنسان – عدالة – لا عدالة – ظلم – فرد – التزام – لاهوت.

Des théologiens chrétiens engagés dans la lutte pour les droits de l’homme,
par P. Bassem Rai

Cet article s’inscrit dans le contexte d’une évolution contemporaine marquée par la volonté d’ouvrir de nouvelles voies en vue d’une appropriation plus large et plus inclusive des droits de l’homme. L’une des orientations majeures de cette dynamique consiste à instaurer de véritables espaces de dialogue avec les religions, à partir du constat que la Déclaration universelle des droits de l’homme a indissociablement lié la question des droits à celle de la dignité humaine. Or, la notion de dignité humaine, envisagée à la lumière de son déploiement historique, ne saurait être réduite à la seule tradition philosophique — des stoïciens à Cicéron, jusqu’à Immanuel Kant — ni à l’héritage exclusif du libéralisme. Elle puise également ses racines dans le discours religieux, et plus particulièrement dans la théologie chrétienne, où elle trouve un fondement anthropologique et normatif décisif. C’est dans cette perspective que s’inscrit l’appel, aujourd’hui renouvelé, à reconnaître les traditions religieuses comme des partenaires à part entière dans la promotion et la consolidation des droits de l’homme. Dans ce cadre, le présent article entend mettre en lumière les apports de certains théologiens contemporains, tels que Johann Baptist Metz, Jürgen Moltmann, ainsi que Leonardo Boff et Clodovis Boff. Tous ont fait de leur élaboration théologique, dans ce domaine, le lieu d’un engagement substantiel au cœur même du combat pour les droits de l’homme. Leurs travaux convergent pour établir que la négation des droits procède fondamentalement d’une atteinte à la dignité humaine. Dès lors, la défense des droits ne peut être pensée indépendamment de la défense de l’être humain dans sa dignité, ni du combat en vue de la restauration effective de celle-ci.

Mots-clés : dignité – droits – homme – non homme – justice –  injustice – oppression – individu – engagement – théologie.

الأب باسم الرَّاعي: بروفسور، حائز دكتوراه في الفلسفة واللَّاهوت السِّياسيِّ من جامعة مونستر في ألمانيا. أستاذ محاضر في الجامعة اللُّبنانيَّة والجامعة اليسوعيَّة، له العديد من المساهمات منها: ميثاق ١٩٤٣، المجتمع والدَّولة، الوثائق الوطنيَّة للبطريرك أنطون عريضة، وعدد من التَّرجمات والمقالات.

justin.pasteur@hotmail.com

نصٌّ لم يسبق نشره لثاوذورُس أبي قُرَّة († نحو ٨٣٠م) – الرَّدُّ على الَّذين يَقولون إنَّ كَلِمةَ الله مَخلُوقةٌ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

نجدُ هذا الرَّدّ، غير المنشور قبلًا، في ختام مجموعة مسائل عنوانها في المخطوطات: «طعنٌ على البرَّانيِّين». تضمُّ عددًا من جوابات أبي قُرَّة على اعتراضات يطرحها المسلمون في مخالفتهم لجوانب شتَّى من الإيمان المسيحيّ.

حقَّقنا النَّصَّ اعتمادًا على مخطوطَين من خزانة بطريركيَّة الرُّوم الأرثوذكس بدمشق، وأضفنا كعادتنا العناصر الضَّروريَّة لتيسير قراءة النَّصّ، من علامات وقف، وضبط الكلمات بالشَّكل، كما أبرزنا بنيته البَلاغيَّة وتسلسُل أفكاره، بتقسيمه إلى مَقاطع لها عناوين أساسيَّة وفرعيَّة، وفقرات مُرقَّمة تَسهُل الإحالة إليها.

يُعالج أبو قُرَّة في هذا الرَّدّ إشكاليَّة إطلاق المسلمين على السَّيِّد المسيح لقب «كلمة اﷲ»، والقول في الآن ذاته إنَّه مخلوق. وهذا ما يؤدِّي بحسب رأيه إلى نتيجة مفادها أنَّ كلمة اﷲ مخلوقة، الأمر الَّذي لا يتَّفق مع تصريح القرآن بأنَّ الخالق كوَّن كلَّ شيء بالأمر الإلهيِّ «كُن»، فيكون. فبعد عرض للتَّسميات الَّتي أُطلقت على المسيح في العهد الجديد، يُناقش من الجانبَين اللُّغويِّ والمنطقيّ، وجاهة التَّفسير الشَّائع الَّذي يعزو تسمية المسيح «كلمة» لأنَّه «خُلق بكلمة اﷲ وأمْره».

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬ثاوذورُس أبو قُرَّة – لاهوت عربيٌّ قديم – حوار إسلاميٌّ مسيحيّ – كلمة اﷲ، خالقة أم مخلوقة، أسماء المسيح وألقابه، تفاسير القرآن.

Écrit inédit de Théodore Abū Qurrah († vers 830)
Réponse à ceux qui disent que la Parole de Dieu est créée
Édition critique et introduction
par P. Pierre Masri

Ce traité n’a jamais été publié auparavant. Il fait partie d’un ensemble de réponses apologétiques d’ Abū Qurrah que l’on trouve dans les manuscrits sous le titre «Contre les gens du dehors », où il répond aux objections soulevées par les musulmans à divers aspects de la foi chrétienne.

Cette première édition critique a été réalisée à partir de deux manuscrits conservés à la bibliothèque patriarcale grecque orthodoxe de Damas. Nous avons ajouté, comme d’habitude, tous les éléments nécessaires pour faciliter la lecture du texte, tels que la vocalisation et les signes de ponctuation. Nous avons également mis en évidence sa structure rhétorique et la succession de ses idées, en le divisant en sections avec des titres et des sous-titres, ainsi que des versets numérotés.

Après avoir présenté brièvement les titres donnés au Christ dans le NT, Abū Qurrah traite le problème de l’acceptation par les musulmans du titre «Verbe de Dieu» donné au Christ, tout en affirmant qu’il est créé par Dieu également à Adam. le Verbe de Dieu ne serait alors qu’une simple créature, ce qui est en contradiction avec la déclaration du Coran selon laquelle le Créateur a tout créé par sa Parole divine : Sois. Il discute ensuite, d’un point de vue linguistique et logique, de la validité de l’interprétation courante qui attribue cette appellation au Christ au fait qu’il a été créé par la Parole de Dieu.

Mots-clés : Théodore Abū Qurrah apologétique arabe chrétienne  dialogue islamo-chrétien Parole de Dieu: créatrice ou créée titres du Christ interprétations du Coran.

الأب پيير مصري: خوري كنيسة الملاك ميخائيل للرُّوم الكاثوليك بحلب ومدير المكتبة الرُّوحيَّة فيها، أستاذ اللَّاهوت العربيِّ القديم في المعهد الباباويِّ للدِّراسات العربيَّة والإسلاميَّة بروما، وباحث في حقل التُّراث العربيِّ المسيحيّ.

p.pierremasri@gmail.com

السِّياسة الشَّرعيَّة والشَّرعيَّة السِّياسيَّة في الفكر الإسلاميّ الإشكاليَّات وإمكانات التَّوظيف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لقرون طويلة، ظلَّ اعتبار الدِّين سببًا في قيام الدَّولة، حاضرًا ويلقي بظلاله داخل الدَّائرة السُّنِّيَّة، مسبِّبًا حالةَ التباس بشأن طبيعة الدَّولة وموقع الدِّين منها وفيها. وقد تفاقم الأمر مع مرور الزَّمن بفعل التَّراكم الكلاميّ والفقهيِّ حتَّى تحوَّل في العقل السِّياسيِّ الإسلاميِّ المعاصر إلى أزمة فهم ورؤية ووعي، سواء في مواجهته مع ذاته أو في مقابل التَّحدِّيات الَّتي تشكِّلها مفاهيم الحداثة السِّياسيَّة وشروط بناء الدَّولة الحديثة! وإذا كانت هذه الإشكاليَّات تفرضُ المزيد من التَّأمُّل في قضايا التُّراث السِّياسيِّ ومدارسه (الكلاميَّة والفلسفيَّة والإداريَّة والفقهيَّة) لفهم محتواها وإدراك إشكاليَّاتها ومرجعيَّاتها المعرفيَّة، تبعًا للمعطيات التَّاريخيَّة والسُّلطويَّة والاجتماعيَّة، يبقى خطابُ الفقهاء، وبحكم المهامِّ الموكولة، عادةً، إليهم، خطابًا سياسيًّا يعبِّر عن الصِّلة الوثيقة بين الشَّأن السِّياسيِّ والشَّأن الدِّينيّ. ليس هذا فحسب، بل يمكنه أن يفتحَ آفاقًا لفهمٍ متجدِّد بشأن مفهوم الدَّولة، والتَّقريب بين الفكر السِّياسيِّ الإسلاميِّ وبين مقوِّمات الدَّولة الحديثة.

تتقصَّد هذه المقالة دراسة نمطٍ من أنماط الكتابة السِّياسيَّة في الفكر الإسلاميِّ الوسيط والمعاصر، هي مدرسة الفقهاء، وتحليل كيفيَّة فهمها لماهيَّة السُّلطة وشرعيَّتها ومشروعيَّتها، وتطوُّر مفهوم السِّياسة والسِّياسة الشَّرعيَّة، وإمكانيَّة إسقاط هذا الأمر على الرَّاهن.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الفكر السِّياسيُّ الإسلاميّ – السِّياسة الشَّرعيَّة – الشَّرعيَّة - الدَّولة المدنيَّة – مفهوم الدَّولة – الفقه والمجتمع.

Politique légitime et légitimité politique dans la pensée islamique.
Problèmes et pistes de réflexion,
par Dr. Ahmad Zoabi

Depuis des siècles, l’idée que la religion est le fondement de l’État est restée une influence persistante au sein des milieux sunnites, jetant une ombre qui a engendré une confusion quant à la nature de l’État et à la place de la religion en son sein. La situation s’est aggravée au fil du temps en raison de l’accumulation de discours théologiques et jurisprudentiels, au point de se transformer en une crise de compréhension, de vision et de conscience au sein de la pensée politique islamique contemporaine, qu’il s’agisse de sa confrontation avec elle-même ou des défis posés par les concepts de modernité politique et les conditions de la construction de l’État moderne !

Et si ces problèmes exigent une réflexion plus approfondie sur les questions d’héritage politique et ses écoles (théologique, philosophique, administrative et jurisprudentielle) afin de comprendre leur contenu et de saisir leurs problèmes et leurs cadres épistémologiques à la lumière des réalités historiques, autoritaires et sociales, le discours des juristes — de par les tâches qui leur sont généralement confiées — constitue un discours politique qui exprime le lien étroit entre affaires politiques et affaires religieuses. De plus, il peut ouvrir des perspectives pour une compréhension renouvelée du concept d’État et pour la réconciliation de la pensée politique islamique avec les fondements de l’État moderne.

Cet article vise à examiner un genre spécifique d’écrits politiques dans la pensée islamique médiévale et contemporaine — l’école des juristes — et à analyser sa conception de la nature, de la légitimité et de la légalité de l’autorité, le développement du concept de politique et de politique fondée sur la charia, ainsi que la possibilité d’appliquer ces concepts à l’époque actuelle.

Mots-clés : pensée politique islamique – politique légitime – légitimité – État civil – concept d’État – jurisprudence et société.

الدُّكتور أحمد الزُّعبي: أستاذ الدِّراسات الإسلاميَّة في معهد الآداب الشَّرقيَّة (ILO) وفي معهد الدِّراسات الإسلاميَّة والمسيحيَّة (IEIC) في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت، ومنسِّق برنامج الدِّراسات الإسلاميَّة في معهد الآداب الشَّرقيَّة. حائز درجة الدُّكتوراه عن أطروحة بعنوان التَّفكير السِّياسيُّ في الإسلام: دراسة في المفاهيم والاتِّجاهات والمدارس. تركِّز أعماله على الفكر السِّياسيِّ الإسلاميّ (الكلاسيكيِّ والمعاصر)، تاريخ التَّشريع، الحركات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة في العالم العربيّ، الحوار الإسلاميّ / المسيحيِّ والعلاقات بين الأديان. له دراسات وتحقيقات ومقالات في مجال اختصاصه.

A2zlebanon@gmail.com

الشَّعبويَّة والعنصريَّة الاختلافيَّة وإعادة اختراع أوروبَّا ثقافيًّا. المقاربة الفلسفيَّة لبيير أندري تاغييف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يبحث المقال في دلالات الشَّعبويَّة بوصفها تجسيدًا أنطولوجيًّا لأزمة اللِّيبراليَّة المعاصرة، وتكثيفًا لإشكاليَّة الدِّيمقراطيَّة السِّياسيَّة. كما يستعرض سياقات بروز العنصريَّة الاختلافيَّة، وآثارها السُّوسيوثقافيَّة على البِنية السِّياسيَّة لدول المركز الأوروبِّيّ. وفي السِّياق نفسه، يقف المقال على مشاريع النَّقد الثَّقافيِّ والفلسفيِّ لأطروحات التَّقدُّم والعَلمنة، من خلال المشروع النَّقديِّ لبيير أندري تاغييف. ويفترض أنَّ التَّطوُّرات الثَّقافيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة، الَّتي تعيش على وقعها الدُّول الأوروبِّيَّة، تزامنت مع تغيُّرات بنيويَّة عميقة مهَّدت في شكلها السِّياسيِّ لبروز ممارسات وأفكار، تتناقض بُنيويًّا مع طبيعة اللِّيبراليَّة في طورها ما بعد الحداثيّ. ونستخلص أنَّ هذه الخطابات والممارسات هي تعبير رمزيٌّ عن حالة من الارتداد الثَّقافيِّ نحو سياقات الهيمنة، وإعادة إنتاج تعبيرات السِّياسة في شكلها أحديِّ البُعد.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الشَّعبويَّة ‭-‬ العنصريَّة‭ ‬الاختلافيَّة‭ – ‬الثَّقافة‭ ‬‭- ‬الإشكاليَّة‭ ‬السِّياسيَّة‭ ‬للحداثة‭ ‬‭- ‬التَّقدُّم‭.‬

Le Populisme, le Racisme différentialiste et la réinvention identitaire de l’Europe.
L’approche philosophique de Pierre – André Taguieff
par Mohamed Arbi Ayari

L’article examine les implications du populisme en tant qu’incarnation ontologique de la crise du libéralisme contemporain, et d’une intensification du problème politique de la démocratie. Il passe également en revue les contextes de l’émergence du racisme différentialiste et ses effets socioculturels sur la structure politique des pays du Centre européen. Dans le même contexte, l’article examine les projets de critique culturelle et philosophique des thèses du progrès et de la sécularisation, à travers le projet critique de Pierre-André Taguieff. L’article suppose que le culturel, les développements économiques et politiques qui affectent les pays européens ont coïncidé avec de profonds changements structurels qui ont ouvert la voie, dans leur forme politique, à l’émergence de pratiques et d’idées qui contredisent structurellement la nature du libéralisme dans sa phase postmoderne. Nous concluons que ces discours et pratiques sont l’expression symbolique d’un état de régression culturelle vers des contextes de domination et la reproduction des expressions politiques sous leur forme unidimensionnelle.

Mots-clés : Populisme – racisme différentialiste – culture – le problème politique de la modernité – progrès.

الأستاذ محمَّد العربي العياري: باحث ومترجم في مركز الدِّراسات المتوسِّطيَّة والدَّوليَّة – تونس. حائز شهادة الماجستير في القانون الدَّوليِّ العامّ، ويتخصَّص في الفلسفة في الجامعة العربيَّة للعلوم. للكاتب مجموعة مقالات نشرت في مجلَّات علميَّة محكَّمة؛ منها: «فينومينولوجيا الزَّمن ومفهوم التَّسارع في الحداثة المتأخِّرة. المشروع النَّقديُّ لهارتموت روزا حول التِّقنيَّة والهويَّة والمجتمع»، مجلَّة تبيُّن للدِّراسات الفلسفيَّة والنَّظريَّات النَّقديَّة. كما صدر للمؤلِّف كتاب: النَّظريَّة النَّقديَّة والوظيفة الاجتماعيَّة للفلسفة. أسئلة التَّواصل والاعتراف والتَّسارع. وآخر: زمن الاحتجاج والسِّياسة. من فكرة الثَّورة إلى ديمقراطيَّة المخاطر. بالإضافة إلى ترجمات عديدة.

activiste83@gmail.com

حين يصير الواقع احتمالاً: نيتشه والفكر العجائبيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تتناوَل هذه الورقة البحثيَّة حضور العجائبيِّ في الخطاب الفلسفيِّ عند نيتشه، انطلاقًا من فهم العجائبيَّة بوصفها منطقة توتُّر بين الواقع والخيال، والحقيقة والوهم، والمألوف والغريب. لا تُقدَّم العجائبيَّة هنا باعتبارها تقنيَّة أدبيّة فحسب، بل بوصفها أفقًا فلسفيًّا يسمح بإعادة النَّظر في الواقع والقِيَم والمعنى. فالبحث يربط بين تطوُّر مفهوم العجائبيِّ في الأدب، من الأساطير والملاحم القديمة إلى تجلِّياته الحديثة، وبين قدرة هذا المفهوم على تفكيك الحدود الصَّلبة بين التَّجربة الحسِّيَّة والتَّخييل.

في فلسفة نيتشه تتحوَّل العجائبيَّة إلى تجربة فكريَّة ووجوديَّة، لأنَّها تفتح أمام الفرد إمكانيَّة التَّحرُّر من القِيَم الموروثة والأنساق الأخلاقيَّة الجاهزة. يظهر ذلك بوضوح في فكرة الإنسان الأعلى في هكذا تكلَّم زرادشت، حيث يصبح تجاوُز الخير والشَّرِّ وبناء القِيَم الجديدة فعلًا إبداعيًّا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم. ومن ثمّ، لا يكون العجائبيُّ هروبًا من الواقع، بل طريقة لاختراقه وكشف هشاشة يقينيَّاته. ويسعى البحث إلى تبيان الفرق بين العجائبيِّ الأدبيِّ والعجائبيِّ الفلسفيِّ عند نيتشه، وتحليل أثره في وعي الفرد وتكوينه ونظرته إلى الحياة.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬العجائبيّ – نيتشه – الفلسفة – الأدب – إعادة تقييم القِيَم – الإنسان الأعلى – الواقع – التَّخييل.

Quand la réalité devient une possibilité: Nietzsche et le fantastique,
par Dr. Ekram El Badawy

Cet article examine la présence du fantastique dans le discours philosophique de Nietzsche, en partant de l’idée que le fantastique émerge de la tension entre réalité et imagination, vérité et illusion, le familier et l’inconnu. Le fantastique n’est pas traité comme un simple procédé littéraire, mais comme un horizon philosophique à travers lequel la réalité, la valeur et le sens peuvent être repensés. L’étude retrace le développement historique du fantastique, de la mythologie et des épopées antiques à ses formes littéraires modernes, puis relie ce développement au projet philosophique de Nietzsche.

Dans la pensée de Nietzsche, le fantastique devient une expérience existentielle et intellectuelle qui permet à l’individu de remettre en question les valeurs héritées et de transcender les systèmes moraux conventionnels. Cela est particulièrement évident dans Ainsi parlait Zarathoustra, où le Surhomme incarne le pouvoir créateur d’aller au-delà du bien et du mal et de construire de nouvelles valeurs. Ainsi, chez Nietzsche, le fantastique n’est pas une fuite de la réalité; il s’agit d’une manière de déstabiliser la réalité, de révéler la fragilité de ses certitudes et d’ouvrir la possibilité de l’auto-création. Cet article s’interroge donc sur la manière dont le fantastique philosophique de Nietzsche diffère du fantastique littéraire, et comment cette expérience remodèle la pensée, le développement et la vision du monde de l’individu.

Mots-clés : le fantastique – Nietzsche – philosophie – littérature  – réévaluation des valeurs – surhomme – réalité – imagination.

الدُّكتورة إكرام البدوي: كاتبة وباحثة مصريَّة. متخصِّصة في الفلسفة ولا سيَّما الفلسفة النِّسويَّة. تدير قسم المرأة في مركز تجديد للفكر والثَّقافة، بالعراق. وتشغل منصب سكرتيرة تحرير مجلَّة سميراميس (مجلَّة فكريَّة نصف سنويَّة تعنى بدراسات المرأة). حائزة شهادة الدُّكتوراه عن أطروحتها الخطاب النِّسويُّ في العالم الثَّالث من كلِّيَّة الآداب في جامعة طنطا – مصر ٢٠٢١. لها العديد من الكتب والتَّرجمات والأوراق البحثيَّة المحكَّمة بالعربيَّة والإنجليزيَّة. من إصداراتها: الفلسفة السِّياسيَّة النِّسويَّة، تاريخ من العدالة المراوغة (القاهرة: بيت الحكمة للثَّقافة، مارس ٢٠٢٤)؛ والخطاب النِّسويِّ في العالم الثَّالث – دراسة ثقافيَّة مقارنة (القاهرة: الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ديسمبر ٢٠٢٣).

ekram_elbadawy@yahoo.com

تهيئة المعلِّمين لأداء رسالتهم التَّعليميَّة والتَّربويَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تسلِّط المقالة الضَّوء على الدَّور الأساسيِّ للمعلِّم في رسالة المدرسة والجامعة التَّربويَّة. فعلى الرَّغم من التَّحوُّلات التّكنولوجيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة العميقة، يبقى المعلِّم الفاعل الرَّئيس في نقل المعارف والقِيَم والكفايات اللَّازمة للنُّموِّ المتكامل للإنسان. ويؤكِّد الكاتب أهمِّيَّة امتلاك مجموعة متنوِّعة من الكفايات، منها إتقان المحتوى العلميّ، والتَّخطيط التَّربويّ، والتَّكيُّف مع حاجات المتعلِّمين، ودمج التِّقنيَّات التَّعليميَّة، والعمل التَّعاونيّ، والالتزام بالأخلاقيَّات المهنيَّة.

كما تشدِّد المقالة على أهمِّيَّة البيداغوجيَّات التَّفاعليَّة الَّتي تعزِّز الحوار والمشاركة والتَّفكير النَّقديّ والبناء الجماعيَّ للمعرفة. وتحلّل الصُّعوبات الَّتي تواجه عددًا من البلدان العربيَّة، ولا سيَّما هيمنة الحفظ والتلقين على حساب الإبداع والتَّفكير النَّقديِّ. ويدعو الكاتب إلى اعتماد تقويمٍ تكوينيٍّ يركِّز على تقدُّم المتعلِّم، وإلى مرافقةٍ تربويَّةٍ شخصيَّة تساعده على تحقيق نموِّه وتطوُّره.

ويذكِّر في الختام بأنَّ المعلِّم يؤدِّي دورًا محوريًّا في تعزيز التَّماسك الاجتماعيِّ والتَّربية على المواطنة والإعداد للعيش المشترك. كما يُبرِز الأهمِّيَّة المتزايدة للابتكارات الرَّقميَّة ومنصَّات التَّعلُّم والذَّكاء الاصطناعيّ، الَّتي تتطلَّب كفايات تربويَّة وأخلاقيَّة جديدة لإعداد مواطنين قادرين على استخدام هذه التِّقنيَّات بصورة نقديَّة ومسؤولة ومبدعة. ومن ثمَّ فإنَّ الإعداد المتعمِّق للمعلِّمين يُعدُّ شرطًا أساسيًّا لبناء مجتمع قائمٍ على المواطنة والسَّلام والحوار.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬المعلِّم – الإعداد التَّربويّ – الكفايات – التَّربية – التَّقويم التَّكوينيّ – الحوار – المواطنة – التِّقنيَّات الرَّقميَّة – الذَّكاء الاصطناعيّ – التَّماسك الاجتماعيّ.

La Préparation des enseignants à l’accomplissement de leur mission éducative et pédagogique,
par Prof. Salim Daccache s.j.

L’article met en lumière le rôle fondamental de l’enseignant dans la mission éducative de l’école et de l’université. Malgré les profondes mutations technologiques, sociales et culturelles, il demeure le principal acteur de la transmission des savoirs, des valeurs et des compétences nécessaires au développement intégral de la personne. L’auteur souligne l’importance de compétences variées telles que la maîtrise des contenus disciplinaires, la planification pédagogique, l’adaptation aux besoins des apprenants, l’intégration des technologies éducatives, le travail collaboratif et le respect de l’éthique professionnelle.

L’article insiste également sur la valeur des pédagogies interactives qui favorisent le dialogue, la participation, l’esprit critique et la construction collective des connaissances.

Il analyse les difficultés rencontrées dans plusieurs pays arabes, notamment la prédominance de la mémorisation et de l’enseignement transmissif au détriment de la créativité et de la réflexion critique.

L’auteur plaide pour une évaluation formative centrée sur la progression de l’élève et pour un accompagnement personnalisé favorisant son épanouissement. Il rappelle enfin que l’enseignant joue un rôle essentiel dans la cohésion sociale, l’éducation à la citoyenneté et la préparation au vivre-ensemble.

Il souligne aussi l’importance croissante des innovations numériques, des plateformes d’apprentissage et de l’intelligence artificielle, qui exigent de nouvelles compétences pédagogiques et éthiques afin de former des citoyens capables d’utiliser ces technologies de manière critique, responsable et créative.

La préparation approfondie des enseignants apparaît ainsi comme une condition indispensable à la construction d’une société fondée sur la citoyenneté, la paix et le dialogue.

Mots-clés : Évaluation formative – Dialogue – Citoyenneté – Technologies numériques – Intelligence artificielle – Cohésion sociale.

البروفسور سليم دكَّاش اليسوعيّ: مدير عامّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام ٢٠١٦). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (٢٠١١)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون – السُّوربون ١ (١٩٨٨). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.

essde@hotmail.com

القواعد التَّعليميَّة بين النَّزعة التَّقعيديَّة والمنحى الوصفيِّ التَّداوليّ نظريَّة التَّعاون – غرايس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تُعدُّ النَّزعة التَّقعيديَّة في القواعد التَّعليميَّة من أهمِّ أسباب ضعفها، لطغيان المنهج الشَّكليِّ على المنهج الوظيفيّ، وسيطرة الإعراب والتَّصنيف فيهما، فالمتعلِّم هو مجرَّد حافظ للقاعدة المحاطة بقانون لغويٍّ صارم لا يصلح للاستعمال. هذا الانفصال بين القاعدة والاستعمال اللُّغويِّ عن النُّصوص الحيَّة أنتجَ نصوصًا مصطنعة على قياس القاعدة بعيدًا عن سياق الجمل، ومنَع انتقالها من المعرفة إلى المهارة، ومن الحفظ إلى الاستعمال. والإشكاليَّة هي خللٌ في بناء القواعد التَّدريجيِّ أدَّى إلى تضخيم المصطلحات وتعقيدها وحشوها بالخلافات النَّحويَّة، بخاصَّةٍ في المرحلة المبكِّرة من التَّعلُّم؛ وهذا الأمر دفع إلى تساؤلات متكرِّرة بشأن جدوى الإصرار على تدريس القاعدة مع فشل التَّواصل، وتصنيفها شرطًا أساسيًّا للفهم الَّذي تمَّ تسجيل تحقُّقه في معظم الاستعمالات من دون الحاجة إلى تلك القواعد. هذه الاتِّجاهات المعياريَّة والتَّقريريَّة دفعت المتعلِّم إلى النُّفور النَّفسيِّ من القواعد، والإحساس بالعجز والإحباط قبل التَّمكُّن من إتمام التَّعلُّم. وقد كان لمنهج غرايس (١٩١٣-١٩٨٨) Herbert Paul Grice  دور مفصليٌّ في نقل دراسة المعنى من المنحى القاموسيّ/التَّركيبيِّ إلى التَّداوليّ، أي من التَّجريد إلى الكفاءة، بوضعه المنهج التَّعاونيَّ التَّداوليّ Cooperative Principle القائم على مبادئ (الكمّ، والكيف، والعلاقة، والأسلوب) بانتقاده التَّعليم القواعديَّ كمنظومة شكليَّة مغلقة ذات سلوك معياريٍّ ثابت إلى أداة تداوليَّة وظيفيَّة تُفهم في ضوء الاستعمال والتَّواصل.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬القواعد‭ ‬التَّعليميَّة‭ – ‬النَّزعة‭ ‬التَّقعيديَّة‭ -‬‭ ‬التَّداوليَّة‭ – ‬مبدأ‭ ‬التَّعاون‭ – ‬السِّياق‭ – ‬الوظيفة‭.‬

Règles éducatives: entre l’approche prescriptive et l’approche descriptive-pragmatique.
Théorie de la coopération – méthodologie de Grice,
par Dr. Nada Merashly

La grammaire pédagogique est souvent fragilisée par son caractère prescriptif, où l’analyse formelle prime sur l’usage fonctionnel. L’accent mis sur l’analyse syntaxique et la classification transforme les apprenants en simples mémorisateurs de règles rigides, rarement applicables à la communication réelle. Ce décalage entre les règles et l’usage authentique de la langue conduit à une dépendance aux exemples artificiels, empêchant les apprenants de passer de la théorie à la pratique. Un problème majeur réside dans la progression inadéquate de l’enseignement de la grammaire, qui engendre une terminologie excessivement complexe et une profusion de débats grammaticaux, notamment lors des premières étapes d’apprentissage. Cette complexité soulève des doutes quant à l’efficacité de l’enseignement de la grammaire, d’autant plus que la compétence communicative est souvent acquise sans un respect strict de ces règles. Par conséquent, les apprenants peuvent développer de la frustration, un sentiment d’incompétence, voire une aversion pour la grammaire. À l’inverse, l’approche d’Herbert Paul Grice a déplacé l’étude du sens d’une perspective structurale à une perspective pragmatique, en se concentrant sur la langue telle qu’elle est utilisée en contexte. Son Principe de Coopération, avec ses maximes de quantité, de qualité, de relation et de manière, a remis en question un enseignement rigide et fondé sur des règles. Elle présente plutôt la grammaire comme un outil fonctionnel et communicatif. Cette perspective encourage à dépasser la simple mémorisation pour privilégier un usage significatif de la langue, contribuant ainsi à combler le fossé entre les connaissances grammaticales et la communication en situation réelle.

Mots-clés : grammaire pédagogique – prescriptivisme – pragmatique – principe de coopération – contexte – fonction.

الدُّكتورة ندى مرعشلي: أستاذة اللُّغة العربيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في «الأسلوبيَّة والخطاب الشِّعريِّ الحديث»، وماستر في Computational Linguistics، وإجازة في علم التُّركيَّات من الجامعة اللُّبنانيَّة. لها عدَّة كتب وأبحاث منشورة ابتداءً من العام ٢٠١١، من ضمنها مؤلَّفات في علم الصَّوتيَّات، ومقالة في مجلَّة المشرق بعنوان «المقاربة الشِّعريَّة النِّسْويَّة بين عبد الحقّ حميد تارهان وخليل مطران. دراسة تداوليَّة - مقارنة»، السَّنة السَّادسة والتِّسعون، ج.١، كانون الثَّاني - حزيران ٢٠٢٢.

nada.merashly66@gmail.com

رُؤًى نحويَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ينهض هذا البحثُ العلميُّ عَلى مُناقشةِ جُملةٍ مِن الآراءِ النَّحويَّة لبحثينِ يقعان في نطاقِ عِلمِ النَّحو، ليستوثقَ مِنْ مدَى صحَّةِ نَتائجهما وَمدَى تمسُّكهِما بالأصلِ والغايةِ اللَّذين بُني عَليهما عِلمُ النَّحو نفسُهُ؛ وَعَليه سيُناقشُ فرضيَّة المقالة الموسومة بـ «معنى النَّفي في «لا» النَّافية لِلجِنْس وَ«لا» العَامِلة عَمَل «لَيْسَ» وَ«لا» المُهمَلة هو هو أَم مختلف؟» للدُّكتُور عَليّ أحمَد إسمَاعِيل؛ وسيناقشُ كذلك مقالة أخرى موسومة بـ «كَان وَمُشتقَّاتها بينَ إنجِيل عِيسَى المَسِيح وَالقُرآن» للأب حنَّا إسكندر. وَسيعملُ هذا الجهد المعرفيُّ عَلى تَحديد إشكَالات البحثَين، والرَّدّ عليها بالشَّواهد والحجج؛ وسيجري ذلك كلُّهُ بتأمُّلٍ وَتأنٍّ وبموضُوعِيَّةٍ علميَّةٍ مَا أمكننَا إلى ذَلك سبيلًا.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬«لا» النَّافية للجِنْس – «لا» العاملَة عَمل لَيْس – «كان» بِمعنَى الكينُونة – «هو» بمعنى الهويَّة – إنجِيل عِيسَى – القُرآن الكَرِيم – تَصحيح لُغويّ – تَصحِيح دلاليّ.

Perspectives grammaticales,
Par Dr. Serwan Abdul Zahra Al-Janabi
et Dr. Ali Kazim Smesim

Cette étude académique examine de manière critique une série de théories grammaticales proposées par deux éminents spécialistes de la grammaire arabe. L’objectif principal est d’étudier la validité de leurs conclusions et d’évaluer leur conformité aux principes fondamentaux et aux buts ultimes sur lesquels repose la grammaire elle-même. Par conséquent, l’étude aborde l’hypothèse formulée par le Dr. Ali Ahmed Ismail dans sa recherche intitulée: «La signification de la négation dans le La Nafiyah li al-Jins (le La qui nie le genre), le La al-‘Amilah ‘Amal Laysa (le La qui fonctionne comme Laysa) et le La al-Muhmalah (le La négligé) est-elle identique ou différente?» De plus, l’étude analyse les points de vue du second chercheur, le Père Hanna Iskandar, tels que présentés dans son ouvrage «Kan et ses dérivés: Une étude comparative entre l’Évangile de Jésus-Christ et le Saint Coran». Cette entreprise scientifique vise à identifier les défis méthodologiques et d’interprétation rencontrés par les deux chercheurs, puis à entreprendre une évaluation académique systématique de leurs travaux. L’ensemble de la recherche est mené avec une grande attention, une rigueur exemplaire et une objectivité scientifique totale.

Mots-clés : La al-Nafiyah li al-Jins (Le La qui nie le genre) – La al-‘Amilah ‘Amal Laysa (Le La qui opère comme Laysa) – Kana (au sens d’existence/d’être), Huwa (au sens d’identité) – L’Évangile de Jésus – Le Saint Coran – Correction linguistique – Rectification sémantique.

د. الجنابي: عميد كلِّيَّة التَّربية المختلطة أصالة في جامعة الكوفة – العراق. أستاذ جامعيٌّ متخصِّص في اللُّغة العربيَّة وآدابها – والدَّلالة القرآنيَّة وتحليل النَّصّ. حائز شهادة الدُّكتوراه بعنوان «الإجمال والتَّفصيل في التَّعبير القرآنيّ – دراسة في الدَّلالة القرآنيَّة، كلِّيَّة الآداب، جامعة الكوفة». له عشرات الأبحاث الجامعيَّة المنشورة، واثنان وعشرون كتابًا، ثلاثة منها تُدَرَّسُ في الجامعات العراقيَّة.

serwan.aljanabi@uokufa.edu.iq

د. سميسم: بروفسور ورئيس لجنة الدِّراسات العُليا والأوَّليَّة في كلِّيَّة الفقه من جامعة الكوفة - العراق. حائز أربع شهادات دكتوراه في الاختصاصات الآتية: اللُّغة العربيَّة، الدَّلالة والتَّأويل من كلِّيَّة الآداب – جامعة الكوفة؛ الفقه والأصول المقارن من جامعة الحضارة العالميّة المفتوحة - لندن – بيروت؛ علوم الأديان المقارنة من كلِّيَّة الأديان – جامعة القدِّيس يوسف – بيروت؛ ودراسة النُّصوص العربيَّة والسُّريانيّة القديمة وتحقيقها – كلِّيَّة الآداب – جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. بالإضافة إلى شهادة تدريسيَّة عُليا في الفقه والأصول والعقائد. له عشرات البحوث الدَّوليَّة والمحلِّيَّة، وعشرون كتابًا مطبوعًا.

Ddr.shaikhali@gmail.com

لات: حقيقتها، عملها، ومعناها

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا البحث أداة «لات» من حيث حقيقتها وعملها ومعناها في النَّحو العربيّ، في ضوء اختلاف النُّحاة حولها. وقد عرض الباحث أبرز المذاهب الَّتي قيلت في حقيقتها، فبلغت ستَّة اتِّجاهات، أهمُّها القول بأنَّها مركَّبة من «لا» والتَّاء، وهو الرَّأي الرَّاجح وفق المنهج الوصفيّ.

كما ناقش البحث لغاتها المختلفة في العربيَّة (الفتح والضَّمُّ والكسر)، ومواضع ورودها في القراءات القرآنيَّة، ولا سيَّما في قوله تعالى: «ولات حين مناص»، مع تحليل أوجه إعراب «حين» بعدها.

وفيما يتعلَّق بعملها بيَّن البحث تعدُّد الآراء؛ فمن النُّحاة مَن جعلها تعمل عمل «ليس» فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومنهم مَن رأى أنَّها لا تعمل، أو تعمل عمل «إنَّ»، أو تُستعمل حرف جرٍّ في بعض الاستعمالات. كما عرض الشُّروط الَّتي وضعها النُّحاة لإعمالها، وأهمُّها اختصاصها بأسماء الزَّمان، وغالبًا ما يُحذف أحد ركنَيها (الاسم أو الخبر).

وتطرَّق البحث إلى الأسماء الَّتي تدخل عليها «لات»، فذهب جمهور النُّحاة إلى اختصاصها بلفظ «الحين»، بينما وسَّع آخرون ذلك ليشمل مرادفاته من أسماء الزَّمان.

أمَّا من حيث المعنى فخلص البحث إلى أنَّ «لات» تدلُّ في جميع استعمالاتها على النَّفي، ولا سيَّما نفي الزَّمن أو نفي الجنس، مع ثبات معناها رغم اختلاف عملها الإعرابيّ. ويختتم البحث بترجيح كون «لات» أداة نفيٍ ذات معنًى ثابت، وأنَّ اختلاف النُّحاة فيها يعود إلى تنوُّع الاستعمالات اللُّغويَّة في العربيَّة، لا إلى اختلافٍ في جوهر معناها.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬لات – حقيقة لات – عمل لات – معنى لات – النَّحو العربيّ – مذاهب النُّحاة – سيبويه – القراءات القرآنيَّة – لات حين مناص – وأسماء الزَّمان.

La particule « Lāt » en grammaire arabe: nature, fonctionnement et signification,
par Dr. Zaher Obeid

Cette étude traite de la particule « Lāt » en grammaire arabe, en examinant sa nature, son fonctionnement et sa signification à partir des divergences des grammairiens anciens. Elle met en évidence les principales doctrines, en privilégiant l’opinion selon laquelle « Lāt » est une unité composée de « lā » renforcée par un suffixe ent, conformément à une approche descriptive.

L’article analyse ses différentes réalisations linguistiques ainsi que ses occurrences dans les lectures coraniques, notamment dans l’expression « wa-lāt ḥīna manāṣ », en exposant les diverses interprétations syntaxiques du terme qui la suit.

Quant à son fonctionnement, les grammairiens ont divergé entre ceux qui lui attribuent le rôle de « laysa », ceux qui la considèrent comme invariable, ou encore comme analogue à « inna » ou à une préposition. L’étude souligne également les conditions de son emploi, en particulier son association avec les noms de temps.

Elle conclut que « Lāt » exprime fondamentalement la négation, notamment temporelle, et que la variation de ses emplois n’affecte pas l’unité de son sens, mais reflète la diversité des usages en arabe.

Mots-clés : Lāt – Nature de «Lāt » – Fonction de «Lāt » – Signification de «Lāt » – Grammaire arabe – Écoles des grammairiens – Sībawayh – Lectures coraniques (Qirā’āt) – Lāt ḥīna manāṣ – et Noms du temps.

الدُّكتور زاهر محمَّد عبيد: باحث لبنانيٌّ حاصل على شهادة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت – ٢٠٢٠، عن أطروحته أثر الدِّين في اللُّبنانيِّين من خلال أمثالهم – دراسة حضاريَّة. حاز جائزة الشَّارقة للدِّراسات المعجميَّة واللُّغويَّة (الإلسكو) للعام ٢٠٢٥. يشغل منصب المدير العامِّ لمدرسة الحداثة الدَّوليَّة، وهو أستاذ مساعد في الجامعة اللُّبنانيَّة. شارك في مؤتمرات علميَّة وتنمويَّة في الولايات المتَّحدة ومصر والعراق وقطر والإمارات والكويت. له عدد من المؤلَّفات والبحوث في اللُّغة العربيَّة والبلاغة والدِّراسات المعجميَّة، من أبرزها المعجم المفصَّل في ضرائر الشِّعر والقِيم الأخلاقيَّة عند الخليجيِّين في أمثالهم الشَّعبيَّة.

zaher@alhadatha.org

تحوُّلات صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ بفعل الحرب

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تتطرَّق هذه المقالة إلى تحوُّل صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ عبر ثلاث مراحل أساسيَّة: قبل الحرب الأهليَّة، في خلالها، وبعدها، مع التَّركيز على دلالات تمثيلها كمدينة تنهض من الخراب، مستكشِفةً كيف يصوِّر الأدب اللُّبنانيُّ بيروت كـ «شخصيَّة حيَّة» تتغيَّر ملامحها مع التَّاريخ، وما هي الصُّوَر الأدبيَّة المختلفة والمتباينة لمدينة مزَّقتها التَّناقضات في نصوص تلمِّح إلى توتُّرات كامنة (اجتماعيَّة وطائفيَّة) ستنفجر لاحقًا؟

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الأدب‭ ‬اللُّبنانيّ‭ – ‬بيروت‭ -‬‭ ‬الحرب‭ ‬اللُّبنانيَّة‭ – ‬روايات‭ ‬الحرب‭ – ‬قصائد‭ ‬الحرب‭.‬

Les métamorphoses de l’image de Beyrouth dans la littérature libanaise sous l’effet de la guerre,
par Dr. Betsa Estephano

L’article aborde la transformation de l’image de Beyrouth dans la littérature libanaise à travers trois étapes fondamentales: avant la guerre civile, pendant celle-ci, et l’après-guerre, en mettant l’accent sur les significations de sa représentation en tant que ville renaissante des ruines.

Cet article explore comment la littérature libanaise dépeint Beyrouth comme un personnage vivant dont les traits évoluent au fil de l’histoire. Quelles sont les images littéraires diverses et contrastées de cette ville déchirée par les contradictions dans des textes qui laissent entrevoir des tensions latentes (sociales et confessionnelles) appelées à éclater par la suite.

Mots-clés : La littérature libanaise – Beyrouth – La guerre libanaise – Les romans de guerre – Les poèmes de guerre.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. باحثة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

تجلِّيات الرَّمز في شعر محمود درويش

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إذا كانت اللُّغة الشِّعريَّة هي لغة المجاز، فإنَّها لغة الرَّمز أيضًا: الرَّمز الاجتماعيّ، الرَّمز الدِّينيّ، الرَّمز النَّفسيّ، الرَّمز الأسطوريّ… فمسألة الرَّمز في الشِّعر واسعةٌ وآفاقها رحبة وطاقاتها الإيحائيَّة كثيفة. وبما أنَّ الرَّمز الطَّبيعيّ، التُّراثيَّ أو الدِّينيَّ من أهمِّ الأسس والطُّرق الأسلوبيَّة الَّتي يقوم عليها تشكيل الصُّورة في الشِّعر الحديث، وجدنا ضرورة الوقوف على الرَّمز لنرى كيف يعمل في تشكيل الصُّورة الشِّعريَّة عند محمود درويش الَّذي فرض نفسه شاعرًا رمزيًّا في العصر الحديث، ما دفع الكثيرين إلى دراسة الرَّمز في أدبه، كما أنَّه عاش معاناة الشَّعب الفلسطينيِّ والثَّورة على الظُّلم والاحتلال، وعرف عذاب السِّجن داخل الأراضي المحتلَّة، فحاول ترجمة تلك التَّجارب في شعره ورسم ملامح ما اجتاحه من مشاعر وأحاسيس. من هنا، كان محمود درويش رمزًا للثَّقافة والأدب الفلسطينيَّين. لقد تخطَّى بشعره الحدود النَّفسيَّة والجغرافيَّة، واستطاع التَّطرُّق إلى قضايا كانت من المحرَّمات سابقًا فكان أشبه بنبيِّ الأمَّة، والنَّاطق المعبِّر عن كيانها، وعرَّافها الَّذي يستبصر أقدارها الحاضرة. وإن كانت المهمَّة الوطنيَّة جاءت في الصَّفِّ الأوَّل في المشروع الدَّرويشيّ الشِّعريّ، لكنَّه التزم بكتابة موضوعات مختلفة تخلَّلتها أغراض الشِّعر كافَّةً، موظِّفًا الرُّموز الأسطوريَّة والدِّينيَّة والطَّبيعيَّة والتَّاريخيَّة.

واعتمدنا في معالجة هذا البحث المنهج الوصفيَّ التَّحليليَّ في درس العناصر التَّاريخيَّة وتحليل دلالاتها وأبعادها الإنسانيَّة والتَّاريخيَّة والدِّينيَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة الَّتي يحملها النَّصّ. وقد خلصنا إلى نتائج تبيِّن أثر الرَّمز الَّذي وظَّفه محمود درويش في شعره للتَّعبير عن وضع حاضر مرفوض في مقابل حلم بغد مشرق.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الرَّمز – الأسطورة – التُّراث – الإيحاء – الدَّلالة – الصُّورة الشِّعريَّة – الشِّعر المعاصر.

Les manifestations du symbolisme dans la poésie de Mahmoud Darwiche,
Par Dr. Nermine Merhye

Si le langage poétique est le langage de la métaphore, il est également celui du symbole: symbole social, religieux, psychologique, mythique… La question du symbole en poésie est vaste, ses horizons sont étendus et ses énergies suggestives sont denses. Étant donné que le symbole naturel, traditionnel ou religieux constitue l’un des fondements les plus importants et des procédés stylistiques sur lesquels repose la construction de l’image dans la poésie moderne, il nous a semblé nécessaire d’examiner le symbole afin de comprendre comment il contribue à façonner l’image poétique chez Mahmoud Darwiche, qui s’est imposé comme un poète symboliste à l’époque moderne, ce qui a incité de nombreux chercheurs à étudier le symbole dans son œuvre.

Il a également vécu la souffrance du peuple palestinien, la révolte contre l’injustice et l’occupation, ainsi que l’épreuve de l’emprisonnement dans les territoires occupés. Il a donc cherché à traduire ces expériences dans sa poésie et à représenter les sentiments et les émotions qui l’ont submergé. Ainsi, Mahmoud Darwiche est devenu un symbole de la culture et de la littérature palestiniennes. Sa poésie a transcendé les frontières psychologiques et géographiques, et il a pu aborder des sujets auparavant tabous, devenant tel un prophète de la nation, son porte-parole éloquent et le voyant capable d’anticiper ses destinées présentes.

Bien que la mission nationale ait occupé une place primordiale dans le projet poétique de Darwiche, il est resté engagé dans l’écriture de thèmes variés, intégrant tous les registres poétiques, en recourant à des symboles mythiques, religieux, naturels et historiques.

Dans le traitement de cette recherche, nous avons adopté une approche descriptive et analytique afin d’étudier les éléments symboliques et d’analyser leurs significations ainsi que leurs dimensions humaines, historiques, religieuses, sociales et politiques portées par le texte.

Nous avons abouti à des résultats qui montrent l’impact du symbole utilisé par Mahmoud Darwiche dans sa poésie pour exprimer une réalité présente rejetée, en contraste avec le rêve d’un avenir lumineux.

Mots-clés : Symbole – mythe – tradition – suggestion – connotation – image poétique – poésie contemporaine.

الدُّكتورة نرمين مرعي: حائزة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف، وشهادة ماستر في العلوم التَّمريضيَّة ومكافحة العدوى وإدارة المخاطر. باحثة وناقدة في المواضيع الأدبيَّة والألسنيَّة إلى جانب عملها مشرفة ميدانيَّة صحِّيَّة. لها عدَّة مقالات ودراسات نُشِرت في مجلَّات مختلفة، وهي عضو مؤسِّس في نادي قاف.

nermine251@hotmail.com

اللَّيل في ميزان الشَّاعريَّة بين امرئ القيس وأحمد شوقي

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يُعنى هذا المقال بتتبُّع مفهوم الشَّاعريَّة في أهمِّ المصادر العربيَّة القديمة والحديثة، لناحيتَي المصطلح والدَّلالة، ويسعى إلى تحديد أبرز الشُّروط اللَّازمة لقيام ذلك المفهوم ونموِّه واكتماله لدى الشَّاعر. بعد ذلك، وفي تطبيق عمليّ، نعقد، في مقالنا، مقارنة بين مقطع لامرئ القيس وآخر لأحمد شوقي، على اعتبار أنَّهما من أعلام الشِّعر العربيّ، وأنَّ لكلٍّ منهما الشُّهرة الواسعة والرَّصيد الوازن في المكتبة الشِّعريَّة والثَّقافيَّة العربيَّة، والرَّمزيَّة الكبيرة المرتبطة بعصر الشَّاعر، فضلًا عن التَّجربة الشِّعريَّة المديدة والمتأصِّلة لديهما، وذلك للإجابة على الإشكاليَّة: كيف ظهرت شاعريَّة امرئ القيس وأحمد شوقي في وصف اللَّيل، وهل امتاز أحدهما على الآخر في هذا الجانب؟ وذلك وفق المنهج التَّداوليّ الَّذي يركِّز على واقع استعمال اللُّغة بين المرسِل والمتلقِّي والخطاب، واستراتيجيَّات المرسِل للإقناع، بما يشمل تحليل مستويات مختلفة منها الدَّلاليُّ والبلاغيُّ والنَّحويُّ والنَّفسيّ. في سياق البحث، تعمَّقنا في دقائق الصُّور الَّتي أوردها كلُّ شاعر لبيان حالته النَّفسيَّة ونظرته إلى اللَّيل ومكوِّناته ولا سيَّما النُّجوم والسَّماء الواسعة، وشمل تحليلنا المستوى البيانيَّ المتجلِّي أساسًا في التَّشبيهات، والمستوى اللَّفظيَّ المستنِد إلى القافية والرَّويِّ وانتقاء الحروف، والمستوى الدَّلاليَّ المعنيَّ بالأفكار المقدَّمة وأثرها لدى القارئ. كما عملنا على أن تكون المقارنة وافية قدر الإمكان عبر الإشارة إلى مكامن القوَّة والضَّعف لدى كلِّ شاعر. في نهاية البحث، جرى تلخيص أبرز نتائج المقارنة في جدولٍ تضمَّن معايير مستخرَجةً من مختلف المبادئ الَّتي جمعناها للتَّعريف بالشَّاعريَّة.

كلمات مفتاحيَّة: ‬الشَّاعريَّة‭ – ‬امرؤ‭ ‬القيس‭ -‬‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ -‬‭ ‬اللَّيل‭ -‬‭ ‬النُّجوم ‭- ‬الصُّورة‭ ‬الشِّعريَّة‭.‬

La nuit dans la norme poétique entre Imru’ al-Qais et Ahmad Shawqi,
par Dr. Hussein Ghaddar

Cet article explore le concept de poétique dans les sources arabes anciennes et modernes les plus importantes, tant sur le plan terminologique que sémantique. Il s’attache à identifier les conditions essentielles à l’émergence, au développement et à l’accomplissement de ce concept chez le poète. À titre d’application pratique, je compare ensuite un passage d’Imru’ al-Qays et un autre d’Ahmad Shawqi, considérés comme des figures majeures de la poésie arabe, jouissant d’une renommée considérable et d’une place prépondérante dans le patrimoine poétique et culturel arabe, outre leur symbolisme et expérience poétique. Cela vise à répondre à la question suivante : comment l’expression poétique d’Imru’ al-Qays et d’Ahmad Shawqi s’est-elle manifestée dans leur description de la nuit, et l’un a-t-il surpassé l’autre dans ce domaine ? Cette étude s’inscrit dans la méthodologie interactive, centrée sur la réalité de l’usage du langage entre l’émetteur, le récepteur et le discours, ainsi que sur les stratégies persuasives de l’émetteur. Elle s’appuie sur l’analyse de différents niveaux : sémantique, rhétorique, grammatical et psychologique. Dans le cadre de cette recherche, j’ai exploré en profondeur les subtilités de l’imagerie employée par chaque poète pour exprimer son état psychologique et sa vision de la nuit et de ses composantes, notamment les étoiles et l’immensité du ciel. L’analyse a porté sur le niveau rhétorique, principalement manifesté par les comparaisons ; le niveau verbal, fondé sur la rime, le mètre et le choix des lettres ; et le niveau sémantique, relatif aux idées présentées et à leur impact sur le lecteur. Je me suis également efforcé de rendre la comparaison aussi exhaustive que possible en soulignant les points forts et les faiblesses de l’œuvre de chaque poète. Au terme de cette recherche, les principaux résultats de la comparaison ont été synthétisés dans un tableau reprenant les critères issus des différents principes élaborés pour définir la poétique.

Mots-clés : Poésie – Imru’ al-Qays – Ahmad Shawqi – Nuit – Étoiles – Imagerie poétique.

الدُّكتور حسين غدَّار: حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة عن أطروحة بعنوان: «الشِّعر العراقيّ خلال النِّصف الثَّاني من القرن العشرين: قراءة في أعمال السَّيَّاب ومطر والبيَّاتي»، ودبلوم في اللُّغة العبريَّة من المؤسَّسة المهنيَّة الدَّوليَّة. يدرِّس ثلاث موادَّ في قسم اللُّغة العربيَّة ولغات الشَّرق الأدنى في كلِّيَّة العلوم والآداب في الجامعة الأميركيَّة في بيروت: Introductory Biblical Hebrew – Readings in Judeo-Arabic – Modern Hebrew Language. من مؤلَّفاته: «الأشجار والظِّلال في شعر جودت فخر الدِّين: ديوان «في شؤون البصيرة» أنموذجًا»، مجلَّة الجامعة القاسميَّة للُّغة العربيَّة وآدابها، مجلَّد ٤ عدد ٢٠ (٢٠٢٥)، The “Creation of the Heaven and the Earth in the Hebrew Tanakh and the Arabic Qur’an: A Comparative Rhetorical Study”, Religion Compass, 2026.

hg43@aub.edu.lb

النَّقد المسرحيُّ العربيُّ بين أفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى: تحوُّلات الخطاب بين النَّصِّ والجمهور

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا البحث تحوُّلات الخطاب النَّقديِّ المسرحيِّ العربيِّ في علاقته بأفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى، مع التَّركيز على التَّفاعل بين النَّصِّ المسرحيّ، والعرض المسرحيّ، والجمهور. ينطلق البحث من مقاربات نقديَّة معاصرة تكشف أنَّ الخطاب المسرحيَّ لم يعد حكرًا على مؤلِّف العمل المسرحيِّ أو المخرج، بل يتكوَّن عبر تفاعل ديناميكيٍّ يجمع بين البنية النَّصِّيَّة، وجماليَّات العرض المسرحيّ، وأفق المتلقِّي.

ويُبرز تحليل مسرحيَّة «الطَّريق والذِّئب» للكاتب نور الدِّين الهاشميِّ هذا البُعد التَّفاعليّ، حيث يتجلَّى دور الجمهور بوصفه شريكًا أساسيًّا في نقد الخطاب المسرحيّ، وفي إعادة صياغته من خلال ما يتيحه تقليص المسافة الجماليَّة بينه وبين العرض. كما يُظهر التَّحليل أنَّ النَّقد المسرحيَّ العربيَّ الرَّاهن ينفتح على منظور جديد يرى في عمليَّة التَّلقِّي نقطة ارتكاز لانبثاق المعنى وتجديده. غير أنَّ التَّطوُّر الهائل في وسائل التَّواصل والإعلام جعل المسرح أمام تحدِّيات جديدة تستوجب مقاربتها نقديًّا وفكريًّا لضمان استمراريَّة دوره وحيويَّته.

كلمات مفتاحيَّة:النَّقد المسرحيُّ العربيّ – أفق التَّلقِّي – المسافة الجماليَّة - انبثاق المعنى – العرض المسرحيّ – الجمهور – الخطاب – الطَّريق والذِّئب.

La critique théâtrale arabe entre horizon de réception et émergence du sens:
​Transformations du discours entre le texte et le public,
par Dr. Dorine Nasr et Dr. Ali Al-Shawabkeh

Cette recherche traite les transformations du discours critique théâtral arabe dans sa relation avec l’horizon de réception et l’émergence du sens, en mettant l’accent sur l’interaction entre le texte théâtral, la représentation scénique et le public. L’étude s’appuie sur des approches critiques contemporaines démontrant que le discours théâtral n’est plus l’apanage exclusif de l’auteur ou du metteur en scène ; il se construit désormais à travers une interaction dynamique entre la structure textuelle, l’esthétique de la mise en scène et l’horizon du récepteur.

​L’analyse de la pièce « La route et le loup » de l’écrivain Nour al-Din al-Hachemi met en évidence cette dimension interactive, où le public apparaît comme un partenaire essentiel dans la critique et la reconfiguration du discours théâtral, grâce à la réduction de la distance esthétique entre lui et la représentation. L’étude souligne également que la critique théâtrale arabe contemporaine adopte une nouvelle perspective considérant l’acte de réception comme le point central de l’émergence et du renouvellement du sens. Toutefois, l’essor rapide des moyens de communication et des médias impose au théâtre de nouveaux défis exigeant des approches critiques et intellectuelles renouvelées afin d’assurer la pérennité et la vitalité de son rôle social et artistique.

Mots-clésCritique théâtrale arabe – horizon de réception – distance esthétique – émergence du sens – représentation théâtrale – public – discours – La route et le loup.

الدُّكتورة دورين نصر: أستاذة جامعيَّة وباحثة وشاعرة لبنانيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من معهد الآداب الشَّرقيَّة – جامعة القدِّيس يوسف. رئيسة الرَّابطة الثَّقافيَّة للاتِّحاد العربيِّ في لبنان، وعضو في الهيئة الاستشاريَّة والتَّحريريَّة في مجلَّة حوليَّات معهد الآداب الشَّرقيَّة. لها العديد من المؤلَّفات المنشورة، منها: رؤى التَّحوُّلات: قراءة في شعريَّة الوطن لدى الشَّاعر القرويِّ وخليل حاوي ومحمَّد الماغوط، لبنان: دار الجيل ٢٠٢٣؛ وإصدارات شعريَّة، وقراءات نقديَّة عديدة.

dorinesaad1@gmail.com

الدُّكتور علي الشَّوابكة: أستاذ جامعيٌّ ومؤلِّف وشاعر ومخرج مسرحيٌّ أردنيّ. حائز دكتوراه في التَّربية الخاصَّة / الموهبة والإبداع / جامعة القاهرة. محاضِر في الجامعة الأردنيَّة – كلِّيَّة الفنون والتَّصميم. مدرِّس علم الجمال المسرحيّ. مؤسِّس ورئيس فرقتَي مادبا وطقوس المسرحيَّتَين، ومدير لمهرجانَي مسرح الأطفال المبدعين، وعشيَّات طقوس المسرحيَّة الدَّوليّ. حائز العديد من جوائز التَّميُّز المسرحيَّة.

Sfraleasmeen@gmail.com

إنسانيَّة يسوع – حيث يلتقي ﷲ بضُعف الإنسان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

في عالمٍ يتَّسم بتسارع التَّحوُّلات، وتفاقم الأزمات، وتزايد الإحساس بالهشاشة واللَّايقين، يقف الإنسان المُعاصر أمام أسئلة وجوديَّة مُلِحَّة تتجاوز حدود المعرفة العقليَّة إلى اختبار المعنى ذاته: مَن أنا؟ لماذا الألم؟ وهل ﷲ قريبٌ من معاناتي أم يظلُّ مُتعاليًا عنها؟ ضمن هذا الأُفق القَلِق، يكتسب الحديث عن إنسانيَّة يسوع راهنيَّة لاهوتيَّة وإنسانيَّة خاصَّة، لأنَّه لا يتناول فكرة مجرَّدة أو حدثًا تاريخيًّا مُنفصلًا عن الواقع، بل يُلامس خبرة إنسانيَّة حيَّة تكشف حضور ﷲ في قلب التَّجربة البشريَّة نفسها. إنَّ إنسانيَّة يسوع، كما تُقدِّمها الأناجيل وتختبرها الكنيسة، لا تُفهم بوصفها بُعدًا عاطفيًّا للتَّعزية، ولا مُعطًى تاريخيًّا للنَّقد العلميِّ فحسب، ولا صياغة عقائديَّة نظريَّة، بل نقطة التقاء بين الإيمان وسؤال الإنسان المعاصر الباحث عن معنى وجوده وسط الألم والاغتراب.

كلمات مفتاحيَّة:التَّجسُّد – إنسانيَّة يسوع – الألم الإنسانيّ – المعنى – الخلاص – الأخلاق المتجسِّدة – الكرامة الإنسانيَّة – التَّضامن الإلهيّ – العلاقة بين ﷲ والإنسان.

L’humanité de Jésus – là où Dieu rencontre la faiblesse humaine,
Par Diacre Raad Bataq

Cette étude conclut que l’Incarnation constitue, dans la foi chrétienne, un moment primordial pour comprendre la relation entre Dieu et l’homme, car elle proclame que Dieu n’est pas resté à l’écart de l’histoire humaine, mais qu’il y est entré pleinement à travers l’humanité de Jésus-Christ. Cette étude part d’une hypothèse fondamentale selon laquelle la compréhension de l’humanité de Jésus ne se limite pas à la seule dimension doctrinale, mais comporte des dimensions anthropologiques, éthiques et existentielles profondes qui révèlent le sens de l’humanité et sa dignité.

La recherche s’efforce d’analyser la vertu de l’humanité en tant qu’événement théologique et historique qui exprime la solidarité de Dieu avec l’homme dans sa faiblesse et sa souffrance, et propose un nouveau modèle pour la compréhension que l’homme a de lui-même et de sa relation avec Dieu et avec les autres. À travers la vie humaine de Jésus, ses enseignements et son attitude envers les marginalisés et les souffrants, il apparaît clairement que l’Incarnation n’est pas une simple doctrine théologique, mais une proclamation de la proximité de Dieu avec l’homme dans toutes les dimensions de sa vie.

La recherche aborde également la dimension existentielle de l’humanité de Jésus, le présentant comme une figure qui partage avec l’homme son expérience profonde de la souffrance, de l’angoisse et de la quête de sens, ce qui confère à l’Incarnation une dimension humaine globale qui dépasse le cadre religieux étroit pour répondre aux questions de l’homme contemporain. Dans ce contexte, l’humanité de Jésus est comprise comme un appel à la reconquête de l’humanité de l’homme lui-même, à partir du Christ qui révèle les véritables potentialités de l’homme en matière d’amour, de solidarité et de liberté.

La recherche conclut que l’humanité de Jésus représente une perspective théologique et humaine pour comprendre l’homme dans la profondeur de sa faiblesse et de sa force à la fois, là où Dieu rencontre la faiblesse de l’homme pour la transformer en possibilité de salut et de renouveau. C’est ainsi que l’Incarnation devient le fondement de la dignité humaine et la source d’une relecture du sens de la vie humaine à la lumière de la présence de Dieu dans l’histoire de l’humanité.

Mots-clés : incarnation – humanité de Jésus – souffrance humaine – sens – salut – la moralité incarnée – dignité humaine –  solidarité divine – relation entre Dieu et l’homme.

الشَّمَّاس رعد بتق: شمَّاس إكليريكيٌّ في الكنيسة السُّريانيَّة الكاثوليكيَّة، وحائز إجازة في كلِّيَّة الفلسفة واللَّاهوت الحبريَّة، جامعة الرُّوح القدس – الكسليك. حائز دبلومًا من كلِّيَّة النِّفط والغاز بجامعة كوبان التّكنولوجيَّة في روسيا. له مؤلَّفات أدبيَّة، شعرًا ونثرًا.

bataqraad@gmail.com

الرِّسالة البابويَّة العامَّة – الإنسانيَّة الرَّائعة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

البابا لاوُن الرابع عشر
(١) الإنسانيَّة الرَّائعة

اقتداءً بسلفِهِ الرَّاحل البابا لاوُن الثَّالث عشر الَّذي أصدَرَ في سنِي حبريَّتِه رسالةً عامَّةً بهدف مواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الأولى، أصدر قداسة البابا لاوُن الرَّابع عَشَر في الخامس عشر من شهر أيَّار ٢٠٢٦، رسالته العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة Magnifica Humanitas، وذلك بهدف حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيّ. وقد أوضَح قداسته أنَّه يرغب في الاستناد إلى تراث تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ لمواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الحاليَّة، والتَّقدُّم الحاصل في الذَّكاء الاصطناعيّ، دفاعًا عن الكرامة الإنسانيَّة والعدل والعمل. وسَنُفرِدُ في هذا النَّصِّ أبرز ما تَضَمَّنَته هذه الوثيقة القَيِّمة من حديث عن نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وعن التَّحدِّيات المعاصرة والحلول المَرْجُوَّة، بالإضافة إلى مقتطفاتٍ مُستَلَّةٍ من الرِّسالة.

١. نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ
في مستهلِّ رسالته يتحدَّث البابا عن ماهيَّة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بوصفه مسارًا للتَّمييز الاجتماعيّ، وبأنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، وبأنَّه يتغذَّى من مُساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة؛ فيقول في هذا الصَّدد إنَّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ: «ليس دليلًا للمبادئ والقواعد الَّتي يجب تطبيقها، بل هو مسار للتَّمييز الجماعيّ. إنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، ويسمح لعلامات الزَّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذَّى من مساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة» (الفقرة ٢٧).

وانطلاقًا من هذا التَّعريف، يمكن التَّوقُّف على ثلاثة عناصر أساسيَّة تميِّز نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ وتطوُّره، وهي: مسار التَّمييز الاجتماعيّ، واللِّقاء بين حقيقة الإنجيل وأسئلة التَّاريخ، وإسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة في إغنائه. وسوف نتناول هذه العناصر الثَّلاثة بالتَّفصيل في الفقرات الآتية.

– مسار للتَّمييز الجماعيّ
لا يُختَصَر تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بأنَّه دليل لحلولٍ جاهزة أو تكرار لتعاليم الماضي (الفقرة ٤ و٢٦)، بل يتميَّز هذا التَّعليم بطابع ديناميكيّ (الفقرة ١٧) وبمبادئ استشرافيَّة لقراءة الأحداث (الفقرة ٢٤). فمن خلال هذا التَّعليم، فسَّر كلُّ بابا تغيُّرات عصره التَّاريخيَّة في ضوء الإنجيل ليقدِّم مساهمة جديدة (الفقرة ٤٥)؛ فعلى سبيل المثال: أبرزَ لاوُن الثَّالث عشر، أمام قضيَّة العمَّال والتَّحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الرَّابط الَّذي لا ينفصم بين إعلان الإنجيل والبحث عن نظام اجتماعيٍّ عادل (الفقرة ٣٠)؛ واقترح يُوحنَّا الثَّالث والعشرون، في سياق الحرب الباردة وإنهاء الاستعمار، حقوق الإنسان كقواعد مشتركة من أجل السَّلام (الفقرة ٣٣)؛ وطوَّر فرنسيس، أمام الأزمة البيئيَّة والاجتماعيَّة، مفهوم الإيكولوجيا المتكاملة الَّتي تربط العناية بالبيت المشترك والخيار التَّفضيليّ للفقراء (الفقرة ٤٣).

– اللِّقاء بين الحقيقة الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ
تسير الكنيسة إلى جانب البشريَّة وتتفاعل مع كلِّ ما يخصُّ حياة النَّاس وقضاياهم (الفقرة ١٩). وهي تعترف بأنَّ للأمور الدُّنيَويَّة استقلاليَّتها الخاصَّة (الفقرة ١٨)، كما تُميِّز بين دور الكنيسة ودور الدَّولة، ولا تعدُّ نفسها مسؤولة عن المهامِّ الَّتي تقع ضمن صلاحيَّات الدَّولة. ومع ذلك، لا يمكنها أن تتجاهل معاناة النَّاس واحتياجاتهم الواقعيَّة (الفقرة ٢١)، ولا أن تحصر الدِّين في المجال الشَّخصيِّ والخاصِّ فحسب (الفقرة ١٩).

– إسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة
ترى الكنيسة أنَّ كلَّ من يسعى بصدق إلى الحقيقة والخير والجمال هو شريك في المسيرة الإنسانيَّة. وعلى الرَّغم من أنَّ تعليمها يرتكز على الكتاب المقدَّس والتَّقليد (الفقرة ٣)، إلَّا أنَّه يستفيد أيضًا من المعارف والخبرات البشريَّة، مثل الفلسفة والعلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، ما يُساعده على أن يُصبح أغنى وأعمق (الفقرة ٢٣). وبما أنَّ التَّعليم الاجتماعيَّ للكنيسة ينطلق من الحوار مع قضايا التَّاريخ، ويصغي إلى علامات الزَّمن وما تطرحه من أسئلة، تستعرض الوثيقة أبرز التَّحدِّيات الَّتي يواجهها عالمنا اليوم.

٢. بعض تحدِّيات عصرنا
يواجه عالمنا اليوم العديد من التَّحدِّيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة الَّتي تؤثِّر بشكل مباشر في حياة الأفراد والشُّعوب. وقد أدَّت التَّحوُّلات السَّريعة، الَّتي يشهدها العالم، إلى ظهور قضايا جديدة تتطلَّب التَّفكير فيها والبحث عن حلول مناسبة لها. ومن هذا المنطلق، يسعى تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وتحديدًا رسالة قداسته الأولى إلى قراءة هذه التَّحدِّيات في ضوء الإنجيل، من أجل الإسهام في بناء مجتمع أكثر عدالةً وتضامنًا واحترامًا لكرامة الإنسان، فتتوقَّف الرِّسالة على التَّحدِّيات الآتية:

– الذَّكاء الاصطناعيّ
أصبح الذَّكاء الاصطناعيُّ يؤثِّر بشكل متزايد في حياة النَّاس اليوميَّة. فالأنظمة الآليَّة تتَّخذ قرارات قد تؤثِّر في فرص العمل أو في سمعة الأفراد (الفقرة ١٠٢)، لكنَّها لا تمتلك صفات إنسانيَّة مثل الرَّحمة أو التَّفهُّم أو القدرة على المسامحة. كما أنَّ هذه الأنظمة ليست محايدة تمامًا من النَّاحية الأخلاقيَّة، لأنَّها تعتمد على البيانات والبرامج الَّتي صمَّمها الإنسان وتعمل وفقًا لها (الفقرة ١٠٤). وفي كثير من الأحيان، قد تساهم في زيادة نفوذ جهات قويَّة تتحكَّم في تدفُّق المعلومات وتوجِّه سلوك المستهلكين (الفقرة ١٠٨).

– ما بعد الإنسانيَّة (transhumanisme) وما يتجاوز الإنسانيَّة (posthumanisme)
يسعى تيَّار «ما بعد الإنسانيَّة» إلى تحسين قدرات الإنسان باستخدام التّكنولوجيا، بينما يتصوَّر تيَّار «ما يتجاوز الإنسانيَّة» دمج الإنسان بالآلة والبيئة للوصول إلى مرحلة تطوُّر جديدة (الفقرة ١١٦). ويرى هذان التيَّاران أنَّ التَّقدُّم يعني تجاوز حدود الإنسان الحاليّ (الفقرة ١١٥). ونتيجةً لذلك، أصبحَت هناك فكرة شائعة تعدُّ كلَّ ما يُضْعِف الإنسان، مثل المرض أو الشَّيخوخة أو الألم أو الضُّعف، شيئًا خاطئًا يجب التَّخلُّص منه أو إصلاحه (الفقرة ١١٨).

الوجوه الجديدة للحرب
تتكرَّس تدريجيًّا ثقافة تقوم على استخدام القوَّة، حتَّى أصبحت الحرب تُستخدَم كأداةٍ في السِّياسة الدَّوليَّة (الفقرة ١٩٠)، مع تزايد اعتبارها أمرًا «ضروريًّا» في بعض الحالات (الفقرة ١٩٢). كما تساهم وسائل الاتِّصال الحديثة في زيادة الانقسام وتسريع نشر الدِّعاية، ما يعزِّز خطاب العنف. وفي هذا السِّياق، تظهر بيئة خصبة لنشوء نزاعات جديدة بسبب التَّطرُّف الدِّينيّ، والتَّعصُّب الهُويَّاتيّ، ونشر المعلومات المُضلِّلة، والسُّخرية من الخصوم، وصناعة الخوف بشكل منظَّم (الفقرة ٢٠٦).

وقد غيَّرت الثَّورة الرَّقميَّة طبيعة الحروب، فأصبحت تشمل الهجمات الإلكترونيَّة والتَّلاعب بالمعلومات، إضافةً إلى اعتمادٍ متزايد على الأنظمة الآليَّة في اتِّخاذ القرارات الاستراتيجيَّة (الفقرة ١٨٣). ونتيجةً لذلك، باتت الحروب أقلَّ خضوعًا للرَّقابة البشريَّة المباشرة (الفقرة ١٩٧)، بل إنَّ بعض الآلات تُقدَّم أحيانًا على أنَّها «وُكَلاء أخلاقيُّون اصطناعيُّون» قادرون على التَّمييز بين الخير والشَّرِّ بشكل يفوق الإنسان (الفقرة ١٩٨).

٣. الإجابات عن التَّحدِّيات
تُجيب هذه الوثيقة عن التَّحدِّيات المطروحة مُقتَرِحةً الرُّجوع إلى أسس تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ ومبادئها، باعتبارها مرجعًا يساعد على فهم الواقع وتقييمه في ضوء الكرامة الإنسانيَّة والخير العامّ.

ففي أساس تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يوجد الإنسان الَّذي خلقه اﷲ الثَّالوث على صورته، أي أنَّه خُلِقَ ليعيش في علاقة وشركة مع الآخرين ومع الخليقة (الفقرة ٥٠). ويتمتَّع هذا الإنسان بكرامة لا تُقاس بِمجرَّد كونه إنسانًا، لأنَّ اﷲ أراده وخلقه وأحبَّه (الفقرة ٥٢). لذلك، لا تعتمد قيمته على إنجازاته أو ما ينتجه (الفقرة ٥١). وبسبب هذه الكرامة، يتمتَّع بحقوق أساسيَّة ثابتة وغير قابلة للانتهاك، وقد أكَّدها الإعلان العالميُّ لحقوق الإنسان في العام ١٩٨٤ (الفقرة ٥٤).

وتذكر الرِّسالة العامَّة المبادئ الخمسة الآتية:

– مبدأ الخير العامّ: لا يُختصر إلى مجرَّد قائمة من الشُّروط أو مجموع المزايا، بل هو خيرٌ يعود إلى الجميع الَّذين يتوجَّب عليهم أن يبنوه ويحفظوه معًا كمشروع مشترك (الفقرة ٦٠).
– مبدأ الغاية الشَّاملة لخيرات الأرض: هي خيرات أعطاها اﷲ للعائلة البشريَّة جمعاء لكي تعيل كلَّ إنسان (الفقرة ٦٥). ولهذا، فإنَّ حقَّ المُلكيَّة الخاصَّة ليس مطلقًا بحسب التَّقليد المسيحيّ.
– مبدأ اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار: يقوم على ألَّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص أو الجماعات المحلِّيَّة (الفقرة ٦٨) وذلك لتعزيز المسؤوليَّة المشتركة (الفقرة ٧٠).
– مبدأ التَّضامن: هو الاعتراف الحقيقيُّ بأنَّ مصير كلِّ فرد مرتبط بمصير الجميع (الفقرة ٧٣).
– مبدأ العدل الاجتماعيّ: لا يقتصر على سلوكيَّات الأفراد، بل يشمل التَّصوُّرات والتَّنظيمات للحياة في المجتمع (الفقرة ٧٧) الَّتي تعزِّز «خيارًا تفضيليًّا للفقراء» (الفقرة ٧٨)، وتصلح الرَّوابط المقطوعة (الفقرة ٧٩)، وتحمي الأصغر والأضعف (الفقرة ٨٠).

تسمح هذه المبادئ بالتَّنمية البشريَّة المتكاملة (الفقرة ٨٢) الَّتي تضع الإنسان والشُّعوب في المركز وتتضمَّن المسؤوليَّة تجاه مَن سيأتون بعدنا (الفقرة ٨٣).

ولتسليط الضَّوء على هذه الوثيقة نستعرض مقتطفاتٍ من الرِّسالة العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة، لأنَّ مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ هي وحدها قادرة على مساعدتنا في قراءة هذا الواقع الجديد.

مقتطف: مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ المطبَّقة على الذَّكاء الاصطناعيّ
«في عالم تتركَّز فيه البيانات، ورأس المال الحاسوبيُّ والقدرة التَّنظيميَّة في أيدي قلَّة قليلة، فإنَّ الكلام على الخير العامِّ يعني كشف هذا التَّفاوت المعرفيِّ والاقتصاديِّ والسِّياسيِّ الجديد، وتسمية احتكارات الذَّكاء الاصطناعيِّ الجديدة. الكلام على الغاية الشَّاملة للخيرات يعني إيجاد طرق لضمان الوصول الشَّامل إلى التّكنولوجيَّات والتَّنشئة. الكلام على اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار يتطلَّبان حماية قدرة الجماعات على الاختيار والتَّصحيح، من دون تقييد تدخُّلها في دور الرَّقابة، بعد أن تكون المعايير قد كُتبت في مكان آخر. الكلام على التَّضامن يفرض الاعتراف بالعمل غير المرئيّ، الَّذي يتمُّ استغلاله في كثير من الأحيان، ويغذِّي النَّماذج الخوارزميَّة. الكلام على العدل يفرض علينا أن نطرح أسئلة عن جغرافيَّات السُّلطة الَّتي تحدِّد مَن يمكنه أن يدرِّب النَّماذج، ومن هو مجرَّدُ موضوعٍ للتَّدريب، وأن نعترف بأنَّ العدل الاجتماعيَّ ليس مجرَّد هدف يجب حمايته بعد اعتماد التِّقنيَّات، بل هو شرط مُسبق يجب ممارسته في عمليَّة التَّصميم نفسها.» (الفقرة 109).

تسمح المبادئ الدَّائمة لتعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بإعطاء الإجابات الآتية عن التَّحدِّيات الرَّاهنة المذكورة:
– المسؤوليَّة والشَّفافيَّة والحوكمة في إدارة الذَّكاء الاصطناعيّ
لا يمكن مساواة أنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ بالذَّكاء البشريّ، فهي وإنْ كانت تتفوَّق عليه سرعةً، لا تعيش الاختبارات، ولا تعرف الفرح ولا الألم ولا معنى الحبِّ والعمل والصَّداقة والمسؤوليَّة، وليس لها ضمير أخلاقيّ: لا تفهم ما تُنتِج (الفقرة ٩٩). يجب الانتباه إلى تحدِّيات ثلاثة للذَّكاء الاصطناعيّ: ١) سرعته تُبسِّط الحياة لكنَّها قد تُضعف الحكم والإبداع لدى الإنسان؛ ٢) موضوعيَّته الظَّاهريَّة تعكس المعايير الثَّقافيَّة لمن صمَّمه؛ ٣) التَّواصل البشريُّ المُحاكى الَّذي يخلق الوهم بالارتباط بذات شخصيَّة حقيقيَّة (الفقرة ١٠٠). ويلزم أيضًا أُطُر قانونيَّة ملائمة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). من المهمِّ أن ننزع سلاح الذَّكاء الاصطناعيّ، أي أن ننتزعه من منطق التَّنافس، ونمنعه من السَّيطرة على الإنسان، ونجعله قابلًا للمناقشة والطَّعن (الفقرة ١١٠)؛
– الشَّيء الحقيقيُّ الَّذي هو «أكثر من الإنسان»
من المهمِّ ألَّا نُطلِق صفة المُطلق على بُعدٍ واحد فحسب من أبعاد الإنسان. فالذَّكاء مثلًا لا يمكنه أن يحجب العاطفة والإرادة والتَّفاني والعلاقة (الفقرة ١١٣). كما أنَّ الإنسان لا يزدهر على الرَّغم من الحدّ، بل من خلال الحدّ. إذا كان من واجبنا أن نسعى إلى إزالة الألم، فمن الحكمة أيضًا أن نعترف بمحدوديَّتنا الجوهريَّة (الفقرة ١١٨)، فلأنَّه يختبر الحدود (الألم، الفشل، إلخ)، يصير بمقدور الإنسان الاعتراف بأنَّه لا يجوز الاعتداء على كرامة الشَّخص البشريّ. يتكلَّم التَّقليد المسيحيُّ أيضًا على عبارة «أكثر من الإنسان»، ويعني بذلك أنَّ الإنسان مَدْعُوٌّ إلى تجاوز ذاته والازدهار في المحبَّة (الفقرة ١٢٧).
– حضارة المحبَّة
أمام الأشكال الجديدة للحرب، يجب العمل من أجل حضارة المحبَّة، أي نظام اجتماعيٍّ تتشابك فيه العدالة والمحبَّة، وتصير المحبَّة مبدأً لتنظيم الحياة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة (الفقرة ١٨٦). في هذه الحضارة، وإنْ لم يكن للجميع القدرة نفسها على التَّأثير في الواقع، إلَّا أنَّه لا أحد بلا مسؤوليَّة (الفقرة ٢١٢)، لأنَّ هذه الحضارة تولد من مجموع أعمال الإخلاص الصَّغيرة والمُثابرة الَّتي تُشكِّل حاجزًا أمام التَّجريد من الإنسانيَّة (الفقرة ٢١٣).

تقوم مسؤوليَّة كلِّ واحد على خمسة محاور للالتزام: ١) نزع السِّلاح من الكلمات: للكلمات قوَّةٌ هائلة، لذا يجب الانتباه إلى أقوالنا (الفقرة ٢١٤)؛ ٢) بناء السَّلام في العدل: لأنَّ السَّلام ليس مجرَّد غياب الصِّراع (الفقرة ٢١٥)؛ ٣) تبنِّي نظرة الضَّحايا: لا يكفي الحياد، بل يجب أن ننظر إلى الوجوه، ونصغي إلى القصص، ونعترف بالضَّحايا (الفقرة ٢١٦-٢١٧)؛ ٤) تربية واقعيَّة سليمة: تجنُّبًا للمثاليَّة السِّياسيَّة وللسُّخرية القاتلة على حدٍّ سواء (الفقرة ٢١٨)؛ ٥) إعادة إطلاق الحوار: هو الأداة الرَّئيسة للتَّعايش بين الأفراد والشُّعوب (الفقرة ٢١٩). وهذه المحاور الخمسة تتغذَّى بالصَّلاة، لأنَّ السَّلام يأتي من اﷲ (الفقرة ٢٢٨).

مقتطف: نعمة المحدوديَّة
«في محدوديَّتنا بالذَّات نجد الرَّأفة، والقلق الصَّادق إزاء احتياجات الآخرين، والكرم الَّذي يفاجئنا حتَّى في خضمِّ الظَّلام والفشل، والخبرة الرُّوحيَّة والسُّجود ﷲ. نرى ذلك في لحظات كثيرة تتجسَّد فيها الحدود في حياتنا، عندما يواجهنا الرَّفض، وعندما نتألَّم من مرض شخص عزيز أو وفاته، وعندما نختبر العجز أو الفشل. بشكل عجيب، في هذه المواقف بالتَّحديد يمكننا أن نجد حكمة جديدة، ونلمس مودَّة النَّاس لمس اليَد، ونختبر حضور الرَّبِّ يسوع. إذا ظهرت الحدود وكانت فينا ألَمًا داخليًّا، تقول لنا الحكمة البشريَّة ألَّا نزيلها ولا نكبتها، بل ندمجها في حياتنا. لكي نلغي الألم بصورة تامَّة، يجب، في النِّهاية، أن نطفئ الحبَّ والرَّغبة أيضًا. في الواقع، من يحبُّ ويرغب، لا يمكنه أن يتجنَّب المرور بالمحنة والألم، ولهذا السَّبب، على مرِّ السِّنين، نحتفظ في داخلنا بتعاليم تنطبع فينا مثل ندوب، وذكرى للمسيرة الَّتي قطعناها بين الحرِّيَّة والسَّقطات، وبين الأحلام وخيبات الأمل. وبفضل تَداخُل هذه العناصر فحسب، تحدث في قلبنا مُعجِزات الرُّوح الَّتي تجعلنا نتذوّق أجمل طعم لأنَّنا بشر.» (الفقرة ١١٩-١٢٠).

أمام التَّحوُّلات الَّتي تحصل (خصوصًا الذَّكاء الاصطناعيّ وتيَّارات ما بعد الإنسانيَّة)، من المهمِّ الانتباه إلى هذه الحقائق الثَّلاث:

– الحقيقة هي خير عامّ
غالبًا ما تبني المنصَّات الرَّقميَّة وأنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ روايات مُشَوَّهة، وتطمس الحدود بين الصَّحيح والزَّائف، وتخلط بين الوقائع والآراء، وتتلاعب بالمحتوى والصُّور (الفقرة ١٣٢). قد يظنُّ الإنسان أنَّه قادرٌ على بناء الواقع الَّذي يتناسب بشكل أفضل مع مطالبه، وينسى أنَّه يجب أن يعترف بحقائق كونيَّة صحيحة تسبقه (الفقرة ١٣٣). ولهذا، يجب تعزيز بيئة للتَّواصل ووضع قواعد حتَّى لا يتمكَّن الَّذين يتحكَّمون في المنصَّات الرَّقميَّة من التَّأثير في المخيِّلة الجماعيَّة (الفقرة ١٣٦-١٣٧). كما أنَّ وسائل الإعلام الرَّقميَّة تُولِّد ثقافة الفوريَّة (الفقرة ١٣٩) الَّتي قد تُطفئ الرَّغبة في طرح الأسئلة (الفقرة ١٤٠)، ولها تأثيرات سلبيَّة في النَّوم والانتباه والتَّنظيم العاطفيِّ والحياة العلائقيَّة (الفقرة ١٤١). لذلك يجب تربية الإنسان على «متى ولماذا» لا يستخدم الذَّكاء الاصطناعيّ (الفقرة ١٤٠)، واتِّخاذ تدابير تشريعيَّة، وتعليم الأجيال الجديدة البحث عن الحقيقة ومحبَّتها، والتَّساؤل عن معنى الحياة وكرامة كلِّ إنسان (الفقرة ١٤٣).
– حماية كرامة العمل
تُحوِّل الرُّوبوتات والذَّكاء الاصطناعيُّ بنية العمل نفسها، ما يؤدِّي إلى استبعاد عمَّال كثيرين وتقليل الحاجة إلى اليد العاملة (الفقرة ١٥٠). ومع أنَّه من المستحسن أن تخفِّف التّكنولوجيا عن الإنسان بعض الأعمال الشَّاقَّة والمتكرِّرة والخطرة، إلَّا أنَّه يجب أيضًا حماية الوظائف (الفقرة ١٥٢) لأنَّ العمل يبقى بُعدًا أساسيًّا من أبعاد الخبرة الإنسانيَّة كمكان للتَّعبير والعلاقات والمساهمة في الجماعة (الفقرة ١٥٣). ولهذا يجب وضع معايير اجتماعيَّة للابتكار، وإنشاء سياسات فعَّالة تجعل التَّنشئة المستمرَّة والتَّحوُّلات المهنيَّة في متناول الجميع (الفقرة ١٥٦).
– الحفاظ على الحرِّيَّة
صُمِّمت المنصَّات الرَّقميَّة لاستحواذ وقت المستخدِمين، مستغلَّةً ضعفهم، ومُضعفةً حرِّيَّتهم الدَّاخليَّة (الفقرة ١٧٠). بالإضافة إلى ذلك، وبِجَمْعها البيانات بشكل مكثَّف، يمكنها أنْ ترسم ملامح الشَّخصيَّات وتتنبَّأ بسلوكيَّاتها وتوجُّهها (الفقرة ١٧١). العصر الرَّقميُّ هو عصر استعماريّ، لأنَّه يستولي على البيانات، ويحوِّل الحياة الشَّخصيَّة إلى معلومات قابلة للاستغلال، تسمح بتدريب نماذج تنبُّئِيَّة، وتوجيه استراتيجيَّات الاستثمار، واستباق الأزمات، وانتقاء الأشخاص والأشياء الَّتي تهمّ (الفقرة ١٧٨). لذلك، لا بدَّ من استخدامٍ يعزِّز الحرِّيَّة الدَّاخليَّة (الاعتدال الرَّقميّ، ومكافحة النَّماذج الَّتي تزدهر على الضُّعف) (الفقرة ١٧٠).

مُقتطف: التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيّ
«تحتاج العمليَّات التَّربويَّة إلى وقتٍ للنُّضج، وإلى مواجهة الواقع بما يتجاوز المظاهر، وإلى مسيرة صبورة. المسألة جوهريَّة، لأنَّ كلَّ تكنولوجيا تربِّي من يستخدمها. لذلك، التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيِّ تتضمَّن التَّربية على اتِّخاذ القرار متَى وأين لا نستخدمه. السُّرعة والسُّهولة اللَّتان يتمُّ بهما الحصول على إجابة أو ملخَّص قد يُطفِئان فينا الرَّغبة في طرح الأسئلة، الَّتي لا تُجتَنَى ثمارها إلَّا مع مرور الوقت. كما كتب أفلاطون، فإنَّ الأمور الأعمق والأهمَّ لا نتعلَّمها إلَّا بعد وقت طويل وجهد كبير، والتزامنا في النِّقاش مع الآخرين لِـ «تفتيت» المفاهيم والخبرات كما لو أنَّها أحجارٌ ناريَّة، حتَّى تنطلق فينا شرارة الفهم. يجب علينا أن نربِّي أنفسنا على نوع من الصَّوم عن الذَّكاء الاصطناعيِّ ونحمي شبابنا من وعد الآلة المثاليَّة، ومن الإغراء النَّاعم الَّذي يجعل التَّفكير البشريَّ يبدو عديم الفائدة بالتَّحديد عندما يكون بأمسِّ الحاجة إليه.» (الفقرة ١٤٠).

خيار يجب اتِّخاذه
في وجه يسوع، يمكننا أن نتأمَّل في «الإنسانيَّة الرَّائعة»، ونفهم أنَّنا مَدْعُوُّون إلى أن نكون شُرَكاء في عمل الخليقة، لا متفرِّجين مستسلمين (الفقرة ٢٣٣). فليس هناك أيُّ نظام حسابيٍّ يلد قلبًا يهب ذاته، ولا ضميرًا يميِّز الخير (الفقرة ٢٣٣). إذًا، أمام التَّحوُّل التَّاريخيّ (الفقرة ٦) النَّاتج من الرَّقمنة والذَّكاء الاصطناعيِّ والرُّوبوتات (الفقرة ٤)، والإنسانيَّة الَّتي لم يسبق لها أن امتلكت مثل هذا السُّلطان على نفسها (الفقرة ٤)، والَّتي تطرح أسئلة خطيرة مثل «إلى أين نحن ذاهبون؟ أيَّ اتِّجاه نختار؟»، تواجِه اليوم خيارًا حاسمًا بين اثنين (الفقرة ١):
١. الاستسلام لـ «متلازمة بابل»: اختيار عمل ضخم صُوِّر من دون الإشارة إلى الله، والَّذي يؤدِّي إلى إطلاق صفة المطلق على الإنسان. هذا المنطق يقوم على التَّماثل الَّذي يقضي على التَّنوُّع ويضحِّي بالأضعف (الفقرة ٧ و١٠)؛
٢. السُّلوك في «طريق نحميا»: هو اختيار إعادة بناء أسوار أورشليم. عند العودة من سبي بابل، أوكلَ نحميا إلى كلِّ عائلة جزءًا من السُّور لإعادة بنائه، ما سمح للمدينة أن تولد من جديد بفضل المسؤوليَّة المشتركة للشَّعب كلِّه، وبفضل لغة العيش المشترك (الفقرة ٨). في هذا العمل المشترك، وهو البناء في الخير، للمسيحيِّين طريقتهم الخاصَّة في البناء: البناء على صخرة العلاقة مع الله، واحترام حدود البشريَّة وضعفها، وتحمُّل مسؤوليَّة مشتركة شُجاعة لأنَّ لا يد واحدة تكفي بمفردها، وأخيرًا اعتماد لغة إنجيليَّة ترفض الكلام الَّذي يهين أو يثير التَّنافر (الفقرة ١١-١٤).

لذلك، يدعو البابا إلى روحانيَّة «المهندس المعماريِّ الحكيم»، حيث يكون أساس البناء هو العلاقة مع الله، ويقوم على قبول حدود الإنسان، ويُترجَم إلى مسؤوليَّة مشتركة ولغة إنجيليَّة في التَّعامل مع الواقع (الفقرة ٢٣٦). ومن خلال هذه الرُّوحانيَّة، يستطيع الإنسان أن يحافظ على قلبٍ محبٍّ للحقيقة، ساعٍ إلى العدالة، باحث عن الحكمة، ومدرك أنَّه جزء من شبكة علاقات تربطه بالآخرين وبالخليقة (الفقرة ٢٣٧).

كما يصف البابا هذه الرُّوحانيَّة أيضًا بأنَّها «روحانيَّة إفخارستيَّة»، أي روحانيَّة الوحدة الكنسيَّة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٤). ففي الإفخارستيَّا، يُدعى المؤمنون إلى العيش كأعضاء في جسد المسيح، إخوة وأخوات رغم اختلافاتهم، بحيث يشكِّلون معًا وحدة واحدة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٥).

الخاتمة وإضاءات للشَّرق الأوسط

تؤكِّد الرِّسالة العامَّة مرارًا أنَّ الابتكارات التّكنولوجيَّة ليست محايدة (الفقرة ٨٥)، لأنَّها تعكس في الواقع طريقة تفكير من صمَّمها وتَوجُّهَه. وغالبًا ما تقف خلف هذه المنصَّات مصالح بشريَّة تسعى إلى الرِّبح وتؤثِّر في المحتوى وتهمِّش الفئات الضَّعيفة. لذلك يشدِّد البابا على نقطتَيْن أساسيَّتَيْن: أوَّلًا، لا يكفي الحديث عن الأخلاق فحسب، بل لا بدَّ من وجود أطُر قانونيَّة واضحة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). وثانيًا، تُقاس جودة الحضارة بمدى قدرتها على الاهتمام بالآخرين ورعايتهم (الفقرة ١١٤). ومع ذلك، يبقى الواقع معقَّدًا، لأنَّ الإنسان يتَّجه نحو الخير الَّذي يرغب فيه، لكنَّه لا يلتزم به دائمًا، فهو في الوقت نفسه «رائع ومجروح» (الفقرة ١٢٦).

وتقدِّم هذه الرِّسالة البابويَّة الأولى للبابا لاوُن الرَّابع عشر بوصلةً لإنسان يعيش في زمن تكنولوجيٍّ سريع التَّطوُّر، بحيث تصبح الأفكار فيه سريعة التَّغيُّر، وغالبًا ما نعرف القليل عن طريقة عمل هذه التِّقنيَّات (الفقرة ٩٨). ومن هذا المنطلق، تطرح الرِّسالة إضاءات على عدد من تحدِّيات الشَّرق الأوسط، من أبرزها:

في شرقٍ أوسط تُستهلَك فيه الأخبار عبر المنصَّات الرَّقميَّة من دون التَّحقُّق من صحَّتها أو أهدافها، تُذكِّر الرِّسالة بأهمِّيَّة البحث عن الحقيقة لِتَفادي الوقوع ضحيَّة التَّضليل أو التَّحريض على الكراهية.

في شرقٍ أوسط تَتَّخذ فيه الصِّراعات أشكالًا أكثر تعقيدًا مع استخدام التّكنولوجيا والذَّكاء الاصطناعيّ، وتُبرَّر أحيانًا باسم «الحرب العادلة»، تدعو الرِّسالة إلى بناء حضارة محبَّة تقوم على المسؤوليَّة في الكلام، والسَّعي إلى العدالة، والتَّعاطف مع الضَّحايا، وإحياء الحوار باستمرار.

في شرقٍ أوسط تسوده أشكال من متلازمة بابل، حيث تسعى بعض القوى إلى فرض هَيْمَنتها وإلغاء التَّنوُّع، تُشجِّع الرِّسالة على مسار المصالحة، بحيث يُسْهِم كلُّ فرد وكلُّ جماعة في إعادة بناء مجتمع يقوم على التَّعدُّديَّة والعيش المشترك.


(١) رسالة بابويَّة عامَّة لقداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر في «حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيِّ»، وهي مكوَّنة من ٢٤٥ فقرة، وقد نُشرت على الموقع الرَّسميِّ للكرسيِّ الرَّسوليِّ. وبالإمكان الوصول إليها كاملة على هذا الرَّابط: http://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/encyclicals/documents/20260515-magnifica-humanitas.html

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام، تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

القسّ عيسى دياب
تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام،
تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش

ط.١، ٤٤٨ ص.، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦
ISBN: 978-2-7214-5050-0

الكتاب بانوراما للعلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة في منطقة الشَّرق الأوسط منذ ظهور الإسلام حتَّى يومنا هذا. لم يحصر الكاتب هذه البانوراما بالجغرافيا بل بالألسنيَّات، فتناول تاريخ المسيحيِّين الَّذين يتبعون الطُّقوس الشَّرقيَّة ويتكلَّمون حاليًّا اللُّغة العربيَّة، وبالتَّالي قد استبعد شمال أفريقيا وتركيا واليونان وأرمينيا ودول أوروبا الشَّرقيَّة.

وكما هو حال الكثير من الكتَّاب المسيحيِّين المشرقيِّين الَّذين يتناولون موضوعًا كهذا، فإنَّ الكاتب يُبرز في سرده التَّاريخيِّ الاضطهادات الَّتي تعرَّض لها المسيحيُّون في المنطقة على يد المسلمين، وهو ما ندر وجوده في كتابات المؤرِّخين المسلمين المعاصرين. لكنَّ المميَّز في هذا الكتاب هو أنَّه لا يكتفي بالاضطهادات، بل يضيف إليها الدَّور الحضاريَّ الَّذي قدَّمه المسيحيُّون لشعوب المنطقة.

يبدأ الفصل الأوَّل من الكتاب بعرضٍ موجز للخلافات بين المسيحيِّين قبل الإسلام، والانقسامات الَّتي نتجت منها، وما تبعها من صراعاتٍ وحروبٍ ومآسٍ أضعفت المسيحيَّة في المنطقة. يقول الكاتب: «إنَّ ضعف المسيحيَّة، كما هو موصوف أعلاه، قد ساهم، ليس في سرعة انتشار الإسلام وحسب، بل أيضًا في نشأته» (ص. ٢١).

بعد هذا العرض السَّريع، يتناول الكاتب دخول المسيحيَّة إلى شبه الجزيرة العربيَّة والمِلل المسيحيَّة الَّتي كانت موجودة حين ظهر الإسلام. وهنا يلحُّ على مسألة التَّمييز بين النَّصارى الَّذين ورد ذكرهم في القرآن، والمسيحيِّين المعروفين اليوم بهذا الاسم على اختلاف طوائفهم:
«السُّؤال الَّذي يطرح نفسه هو: «هل النَّصارى، الَّذين أتَت المصادر الإسلاميَّة على ذكرهم، هُم المسيحيُّون الأرثوذكسيُّون»؟ الفرضيَّة الَّتي سأحاول برهنتها هي أنَّ «النَّصارى» هم أتباع يسوع المسيح، لكنَّهم يختلفون عن المسيحيِّين في كثير مِن الأمور» (ص. ٣٢).

ما يلي من ذكرٍ للمِلل المؤمنة بيسوع المسيح، الَّتي عاشت في شبه الجزيرة العربيَّة، سيوضع في خانة الفِرق النَّصرانيَّة، وليس الفرق المسيحيَّة. وقد أوردها الكاتب على التَّوالي: الأبيونيُّون، والكسائيُّون، والمريميُّون، والحوَّاريُّون، والآريوسيُّون، والحنفاء، الَّذين ربط محمَّد رسول الإسلام هويَّته بهم. عن هذه المجموعة الأخيرة، يقول الكاتب:
«إنَّ الحنفاء هم أناس رفضوا عبادة الأوثان، وتركوا ما عليه قومهم مِن عبادة الأصنام، وراحوا يبحثون عن الدِّين الحقِّ. ونتيجة لبحثهم، اعتنق بعضهم النَّصرانيَّة، وبعضهم الآخر تمسَّك بـ «الحنيفيَّة»، الَّتي يظنُّونها دِين إبراهيم، وأكثرهم سيدخلون في الإسلام النَّاشئ» (ص. ٥٣).

يلي ذلك عرض للكنائس المسيحيَّة المشرقيَّة الَّتي ستتقابل مع الإسلام: اليعاقبة، والنَّساطرة، والأقباط، والرُّوم.

الفصل الثَّاني عرض لشخصيَّة محمَّد وعلاقته بالمسيحيَّة، بدءًا من ورقة ابن نوفل الأسديِّ القُرشيِّ وخديجة زوجة الرَّسول، وظهور الإسلام، ودخول القبائل المسيحيَّة فيه. ويتوقَّف الكاتب مطوَّلًا عند ما يسمِّيه: «مسيحيَّة الإسلام»، أي الطَّابع المسيحيَّ في الإسلام، والمسيحيَّة في منظور الإسلام، فيبيِّن كيف أنَّ الملل النَّصرانيَّة شكَّلت في القرآن الكريم تصوُّرًا معيَّنًا عن المسيحيَّة ومعتقداتها، وهو تصوُّر إيجابيّ، أقلُّه في السُّوَر المكِّيَّة الَّتي، كما يقول الكاتب:
«تقترب بمعانيها وأخبارها مِن الدِّيانتَين اليهوديَّة والمسيحيَّة؛ ويؤكِّد فيها محمَّد رسالة موسى في التَّوراة، ورسالة عيسى في الإنجيل. وفي كلامه على اليهود والنَّصارى الكثير مِن الإيجابيَّة حيالهم، والتَّحبُّب إليهم. وفيها اعتراف بأنَّ المسيح هو كلمة اﷲ وروحه (النِّساء ٤: ١٧١؛ الأنبياء ٢١: ٩١) تمامًا كما جاء في الإنجيل» (ص. ٧٦-٧٧).

ويصل في النِّهاية إلى عرضٍ مستفيض عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيِّين في أيَّام النَّبيّ. وهنا يبدأ مصطلح «نصارى» بالتَّلاشي ليحلَّ محَلّه مصطلح مسيحيِّين. في هذا العرض نجد مراسلات النَّبيِّ مع قادة مسيحيِّين: هرقل ملك الرُّوم، المقوقس ملك مصر، النَّجاشي ملك الحبشة، المنذر بن ساوى التَّميميُّ ملك البحرين؛ ومع نصارى شبه الجزيرة العربيَّة: نجران، وجرباء، وأذرح، وأيلة.

الفصول التَّالية تتبع التَّسلسل الكرونولوجيّ. الخلافة الرَّاشديَّة، الأمويَّة، العبَّاسيَّة، الفترة الصَّليبيَّة، المماليك، وأخيرًا العثمانيَّة. في كلِّ فصل عرض موجز لأحداث الفترة إسلاميًّا، يليه عرض لحال المسيحيِّين في تلك الفترة، ثمَّ متفرِّقات جديرة بالذِّكر.

في الفصل الثَّالث يتكلَّم على حال المسيحيِّين في العصر الرَّاشديّ، ويتناولهم خليفة تِلوَ الآخر، مع الإشارة إلى الفتوحات ومواقف المسيحيِّين المشرقيِّين منها، والمعاهدات الَّتي أبرِمَت معهم، والضِّيق الَّذي تعرَّضوا له في ظلِّ حكم بعضٍ منهم أو في فتراتٍ محدَّدة. فعلى سبيل المثال، أخرج عمر بن الخطَّاب النَّصارى واليهود من شبه الجزيرة العربيَّة، في حين أنَّه تعهَّد لمسيحيِّي القدس بألَّا يمسَّهم سوء، وبأن يبقوا في ديارهم آمنين مقابل دفع الجزية.

الفصل الرَّابع، الَّذي يتناول الدَّولة الأمويَّة، هو فصل مفصليّ، لأنَّه يُظهِر انقلاب أحوال المسيحيِّين من الازدهار إلى الاضطهاد. ففي حين رأى فيهم أوَّلُ الخلفاء شركاء لهم رآهم مَن تلاهم أعداء. عن هذا العصر الذَّهبيِّ للعيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين يقول الكاتب:
«سمح الأمويُّون بالاحتفاظ بأغلب الكنائس، ولم يمانعوا ترميمها أو بناء كنائس جديدة. ورغم أنَّ بعض عهود الصُّلح أيَّام الرَّاشدين نصَّت على منع استحداث كنائس جديدة، فإنَّ الأمويِّين لم يلتزموا بها باستثناء مرحلة عُمر بن عبد العزيز. وقد روى الطَّبري أنَّ خالد القسريَّ والي العراق كان يأمر بنفسه بإنشاء البيع والكنائس، وأبو جعفر المنصور الخليفة، حذا حذوه عندما شيَّد بغداد» (ص. ١٤٢-١٤٣).

العصر العبَّاسيُّ يشغل فصلَين: العصر العبَّاسيَّ الأوَّل وهو سنوات سلام في العيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين، برز فيه دور المسيحيِّين في عالم الفكر من طبٍّ وفلسفة وباقي العلوم، وفيه جرت حوارات مهمَّة بين المسيحيِّين والمسلمين. ويلخِّص الجاحظ حال المسيحيِّين على النَّحو الآتي:
«إنَّ النَّصارى متكلِّمون وأطبَّاء ومنجِّمون وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء… وإنَّ منهم كُتَّاب السَّلاطين وفرَّاشي الملوك وأطبَّاء الأشراف والعطَّارين والصَّيارفة… وإنَّهم اتَّخذوا البراذين والخيل واتَّخذوا الشَّاكريَّة والخدم والمستخدَمين» (ص. ١٥٤).

شهد العصر العبَّاسيُّ الثَّاني ظهور الدُّويلات: الفاطميُّون، السَّلاجقة، الأيُّوبيُّون، حتَّى وصول المغول. إنَّه عصر انحطاط، وعصر اضطهاد للمسيحيِّين. يصف الكاتب هذا العصر كما يأتي:
«مع بداية عصور الانحطاط، بدأ جوُّ التَّفاهم والتَّعايش الكريم بالتَّبخُّر. فهُدِّمت الكنائس، ومُنع أهل الكتاب مِن ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التِّجاريَّة والاقتصاديَّة، أو الإقامة في دُور مرتفعة، أو دخول الحمَّامات الَّتي كان يدخلها المسلمون. وعُوملوا كرعايا مِن الدَّرجة الثَّانية. وأخذ السَّلاطين والولاة يستبدُّون بهم. وأخذ البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرِّخ ابن البطريق والمسعوديُّ وغيرهما. كانت إحدى نتائج ذلك، هجرة المسيحيِّين الَّذين رفضوا اعتناق الإسلام مِن المدن نحو الجبال» (ص. ١٨٠).

الفصل التَّاسع مخصَّص للحملات الصَّليبيَّة، والكاتب يحاول التزام الحياد تجاهها، ويبيِّن كيف أنَّ المسيحيِّين المشرقيِّين فضَّلوا، في غالبيَّتهم، انتماءهم الثَّقافيَّ الجغرافيَّ على انتمائهم الدِّينيّ، فوقفوا مع المسلمين لردِّ الغزوات الصَّليبيَّة، على الرَّغم من سوء المعاملة الَّتي كان المسلمون يعاملونهم بها.
«أمَّا المسيحيُّون المشرقيُّون، بشكل عامٍّ، فلم يسيطر انتماؤهم المسيحيُّ للانحياز إلى الصَّليبيِّين على انتمائهم إلى الشَّرق وتقاليده وأعرافه، وحسن الجوار مع إخوتهم المسلمين. فأظهروا الولاء لهم في جميع المواقف، ووقفوا إلى جانبهم. ربَّما شذَّ عن هذه القاعدة بعض الأرمن وبعض الموارنة. أمَّا الأرمن فبسبب عدائهم مع المسلمين؛ وأمَّا الموارنة، فبسبب محاولاتهم المتبادلة مع الصَّليبيِّين للانضمام إلى روما. وفي الوقت نفسه، كان المسيحيُّون أحيانًا ضحيَّة. فالمسلمون كانوا يُشكِّكون بولائهم بسبب مشاركتهم الدِّين مع الصَّليبيِّين؛ والصَّليبيُّون كانوا يشكِّكون في إخلاصهم بسبب انتمائهم الشَّرقيّ» (ص. ٢٤٦).

ويتابع الكاتب سرده، بحسب النَّهج نفسه، فيصل إلى دولة المماليك، ولعلَّها الفترة الأقسى على المسيحيِّين، خصوصًا مع تعديل نظام الذِّمَّة وتشديده، وحملات الإكراه على دخول الإسلام تحت طائلة النَّهب والنَّفي.

يذكر الكاتب من أحكام نظام الذِّمِّيَّة ما يأتي:

١. على الذِّمِّيِّين أنْ يدفعوا الجزية للحكَّام المسلمين بالطَّريقة القرآنيَّة (وهم صاغرون؛ المائدة ٩: ٢٩)، وأنْ يخضعوا لكلِّ الشُّروط الَّتي ينصُّ عليها عهد الذِّمِّيَّة في الشَّرع الإسلاميّ.
٢. يُحظَّر على المسيحيِّين واليهود العمل في إدارات الدَّولة المملوكيَّة.
٣. على المسيحيِّين أنْ يضعوا على رؤوسهم طربوشًا وأنْ يلبسوا ثوبًا أزرق، واليهود ثوبًا أصفر، والسَّامريِّين ثوبًا أحمر.
٤. يُحظَّر على غير المسلمين ارتياد الأحصنة.
٥. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين بناء بيوت يكون ارتفاعها أعلى مِن بيوت المسلمين.
٦. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين دخول مغارة المكفيلة في حبرون. (ص. ٢٥٨-٢٥٩).

في الفصل التاسع أيضًا، الدَّولة العثمانيَّة، يتمُّ الإلحاح على الإرساليَّات المسيحيَّة، فكلُّها تمَّت في ظلِّ الدَّولة العثمانيَّة؛ وهذا لا يعود إلى طبيعة العثمانيِّين بقدر ما يعود إلى تغيُّر المشهد السِّياسيِّ بين الدُّول في ذلك العصر. النَّهضة الأوروبِّيَّة، وتطوُّر القطاع التِّجاريِّ والصِّناعيّ، وكثرة الاختراعات، واكتشاف العالم الجديد.

يذكر هذا الفصل وصول الرَّهبنات الكاثوليكيَّة: الفرنسيسكان، اليسوعيُّون، الكبُّوشيُّون، الكرمليُّون… ووصول البعثات البروتستانتيَّة، وتحوُّل جماعاتٍ مسيحيَّة شرقيَّة من العداء لروما إلى الاتِّحاد بها، وهي الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة. وبعد سرد ما قدَّمته هذه الإرساليَّات للشَّرق كي يتطوَّر ويواكب عصره: مدارس، مستشفيات، مطابع، علوم… يمرُّ على المذابح الَّتي ميَّزت نهاية عصر العثمانيِّين، والَّتي راح ضحيَّتها أكثر من مليوني مسيحيّ، وتهجير السُّكَّان، وما إليه من فظائع.

الفصل العاشر: «المسيحيَّة المشرقيَّة منذ نهاية الحرب العالميَّة الأولى وحتَّى الوقت الحاضر». فصل غنيٌّ بالمعلومات، بعيد عن الموضوع. فهو يذكر من جهة تطوُّر العقليَّة الإسلاميَّة نحو التَّطرُّف، ومن جهة أخرى تحوُّل العقليَّة المسيحيَّة في الغرب نحو العلميَّة، وفي هذا كلِّه، المسيحيَّة المشرقيَّة غائبة. في نهاية الفصل، عرض تقديميٌّ للجماعات المسيحيَّة المشرقيَّة اليوم؛ كلِّ كنيسةٍ مشرقيَّة: نشأتها، نموِّها، حالها اليوم.

الفصل الحادي عشر هو بمثابة خاتمة. فيه يلقي الكاتب نظرةً إلى الماضي ليستخلص منه العبر. ومن هذه العِبَر الَّتي تشرح سبب انحسار المسيحيَّة المشرقيَّة: الخلافات المسيحيَّة - المسيحيَّة، وهجرة المسيحيِّين، وتعزيز عقليَّة التَّعصُّب.

أمَّا النَّظرة إلى المستقبل فيراها الكاتب في أهمِّيَّة التَّمييز بين الدِّين والدَّولة، وتعميق معرفة الآخر، والاعتراف بأخطاء الماضي، والشَّهادة للغفران والمصالحة، والحذر من التَّعميمات والصُّور النَّمطيَّة، والمساهمة المشتركة في بناء المجتمعات.

الكتاب ضخم، موسوعيّ، شيِّق في القراءة، غنيٌّ بالمعلومات الدَّقيقة.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب‭ ‬يسوعيّ،‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف‭ – ‬بيروت‭. ‬له‭ ‬مؤلَّفات‭ ‬وترجمات‭ ‬عدَّة‭ ‬منشورة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬بحثيَّة‭ ‬في‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق‭.‬

editing@darelmachreq.com

باباوات وسلاطين، حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسها

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جوليو تشيبولُّوني
باباوات وسلاطين،
حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسها

تعريب: ميرفت كلّي وبارتولوميو بيروني
ط.١، ٣٣٦ صفحة، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦
ISBN: 978-2-7214-5049-4

الكتاب قراءة في تاريخ الحروب الصَّليبيَّة وليس تأريخًا لها. فالكاتب يعود إلى الوثائق القديمة: كتابات المؤرِّخين والمراسلات، ليصوِّر، كمرحلة أولى، أجواء الحروب الصَّليبيَّة والعقليَّات المسيحيَّة والإسلاميَّة الميَّالة آنذاك إلى القتال. ويتناول تصويرُه شرح بعض المصطلحات كالحرب المقدَّسة والجهاد والكفر بحسب عقليَّات مَن عاشوا في تلك الفترة الَّتي هي قيد الدِّراسة، وطرائق توظيف الكتب المقدَّسة لتبرير العنف وحثِّ المؤمنين على تحمُّل ويلات الحرب، خصوصًا الأسر، لينتقل بعدها إلى المبادرات الإنسانيَّة الَّتي ظهرت في ذلك الحين، والَّتي يعطيها في آخر الكتاب، قراءة معاصرة.

ينقسم الكتاب إلى جزأين، الجزء الأوَّل ليس غاية في حدِّ ذاتها، بل هو لخدمة الجزء الثَّاني.

يسعى الجزء الأوَّل لإبراز التَّشابه بين موقف المسيحيِّين من الحرب وموقف المسلمين منها، وكيف كان قادة كلِّ طرف يؤجِّجون مشاعر الشَّعب من أجل التَّجنيد، معتمدين على الدِّين والنُّصوص المقدَّسة. ويعتمد الكاتب في هذا الجزء على منهجيَّتين، الأولى هي الوقوف عند المصطلحات وشرح كيف يفهمها كلُّ طرف، ومقدار التَّشابه في فهمها، وكيف أنَّ هذا التَّشابه يتوافق مع مبادئ دينٍ ويخرج عن مبادئ دينٍ آخر. المنهجيَّة الثَّانية هي عرض الوثائق التَّاريخيَّة الَّتي تعكس حالة الأجواء المهيمنة حينها، وهذا العرض يمنح الكتاب أهمِّيَّةً خاصَّة، إذ نجد فيه، من بين ما نجده، مراسلات بين ديوان السُّلطان صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ والبابا إنُّوسنت الثَّالث، وهي الفترة الَّتي ركَّز الكاتب عليها أكثر بسبب الجزء الثَّاني من الكتاب. فما الَّذي يتضمَّنه الجزء الثَّاني، وهو غاية الكتاب؟

في أثناء الحروب الصَّليبيَّة، ظهر بين المسيحيِّين أشخاص رفضوا الحرب، ويسمِّيهم الكاتب: «المستنكفون ضميريًّا». لم يقف هؤلاء المستنكفون مكتوفي الأيدي، ولا شكَّلوا جماعات ضغطٍ تندِّد بالحرب وترفض المشاركة فيها كما هو الحال في أيَّامنا؛ فنحن في أواخر القرن الثَّاني عشر، وهذه المواقف لم تكن معروفة حينها ولا توصَّل العقل البشريُّ إليها بعدُ. ما فعله المستنكفون هو أنَّهم سعَوا لتحرير الأسرى من كلا الطَّرفَين. ويبدو أنَّ هذه المساعي ظهرت في كلا المعسكرَين المسيحيِّ والإسلاميّ. كانت المساعي في المعسكر الإسلاميِّ مبادرات فرديَّة، مؤقَّتة وغير منظَّمة، في حين أنَّها اتَّخذت في المعسكر المسيحيِّ تنظيمًا وهيكليَّة انضوت تحت غطاء تديُّنيٍّ وهو غطاء الحياة الرَّهبانيَّة الَّتي اعترف بها البابا إنُّوسنت الثَّالث رسميًّا في السَّنة ١١٩٨. أسَّس المستنكفون المسيحيُّون، إذًا، رهبنةً سمِّيت باسم الرَّهبنة الثَّالوثيَّة (Trinitarian). إنَّها في أيَّامها شبيهة بمنظَّمة الصَّليب الأحمر في أيَّامنا. كانت رسالتها هي جمع التَّبرُّعات لتحرير الأسرى، وإجراء الاتِّصالات مع القادة من أجل عمليَّات تبادل الأسرى. هذه الرَّهبنة لازالت قائمة حتَّى الآن، ويقدَّر عدد الأسرى الَّذين تحرَّروا بمساعيها حوالى ١٤٠ ألف أسير حتَّى نهاية القرن العشرين. ويبدو أنَّ الكاتب يريد تكريمها بكتابه، ويريد في هذه المناسبة تسليط الضَّوء على الخير الكامن في الإنسان في جميع الظُّروف، ليصل إلى استنكار الحرب، خصوصًا تلك الَّتي تصطبغ بصبغةٍ دينيَّة وطائفيَّة كما هو حال غالبيَّة حروبنا اليوم.

حين نتكلَّم على مآسي الحرب، نذكر عمومًا الخسائر المادِّيَّة والبشريَّة، ونتناول في الخسائر البشريَّة الضَّحايا والمهجَّرين، لكنَّنا قلَّما نهتمُّ بالأسرى وحالهم في الأسر الَّذي هو أقسى ما في الحروب. هذا ما أراد الكاتب تسليط الضَّوء عليه، وقد اختار لغلاف كتابه، بنسختَيه الأجنبيَّة والعربيّة، فسيفساء موضوعة عند مدخل كنيسة سان توماس في فورميس (إيطاليا) تعود إلى السَّنة ١٢١٠/٦٠٦ هـ.، من أعمال جاكوبو وابنه كوزما. تصوِّر الفسيفساء السَّيِّد المسيح جالسًا على عرش، يمسك أسيرًا مسيحيًّا بيد، وأسيرًا مسلمًا بيدٍ أخرى ليحرِّرهم. لوحة تعبِّر عن روحانيَّة الرَّهبنة الثَّالوثيَّة في زمنٍ كان الباباوات والسَّلاطين يتكلَّمون لغة الحرب نفسها، طرف يدعو إلى الحرب المقدَّسة والطرف الآخر إلى الجهاد الصَّغير، ودعوة كلاهما تتحجَّج بالمشيئة الإلهيَّة، وتدعم حججها بآياتٍ مختارة اختيارًا منحازًا من الكتب المقدَّسة؛ المسلمون من القرآن الكريم والمسيحيُّون من العهد القديم إذ لم يجدوا في العهد الجديد ما يدعم حججهم.

طرفان صنع كلٌّ منهما صورةً لعدوِّه ودعا لمحاربته لأنَّها مشيئة اﷲ أو في سبيل اﷲ. وفجأةً، يظهر طرف ثالث يحوِّل صورة مَن يكرههم اﷲ إلى صورة مَن يحبُّهم اﷲ لأنَّه أبوهم وخالقهم، ويدعو إلى المحبَّة والرَّحمة.

الكتاب قراءة تاريخيَّة غنيَّة بالمعلومات والتَّحليلات، حيث لم يتردَّد الكاتب في إبداء رأيه، بل إعلان صرخته ضدَّ كلِّ عنفٍ أو استعدادٍ للعنف يسود العالم، في الأمس كما اليوم.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب‭ ‬يسوعيّ،‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف‭ – ‬بيروت‭. ‬له‭ ‬مؤلَّفات‭ ‬وترجمات‭ ‬عدَّة‭ ‬منشورة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬بحثيَّة‭ ‬في‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق‭.‬

editing@darelmachreq.com

La figure de Salomon dans les Chroniques: La sagesse au service du temple

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

P. Sami Nehmé
:La figure de Salomon dans les Chroniques
La sagesse au service du temple
Première édition, 296 pages, Beirut : Dar el-Machreq, 2026
ISBN : 978-2-7214-6038-7

 

تُركِّز «دورة سليمان» (Cycle de Salomon) في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني (الإصحاحات ١-٩) على إعادة قراءة متميِّزة لشخصيَّة الملك سليمان تختلف عن سرد سفر الملوك. وقد جاء في التَّوطئة بقلم الأخت يارا متَّى ما يأتي:
«يقودنا منهج المؤلِّف الأب سامي نعمة في متاهات هذه الشَّخصيَّة المثيرة للجدل بأسلوب بارع، فمن خلال اتِّخاذ سفر أخبار الأيَّام منطلقًا يستكشف المؤلِّف بدقَّة بنية دورة سليمان مشيرًا من جهة إلى بنية الرِّوايات وحركتها العامَّة، ومن جهة أخرى إلى الفوارق الَّتي تظهر في كتابتها مقارنةً بسفر الملوك

يتناول هذا البحث قراءة مقارنة مع الأدب الحِكميّ (الخاصِّ بسفر الحكمة)، ولا سيَّما سفر يشوع بن سيراخ والمزامير المنسوبة إلى الملك سليمان. وبالتَّالي، فإنَّ الإشكاليَّة المطروحة لا تقتصر على الموضوع المدروس فحسب، بل تطال أيضًا مكانة القراءة الكتابيَّة بشكلٍ عامّ.

إنَّ التَّفسير الدَّقيق والمتقَن للنُّصوص الكتابيَّة المتعلِّقة بشخصيَّة الملك سليمان الَّذي يدعونا إليه المؤلِّف يقود القرَّاء إلى اكتشاف الأصداء الَّتي تتردَّد من نصٍّ إلى آخر، وربَّما إلى إيقاظ أصداء جديدة لكلمة اﷲ في عقولنا وحياتنا.» (التَّوطئة).

«تُبرز دورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام بوضوح إعادة صياغة لشخصيَّة باني الهيكل. فهي بعيدة كلَّ البعد عن أن تكون مجرَّد نقل لمصدرها، إذ يقدِّم سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، ١-٩ تفسيرًا مُحدَّثًا لهذه الشَّخصيَّة.

فالملك سليمان يظهر في سفر الملوك بصورة واقعيَّة ونقديَّة، ملكًا عظيمًا وحكيمًا لكنَّه ليس بلا أخطاء وعيوب، انحرف في أواخر حياته بسبب زيجاته الكثيرة من نساء غريبات وعبادته لآلهة أخرى لأنَّ قلبه مال عن يهوه (سفر الملوك الأوَّل ١١، ٤)، فسلَّم نفسه إلى الجهالة في نهاية ملكه ما أدَّى إلى انقسام المملكة بعد موته. أمَّا في سفر أخبار الأيَّام فيظهر بصورة مثاليَّة وممجَّدة حيث تبرز شخصيَّته كبانٍ للهيكل وكمؤمن ثبَّت العبادة في أورشليم.

في سفر أخبار الأيَّام تبدو مواضع التَّركيز مختلفة تمامًا. فلا يمكن التَّطرُّق إلى إخفاقات ذاك الَّذي بنى الهيكل وامتدَّ ملكه فترة أربعين عامًا، جالبًا السَّلام والازدهار إلى مملكته. أليست هذه علامات بركة إلهيَّة تنسجم مع لاهوت الجزاء الفوريِّ الَّذي يبرزه هذا السَّفر؟ (ترجمة عن ظهر الغلاف).

كتب الباحث في مقدِّمة دراسته وضمن تحديد المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها ما يلي:
«… ستركِّز دراستنا على النَّصِّ العبريِّ الكتابيِّ في صيغته النِّهائيَّة، وفق مقاربة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ. ومع ذلك، وبما أنَّ سفر أخبار الأيَّام هو المجموعة الوحيدة الكاملة في الكتاب المقدَّس العبريِّ الَّتي تتوفَّر لدينا فيها معظم المصادر، فإنَّ منهج تحليلنا سيعتمد أيضًا على مقاربة مقارنة مع النُّصوص الموازية في صموئيل - الملوك…» (ص. ١٥).

تُعدُّ هذه الدِّراسة «قراءة مقارنة لدورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام وفي صموئيل - الملوك، تُقرأ بطريقة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ» (ص. ١٧).

وهي تهدف إلى معرفة كيف يمكن حِكمة سليمان في سفر الملوك الأوَّل أن تساعد على فهم حكمته في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، وما الَّذي ينبغي الاحتفاظ به في هذا السفر وما الَّذي يجب تركه جانبًا (ص. ١٩).

ثلاثة أقسام تتناول شخصيَّة سليمان في دراسة من ستَّة فصول. يُلقي القسم الأوَّل، في فصلَيه الأوَّل والثَّاني، نظرة عامَّة على سفر أخبار الأيَّام وتاريخ تدوينه ومكانه كما يتطرَّق إلى بنية دورة سليمان بحسب الإصحاح الثَّاني من سفر أخبار الأيَّام ١-٩.

يتناول القسم الثَّاني في فصوله الثَّلاثة قراءة لدورة سليمان الَّذي اختاره اﷲ ليبني الهيكل، وحكمة سليمان المعتَرَف بها من الأمم، وبناء الهيكل من داوود إلى سليمان.

أمَّا القسم الثَّالث والأخير فيُبرز تردُّدات أصداء حكمة سليمان على شخصيَّته في سفر أخبار الأيَّام.

من يقرأ هذه الدِّراسة، سيتلمَّس الفرق بين السِّفرَين – سفر الملوك وسفر أخبار الأيَّام الثَّاني في الكتاب المقدَّس، وهذا الفرق يتعلَّق أساسًا بالمنظور والهدف اللَّاهوتيِّ رغم أنَّ الاثنين يرويان أحداثًا متشابهة عن ملوك إسرائيل ويهوذا.

سفر الملوك: يركِّز على تقييم الملوك من ناحية أمانتهم ﷲ، ويُظهر كيف أدَّى الشَّرُّ والابتعاد عن اﷲ إلى سقوط المملكة والسَّبي.

أمَّا سفر أخبار الأيَّام الثَّاني فيركِّز أكثر على الجانب الرُّوحيِّ والعبادة، خصوصًا الهيكل والكهنوت، ويقدِّم نظرة أكثر إيجابيَّة لشعب يهوذا بعد العودة من السَّبي.

من خلال التَّمعُّن بهذه الدِّراسة يتبيَّن لنا مدى أهمِّيَّة تأوين هذَين السِّفرين في عالمنا اليوم.
– هذا السِّفر يقدِّم نموذجًا متكرِّرًا عن الفساد، والابتعاد عن القيم، وسقوط المجتمعات. في عالمنا اليوم، الرِّسالة ليست دينيَّة فحسب، بل أخلاقيَّة وسياسيَّة أيضًا مفادها أنَّ القرارات والقيادة لها نتائج طويلة المدى.
– ثمَّة إشارات إلى أهمِّيَّة المسؤوليَّة الفرديَّة والجماعيَّة، ففي السِفرَين، الملك يؤثِّر في الشَّعب كلِّه. اليوم، هذا ينطبق على القادة، لكن أيضًا على الأفراد داخل أيِّ مجتمع. أفعال الأفراد تتراكم وتصنع مصيرًا جماعيًّا.
– التَّأمُّل في النُّصوص يجدِّد الأمل في إمكانيَّة الإصلاح في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني. هذا السِّفر يركِّز على التَّوبة والإصلاح، ويبيِّن أنَّ العودة ممكنة حتَّى بعد الانهيار.
– يركِّز سفر أخبار الأيَّام الثَّاني على القِيم الرُّوحيَّة والعبادة. واليوم، يمكن فهم هذا كدعوة للتمسُّك بالقيم الأساسيَّة (سواء كانت دينيَّة أو إنسانيَّة) في خضمِّ التَّغيُّرات السَّريعة الَّتي يواجهها عالمنا.
– يساعدنا هذا البحث على قراءة التَّاريخ من زاويتَين:
* يقدِّم سفر الملوك قراءة نقديَّة؛
* ويقدِّم سفر أخبار الأيَّام قراءة بنَّاءة.

هذه القراءة تبيِّن لنا كيف أنَّ الحدث يمكن فهمه بطرق مختلفة بحسب الهدف.

وأخيرًا، تكمن أهمِّيَّة هذه الدِّراسة المعمَّقة في أنَّها قراءة تأويليَّة تأوينيَّة تعلِّمنا، من خلال سفر الملوك، كيف ولماذا تنهار المجتمعات، ومن خلال سفر أخبار الأَيَّام الثَّاني كيف يمكن أن ننهض ثانيةً، ومن هنا آنيَّتهما في عصرنا الحاليّ، آنيَّة تصلح في كلِّ زمان ومكان ومهما اختلفت المجتمعات والجماعات.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو>: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. باحثة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Pierre Jabbour
Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme
Beyrouth: Éditions de l’USJ; Paris: Geuthner, Cahiers d’études syriaques, 280 p. 2025.
ISBN: 978-614-8019-88-3

يشكِّل كتاب بيار جبُّور إضافة علميَّة بارزة إلى حقل الدِّراسات المارونيَّة والشَّرقيَّة. ويأتي ليسلِّط الضَّوء على واحدةٍ من أكثر المحطّات حساسيَّة وتعقيدًا في تاريخ العلاقة بين الكنيسة المارونيَّة والكرسيِّ الرَّسوليِّ في أواخر القرن السَّادس عشر. فمن خلال دراسة طبعة Missale Chaldaicum iuxta ritum Ecclesiæ nationis Maronitarum الصَّادرة في روما بين العامَين ١٥٩٢ و١٥٩٤، يقدِّم المؤلِّف قراءة نقديَّة جديدة لمرحلة مفصليَّة تزامنت مع تطبيق مقرَّرات المجمع التريدانتينيِّ وبداية تشكُّل المعرفة الغربيَّة المنظَّمة بالتُّراثات المسيحيَّة الشَّرقيَّة.

ولا تكمن أهمِّيَّة الكتاب في الموضوع الَّذي يتناوله فحسب، بل أيضًا في المنهج الَّذي يعتمده. فالمؤلِّف يبتعد عن المقاربات الاعتذاريَّة الَّتي سادت طويلًا في كتابة تاريخ العلاقات بين روما والموارنة، كما يتجنَّب الأحكام الإيديولوجيَّة المسبقة الَّتي ترى في كلِّ تدخُّل رومانيٍّ مشروع هيمنة أو ليتنة مقصودة. وبدلًا من ذلك، يختار العودة إلى المصادر والمخطوطات والوثائق الأصليَّة، محاولًا إعادة بناء ظروف إعداد هذا القدَّاس المطبوع، والعوامل الفكريَّة واللَّاهوتيَّة والمؤسَّساتيَّة الَّتي أثَّرت في صوغ نصوصه.

ومن أبرز عناصر الجِدَّة في هذا العمل اعتماد مفهوم «التَّركيب اللَّاهوتيّ» (bricolage théologique) مفتاحًا لفهم عمليَّة إعداد الكتاب اللّيتورجيّ. فالطَّبعة الرُّومانيَّة لم تكن، بحسب ما يبيِّن المؤلِّف، استنساخًا أمينًا لتقليد مارونيٍّ ثابت ومكتمل، كما لم تكن أيضًا فرضًا مباشِرًا لنموذج لاتينيٍّ جاهز، بل جاءت نتيجة عمليَّةٍ معقَّدة من الاختيار والتَّكييف والتَّوفيق بين مصادر متعدِّدة، بعضها سريانيٌّ وبعضها كرشونيّ، في ظلِّ معرفة محدودة نسبيًّا بالتُّراثات الشَّرقيَّة لدى عدد من المحرِّرين الرُّومانيِّين، وفي إطار هاجس كنسيٍّ يتمثَّل بضمان الانسجام العقائديِّ مع توجُّهات الإصلاح الكاثوليكيّ.

وتكمن قوَّة الكتاب في أنَّه لا يكتفي بوصف هذه العمليَّة، بل يحاول فهم منطقها الدَّاخليّ. فالقدَّاس المطبوع يظهر هنا بوصفه ثمرة تفاوض غير معلَن بين التَّقليد المحليِّ والسُّلطة المركزيَّة، بين الذَّاكرة اللّيتورجيَّة الموروثة ومتطلِّبات التَّوحيد العقائديّ، وبين خصوصيَّة الكنائس الشَّرقيَّة وطموح الكنيسة الكاثوليكيَّة إلى التَّعبير عن وحدتها الجامعة. ومن هذه الزَّاوية، يصبح النَّصُّ اللّيتورجيُّ وثيقة تاريخيَّة بامتياز، تكشف عن شبكات معقَّدة من العلاقات الثَّقافيَّة والكنسيَّة والسِّياسيَّة الَّتي تجاوزت بكثير حدود العبادة والشَّعائر.

ولعلَّ من أبرز الإسهامات العلميَّة الَّتي يقدِّمها هذا الكتاب نجاحَ المؤلِّف في إعادة فتح ملفِّ Missale Chaldaicum انطلاقًا من اكتشاف كوديكولوجيٍّ بالغ الأهمِّيَّة. فقد تمكَّن من التَّعرُّف إلى المخطوط الفاتيكانيِّ Vat. sir. 431 بوصفه جزءًا مفقودًا من المخطوط المرجِعيّ المعروف بـ ms. O، الأمر الَّذي أتاح إعادة تركيب هذا المخطوط، وإعادة بناء بنيته الأصليَّة بدرجة غير مسبوقة من الدِّقَّة. وبهذا الاكتشاف انتقل البحث من مستوى الافتراضات، الَّتي حكمت الدِّراسات السَّابقة، إلى مستوى الاستناد المباشر إلى شواهد مادِّيَّة ونصِّيَّة جديدة. وقد بيَّن المؤلِّف أنَّ ما كان يُعتقد أنَّه أجزاء مفقودة بصورة نهائيَّة يمكن استعادته جزئيًّا «الواقع أنَّ المخطوط أصبح شبه مكتمل ولا ينقصه سوى قسم g»، وأنَّ بعض النُّصوص والصَّلوات الَّتي اعتمدها محرِّرو Missale Chaldaicum تعود إلى مصادر محدَّدة أمكن تحديدها بدقَّة أكبر. كما أظهر أنَّ بعض العناصر الواردة في الطَّبعة الرُّومانيَّة لا تنتمي أصلًا إلى المخطوط المرجِعيّ، بل أُضيفت لاحقًا، أو تُرجمت في روما على يد خرِّيجي المدرسة المارونيَّة. ومن خلال هذه المراجعة الكوديكولوجيَّة الدَّقيقة، لا يكتفي الكتاب بتسليط ضوء جديد على تاريخ المخطوطات المارونيَّة، بل يعيد صياغة فهمنا للظُّروف الَّتي أُعدَّ فيها Missale Chaldaicum وللخيارات التَّحريريَّة واللَّاهوتيَّة الَّتي رافقت صدوره. ومن هنا يمكن اعتبار هذا الإنجاز الوثائقيِّ أحد المفاتيح الأساسيَّة الَّتي ترتكز إليها أطروحة الكتاب بأكملها، لأنَّه أتاح الانتقال من دراسة النَّصِّ المطبوع وحده إلى دراسة الورشة التَّاريخيَّة الَّتي أنتجته.

ويُحسب للمؤلِّف أيضًا أنَّه يضع هذه القضيَّة في إطار أوسع يتعلَّق بتاريخ الاستشراق الكاثوليكيّ في بداياته. فالاهتمام الرُّومانيُّ بالمخطوطات الشَّرقيَّة وجمعها وترجمتها ودراستها لم يكن منفصلًا عن المشروع الكنسيِّ العامّ، بل كان جزءًا من رؤيةٍ تسعى إلى معرفة الشَّرق المسيحيِّ وإدماجه ضمن أفق كاثوليكيٍّ شامل. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمة تتجاوز الدِّراسات المارونيَّة الصِّرفة، ليصبح مساهمة في تاريخ إنتاج المعرفة الغربيَّة عن الشَّرق المسيحيِّ، وفي دراسة العلاقة بين المعرفة والسُّلطة الدِّينيَّة في العصر الحديث المبكِّر.

ومع ذلك، فإنَّ أهمِّيَّة العمل لا تعود إلى النَّتائج الَّتي يتوصَّل إليها فحسب، بل أيضًا إلى الأسئلة الَّتي يطرحها. فهو يدعو إلى إعادة النَّظر في عدد من المسلَّمات المرتبطة بتاريخ اللّيتورجيا المارونيَّة، ويشجِّع على دراسةٍ أوسع للمخطوطات والنُّصوص الَّتي سبقت الطَّبعة الرُّومانيَّة أو عاصرتها. كما يفتح المجال أمام أبحاث جديدة عن أثر هذه الطَّبعة في تطوُّر الهويَّة اللّيتورجيَّة المارونيَّة في القرون اللَّاحقة، وفي العلاقة بين النَّصِّ المطبوع والممارسة الرَّعويَّة الفعليَّة في البيئات المحليَّة.

إنَّ هذا الكتاب يمثِّل نموذجًا لما يمكن أن يقدِّمه البحث التَّاريخيُّ الرَّصين عندما يتحرَّر من منطق الدِّفاع أو الاتِّهام، ويتَّجه نحو الفهم النَّقديِّ الهادئ. ومن الفصول اللَّافتة في الكتاب الفصل السَّادس، حيث يعرض المؤلِّف نقاشًا غنيًّا بين الخوري شلَّاق والأب لوميلّينو اليسوعيِّ في قراءة تاريخ القدَّاس المارونيِّ ودلالاته الكنسيَّة واللَّاهوتيَّة. ولا يقتصر هذا السِّجال على اختلافٍ في تفسير الوثائق أو الوقائع التَّاريخيَّة، بل يكشف عن تباينٍ أعمق في المقاربات المنهجيَّة، وفي الرُّؤى الإكليزيولوجيَّة الَّتي تحكم قراءة الماضي. فمن جهة، تبرز مقاربة تستند إلى منطق الإصلاح الكاثوليكيِّ ما بعد التريدنتينيّ، حيث تُفهم الشَّركة الكنسيَّة في إطار السَّعي إلى الوحدة العقائديَّة والانتظام اللّيتورجيّ. ومن جهة أخرى، تظهر حساسيَّة أكبر تجاه خصوصيَّة التَّقليد الشَّرقيِّ واستقلاليَّته التَّاريخيَّة واللَّاهوتيَّة. ومن خلال تحليل هذا الحوار، يبيِّن بيار جبُّور أنَّ السُّؤال المطروح لا يتعلَّق بمدى «أرثوذكسيَّة» النُّصوص أو «صحَّة» التَّعديلات الَّتي أُدخلت على القدَّاس فحسب، بل أيضًا بكيفيَّة فهم الكاثوليكيَّة ذاتها: أهي اندماج التَّقاليد المختلفة في نموذج مرجِعيٍّ واحد، أم شركة بين تقاليد متمايزة تحتفظ بخصوصيَّتها اللَّاهوتيَّة واللّيتورجيَّة؟ ومن هنا تتجاوز المناقشة إطار Missale Chaldaicum لتلامس إشكاليَّاتٍ لا تزال حاضرة في الحوار بين الكنائس وفي الدِّراسات المعاصرة عن هويَّة الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة ومكانتها داخل الكنيسة الجامعة.

وإذا كانت جامعة القدِّيس يوسف قد شاركت في نشر هذا الكتاب، فإنَّ ذلك يندرج في تقليدها العريق في خدمة التُّراث المشرقيِّ وتشجيع الدِّراسات النَّقديَّة الرَّصينة بشأن تاريخه الدِّينيّ والثَّقافيّ. أمَّا بالنِّسبة إلى قرَّاء المشرق فإنَّ هذا العمل يذكِّر بأهمِّيَّة الجمع بين الأمانة للتُّراث والجرأة العلميَّة في قراءته، لأنَّ الحقيقة التَّاريخيَّة، مهما كانت معقَّدة، تبقى الطَّريق الأضمن لفهم الماضي وبناء المستقبل.

البروفسور سليم دكَّاش اليسوعيّ: مدير عامّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام ٢٠١٦). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (٢٠١١)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون – السُّوربون ١ (١٩٨٨). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.

essde@hotmail.com

Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

FRANÇOIS BOËDEC
Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance
Première édition, 253 pages, Paris: Loyola Press, 2025.

راهبٌ يسوعيُّ فرنسيّ، فرنسوا بوادك هو الرَّئيس الحاليُّ لجامعة القدِّيس يوسف في بيروت. حاز شهادة الدُّكتوراه بالعلوم السِّياسيَّة في العام ٢٠٠٢، بعد مناقشة أطروحةٍ عن الإشكاليَّات السِّياسيَّة المُرتبطة بالتَّحكُّم بالموارد المائيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط. تولَّى منصب رئيس كلِّيَّات لويولا في باريس (٢٠١٥-٢٠١٧)، ثمَّ عُيِّن رئيسًا إقليميًّا لمُقاطعة أوروبا الغربيَّة النَّاطقة بالفرنسيَّة (٢٠١٧-٢٠٢٣). في العام ٢٠٢٥، الَّذي أعلنه البابا فرنسيس يوبيلًا للرَّجاء، نشر كتابًا بعنوان كأنَّه سبتٌ عظيمٌ طويل. أحاديث حرَّة في الرَّجاء.

في التُّراث المسيحيّ، السَّبت العظيم (أو سبت النُّور) هو الفترة الزَّمنيَّة الفاصلة بين يومَي صلب يسوع وقيامته. وصفها الكاتب بفترة المحنة والرَّجاء في آنٍ، بفترة الانتظار، حيث يعمل اﷲُ بصمتٍ من أجل الانتصار النِّهائيِّ على الموت (ص. ٧١)، وكأنَّ المؤمن يُردِّدُ كلمات صاحب المزمور: «ذابَت نَفْسي شَوقًا إِلى خَلاصِكَ» (مزمور ١١٧، ٨١). تطرَّق العنوانُ الفرعيُّ إلى «أحاديث حُرَّة» حيث يُشارك الكاتبُ شهادَته الخاصَّة المُتجذِّرة في الرُّوحانيَّة الإغناطيَّة، النَّابعة من التَّأمُّل بكلمة اﷲ ومن قراءاته ولقاءاته، والمُستندة إلى اختباراته الحياتيَّة (ص. ١٣).

في القسم الأوَّل من الكتاب، وهو «الاختبار الحميم»، ذكر الكاتبُ الصِّراعات الرُّوحيَّة الَّتي تنتاب المُعمَّد عندما يحتاج إلى التَّمييز بين الأفكار الموحى بها من الرُّوح القدس لاستقبالها، وتلك الواردة من العدوِّ لنبذها (ص. ٢٧)، ويجهد في تنقية قلبه، وغربلة تصوُّراته عن اﷲ، ويتعمَّق في هويَّته المسيحيَّة ليكتشف أنَّه ليس أفضل من الآخرين، بل هو مَن اهتدى إلى «مُبتكر الوجود» الَّذي يمنح الحبَّ والمعنى لحياة الإنسان (ص. ٣٦). كذلك استفاض في الحديث عن أهمِّيَّة الصَّمت للالتقاء الحقيقيِّ بالخالق ولرؤية أمورٍ عميقة لا تتَّضح في صخب الضَّجيج والحركة الدَّائمة (ص. ٥٤)، وللخروج من الدَّوائر الضَّيِّقة الَّتي تُقيِّد الذَّات، وللتَّمسُّك بالرَّجاء.

في القسم الثَّاني، توسَّع بإشكاليَّاتٍ ارتبطت بدور الكنيسة في مُجتمعٍ مفكَّكٍ وفاقدٍ للرَّجاء، حاثًّا على تبصُّر اﷲ الكُليِّ القدرة في الضَّعف (ص. ١٢٤)، وعلى رذل صوت الشَّيطان الَّذي يسعى إلى زرع بذور الإحباط في قلوب البشر، وعلى عدم الاستقرار في الثَّروات المادِّيَّة والثَّقافيَّة والتَّرابطيَّة. دعا المسيحيِّين إلى اكتشاف علامات رجاءٍ، إذ إنَّ المحنة، مهما طالت، ليست مؤشِّر النِّهاية بل الحافز للتَّجدُّد واتِّخاذ القرارات المُلائمة لواقع جديد (ص. ١٣٩-١٥٩). طرح الكاتبُ على رُعاة الكنيسة بعضًا من الخيارات الرُّوحيَّة المُمكنة للشَّهادة للرَّجاء في العالَم الرَّاهن، كالنَّظرة إلى العالم من الأسفل، والإعراض عن مَوقفَيْن مُتطرِّفَين هما الذَّوبان في المجتمع والرَّغبة ببناء كنيسةٍ للأطهار فقط (ص. ١٨٤).

صاغ بوادك الصَّفحات الأخيرة بعد مجيئه إلى لبنان، حيث عُيِّن نائبًا لرئيس جامعة القدِّيس يوسف في بيروت للموارد البشريَّة. كانت فترة الحرب في العام ٢٠٢٤، الَّتي شاهد فيها شقاءَ المواطنين ويأسهم، واستمع إلى الخطابات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة الَّتي استغلَّت اﷲَ والأرضَ والذَّاكرة الجماعيَّة، إلَّا أنَّه وَثِق أيضًا بمسيرة إيمان شعبٍ سينجح في آخر المطاف في العبور من اليأس إلى الرَّجاء ومن الخوف إلى الثِّقة (ص. ٢٤٨).

اتَّسم الكتابُ بالنَّفحة الشِّعريَّة والتَّأمُّليَّة وبالأفكار الجريئة. وقد هدف الكاتبُ، من خلاله، إلى بثِّ الرَّجاء في صميم عالمٍ متعدِّد الصُّعوبات والتَّحدِّيات، مُستشهدًا بمفكِّرين كثيرين، انتمت غالبيَّتهم إلى الرَّهبنة اليسوعيَّة، كالقدِّيس إغناطيوس دي لويولا، وتيار دو شاردان، وهنري دي لوباك، وموريس بيليه، وفرنسوا فاريون، وميشال دو سيرتو، وإتيان غرِيو.

يُجيب الكاتبُ عن إشكاليَّاتٍ طُرحت لا سيَّما في الغرب وفي المجتمع الفرنسيّ، إلَّا أنَّه يُنير أيضًا الواقع الشَّرقيَّ واللُّبنانيَّ في خضمِّ عالمٍ أضحى، في جوانب كثيرة، قرية مُشتركة. هاكم اقتراحات ثلاثة مُفيدة للمسيحيِّين في الشَّرق: أوَّلًا، الانصراف عن اتِّخاذ موقف المُوجِّهين المستنيرين (ص. ١٦٢)؛ ثانيًا، عدم الاحتفال بالطُّقوس اللِّيتورجيَّة الَّتي تجعل اﷲَ بعيدًا عن واقع البشر (ص. ١٦٨)؛ ثالثًا، عدم اختيار التَّقوقع على الذَّات، وأنْ يكونوا أقلِّيَّاتٍ خلَّاقة.

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إلياس عبد المسيح
الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

ط.١، ٦٧٧ صفحة، لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥

يتميَّز الشَّرق الأوسط بأَنَّه مكان ولادة الدِّيانات الثَّلاث الكبرى في العالم: اليهوديَّة والمسيحيّة والإسلام. استتبع ظهور هذه الأديان قيامُ أبحاث عديدة عن ظروف ظهورها ونشأتها وتأثيرها في منطقة الشَّرق الأوسط من النَّواحي التَّاريخيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. حاول المؤلِّف في كتابه الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ معالجة إشكاليَّات تاريخيَّة عديدة منها: لماذا هم منسيُّون؟ ما هي أهمِّيَّتهم في هذه الفترة التَّاريخيَّة الَّتي نُعِتت بالجاهليَّة؟ وما هي قيمة إنتاجهم الفكريّ؟

تؤرِّخ هذه الفترة لظهور المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلاديِّ حتَّى القرن السَّابع الميلاديِّ تاريخ ظهور الدِّين الإسلاميّ، الَّذي عدَّ كلَّ ما سبقه في جزيرة العرب منتميًا إلى الجاهليَّة، وبالتَّالي لا قيمة له. لفت هذا الأمر الأب اليسوعيَّ لويس شيخو فأمضى أربعين سنة يبحث فيها في أهمِّيَّة الوجود المسيحيِّ، وأثره الأدبيِّ والرُّوحيِّ والحضاريِّ في شبه الجزيرة العربيَّة قبل الاسلام. وتجلَّى ذلك بإصداره كتاب: النَّصرانيَّة وأدبها بين عرب الجاهليَّة، مطلع العشرينيَّات ١٩١٩-١٩٢٣. تأتي أهمِّيَّة هذا الكشف بعد اعتماد المستشرقين والجامعات الغربيَّة السَّرديَّةَ الإسلاميَّة عن عصر ما قبل الجاهليَّة كمسلَّمة من دون تثبُّتٍ من دقَّتها، والزَّعم بأنَّ لا شيء صالح قبل الإسلام في تلك الفترة.

تناول المؤلِّف الأب الياس عبد المسيح موضوع الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيِّين بكتاب مفصَّل تضمَّن، إلى جانب أشعارهم، الكثير من المعلومات والسِّير الذَّاتيَّة. وحسنًا فعل حين أطلق على مؤلَّفه عنوان الشُّعراء العرب المنسيُّون بدلًا من «الشُّعراء العرب المسيحيُّون في عصر الجاهليَّة».

يقول الدُّكتور ربيعة أبي فاضل في مقدِّمة الكتاب: «بعد انقضاء أكثر من مئة سنة [على كتاب الأب لويس شيخو] عاد راهب أنطونيٌّ آخر، واجتهد من جديد، ليبرهن أنَّ العرب استضاؤوا بأنوار تعاليم النَّصارى، مستغرِبًا كون المناهج والمصادر والمراجع، تنعت شعراء ما قبل الإسلام بأنَّهم جاهليُّون، وهم مضرب مثل في الوفاء والكرم والفروسيَّة واحترام الذَّات والآخر والإبداع بالكلمة…» (١).

أثبت المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين، كشعراء قبائل تغلب وأياد وبكر وسكَّان نجران والحيرة، قد أسهموا إسهامًا بالغ الأهمِّيَّة في تطوُّر اللُّغة العربيَّة، وتثبيت قواعدها قبل الإسلام، حيث عُرفوا بجزالة ألفاظهم وفصاحتهم. قدَّم هؤلاء الشُّعراء إسهامات كبيرة أثرَت المعجم العربيَّ بمفردات روحانيَّة وفلسفيَّة تعكس البيئة الَّتي عاشوا فيها، ما أضاف أبعادًا تعبيريَّة، وعمقًا فكريًّا لم يكن موجودًا في الشِّعر القبليِّ التَّقليديّ.

ويظهر من خلال الأشعار الَّتي أوردها المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين قبل الإسلام أحدثوا نقلة نوعيَّة في الأغراض الشِّعريَّة، وفتحوا بابًا جديدًا للأدب الرُّوحيِّ والفلسفيِّ حيث قدَّموا لغة شعريَّة تركِّز على البحث عن معنى الوجود الحقيقيِّ فأضافوا أبعادًا جديدة إلى الأدب العربيّ.

لم يكن الكتَّاب والشُّعراء المسيحيُّون شعراء بدوًا ينتقلون في الأسواق، بل كانوا أدباء يكتبون بوعي وثقافة ما رفع مستوى الصِّياغة والبلاغة. لقد أسَّسوا لتقاليد أدبيَّة مكتوبة ومنظَّمة ودمجوا بين الثَّقافة السُّريانيَّة والعربيَّة وقدَّموا نماذج أدبيَّة متقدِّمة في بناء الأسلوب والجملة. فضلًا عن ذلك ابتكر هؤلاء الشُّعراء أغراضًا شعريَّة لم تكن معهودة في الشِّعر الجاهليِّ التَّقليديِّ كشعر الزُّهد والعتاب الإلهيّ، ما وسَّع دائرة التَّصوير اللُّغويّ وجعلها ركيزة أساسيَّة في رفع سويَّة اللُّغة العربيَّة. وبالرُّغم من غزارة عدد الشُّعراء المسيحيِّين الَّذين ذكرهم المؤلِّف فإنَّه يضيف أنَّ الكثير من هذا التُّراث قد ضاع حيث لا نملك اليوم إلَّا ما حفظته لنا كتب الأدب المتفرِّقة وما جمعه المستشرقون من إشارات دقيقة في مؤلَّفاتهم (٢).

يطرح الكاتب إشكاليَّات عديدة، يتداخل فيها التَّاريخ واﻷيديولوجيا والأسطورة، وهي تتطلَّب اعتماد منهجيَّة صارمة لإثبات سرديَّة المؤلِّف الَّتي تجابه موروثا عمره أجيال عديدة بخاصَّة من النَّاحية التَّاريخيَّة. إنَّها رحلة محفوفة بالمخاطر حيث تتلطَّى الإيديولوجيَّات والدِّين والأساطير خلف ستائر الزَّمن وتبدُّل بالفرضيَّات غير الموثوقة. لم يُسلِّم الكاتب عرضًا بأيِّ رواية أو قصَّة من دون أن يُخضعها لعمليَّة تشريح دقيقة تشمل نقد السَّند ونقد المتن؛ أمَّا في نقد السَّند فقد تحرَّى الكاتب عن هويَّة الرَّاوي ومدى معاصرته الأحداث وفي مصادر معلوماته. وكذلك في شأن المتن فقد فحَص مدى منطقيَّة الرِّواية وتوافقها مع الحقائق العلميَّة والتَّاريخيَّة بموضوعيَّة وتجرُّد، وليس بمقياس العصر الحاليّ. التزم الكاتب بهذه المنهجيَّة وإن مع بعض الخروقات الَّتي لا تتناسب مع دقَّة البحث العلميّ، ومثالًا على ذلك الرِّسالة المنسوبة إلى الرَّسول محمَّد والموجَّهة إلى أسقف نجران، والَّتي يزعم أنَّها محفوظة لدى مشايخ صلح آل العنداري في شمال لبنان، والَّتي هي بحاجة إلى تدقيق أوسع سندًا إلى علم المخطوطات والأحرف والحركات الواردة في النَّص، للتَّأكُّد من صحَّة الوثيقة والنَّصِّ وتاريخ ومكان كتابته (٣). مع العلم أنَّ اللُّجوء إلى الذَّكاء الاصطناعيِّ كإطار مرجعيٍّ أو لاستنباط صور افتراضيَّة للشُّعراء لا يُغني البحث بل يمكن أن يؤخذ عليه.

لقد أشار المؤلِّف إلى أنَّ غياب الشُّعراء المسيحيِّين من المراجع والمشهديَّة الأدبيَّة العربيَّة لم يكن نتيجة ضعف في الموهبة، بل كان غيابًا مصنوعًا وإقصاء مدروسًا. فهؤلاء الشُّعراء لم يكونوا هامشيِّين في حياتهم، بل هُمِّشوا بعد رحيلهم. وعندما تشكَّلت الذَّاكرة الأدبيَّة تحت وطأة الدِّين والسِّياسة تمَّ اختيار الأصوات الَّتي تخدم السَّرديَّات الكبرى واستُبعدت تلك الَّتي لا تتقاطع معها (٤).

بالمقابل قدَّم المؤلِّف الدَّليل على أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين العرب تمكَّنوا من اللُّغة العربيَّة، لغتهم الأمّ، وعبَّروا في شعرهم عمَّا يدور في نفسهم، وعن مفاهيم الشَّرف والعدالة والحكمة الَّتي كانت سائدة بين القبائل العربيَّة في ذلك الزَّمن. وقد أعطَوا هذا المجتمعَ أعظم إنجازاته وهي اللُّغة العربيَّة، الَّتي أُنزل بها الوحي، وكذلك قواعد النَّحو الَّتي سمحت بتفسير النَّصِّ الدِّينيّ.

يندرج هذا الكتاب في إطار حركة فكريَّة وعلميَّة ناشطة تعمل على إعادة قراءة هذه المرحلة التَّاريخيَّة الممتدَّة من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع للميلاد. إنَّ دراسة حقبةٍ كانت تلقَّب بـ «الجاهليَّة» قد تطوَّرت، ولم تعد تقتصر على تبنِّي السَّرديَّة التَّقليديَّة كما هي من دون تمحيص، بل انتقلت إلى مرحلة الدِّراسة الاستشراقيَّة النَّقديَّة الَّتي تدرس النُّصوص بلغتها الأصليَّة، وتطبِّق المنهجيَّة النَّقديَّة الصَّارمة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إضفاء كلمة جَهل على حقبة تاريخيَّة كاملة أمر مبالغ فيه، صُمِّم كأداة بلاغيَّة وسياسيَّة بانتقائيَّة شديدة وبمنظار عقائديٍّ ضيِّق خارج السِّياق الدِّينيِّ والحضاريِّ والاجتماعيّ. وفي الواقع تعترض هذا المسار العقلانيَّ غاباتٌ كثيفة من الأساطير الضَّبابيَّة السَّاحرة الَّتي تتلبَّس الحقائق، وتشكِّل تهديدًا حقيقيًّا لكتابة تاريخ الأدب، فغالبًا ما تلجأ الحضارات أو بعض الدِّيانات النَّاشئة إلى تأليف أساطير تأسيسيَّة تساعد على انتشارها. وهنا، يتوجَّب على الكاتب أن يتعامل مع هذا الغزو الأسطوريِّ للذَّاكرة الجماعيَّة بمقاربة نقديَّة صارمة لتفكيك رموزها، ليستخرج منها حقائق المجتمع النَّفسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي أنتجها صونًا للحقيقة.

في الخلاصة تتكشَّف الصُّورة الحقيقيَّة لهذه الحقبة التَّاريخيَّة، المسمَّاة جاهليَّة، يومًا بعد يوم بسبب انتشار الدِّراسات النَّقدية العلميَّة، وظهور الإنترنت ما يسمح بانتقال المعلومات وتداولها بسرعة وغزارة وحرِّيَّة، إضافةً إلى الاكتشافات الأثريَّة في شبه الجزيرة العربيَّة والَّتي تسلِّط الضَّوء على تاريخ أدبيٍّ منسيّ.


(١) الأب إلياس عبد المسيح، الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ (لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥)، ٥٠.
(٢) عبد المسيح، الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ، ٥٣٦.
(٣) عبد المسيح، المرجع نفسه، ١٩١-١٩٢.
(٤) عبد المسيح، المرجع نفسه، ٥٣٣.

الدُّكتور جورج لبكي: رئيس مجلس إدارة ومدير المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز شهادة دكتوراه في القانون من السُّوربون، وأخرى في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس XII. من مؤلَّفاته باللُّغة الفرنسيَّة: أنثولوجيا، والأدب اللُّبنانيّ باللُّغة الفرنسيَّة، ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

georgelabaki@gmail.com

Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Sobhi Habchi
Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo

Librairie d’Amérique et d’Orient, Claire MAISONNEUVE, 2020, 324 pages
ISBN: 978-2720-012075

ها هو صبحي حبشي يطلُّ علينا مجدَّدًا بكتابٍ قيِّم، بعد أن حفلت مجلَّةُ المشرق لسنوات بمراجعاتٍ قيِّمة عن أعماله، تُظهرُ عمق فكره من جهة، ورقَّةَ إحساس الشَّاعر اللُّبنانيِّ العاشق للُّغتَين العربيَّة والفرنسيَّة، من جهة أخرى؛ بخاصَّةٍ وأنَّه كان باحثًا في المركز الوطنيِّ للبحث العلميّ، ومحاضرًا مرموقًا في جامعة السُّوربون، وعضوًا في الجمعيَّتَين: الفرنسيَّة للأدب المقارن، والآسيويَّة بباريس. وله دراسات عديدة ومقالات نقديَّة.

يمثِّل كتابُه هذا، الصَّادر باللُّغة الفرنسيَّة، نهجًا جديدًا في دراسات جبران. فقد سعى صبحي حبشي، بصفته منفتحًا على قضايا الجماليَّات وإشكاليَّات الإبداع الموضوعيّ، إلى استعراض الدِّراسات الَّتي تناولت مؤلِّف كتاب النَّبيّ من العام ١٩٣١ إلى العام ٢٠٢٠، مسلِّطًا ضوءًا جديدًا على جبران الشَّاعر والرَّسَّام، بل والنَّبيِّ أيضًا، بالمعنى الشِّعريّ. ويتناول الكتاب شموليَّة إنتاج جبران الَّذي لم يلتزم بلونٍ أدبيٍّ واحد، بل كتب في جميعها، حيث نظَمَ الشِّعرَ وألَّفَ الرِّوايةَ والقصَّةَ القصيرة، وكتَبَ المقالةَ الَّتي تميَّزت بتنوُّع موضوعاتها ما بينَ الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ والفكريِّ والفلسفيّ. وقد كان من الَّذين أبدعوا في فنِّ الرسالة، فترك مجموعة من الرِّسالات الَّتي تعجُّ بالأساليب الأدبيَّة والمواضيع المتنوِّعة. أمَّا بشأن الموضوعات والأهداف الَّتي كان يدور عليها أدب جبران فهي متنوِّعة، جزءٌ منها يدعو إلى القوَّة والتَّأثير في الدِّين والعقيدة والعادات، أمَّا الجزء الآخر فكان يتَّبع الأهواء والميول وحبَّ الحياة.

في الفصول السِّتَّة، كما في المقدِّمة والخاتمة، يُظهر صبحي حبشي كيف أنَّ الفعل الشِّعريَّ عند جبران لا ينفصل عن الفعل الفنِّيّ، وكيف يجعل الانخراط الحرَّ من هذا المجموع الشِّعريِّ والتَّصويريِّ عملًا مؤسِّسًا في اللُّغتَين العربيَّة والإنجليزيَّة. يُركِّز عمل حبشي على مصادر إلهام جبران في كلٍّ من الشِّعر والرَّسم. ومن هنا تأتي المقارنات والتَّوازيات بين جبران وبليك، وبين جبران وأوجين كاريير، وبين جبران ورودان، وكذلك بين جبران وشخصيَّة المسيح النَّبويَّة وصوت نيتشه المتمرِّد، وطبعًا، فيكتور هوغو. كلُّ هذا بأسلوبٍ لافت، يجعلُ القارئ يتشوَّقُ لمطالعة المزيد، فيتمسَّك بكلِّ صفحة تقدِّمُ جديدًا، وصولًا إلى فصلٍ آخر يبدأ في الغالب بحُسن تخلُّصٍ يذكِّر بما سبق، ويُبقي انتباهَ القارئ وتركيزه متيقِّظَين. أمَّا مُستَهَلُّ كلِّ فصلٍ فقولٌ شهير إمَّا لجبران نفسِه، وإمَّا لأحد أعلام الأدب كمارون عبُّود مثلًا، يُحيلُ إلى مضمون الفصل وغايته.

والكتاب غنيٌّ بالوثائق والرُّسوم التَّوضيحيَّة؛ فهو يدعو القارئ من الشَّرق والغرب إلى اكتشافٍ جديد لجبران، الرُّوح اللُّبنانيَّة الأميركيَّة الرُّؤيويَّة الَّتي، من خلال أعمالها المتعدِّدة، أغنت، باسم الكرامة الإنسانيَّة، الحضارةَ الشِّعريَّة والفنِّيَّة لثقافتنا العالميَّة.

آن ماري شكّور فهمي : مدقّقة لغويّة ومنسّقة الإنتاج في دار المشرق – بيروت. حائزة إجازة تعليميّة وماجستير في اللّغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشّرقيّة بجامعة القدّيس يوسف – بيروت. لها ترجمات إلى العربيّة في دار المشرق، وقراءات نقديّة في مجلّة المشرق المحكّمة.

annemarie.chaccour@darelmachreq.com

i

مقالات هذا العدد

نفير سورية أحد عشر منشورًا (١٨٦٠-١٨٦١) للمعلِّم بطرس البستانيّ. استيقاظ الهمَّة في حبِّ الوطن والتَّمدُّن الحقيقيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

هذه‭ ‬الدِّراسة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬السِّياسيَّة‭ ‬الوطنيَّة‭ ‬نفير‭ ‬سورية‭ ‬الَّتي‭ ‬أسَّسها‭ ‬المعلِّم‭ ‬بطرس‭ ‬البستانيّّ (١٨١٩-١٨٨٣)‭ ‬ردًّا‭ ‬على‭ ‬الفتنة‭ ‬الطَّائفيّة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬منها،‭ ‬بالتَّمام،‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬عددًا (١٨٦٠-١٨٦١). ‬كان‭ ‬المعلِّم‭ ‬بطرس‭ ‬البستانيّ‭ ‬الأديب‭ ‬اللُّبنانيُّ‭ ‬المتعدِّد‭ ‬الثَّقافات،‭ ‬الموسوعيّ،‭ ‬وأحد‭ ‬كبار‭ ‬مؤسِّسي‭ ‬النَّهضة‭ ‬العربيَّة‭ ‬الحديثة،‭ ‬يدعو‭ ‬أبناء‭ ‬جبل‭ ‬لبنان‭ ‬ودمشق،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شهدت‭ ‬صراعًا‭ ‬طائفيًّا‭ ‬دمويًّا،‭ ‬إلى‭ ‬الاستنفار‭ ‬العامّ‭.‬

تُطلِعُنا‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنِّية‭ ‬على‭ ‬مأساة‭ ‬الاقتتال‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬وأنواع‭ ‬الخسارات‭ ‬من‭ ‬جرَّائها،‭ ‬وعلى‭ ‬خطاب‭ ‬البستانيّ‭ ‬في‭ ‬شدِّ‭ ‬العزيمة‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنيَّة،‭ ‬ونشر‭ ‬قِيَم‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتَّمدُّن‭ ‬الحقيقيّ‭.‬تقع‭ ‬أهمِّيَّة‭ ‬الدِّراسة‭ ‬لأعداد‭ ‬جريدة‭ ‬نفير‭ ‬سورية،‭ ‬والَّتي‭ ‬كان‭ ‬البستانيّ‭ ‬مع‭ ‬كلِّ‭ ‬عدد‭ ‬منها‭ ‬يضع‭ ‬لها‭ ‬عنوان ‭]‬الوطنيَّة‭[‬، أنَّها‭ ‬تعكس‭ ‬أحوالنا‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭. ‬وكأنَّ‭ ‬الوطن‭ ‬يعيش‭ ‬الصِّراعات‭ ‬الدَّاخليَّة‭ ‬والخارجيَّة‭ ‬نفسها،‭ ‬وإن‭ ‬اختلف‭ ‬اللَّاعبون‭.‬

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬نفير‭ – ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ – ‬مفهوم‭ ‬الوطن‭ – ‬خسائر‭ ‬الوطن‭ ‬المادِّيَّة‭ ‬والأخلاقيَّة‭ ‬والرُّوحيَّة‭ – ‬أرباح‭ ‬الوطن‭ ‬الأدبيَّة‭ ‬في‭ ‬التَّمدُّن‭ ‬الحقيقيّ‭.‬

Nafīr Sūryā
Onze pamphlets (1860-1861) du maître Butrus al-Bustani,
par Dr. Hosn Abboud

Cette étude examine le journal politique national Nafir Suriyya (L’Appel de la Syrie), fondé par “al-Mu’allim” Buṭrus al-Bustānī (1819-1883) en réponse aux conflits sectaires. Onze numéros furent publiés entre 1860 et 1861. Buṭrus al-Bustānī, homme de lettres libanais, érudit aux multiples talents et encyclopédiste, figure majeure de la Renaissance arabe moderne, appela les populations du Mont-Liban et de Damas à se mobiliser pour la paix après avoir été témoins d’un conflit sectaire sanglant.

Cette lecture attentive nous familiarise avec la tragédie des luttes intestines entre citoyens d’une même patrie et les pertes qui en résultent. Elle met également en lumière le discours d’al-Bustānī, qui mobilisa la détermination à retrouver l’unité nationale et à diffuser les valeurs de la réforme et de la véritable civilisation. L’importance de cette étude sur les questions soulevées par Nafir Suriyya — qu’al-Bustānῑ intitule « Nationalisme » dans chaque numéro — réside dans la manière dont elle reflète la situation actuelle au Liban, en ce début de XXIe siècle, comme si la patrie était en proie aux mêmes conflits internes et externes, même si les acteurs diffèrent.

Mots-clésAppel (Nafῑr) ‒ concitoyens ‒ concept de Patrie ‒ pertes matérielles morales et spirituelles de la Patrie ‒ gains littéraires de la Patrie dans une véritable civilisation.

الدُّكتورة حُسن عبُّود: أستاذة في دائرة اللُّغة العربيَّة ولغات الشَّرق الأدنى في الجامعة الأميركيَّة في بيروت. ناقدة أدبيَّة وباحثة في الدِّراسات القرآنيَّة والأدبيَّة والنِّسائيَّة. حائزة دكتوراه في «الإسلام والفلسفة الإسلاميَّة» من دائرة حضارات الشَّرق الأوسط والأدنى في جامعة تورنتو، كندا (٢٠٠٦). من أبرز إصداراتها مونوغراف، السَّيِّدة مريم في القرآن الكريم: من النَّصِّ إلى الخطاب، ط.٢ (٢٠٢٢). Mother Mary in the Qur’an: A Literary Reading, 2 eds. (2014, 2016) ، و«المفهوم القرآنيُّ لتحرير المرأة: قراءة في النَّموذج النِّسائيّ.» في تكوين، ١ شباط، ٢٠٢٤، و«ترنيمة مريم وحافز «قلب الموازين» بالنِّسبة إلى النِّساء والمستضعَفين والفقراء.» في رندى أبي عاد، السَّلام عليك: تفكُّر إسلاميٌّ ومسيحيٌّ في السَّيِّدة مريم العذراء (بيروت: مؤسَّسة أديان والمكتبة البولسيَّة، ٢٠١٥).


hosnabboud@gmail.com

لاهوتيُّون مسيحيُّون في معترك حقوق الإنسان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تنطلق هذه المقالة من تحوُّل يلاحَظ اليوم ويتعلَّق بمحاولة فتح مسارات جديدة لتبنٍّ أشمل لحقوق الإنسان. واحدٌ من هذه المسارات يعمل على مدِّ جسور التَّواصل مع الأديان من منطلق أنَّ شرعة حقوق الإنسان قد ربطت مسألة الحقوق بالكرامة الإنسانيَّة. وفكرةُ الكرامة الإنسانيَّة، في سياق تطوُّر هذا المفهوم تاريخيًّا، لا تأتي في الأصل من الفهم الفلسفيّ (منذ الرِّواقيِّين، وشيشرون، وخصوصًا كانط) واللِّيبراليِّ وحده، بل هو مفهوم له أصل وطيد في القول الدِّينيّ أيضًا، وخصوصًا في اللَّاهوت المسيحيّ. وهناك دعوة اليوم للدِّيانات لتكون شريكًا فعَّالًا في هذا المضمار. تعمل هذه المقالة على تسليط الضَّوء على جهود بعض اللَّاهوتيِّين: يوهان بابتيست ماتس، ويورغن مولتمان، وليوناردو وكلودوفيس بوف الَّذين جعلوا من قولهم اللَّاهوتيِّ في هذا المجال التزامًا أصيلًا في معترك الحقوق، بعدما أسَّسوا لحقيقة أنَّ هضم الحقوق سببه انتهاك كرامة الإنسان، وبالتَّالي الدِّفاع عن الحقوق لا يكون من دون الدِّفاع عن الإنسان في كرامته، والنِّضال من أجل استعادة الإنسان لهذه الكرامة.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬كرامة – حقوق – إنسان – لا إنسان – عدالة – لا عدالة – ظلم – فرد – التزام – لاهوت.

Des théologiens chrétiens engagés dans la lutte pour les droits de l’homme,
par P. Bassem Rai

Cet article s’inscrit dans le contexte d’une évolution contemporaine marquée par la volonté d’ouvrir de nouvelles voies en vue d’une appropriation plus large et plus inclusive des droits de l’homme. L’une des orientations majeures de cette dynamique consiste à instaurer de véritables espaces de dialogue avec les religions, à partir du constat que la Déclaration universelle des droits de l’homme a indissociablement lié la question des droits à celle de la dignité humaine. Or, la notion de dignité humaine, envisagée à la lumière de son déploiement historique, ne saurait être réduite à la seule tradition philosophique — des stoïciens à Cicéron, jusqu’à Immanuel Kant — ni à l’héritage exclusif du libéralisme. Elle puise également ses racines dans le discours religieux, et plus particulièrement dans la théologie chrétienne, où elle trouve un fondement anthropologique et normatif décisif. C’est dans cette perspective que s’inscrit l’appel, aujourd’hui renouvelé, à reconnaître les traditions religieuses comme des partenaires à part entière dans la promotion et la consolidation des droits de l’homme. Dans ce cadre, le présent article entend mettre en lumière les apports de certains théologiens contemporains, tels que Johann Baptist Metz, Jürgen Moltmann, ainsi que Leonardo Boff et Clodovis Boff. Tous ont fait de leur élaboration théologique, dans ce domaine, le lieu d’un engagement substantiel au cœur même du combat pour les droits de l’homme. Leurs travaux convergent pour établir que la négation des droits procède fondamentalement d’une atteinte à la dignité humaine. Dès lors, la défense des droits ne peut être pensée indépendamment de la défense de l’être humain dans sa dignité, ni du combat en vue de la restauration effective de celle-ci.

Mots-clés : dignité – droits – homme – non homme – justice –  injustice – oppression – individu – engagement – théologie.

الأب باسم الرَّاعي: بروفسور، حائز دكتوراه في الفلسفة واللَّاهوت السِّياسيِّ من جامعة مونستر في ألمانيا. أستاذ محاضر في الجامعة اللُّبنانيَّة والجامعة اليسوعيَّة، له العديد من المساهمات منها: ميثاق ١٩٤٣، المجتمع والدَّولة، الوثائق الوطنيَّة للبطريرك أنطون عريضة، وعدد من التَّرجمات والمقالات.

justin.pasteur@hotmail.com

نصٌّ لم يسبق نشره لثاوذورُس أبي قُرَّة († نحو ٨٣٠م) – الرَّدُّ على الَّذين يَقولون إنَّ كَلِمةَ الله مَخلُوقةٌ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

نجدُ هذا الرَّدّ، غير المنشور قبلًا، في ختام مجموعة مسائل عنوانها في المخطوطات: «طعنٌ على البرَّانيِّين». تضمُّ عددًا من جوابات أبي قُرَّة على اعتراضات يطرحها المسلمون في مخالفتهم لجوانب شتَّى من الإيمان المسيحيّ.

حقَّقنا النَّصَّ اعتمادًا على مخطوطَين من خزانة بطريركيَّة الرُّوم الأرثوذكس بدمشق، وأضفنا كعادتنا العناصر الضَّروريَّة لتيسير قراءة النَّصّ، من علامات وقف، وضبط الكلمات بالشَّكل، كما أبرزنا بنيته البَلاغيَّة وتسلسُل أفكاره، بتقسيمه إلى مَقاطع لها عناوين أساسيَّة وفرعيَّة، وفقرات مُرقَّمة تَسهُل الإحالة إليها.

يُعالج أبو قُرَّة في هذا الرَّدّ إشكاليَّة إطلاق المسلمين على السَّيِّد المسيح لقب «كلمة اﷲ»، والقول في الآن ذاته إنَّه مخلوق. وهذا ما يؤدِّي بحسب رأيه إلى نتيجة مفادها أنَّ كلمة اﷲ مخلوقة، الأمر الَّذي لا يتَّفق مع تصريح القرآن بأنَّ الخالق كوَّن كلَّ شيء بالأمر الإلهيِّ «كُن»، فيكون. فبعد عرض للتَّسميات الَّتي أُطلقت على المسيح في العهد الجديد، يُناقش من الجانبَين اللُّغويِّ والمنطقيّ، وجاهة التَّفسير الشَّائع الَّذي يعزو تسمية المسيح «كلمة» لأنَّه «خُلق بكلمة اﷲ وأمْره».

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬ثاوذورُس أبو قُرَّة – لاهوت عربيٌّ قديم – حوار إسلاميٌّ مسيحيّ – كلمة اﷲ، خالقة أم مخلوقة، أسماء المسيح وألقابه، تفاسير القرآن.

Écrit inédit de Théodore Abū Qurrah († vers 830)
Réponse à ceux qui disent que la Parole de Dieu est créée
Édition critique et introduction
par P. Pierre Masri

Ce traité n’a jamais été publié auparavant. Il fait partie d’un ensemble de réponses apologétiques d’ Abū Qurrah que l’on trouve dans les manuscrits sous le titre «Contre les gens du dehors », où il répond aux objections soulevées par les musulmans à divers aspects de la foi chrétienne.

Cette première édition critique a été réalisée à partir de deux manuscrits conservés à la bibliothèque patriarcale grecque orthodoxe de Damas. Nous avons ajouté, comme d’habitude, tous les éléments nécessaires pour faciliter la lecture du texte, tels que la vocalisation et les signes de ponctuation. Nous avons également mis en évidence sa structure rhétorique et la succession de ses idées, en le divisant en sections avec des titres et des sous-titres, ainsi que des versets numérotés.

Après avoir présenté brièvement les titres donnés au Christ dans le NT, Abū Qurrah traite le problème de l’acceptation par les musulmans du titre «Verbe de Dieu» donné au Christ, tout en affirmant qu’il est créé par Dieu également à Adam. le Verbe de Dieu ne serait alors qu’une simple créature, ce qui est en contradiction avec la déclaration du Coran selon laquelle le Créateur a tout créé par sa Parole divine : Sois. Il discute ensuite, d’un point de vue linguistique et logique, de la validité de l’interprétation courante qui attribue cette appellation au Christ au fait qu’il a été créé par la Parole de Dieu.

Mots-clés : Théodore Abū Qurrah apologétique arabe chrétienne  dialogue islamo-chrétien Parole de Dieu: créatrice ou créée titres du Christ interprétations du Coran.

الأب پيير مصري: خوري كنيسة الملاك ميخائيل للرُّوم الكاثوليك بحلب ومدير المكتبة الرُّوحيَّة فيها، أستاذ اللَّاهوت العربيِّ القديم في المعهد الباباويِّ للدِّراسات العربيَّة والإسلاميَّة بروما، وباحث في حقل التُّراث العربيِّ المسيحيّ.

p.pierremasri@gmail.com

السِّياسة الشَّرعيَّة والشَّرعيَّة السِّياسيَّة في الفكر الإسلاميّ الإشكاليَّات وإمكانات التَّوظيف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

لقرون طويلة، ظلَّ اعتبار الدِّين سببًا في قيام الدَّولة، حاضرًا ويلقي بظلاله داخل الدَّائرة السُّنِّيَّة، مسبِّبًا حالةَ التباس بشأن طبيعة الدَّولة وموقع الدِّين منها وفيها. وقد تفاقم الأمر مع مرور الزَّمن بفعل التَّراكم الكلاميّ والفقهيِّ حتَّى تحوَّل في العقل السِّياسيِّ الإسلاميِّ المعاصر إلى أزمة فهم ورؤية ووعي، سواء في مواجهته مع ذاته أو في مقابل التَّحدِّيات الَّتي تشكِّلها مفاهيم الحداثة السِّياسيَّة وشروط بناء الدَّولة الحديثة! وإذا كانت هذه الإشكاليَّات تفرضُ المزيد من التَّأمُّل في قضايا التُّراث السِّياسيِّ ومدارسه (الكلاميَّة والفلسفيَّة والإداريَّة والفقهيَّة) لفهم محتواها وإدراك إشكاليَّاتها ومرجعيَّاتها المعرفيَّة، تبعًا للمعطيات التَّاريخيَّة والسُّلطويَّة والاجتماعيَّة، يبقى خطابُ الفقهاء، وبحكم المهامِّ الموكولة، عادةً، إليهم، خطابًا سياسيًّا يعبِّر عن الصِّلة الوثيقة بين الشَّأن السِّياسيِّ والشَّأن الدِّينيّ. ليس هذا فحسب، بل يمكنه أن يفتحَ آفاقًا لفهمٍ متجدِّد بشأن مفهوم الدَّولة، والتَّقريب بين الفكر السِّياسيِّ الإسلاميِّ وبين مقوِّمات الدَّولة الحديثة.

تتقصَّد هذه المقالة دراسة نمطٍ من أنماط الكتابة السِّياسيَّة في الفكر الإسلاميِّ الوسيط والمعاصر، هي مدرسة الفقهاء، وتحليل كيفيَّة فهمها لماهيَّة السُّلطة وشرعيَّتها ومشروعيَّتها، وتطوُّر مفهوم السِّياسة والسِّياسة الشَّرعيَّة، وإمكانيَّة إسقاط هذا الأمر على الرَّاهن.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الفكر السِّياسيُّ الإسلاميّ – السِّياسة الشَّرعيَّة – الشَّرعيَّة - الدَّولة المدنيَّة – مفهوم الدَّولة – الفقه والمجتمع.

Politique légitime et légitimité politique dans la pensée islamique.
Problèmes et pistes de réflexion,
par Dr. Ahmad Zoabi

Depuis des siècles, l’idée que la religion est le fondement de l’État est restée une influence persistante au sein des milieux sunnites, jetant une ombre qui a engendré une confusion quant à la nature de l’État et à la place de la religion en son sein. La situation s’est aggravée au fil du temps en raison de l’accumulation de discours théologiques et jurisprudentiels, au point de se transformer en une crise de compréhension, de vision et de conscience au sein de la pensée politique islamique contemporaine, qu’il s’agisse de sa confrontation avec elle-même ou des défis posés par les concepts de modernité politique et les conditions de la construction de l’État moderne !

Et si ces problèmes exigent une réflexion plus approfondie sur les questions d’héritage politique et ses écoles (théologique, philosophique, administrative et jurisprudentielle) afin de comprendre leur contenu et de saisir leurs problèmes et leurs cadres épistémologiques à la lumière des réalités historiques, autoritaires et sociales, le discours des juristes — de par les tâches qui leur sont généralement confiées — constitue un discours politique qui exprime le lien étroit entre affaires politiques et affaires religieuses. De plus, il peut ouvrir des perspectives pour une compréhension renouvelée du concept d’État et pour la réconciliation de la pensée politique islamique avec les fondements de l’État moderne.

Cet article vise à examiner un genre spécifique d’écrits politiques dans la pensée islamique médiévale et contemporaine — l’école des juristes — et à analyser sa conception de la nature, de la légitimité et de la légalité de l’autorité, le développement du concept de politique et de politique fondée sur la charia, ainsi que la possibilité d’appliquer ces concepts à l’époque actuelle.

Mots-clés : pensée politique islamique – politique légitime – légitimité – État civil – concept d’État – jurisprudence et société.

الدُّكتور أحمد الزُّعبي: أستاذ الدِّراسات الإسلاميَّة في معهد الآداب الشَّرقيَّة (ILO) وفي معهد الدِّراسات الإسلاميَّة والمسيحيَّة (IEIC) في جامعة القدِّيس يوسف في بيروت، ومنسِّق برنامج الدِّراسات الإسلاميَّة في معهد الآداب الشَّرقيَّة. حائز درجة الدُّكتوراه عن أطروحة بعنوان التَّفكير السِّياسيُّ في الإسلام: دراسة في المفاهيم والاتِّجاهات والمدارس. تركِّز أعماله على الفكر السِّياسيِّ الإسلاميّ (الكلاسيكيِّ والمعاصر)، تاريخ التَّشريع، الحركات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة في العالم العربيّ، الحوار الإسلاميّ / المسيحيِّ والعلاقات بين الأديان. له دراسات وتحقيقات ومقالات في مجال اختصاصه.

A2zlebanon@gmail.com

الشَّعبويَّة والعنصريَّة الاختلافيَّة وإعادة اختراع أوروبَّا ثقافيًّا. المقاربة الفلسفيَّة لبيير أندري تاغييف

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يبحث المقال في دلالات الشَّعبويَّة بوصفها تجسيدًا أنطولوجيًّا لأزمة اللِّيبراليَّة المعاصرة، وتكثيفًا لإشكاليَّة الدِّيمقراطيَّة السِّياسيَّة. كما يستعرض سياقات بروز العنصريَّة الاختلافيَّة، وآثارها السُّوسيوثقافيَّة على البِنية السِّياسيَّة لدول المركز الأوروبِّيّ. وفي السِّياق نفسه، يقف المقال على مشاريع النَّقد الثَّقافيِّ والفلسفيِّ لأطروحات التَّقدُّم والعَلمنة، من خلال المشروع النَّقديِّ لبيير أندري تاغييف. ويفترض أنَّ التَّطوُّرات الثَّقافيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة، الَّتي تعيش على وقعها الدُّول الأوروبِّيَّة، تزامنت مع تغيُّرات بنيويَّة عميقة مهَّدت في شكلها السِّياسيِّ لبروز ممارسات وأفكار، تتناقض بُنيويًّا مع طبيعة اللِّيبراليَّة في طورها ما بعد الحداثيّ. ونستخلص أنَّ هذه الخطابات والممارسات هي تعبير رمزيٌّ عن حالة من الارتداد الثَّقافيِّ نحو سياقات الهيمنة، وإعادة إنتاج تعبيرات السِّياسة في شكلها أحديِّ البُعد.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الشَّعبويَّة ‭-‬ العنصريَّة‭ ‬الاختلافيَّة‭ – ‬الثَّقافة‭ ‬‭- ‬الإشكاليَّة‭ ‬السِّياسيَّة‭ ‬للحداثة‭ ‬‭- ‬التَّقدُّم‭.‬

Le Populisme, le Racisme différentialiste et la réinvention identitaire de l’Europe.
L’approche philosophique de Pierre – André Taguieff
par Mohamed Arbi Ayari

L’article examine les implications du populisme en tant qu’incarnation ontologique de la crise du libéralisme contemporain, et d’une intensification du problème politique de la démocratie. Il passe également en revue les contextes de l’émergence du racisme différentialiste et ses effets socioculturels sur la structure politique des pays du Centre européen. Dans le même contexte, l’article examine les projets de critique culturelle et philosophique des thèses du progrès et de la sécularisation, à travers le projet critique de Pierre-André Taguieff. L’article suppose que le culturel, les développements économiques et politiques qui affectent les pays européens ont coïncidé avec de profonds changements structurels qui ont ouvert la voie, dans leur forme politique, à l’émergence de pratiques et d’idées qui contredisent structurellement la nature du libéralisme dans sa phase postmoderne. Nous concluons que ces discours et pratiques sont l’expression symbolique d’un état de régression culturelle vers des contextes de domination et la reproduction des expressions politiques sous leur forme unidimensionnelle.

Mots-clés : Populisme – racisme différentialiste – culture – le problème politique de la modernité – progrès.

الأستاذ محمَّد العربي العياري: باحث ومترجم في مركز الدِّراسات المتوسِّطيَّة والدَّوليَّة – تونس. حائز شهادة الماجستير في القانون الدَّوليِّ العامّ، ويتخصَّص في الفلسفة في الجامعة العربيَّة للعلوم. للكاتب مجموعة مقالات نشرت في مجلَّات علميَّة محكَّمة؛ منها: «فينومينولوجيا الزَّمن ومفهوم التَّسارع في الحداثة المتأخِّرة. المشروع النَّقديُّ لهارتموت روزا حول التِّقنيَّة والهويَّة والمجتمع»، مجلَّة تبيُّن للدِّراسات الفلسفيَّة والنَّظريَّات النَّقديَّة. كما صدر للمؤلِّف كتاب: النَّظريَّة النَّقديَّة والوظيفة الاجتماعيَّة للفلسفة. أسئلة التَّواصل والاعتراف والتَّسارع. وآخر: زمن الاحتجاج والسِّياسة. من فكرة الثَّورة إلى ديمقراطيَّة المخاطر. بالإضافة إلى ترجمات عديدة.

activiste83@gmail.com

حين يصير الواقع احتمالاً: نيتشه والفكر العجائبيّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تتناوَل هذه الورقة البحثيَّة حضور العجائبيِّ في الخطاب الفلسفيِّ عند نيتشه، انطلاقًا من فهم العجائبيَّة بوصفها منطقة توتُّر بين الواقع والخيال، والحقيقة والوهم، والمألوف والغريب. لا تُقدَّم العجائبيَّة هنا باعتبارها تقنيَّة أدبيّة فحسب، بل بوصفها أفقًا فلسفيًّا يسمح بإعادة النَّظر في الواقع والقِيَم والمعنى. فالبحث يربط بين تطوُّر مفهوم العجائبيِّ في الأدب، من الأساطير والملاحم القديمة إلى تجلِّياته الحديثة، وبين قدرة هذا المفهوم على تفكيك الحدود الصَّلبة بين التَّجربة الحسِّيَّة والتَّخييل.

في فلسفة نيتشه تتحوَّل العجائبيَّة إلى تجربة فكريَّة ووجوديَّة، لأنَّها تفتح أمام الفرد إمكانيَّة التَّحرُّر من القِيَم الموروثة والأنساق الأخلاقيَّة الجاهزة. يظهر ذلك بوضوح في فكرة الإنسان الأعلى في هكذا تكلَّم زرادشت، حيث يصبح تجاوُز الخير والشَّرِّ وبناء القِيَم الجديدة فعلًا إبداعيًّا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم. ومن ثمّ، لا يكون العجائبيُّ هروبًا من الواقع، بل طريقة لاختراقه وكشف هشاشة يقينيَّاته. ويسعى البحث إلى تبيان الفرق بين العجائبيِّ الأدبيِّ والعجائبيِّ الفلسفيِّ عند نيتشه، وتحليل أثره في وعي الفرد وتكوينه ونظرته إلى الحياة.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬العجائبيّ – نيتشه – الفلسفة – الأدب – إعادة تقييم القِيَم – الإنسان الأعلى – الواقع – التَّخييل.

Quand la réalité devient une possibilité: Nietzsche et le fantastique,
par Dr. Ekram El Badawy

Cet article examine la présence du fantastique dans le discours philosophique de Nietzsche, en partant de l’idée que le fantastique émerge de la tension entre réalité et imagination, vérité et illusion, le familier et l’inconnu. Le fantastique n’est pas traité comme un simple procédé littéraire, mais comme un horizon philosophique à travers lequel la réalité, la valeur et le sens peuvent être repensés. L’étude retrace le développement historique du fantastique, de la mythologie et des épopées antiques à ses formes littéraires modernes, puis relie ce développement au projet philosophique de Nietzsche.

Dans la pensée de Nietzsche, le fantastique devient une expérience existentielle et intellectuelle qui permet à l’individu de remettre en question les valeurs héritées et de transcender les systèmes moraux conventionnels. Cela est particulièrement évident dans Ainsi parlait Zarathoustra, où le Surhomme incarne le pouvoir créateur d’aller au-delà du bien et du mal et de construire de nouvelles valeurs. Ainsi, chez Nietzsche, le fantastique n’est pas une fuite de la réalité; il s’agit d’une manière de déstabiliser la réalité, de révéler la fragilité de ses certitudes et d’ouvrir la possibilité de l’auto-création. Cet article s’interroge donc sur la manière dont le fantastique philosophique de Nietzsche diffère du fantastique littéraire, et comment cette expérience remodèle la pensée, le développement et la vision du monde de l’individu.

Mots-clés : le fantastique – Nietzsche – philosophie – littérature  – réévaluation des valeurs – surhomme – réalité – imagination.

الدُّكتورة إكرام البدوي: كاتبة وباحثة مصريَّة. متخصِّصة في الفلسفة ولا سيَّما الفلسفة النِّسويَّة. تدير قسم المرأة في مركز تجديد للفكر والثَّقافة، بالعراق. وتشغل منصب سكرتيرة تحرير مجلَّة سميراميس (مجلَّة فكريَّة نصف سنويَّة تعنى بدراسات المرأة). حائزة شهادة الدُّكتوراه عن أطروحتها الخطاب النِّسويُّ في العالم الثَّالث من كلِّيَّة الآداب في جامعة طنطا – مصر ٢٠٢١. لها العديد من الكتب والتَّرجمات والأوراق البحثيَّة المحكَّمة بالعربيَّة والإنجليزيَّة. من إصداراتها: الفلسفة السِّياسيَّة النِّسويَّة، تاريخ من العدالة المراوغة (القاهرة: بيت الحكمة للثَّقافة، مارس ٢٠٢٤)؛ والخطاب النِّسويِّ في العالم الثَّالث – دراسة ثقافيَّة مقارنة (القاهرة: الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ديسمبر ٢٠٢٣).

ekram_elbadawy@yahoo.com

تهيئة المعلِّمين لأداء رسالتهم التَّعليميَّة والتَّربويَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تسلِّط المقالة الضَّوء على الدَّور الأساسيِّ للمعلِّم في رسالة المدرسة والجامعة التَّربويَّة. فعلى الرَّغم من التَّحوُّلات التّكنولوجيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة العميقة، يبقى المعلِّم الفاعل الرَّئيس في نقل المعارف والقِيَم والكفايات اللَّازمة للنُّموِّ المتكامل للإنسان. ويؤكِّد الكاتب أهمِّيَّة امتلاك مجموعة متنوِّعة من الكفايات، منها إتقان المحتوى العلميّ، والتَّخطيط التَّربويّ، والتَّكيُّف مع حاجات المتعلِّمين، ودمج التِّقنيَّات التَّعليميَّة، والعمل التَّعاونيّ، والالتزام بالأخلاقيَّات المهنيَّة.

كما تشدِّد المقالة على أهمِّيَّة البيداغوجيَّات التَّفاعليَّة الَّتي تعزِّز الحوار والمشاركة والتَّفكير النَّقديّ والبناء الجماعيَّ للمعرفة. وتحلّل الصُّعوبات الَّتي تواجه عددًا من البلدان العربيَّة، ولا سيَّما هيمنة الحفظ والتلقين على حساب الإبداع والتَّفكير النَّقديِّ. ويدعو الكاتب إلى اعتماد تقويمٍ تكوينيٍّ يركِّز على تقدُّم المتعلِّم، وإلى مرافقةٍ تربويَّةٍ شخصيَّة تساعده على تحقيق نموِّه وتطوُّره.

ويذكِّر في الختام بأنَّ المعلِّم يؤدِّي دورًا محوريًّا في تعزيز التَّماسك الاجتماعيِّ والتَّربية على المواطنة والإعداد للعيش المشترك. كما يُبرِز الأهمِّيَّة المتزايدة للابتكارات الرَّقميَّة ومنصَّات التَّعلُّم والذَّكاء الاصطناعيّ، الَّتي تتطلَّب كفايات تربويَّة وأخلاقيَّة جديدة لإعداد مواطنين قادرين على استخدام هذه التِّقنيَّات بصورة نقديَّة ومسؤولة ومبدعة. ومن ثمَّ فإنَّ الإعداد المتعمِّق للمعلِّمين يُعدُّ شرطًا أساسيًّا لبناء مجتمع قائمٍ على المواطنة والسَّلام والحوار.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬المعلِّم – الإعداد التَّربويّ – الكفايات – التَّربية – التَّقويم التَّكوينيّ – الحوار – المواطنة – التِّقنيَّات الرَّقميَّة – الذَّكاء الاصطناعيّ – التَّماسك الاجتماعيّ.

La Préparation des enseignants à l’accomplissement de leur mission éducative et pédagogique,
par Prof. Salim Daccache s.j.

L’article met en lumière le rôle fondamental de l’enseignant dans la mission éducative de l’école et de l’université. Malgré les profondes mutations technologiques, sociales et culturelles, il demeure le principal acteur de la transmission des savoirs, des valeurs et des compétences nécessaires au développement intégral de la personne. L’auteur souligne l’importance de compétences variées telles que la maîtrise des contenus disciplinaires, la planification pédagogique, l’adaptation aux besoins des apprenants, l’intégration des technologies éducatives, le travail collaboratif et le respect de l’éthique professionnelle.

L’article insiste également sur la valeur des pédagogies interactives qui favorisent le dialogue, la participation, l’esprit critique et la construction collective des connaissances.

Il analyse les difficultés rencontrées dans plusieurs pays arabes, notamment la prédominance de la mémorisation et de l’enseignement transmissif au détriment de la créativité et de la réflexion critique.

L’auteur plaide pour une évaluation formative centrée sur la progression de l’élève et pour un accompagnement personnalisé favorisant son épanouissement. Il rappelle enfin que l’enseignant joue un rôle essentiel dans la cohésion sociale, l’éducation à la citoyenneté et la préparation au vivre-ensemble.

Il souligne aussi l’importance croissante des innovations numériques, des plateformes d’apprentissage et de l’intelligence artificielle, qui exigent de nouvelles compétences pédagogiques et éthiques afin de former des citoyens capables d’utiliser ces technologies de manière critique, responsable et créative.

La préparation approfondie des enseignants apparaît ainsi comme une condition indispensable à la construction d’une société fondée sur la citoyenneté, la paix et le dialogue.

Mots-clés : Évaluation formative – Dialogue – Citoyenneté – Technologies numériques – Intelligence artificielle – Cohésion sociale.

البروفسور سليم دكَّاش اليسوعيّ: مدير عامّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام ٢٠١٦). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (٢٠١١)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون – السُّوربون ١ (١٩٨٨). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.

essde@hotmail.com

القواعد التَّعليميَّة بين النَّزعة التَّقعيديَّة والمنحى الوصفيِّ التَّداوليّ نظريَّة التَّعاون – غرايس

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تُعدُّ النَّزعة التَّقعيديَّة في القواعد التَّعليميَّة من أهمِّ أسباب ضعفها، لطغيان المنهج الشَّكليِّ على المنهج الوظيفيّ، وسيطرة الإعراب والتَّصنيف فيهما، فالمتعلِّم هو مجرَّد حافظ للقاعدة المحاطة بقانون لغويٍّ صارم لا يصلح للاستعمال. هذا الانفصال بين القاعدة والاستعمال اللُّغويِّ عن النُّصوص الحيَّة أنتجَ نصوصًا مصطنعة على قياس القاعدة بعيدًا عن سياق الجمل، ومنَع انتقالها من المعرفة إلى المهارة، ومن الحفظ إلى الاستعمال. والإشكاليَّة هي خللٌ في بناء القواعد التَّدريجيِّ أدَّى إلى تضخيم المصطلحات وتعقيدها وحشوها بالخلافات النَّحويَّة، بخاصَّةٍ في المرحلة المبكِّرة من التَّعلُّم؛ وهذا الأمر دفع إلى تساؤلات متكرِّرة بشأن جدوى الإصرار على تدريس القاعدة مع فشل التَّواصل، وتصنيفها شرطًا أساسيًّا للفهم الَّذي تمَّ تسجيل تحقُّقه في معظم الاستعمالات من دون الحاجة إلى تلك القواعد. هذه الاتِّجاهات المعياريَّة والتَّقريريَّة دفعت المتعلِّم إلى النُّفور النَّفسيِّ من القواعد، والإحساس بالعجز والإحباط قبل التَّمكُّن من إتمام التَّعلُّم. وقد كان لمنهج غرايس (١٩١٣-١٩٨٨) Herbert Paul Grice  دور مفصليٌّ في نقل دراسة المعنى من المنحى القاموسيّ/التَّركيبيِّ إلى التَّداوليّ، أي من التَّجريد إلى الكفاءة، بوضعه المنهج التَّعاونيَّ التَّداوليّ Cooperative Principle القائم على مبادئ (الكمّ، والكيف، والعلاقة، والأسلوب) بانتقاده التَّعليم القواعديَّ كمنظومة شكليَّة مغلقة ذات سلوك معياريٍّ ثابت إلى أداة تداوليَّة وظيفيَّة تُفهم في ضوء الاستعمال والتَّواصل.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬القواعد‭ ‬التَّعليميَّة‭ – ‬النَّزعة‭ ‬التَّقعيديَّة‭ -‬‭ ‬التَّداوليَّة‭ – ‬مبدأ‭ ‬التَّعاون‭ – ‬السِّياق‭ – ‬الوظيفة‭.‬

Règles éducatives: entre l’approche prescriptive et l’approche descriptive-pragmatique.
Théorie de la coopération – méthodologie de Grice,
par Dr. Nada Merashly

La grammaire pédagogique est souvent fragilisée par son caractère prescriptif, où l’analyse formelle prime sur l’usage fonctionnel. L’accent mis sur l’analyse syntaxique et la classification transforme les apprenants en simples mémorisateurs de règles rigides, rarement applicables à la communication réelle. Ce décalage entre les règles et l’usage authentique de la langue conduit à une dépendance aux exemples artificiels, empêchant les apprenants de passer de la théorie à la pratique. Un problème majeur réside dans la progression inadéquate de l’enseignement de la grammaire, qui engendre une terminologie excessivement complexe et une profusion de débats grammaticaux, notamment lors des premières étapes d’apprentissage. Cette complexité soulève des doutes quant à l’efficacité de l’enseignement de la grammaire, d’autant plus que la compétence communicative est souvent acquise sans un respect strict de ces règles. Par conséquent, les apprenants peuvent développer de la frustration, un sentiment d’incompétence, voire une aversion pour la grammaire. À l’inverse, l’approche d’Herbert Paul Grice a déplacé l’étude du sens d’une perspective structurale à une perspective pragmatique, en se concentrant sur la langue telle qu’elle est utilisée en contexte. Son Principe de Coopération, avec ses maximes de quantité, de qualité, de relation et de manière, a remis en question un enseignement rigide et fondé sur des règles. Elle présente plutôt la grammaire comme un outil fonctionnel et communicatif. Cette perspective encourage à dépasser la simple mémorisation pour privilégier un usage significatif de la langue, contribuant ainsi à combler le fossé entre les connaissances grammaticales et la communication en situation réelle.

Mots-clés : grammaire pédagogique – prescriptivisme – pragmatique – principe de coopération – contexte – fonction.

الدُّكتورة ندى مرعشلي: أستاذة اللُّغة العربيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في «الأسلوبيَّة والخطاب الشِّعريِّ الحديث»، وماستر في Computational Linguistics، وإجازة في علم التُّركيَّات من الجامعة اللُّبنانيَّة. لها عدَّة كتب وأبحاث منشورة ابتداءً من العام ٢٠١١، من ضمنها مؤلَّفات في علم الصَّوتيَّات، ومقالة في مجلَّة المشرق بعنوان «المقاربة الشِّعريَّة النِّسْويَّة بين عبد الحقّ حميد تارهان وخليل مطران. دراسة تداوليَّة - مقارنة»، السَّنة السَّادسة والتِّسعون، ج.١، كانون الثَّاني - حزيران ٢٠٢٢.

nada.merashly66@gmail.com

رُؤًى نحويَّة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

ينهض هذا البحثُ العلميُّ عَلى مُناقشةِ جُملةٍ مِن الآراءِ النَّحويَّة لبحثينِ يقعان في نطاقِ عِلمِ النَّحو، ليستوثقَ مِنْ مدَى صحَّةِ نَتائجهما وَمدَى تمسُّكهِما بالأصلِ والغايةِ اللَّذين بُني عَليهما عِلمُ النَّحو نفسُهُ؛ وَعَليه سيُناقشُ فرضيَّة المقالة الموسومة بـ «معنى النَّفي في «لا» النَّافية لِلجِنْس وَ«لا» العَامِلة عَمَل «لَيْسَ» وَ«لا» المُهمَلة هو هو أَم مختلف؟» للدُّكتُور عَليّ أحمَد إسمَاعِيل؛ وسيناقشُ كذلك مقالة أخرى موسومة بـ «كَان وَمُشتقَّاتها بينَ إنجِيل عِيسَى المَسِيح وَالقُرآن» للأب حنَّا إسكندر. وَسيعملُ هذا الجهد المعرفيُّ عَلى تَحديد إشكَالات البحثَين، والرَّدّ عليها بالشَّواهد والحجج؛ وسيجري ذلك كلُّهُ بتأمُّلٍ وَتأنٍّ وبموضُوعِيَّةٍ علميَّةٍ مَا أمكننَا إلى ذَلك سبيلًا.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬«لا» النَّافية للجِنْس – «لا» العاملَة عَمل لَيْس – «كان» بِمعنَى الكينُونة – «هو» بمعنى الهويَّة – إنجِيل عِيسَى – القُرآن الكَرِيم – تَصحيح لُغويّ – تَصحِيح دلاليّ.

Perspectives grammaticales,
Par Dr. Serwan Abdul Zahra Al-Janabi
et Dr. Ali Kazim Smesim

Cette étude académique examine de manière critique une série de théories grammaticales proposées par deux éminents spécialistes de la grammaire arabe. L’objectif principal est d’étudier la validité de leurs conclusions et d’évaluer leur conformité aux principes fondamentaux et aux buts ultimes sur lesquels repose la grammaire elle-même. Par conséquent, l’étude aborde l’hypothèse formulée par le Dr. Ali Ahmed Ismail dans sa recherche intitulée: «La signification de la négation dans le La Nafiyah li al-Jins (le La qui nie le genre), le La al-‘Amilah ‘Amal Laysa (le La qui fonctionne comme Laysa) et le La al-Muhmalah (le La négligé) est-elle identique ou différente?» De plus, l’étude analyse les points de vue du second chercheur, le Père Hanna Iskandar, tels que présentés dans son ouvrage «Kan et ses dérivés: Une étude comparative entre l’Évangile de Jésus-Christ et le Saint Coran». Cette entreprise scientifique vise à identifier les défis méthodologiques et d’interprétation rencontrés par les deux chercheurs, puis à entreprendre une évaluation académique systématique de leurs travaux. L’ensemble de la recherche est mené avec une grande attention, une rigueur exemplaire et une objectivité scientifique totale.

Mots-clés : La al-Nafiyah li al-Jins (Le La qui nie le genre) – La al-‘Amilah ‘Amal Laysa (Le La qui opère comme Laysa) – Kana (au sens d’existence/d’être), Huwa (au sens d’identité) – L’Évangile de Jésus – Le Saint Coran – Correction linguistique – Rectification sémantique.

د. الجنابي: عميد كلِّيَّة التَّربية المختلطة أصالة في جامعة الكوفة – العراق. أستاذ جامعيٌّ متخصِّص في اللُّغة العربيَّة وآدابها – والدَّلالة القرآنيَّة وتحليل النَّصّ. حائز شهادة الدُّكتوراه بعنوان «الإجمال والتَّفصيل في التَّعبير القرآنيّ – دراسة في الدَّلالة القرآنيَّة، كلِّيَّة الآداب، جامعة الكوفة». له عشرات الأبحاث الجامعيَّة المنشورة، واثنان وعشرون كتابًا، ثلاثة منها تُدَرَّسُ في الجامعات العراقيَّة.

serwan.aljanabi@uokufa.edu.iq

د. سميسم: بروفسور ورئيس لجنة الدِّراسات العُليا والأوَّليَّة في كلِّيَّة الفقه من جامعة الكوفة - العراق. حائز أربع شهادات دكتوراه في الاختصاصات الآتية: اللُّغة العربيَّة، الدَّلالة والتَّأويل من كلِّيَّة الآداب – جامعة الكوفة؛ الفقه والأصول المقارن من جامعة الحضارة العالميّة المفتوحة - لندن – بيروت؛ علوم الأديان المقارنة من كلِّيَّة الأديان – جامعة القدِّيس يوسف – بيروت؛ ودراسة النُّصوص العربيَّة والسُّريانيّة القديمة وتحقيقها – كلِّيَّة الآداب – جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. بالإضافة إلى شهادة تدريسيَّة عُليا في الفقه والأصول والعقائد. له عشرات البحوث الدَّوليَّة والمحلِّيَّة، وعشرون كتابًا مطبوعًا.

Ddr.shaikhali@gmail.com

لات: حقيقتها، عملها، ومعناها

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا البحث أداة «لات» من حيث حقيقتها وعملها ومعناها في النَّحو العربيّ، في ضوء اختلاف النُّحاة حولها. وقد عرض الباحث أبرز المذاهب الَّتي قيلت في حقيقتها، فبلغت ستَّة اتِّجاهات، أهمُّها القول بأنَّها مركَّبة من «لا» والتَّاء، وهو الرَّأي الرَّاجح وفق المنهج الوصفيّ.

كما ناقش البحث لغاتها المختلفة في العربيَّة (الفتح والضَّمُّ والكسر)، ومواضع ورودها في القراءات القرآنيَّة، ولا سيَّما في قوله تعالى: «ولات حين مناص»، مع تحليل أوجه إعراب «حين» بعدها.

وفيما يتعلَّق بعملها بيَّن البحث تعدُّد الآراء؛ فمن النُّحاة مَن جعلها تعمل عمل «ليس» فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ومنهم مَن رأى أنَّها لا تعمل، أو تعمل عمل «إنَّ»، أو تُستعمل حرف جرٍّ في بعض الاستعمالات. كما عرض الشُّروط الَّتي وضعها النُّحاة لإعمالها، وأهمُّها اختصاصها بأسماء الزَّمان، وغالبًا ما يُحذف أحد ركنَيها (الاسم أو الخبر).

وتطرَّق البحث إلى الأسماء الَّتي تدخل عليها «لات»، فذهب جمهور النُّحاة إلى اختصاصها بلفظ «الحين»، بينما وسَّع آخرون ذلك ليشمل مرادفاته من أسماء الزَّمان.

أمَّا من حيث المعنى فخلص البحث إلى أنَّ «لات» تدلُّ في جميع استعمالاتها على النَّفي، ولا سيَّما نفي الزَّمن أو نفي الجنس، مع ثبات معناها رغم اختلاف عملها الإعرابيّ. ويختتم البحث بترجيح كون «لات» أداة نفيٍ ذات معنًى ثابت، وأنَّ اختلاف النُّحاة فيها يعود إلى تنوُّع الاستعمالات اللُّغويَّة في العربيَّة، لا إلى اختلافٍ في جوهر معناها.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬لات – حقيقة لات – عمل لات – معنى لات – النَّحو العربيّ – مذاهب النُّحاة – سيبويه – القراءات القرآنيَّة – لات حين مناص – وأسماء الزَّمان.

La particule « Lāt » en grammaire arabe: nature, fonctionnement et signification,
par Dr. Zaher Obeid

Cette étude traite de la particule « Lāt » en grammaire arabe, en examinant sa nature, son fonctionnement et sa signification à partir des divergences des grammairiens anciens. Elle met en évidence les principales doctrines, en privilégiant l’opinion selon laquelle « Lāt » est une unité composée de « lā » renforcée par un suffixe ent, conformément à une approche descriptive.

L’article analyse ses différentes réalisations linguistiques ainsi que ses occurrences dans les lectures coraniques, notamment dans l’expression « wa-lāt ḥīna manāṣ », en exposant les diverses interprétations syntaxiques du terme qui la suit.

Quant à son fonctionnement, les grammairiens ont divergé entre ceux qui lui attribuent le rôle de « laysa », ceux qui la considèrent comme invariable, ou encore comme analogue à « inna » ou à une préposition. L’étude souligne également les conditions de son emploi, en particulier son association avec les noms de temps.

Elle conclut que « Lāt » exprime fondamentalement la négation, notamment temporelle, et que la variation de ses emplois n’affecte pas l’unité de son sens, mais reflète la diversité des usages en arabe.

Mots-clés : Lāt – Nature de «Lāt » – Fonction de «Lāt » – Signification de «Lāt » – Grammaire arabe – Écoles des grammairiens – Sībawayh – Lectures coraniques (Qirā’āt) – Lāt ḥīna manāṣ – et Noms du temps.

الدُّكتور زاهر محمَّد عبيد: باحث لبنانيٌّ حاصل على شهادة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت – ٢٠٢٠، عن أطروحته أثر الدِّين في اللُّبنانيِّين من خلال أمثالهم – دراسة حضاريَّة. حاز جائزة الشَّارقة للدِّراسات المعجميَّة واللُّغويَّة (الإلسكو) للعام ٢٠٢٥. يشغل منصب المدير العامِّ لمدرسة الحداثة الدَّوليَّة، وهو أستاذ مساعد في الجامعة اللُّبنانيَّة. شارك في مؤتمرات علميَّة وتنمويَّة في الولايات المتَّحدة ومصر والعراق وقطر والإمارات والكويت. له عدد من المؤلَّفات والبحوث في اللُّغة العربيَّة والبلاغة والدِّراسات المعجميَّة، من أبرزها المعجم المفصَّل في ضرائر الشِّعر والقِيم الأخلاقيَّة عند الخليجيِّين في أمثالهم الشَّعبيَّة.

zaher@alhadatha.org

تحوُّلات صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ بفعل الحرب

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

تتطرَّق هذه المقالة إلى تحوُّل صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ عبر ثلاث مراحل أساسيَّة: قبل الحرب الأهليَّة، في خلالها، وبعدها، مع التَّركيز على دلالات تمثيلها كمدينة تنهض من الخراب، مستكشِفةً كيف يصوِّر الأدب اللُّبنانيُّ بيروت كـ «شخصيَّة حيَّة» تتغيَّر ملامحها مع التَّاريخ، وما هي الصُّوَر الأدبيَّة المختلفة والمتباينة لمدينة مزَّقتها التَّناقضات في نصوص تلمِّح إلى توتُّرات كامنة (اجتماعيَّة وطائفيَّة) ستنفجر لاحقًا؟

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الأدب‭ ‬اللُّبنانيّ‭ – ‬بيروت‭ -‬‭ ‬الحرب‭ ‬اللُّبنانيَّة‭ – ‬روايات‭ ‬الحرب‭ – ‬قصائد‭ ‬الحرب‭.‬

Les métamorphoses de l’image de Beyrouth dans la littérature libanaise sous l’effet de la guerre,
par Dr. Betsa Estephano

L’article aborde la transformation de l’image de Beyrouth dans la littérature libanaise à travers trois étapes fondamentales: avant la guerre civile, pendant celle-ci, et l’après-guerre, en mettant l’accent sur les significations de sa représentation en tant que ville renaissante des ruines.

Cet article explore comment la littérature libanaise dépeint Beyrouth comme un personnage vivant dont les traits évoluent au fil de l’histoire. Quelles sont les images littéraires diverses et contrastées de cette ville déchirée par les contradictions dans des textes qui laissent entrevoir des tensions latentes (sociales et confessionnelles) appelées à éclater par la suite.

Mots-clés : La littérature libanaise – Beyrouth – La guerre libanaise – Les romans de guerre – Les poèmes de guerre.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. باحثة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

تجلِّيات الرَّمز في شعر محمود درويش

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إذا كانت اللُّغة الشِّعريَّة هي لغة المجاز، فإنَّها لغة الرَّمز أيضًا: الرَّمز الاجتماعيّ، الرَّمز الدِّينيّ، الرَّمز النَّفسيّ، الرَّمز الأسطوريّ… فمسألة الرَّمز في الشِّعر واسعةٌ وآفاقها رحبة وطاقاتها الإيحائيَّة كثيفة. وبما أنَّ الرَّمز الطَّبيعيّ، التُّراثيَّ أو الدِّينيَّ من أهمِّ الأسس والطُّرق الأسلوبيَّة الَّتي يقوم عليها تشكيل الصُّورة في الشِّعر الحديث، وجدنا ضرورة الوقوف على الرَّمز لنرى كيف يعمل في تشكيل الصُّورة الشِّعريَّة عند محمود درويش الَّذي فرض نفسه شاعرًا رمزيًّا في العصر الحديث، ما دفع الكثيرين إلى دراسة الرَّمز في أدبه، كما أنَّه عاش معاناة الشَّعب الفلسطينيِّ والثَّورة على الظُّلم والاحتلال، وعرف عذاب السِّجن داخل الأراضي المحتلَّة، فحاول ترجمة تلك التَّجارب في شعره ورسم ملامح ما اجتاحه من مشاعر وأحاسيس. من هنا، كان محمود درويش رمزًا للثَّقافة والأدب الفلسطينيَّين. لقد تخطَّى بشعره الحدود النَّفسيَّة والجغرافيَّة، واستطاع التَّطرُّق إلى قضايا كانت من المحرَّمات سابقًا فكان أشبه بنبيِّ الأمَّة، والنَّاطق المعبِّر عن كيانها، وعرَّافها الَّذي يستبصر أقدارها الحاضرة. وإن كانت المهمَّة الوطنيَّة جاءت في الصَّفِّ الأوَّل في المشروع الدَّرويشيّ الشِّعريّ، لكنَّه التزم بكتابة موضوعات مختلفة تخلَّلتها أغراض الشِّعر كافَّةً، موظِّفًا الرُّموز الأسطوريَّة والدِّينيَّة والطَّبيعيَّة والتَّاريخيَّة.

واعتمدنا في معالجة هذا البحث المنهج الوصفيَّ التَّحليليَّ في درس العناصر التَّاريخيَّة وتحليل دلالاتها وأبعادها الإنسانيَّة والتَّاريخيَّة والدِّينيَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة الَّتي يحملها النَّصّ. وقد خلصنا إلى نتائج تبيِّن أثر الرَّمز الَّذي وظَّفه محمود درويش في شعره للتَّعبير عن وضع حاضر مرفوض في مقابل حلم بغد مشرق.

كلمات مفتاحيَّة:‭ ‬الرَّمز – الأسطورة – التُّراث – الإيحاء – الدَّلالة – الصُّورة الشِّعريَّة – الشِّعر المعاصر.

Les manifestations du symbolisme dans la poésie de Mahmoud Darwiche,
Par Dr. Nermine Merhye

Si le langage poétique est le langage de la métaphore, il est également celui du symbole: symbole social, religieux, psychologique, mythique… La question du symbole en poésie est vaste, ses horizons sont étendus et ses énergies suggestives sont denses. Étant donné que le symbole naturel, traditionnel ou religieux constitue l’un des fondements les plus importants et des procédés stylistiques sur lesquels repose la construction de l’image dans la poésie moderne, il nous a semblé nécessaire d’examiner le symbole afin de comprendre comment il contribue à façonner l’image poétique chez Mahmoud Darwiche, qui s’est imposé comme un poète symboliste à l’époque moderne, ce qui a incité de nombreux chercheurs à étudier le symbole dans son œuvre.

Il a également vécu la souffrance du peuple palestinien, la révolte contre l’injustice et l’occupation, ainsi que l’épreuve de l’emprisonnement dans les territoires occupés. Il a donc cherché à traduire ces expériences dans sa poésie et à représenter les sentiments et les émotions qui l’ont submergé. Ainsi, Mahmoud Darwiche est devenu un symbole de la culture et de la littérature palestiniennes. Sa poésie a transcendé les frontières psychologiques et géographiques, et il a pu aborder des sujets auparavant tabous, devenant tel un prophète de la nation, son porte-parole éloquent et le voyant capable d’anticiper ses destinées présentes.

Bien que la mission nationale ait occupé une place primordiale dans le projet poétique de Darwiche, il est resté engagé dans l’écriture de thèmes variés, intégrant tous les registres poétiques, en recourant à des symboles mythiques, religieux, naturels et historiques.

Dans le traitement de cette recherche, nous avons adopté une approche descriptive et analytique afin d’étudier les éléments symboliques et d’analyser leurs significations ainsi que leurs dimensions humaines, historiques, religieuses, sociales et politiques portées par le texte.

Nous avons abouti à des résultats qui montrent l’impact du symbole utilisé par Mahmoud Darwiche dans sa poésie pour exprimer une réalité présente rejetée, en contraste avec le rêve d’un avenir lumineux.

Mots-clés : Symbole – mythe – tradition – suggestion – connotation – image poétique – poésie contemporaine.

الدُّكتورة نرمين مرعي: حائزة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من جامعة القدِّيس يوسف، وشهادة ماستر في العلوم التَّمريضيَّة ومكافحة العدوى وإدارة المخاطر. باحثة وناقدة في المواضيع الأدبيَّة والألسنيَّة إلى جانب عملها مشرفة ميدانيَّة صحِّيَّة. لها عدَّة مقالات ودراسات نُشِرت في مجلَّات مختلفة، وهي عضو مؤسِّس في نادي قاف.

nermine251@hotmail.com

اللَّيل في ميزان الشَّاعريَّة بين امرئ القيس وأحمد شوقي

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يُعنى هذا المقال بتتبُّع مفهوم الشَّاعريَّة في أهمِّ المصادر العربيَّة القديمة والحديثة، لناحيتَي المصطلح والدَّلالة، ويسعى إلى تحديد أبرز الشُّروط اللَّازمة لقيام ذلك المفهوم ونموِّه واكتماله لدى الشَّاعر. بعد ذلك، وفي تطبيق عمليّ، نعقد، في مقالنا، مقارنة بين مقطع لامرئ القيس وآخر لأحمد شوقي، على اعتبار أنَّهما من أعلام الشِّعر العربيّ، وأنَّ لكلٍّ منهما الشُّهرة الواسعة والرَّصيد الوازن في المكتبة الشِّعريَّة والثَّقافيَّة العربيَّة، والرَّمزيَّة الكبيرة المرتبطة بعصر الشَّاعر، فضلًا عن التَّجربة الشِّعريَّة المديدة والمتأصِّلة لديهما، وذلك للإجابة على الإشكاليَّة: كيف ظهرت شاعريَّة امرئ القيس وأحمد شوقي في وصف اللَّيل، وهل امتاز أحدهما على الآخر في هذا الجانب؟ وذلك وفق المنهج التَّداوليّ الَّذي يركِّز على واقع استعمال اللُّغة بين المرسِل والمتلقِّي والخطاب، واستراتيجيَّات المرسِل للإقناع، بما يشمل تحليل مستويات مختلفة منها الدَّلاليُّ والبلاغيُّ والنَّحويُّ والنَّفسيّ. في سياق البحث، تعمَّقنا في دقائق الصُّور الَّتي أوردها كلُّ شاعر لبيان حالته النَّفسيَّة ونظرته إلى اللَّيل ومكوِّناته ولا سيَّما النُّجوم والسَّماء الواسعة، وشمل تحليلنا المستوى البيانيَّ المتجلِّي أساسًا في التَّشبيهات، والمستوى اللَّفظيَّ المستنِد إلى القافية والرَّويِّ وانتقاء الحروف، والمستوى الدَّلاليَّ المعنيَّ بالأفكار المقدَّمة وأثرها لدى القارئ. كما عملنا على أن تكون المقارنة وافية قدر الإمكان عبر الإشارة إلى مكامن القوَّة والضَّعف لدى كلِّ شاعر. في نهاية البحث، جرى تلخيص أبرز نتائج المقارنة في جدولٍ تضمَّن معايير مستخرَجةً من مختلف المبادئ الَّتي جمعناها للتَّعريف بالشَّاعريَّة.

كلمات مفتاحيَّة: ‬الشَّاعريَّة‭ – ‬امرؤ‭ ‬القيس‭ -‬‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ -‬‭ ‬اللَّيل‭ -‬‭ ‬النُّجوم ‭- ‬الصُّورة‭ ‬الشِّعريَّة‭.‬

La nuit dans la norme poétique entre Imru’ al-Qais et Ahmad Shawqi,
par Dr. Hussein Ghaddar

Cet article explore le concept de poétique dans les sources arabes anciennes et modernes les plus importantes, tant sur le plan terminologique que sémantique. Il s’attache à identifier les conditions essentielles à l’émergence, au développement et à l’accomplissement de ce concept chez le poète. À titre d’application pratique, je compare ensuite un passage d’Imru’ al-Qays et un autre d’Ahmad Shawqi, considérés comme des figures majeures de la poésie arabe, jouissant d’une renommée considérable et d’une place prépondérante dans le patrimoine poétique et culturel arabe, outre leur symbolisme et expérience poétique. Cela vise à répondre à la question suivante : comment l’expression poétique d’Imru’ al-Qays et d’Ahmad Shawqi s’est-elle manifestée dans leur description de la nuit, et l’un a-t-il surpassé l’autre dans ce domaine ? Cette étude s’inscrit dans la méthodologie interactive, centrée sur la réalité de l’usage du langage entre l’émetteur, le récepteur et le discours, ainsi que sur les stratégies persuasives de l’émetteur. Elle s’appuie sur l’analyse de différents niveaux : sémantique, rhétorique, grammatical et psychologique. Dans le cadre de cette recherche, j’ai exploré en profondeur les subtilités de l’imagerie employée par chaque poète pour exprimer son état psychologique et sa vision de la nuit et de ses composantes, notamment les étoiles et l’immensité du ciel. L’analyse a porté sur le niveau rhétorique, principalement manifesté par les comparaisons ; le niveau verbal, fondé sur la rime, le mètre et le choix des lettres ; et le niveau sémantique, relatif aux idées présentées et à leur impact sur le lecteur. Je me suis également efforcé de rendre la comparaison aussi exhaustive que possible en soulignant les points forts et les faiblesses de l’œuvre de chaque poète. Au terme de cette recherche, les principaux résultats de la comparaison ont été synthétisés dans un tableau reprenant les critères issus des différents principes élaborés pour définir la poétique.

Mots-clés : Poésie – Imru’ al-Qays – Ahmad Shawqi – Nuit – Étoiles – Imagerie poétique.

الدُّكتور حسين غدَّار: حائز شهادة الدُّكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة عن أطروحة بعنوان: «الشِّعر العراقيّ خلال النِّصف الثَّاني من القرن العشرين: قراءة في أعمال السَّيَّاب ومطر والبيَّاتي»، ودبلوم في اللُّغة العبريَّة من المؤسَّسة المهنيَّة الدَّوليَّة. يدرِّس ثلاث موادَّ في قسم اللُّغة العربيَّة ولغات الشَّرق الأدنى في كلِّيَّة العلوم والآداب في الجامعة الأميركيَّة في بيروت: Introductory Biblical Hebrew – Readings in Judeo-Arabic – Modern Hebrew Language. من مؤلَّفاته: «الأشجار والظِّلال في شعر جودت فخر الدِّين: ديوان «في شؤون البصيرة» أنموذجًا»، مجلَّة الجامعة القاسميَّة للُّغة العربيَّة وآدابها، مجلَّد ٤ عدد ٢٠ (٢٠٢٥)، The “Creation of the Heaven and the Earth in the Hebrew Tanakh and the Arabic Qur’an: A Comparative Rhetorical Study”, Religion Compass, 2026.

hg43@aub.edu.lb

النَّقد المسرحيُّ العربيُّ بين أفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى: تحوُّلات الخطاب بين النَّصِّ والجمهور

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

يتناول هذا البحث تحوُّلات الخطاب النَّقديِّ المسرحيِّ العربيِّ في علاقته بأفق التَّلقِّي وانبثاق المعنى، مع التَّركيز على التَّفاعل بين النَّصِّ المسرحيّ، والعرض المسرحيّ، والجمهور. ينطلق البحث من مقاربات نقديَّة معاصرة تكشف أنَّ الخطاب المسرحيَّ لم يعد حكرًا على مؤلِّف العمل المسرحيِّ أو المخرج، بل يتكوَّن عبر تفاعل ديناميكيٍّ يجمع بين البنية النَّصِّيَّة، وجماليَّات العرض المسرحيّ، وأفق المتلقِّي.

ويُبرز تحليل مسرحيَّة «الطَّريق والذِّئب» للكاتب نور الدِّين الهاشميِّ هذا البُعد التَّفاعليّ، حيث يتجلَّى دور الجمهور بوصفه شريكًا أساسيًّا في نقد الخطاب المسرحيّ، وفي إعادة صياغته من خلال ما يتيحه تقليص المسافة الجماليَّة بينه وبين العرض. كما يُظهر التَّحليل أنَّ النَّقد المسرحيَّ العربيَّ الرَّاهن ينفتح على منظور جديد يرى في عمليَّة التَّلقِّي نقطة ارتكاز لانبثاق المعنى وتجديده. غير أنَّ التَّطوُّر الهائل في وسائل التَّواصل والإعلام جعل المسرح أمام تحدِّيات جديدة تستوجب مقاربتها نقديًّا وفكريًّا لضمان استمراريَّة دوره وحيويَّته.

كلمات مفتاحيَّة:النَّقد المسرحيُّ العربيّ – أفق التَّلقِّي – المسافة الجماليَّة - انبثاق المعنى – العرض المسرحيّ – الجمهور – الخطاب – الطَّريق والذِّئب.

La critique théâtrale arabe entre horizon de réception et émergence du sens:
​Transformations du discours entre le texte et le public,
par Dr. Dorine Nasr et Dr. Ali Al-Shawabkeh

Cette recherche traite les transformations du discours critique théâtral arabe dans sa relation avec l’horizon de réception et l’émergence du sens, en mettant l’accent sur l’interaction entre le texte théâtral, la représentation scénique et le public. L’étude s’appuie sur des approches critiques contemporaines démontrant que le discours théâtral n’est plus l’apanage exclusif de l’auteur ou du metteur en scène ; il se construit désormais à travers une interaction dynamique entre la structure textuelle, l’esthétique de la mise en scène et l’horizon du récepteur.

​L’analyse de la pièce « La route et le loup » de l’écrivain Nour al-Din al-Hachemi met en évidence cette dimension interactive, où le public apparaît comme un partenaire essentiel dans la critique et la reconfiguration du discours théâtral, grâce à la réduction de la distance esthétique entre lui et la représentation. L’étude souligne également que la critique théâtrale arabe contemporaine adopte une nouvelle perspective considérant l’acte de réception comme le point central de l’émergence et du renouvellement du sens. Toutefois, l’essor rapide des moyens de communication et des médias impose au théâtre de nouveaux défis exigeant des approches critiques et intellectuelles renouvelées afin d’assurer la pérennité et la vitalité de son rôle social et artistique.

Mots-clésCritique théâtrale arabe – horizon de réception – distance esthétique – émergence du sens – représentation théâtrale – public – discours – La route et le loup.

الدُّكتورة دورين نصر: أستاذة جامعيَّة وباحثة وشاعرة لبنانيَّة. حائزة شهادة دكتوراه في اللُّغة العربيَّة وآدابها من معهد الآداب الشَّرقيَّة – جامعة القدِّيس يوسف. رئيسة الرَّابطة الثَّقافيَّة للاتِّحاد العربيِّ في لبنان، وعضو في الهيئة الاستشاريَّة والتَّحريريَّة في مجلَّة حوليَّات معهد الآداب الشَّرقيَّة. لها العديد من المؤلَّفات المنشورة، منها: رؤى التَّحوُّلات: قراءة في شعريَّة الوطن لدى الشَّاعر القرويِّ وخليل حاوي ومحمَّد الماغوط، لبنان: دار الجيل ٢٠٢٣؛ وإصدارات شعريَّة، وقراءات نقديَّة عديدة.

dorinesaad1@gmail.com

الدُّكتور علي الشَّوابكة: أستاذ جامعيٌّ ومؤلِّف وشاعر ومخرج مسرحيٌّ أردنيّ. حائز دكتوراه في التَّربية الخاصَّة / الموهبة والإبداع / جامعة القاهرة. محاضِر في الجامعة الأردنيَّة – كلِّيَّة الفنون والتَّصميم. مدرِّس علم الجمال المسرحيّ. مؤسِّس ورئيس فرقتَي مادبا وطقوس المسرحيَّتَين، ومدير لمهرجانَي مسرح الأطفال المبدعين، وعشيَّات طقوس المسرحيَّة الدَّوليّ. حائز العديد من جوائز التَّميُّز المسرحيَّة.

Sfraleasmeen@gmail.com

إنسانيَّة يسوع – حيث يلتقي ﷲ بضُعف الإنسان

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

في عالمٍ يتَّسم بتسارع التَّحوُّلات، وتفاقم الأزمات، وتزايد الإحساس بالهشاشة واللَّايقين، يقف الإنسان المُعاصر أمام أسئلة وجوديَّة مُلِحَّة تتجاوز حدود المعرفة العقليَّة إلى اختبار المعنى ذاته: مَن أنا؟ لماذا الألم؟ وهل ﷲ قريبٌ من معاناتي أم يظلُّ مُتعاليًا عنها؟ ضمن هذا الأُفق القَلِق، يكتسب الحديث عن إنسانيَّة يسوع راهنيَّة لاهوتيَّة وإنسانيَّة خاصَّة، لأنَّه لا يتناول فكرة مجرَّدة أو حدثًا تاريخيًّا مُنفصلًا عن الواقع، بل يُلامس خبرة إنسانيَّة حيَّة تكشف حضور ﷲ في قلب التَّجربة البشريَّة نفسها. إنَّ إنسانيَّة يسوع، كما تُقدِّمها الأناجيل وتختبرها الكنيسة، لا تُفهم بوصفها بُعدًا عاطفيًّا للتَّعزية، ولا مُعطًى تاريخيًّا للنَّقد العلميِّ فحسب، ولا صياغة عقائديَّة نظريَّة، بل نقطة التقاء بين الإيمان وسؤال الإنسان المعاصر الباحث عن معنى وجوده وسط الألم والاغتراب.

كلمات مفتاحيَّة:التَّجسُّد – إنسانيَّة يسوع – الألم الإنسانيّ – المعنى – الخلاص – الأخلاق المتجسِّدة – الكرامة الإنسانيَّة – التَّضامن الإلهيّ – العلاقة بين ﷲ والإنسان.

L’humanité de Jésus – là où Dieu rencontre la faiblesse humaine,
Par Diacre Raad Bataq

Cette étude conclut que l’Incarnation constitue, dans la foi chrétienne, un moment primordial pour comprendre la relation entre Dieu et l’homme, car elle proclame que Dieu n’est pas resté à l’écart de l’histoire humaine, mais qu’il y est entré pleinement à travers l’humanité de Jésus-Christ. Cette étude part d’une hypothèse fondamentale selon laquelle la compréhension de l’humanité de Jésus ne se limite pas à la seule dimension doctrinale, mais comporte des dimensions anthropologiques, éthiques et existentielles profondes qui révèlent le sens de l’humanité et sa dignité.

La recherche s’efforce d’analyser la vertu de l’humanité en tant qu’événement théologique et historique qui exprime la solidarité de Dieu avec l’homme dans sa faiblesse et sa souffrance, et propose un nouveau modèle pour la compréhension que l’homme a de lui-même et de sa relation avec Dieu et avec les autres. À travers la vie humaine de Jésus, ses enseignements et son attitude envers les marginalisés et les souffrants, il apparaît clairement que l’Incarnation n’est pas une simple doctrine théologique, mais une proclamation de la proximité de Dieu avec l’homme dans toutes les dimensions de sa vie.

La recherche aborde également la dimension existentielle de l’humanité de Jésus, le présentant comme une figure qui partage avec l’homme son expérience profonde de la souffrance, de l’angoisse et de la quête de sens, ce qui confère à l’Incarnation une dimension humaine globale qui dépasse le cadre religieux étroit pour répondre aux questions de l’homme contemporain. Dans ce contexte, l’humanité de Jésus est comprise comme un appel à la reconquête de l’humanité de l’homme lui-même, à partir du Christ qui révèle les véritables potentialités de l’homme en matière d’amour, de solidarité et de liberté.

La recherche conclut que l’humanité de Jésus représente une perspective théologique et humaine pour comprendre l’homme dans la profondeur de sa faiblesse et de sa force à la fois, là où Dieu rencontre la faiblesse de l’homme pour la transformer en possibilité de salut et de renouveau. C’est ainsi que l’Incarnation devient le fondement de la dignité humaine et la source d’une relecture du sens de la vie humaine à la lumière de la présence de Dieu dans l’histoire de l’humanité.

Mots-clés : incarnation – humanité de Jésus – souffrance humaine – sens – salut – la moralité incarnée – dignité humaine –  solidarité divine – relation entre Dieu et l’homme.

الشَّمَّاس رعد بتق: شمَّاس إكليريكيٌّ في الكنيسة السُّريانيَّة الكاثوليكيَّة، وحائز إجازة في كلِّيَّة الفلسفة واللَّاهوت الحبريَّة، جامعة الرُّوح القدس – الكسليك. حائز دبلومًا من كلِّيَّة النِّفط والغاز بجامعة كوبان التّكنولوجيَّة في روسيا. له مؤلَّفات أدبيَّة، شعرًا ونثرًا.

bataqraad@gmail.com

الرِّسالة البابويَّة العامَّة – الإنسانيَّة الرَّائعة

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

البابا لاوُن الرابع عشر
(١) الإنسانيَّة الرَّائعة

اقتداءً بسلفِهِ الرَّاحل البابا لاوُن الثَّالث عشر الَّذي أصدَرَ في سنِي حبريَّتِه رسالةً عامَّةً بهدف مواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الأولى، أصدر قداسة البابا لاوُن الرَّابع عَشَر في الخامس عشر من شهر أيَّار ٢٠٢٦، رسالته العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة Magnifica Humanitas، وذلك بهدف حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيّ. وقد أوضَح قداسته أنَّه يرغب في الاستناد إلى تراث تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ لمواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الحاليَّة، والتَّقدُّم الحاصل في الذَّكاء الاصطناعيّ، دفاعًا عن الكرامة الإنسانيَّة والعدل والعمل. وسَنُفرِدُ في هذا النَّصِّ أبرز ما تَضَمَّنَته هذه الوثيقة القَيِّمة من حديث عن نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وعن التَّحدِّيات المعاصرة والحلول المَرْجُوَّة، بالإضافة إلى مقتطفاتٍ مُستَلَّةٍ من الرِّسالة.

١. نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ
في مستهلِّ رسالته يتحدَّث البابا عن ماهيَّة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بوصفه مسارًا للتَّمييز الاجتماعيّ، وبأنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، وبأنَّه يتغذَّى من مُساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة؛ فيقول في هذا الصَّدد إنَّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ: «ليس دليلًا للمبادئ والقواعد الَّتي يجب تطبيقها، بل هو مسار للتَّمييز الجماعيّ. إنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، ويسمح لعلامات الزَّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذَّى من مساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة» (الفقرة ٢٧).

وانطلاقًا من هذا التَّعريف، يمكن التَّوقُّف على ثلاثة عناصر أساسيَّة تميِّز نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ وتطوُّره، وهي: مسار التَّمييز الاجتماعيّ، واللِّقاء بين حقيقة الإنجيل وأسئلة التَّاريخ، وإسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة في إغنائه. وسوف نتناول هذه العناصر الثَّلاثة بالتَّفصيل في الفقرات الآتية.

– مسار للتَّمييز الجماعيّ
لا يُختَصَر تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بأنَّه دليل لحلولٍ جاهزة أو تكرار لتعاليم الماضي (الفقرة ٤ و٢٦)، بل يتميَّز هذا التَّعليم بطابع ديناميكيّ (الفقرة ١٧) وبمبادئ استشرافيَّة لقراءة الأحداث (الفقرة ٢٤). فمن خلال هذا التَّعليم، فسَّر كلُّ بابا تغيُّرات عصره التَّاريخيَّة في ضوء الإنجيل ليقدِّم مساهمة جديدة (الفقرة ٤٥)؛ فعلى سبيل المثال: أبرزَ لاوُن الثَّالث عشر، أمام قضيَّة العمَّال والتَّحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الرَّابط الَّذي لا ينفصم بين إعلان الإنجيل والبحث عن نظام اجتماعيٍّ عادل (الفقرة ٣٠)؛ واقترح يُوحنَّا الثَّالث والعشرون، في سياق الحرب الباردة وإنهاء الاستعمار، حقوق الإنسان كقواعد مشتركة من أجل السَّلام (الفقرة ٣٣)؛ وطوَّر فرنسيس، أمام الأزمة البيئيَّة والاجتماعيَّة، مفهوم الإيكولوجيا المتكاملة الَّتي تربط العناية بالبيت المشترك والخيار التَّفضيليّ للفقراء (الفقرة ٤٣).

– اللِّقاء بين الحقيقة الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ
تسير الكنيسة إلى جانب البشريَّة وتتفاعل مع كلِّ ما يخصُّ حياة النَّاس وقضاياهم (الفقرة ١٩). وهي تعترف بأنَّ للأمور الدُّنيَويَّة استقلاليَّتها الخاصَّة (الفقرة ١٨)، كما تُميِّز بين دور الكنيسة ودور الدَّولة، ولا تعدُّ نفسها مسؤولة عن المهامِّ الَّتي تقع ضمن صلاحيَّات الدَّولة. ومع ذلك، لا يمكنها أن تتجاهل معاناة النَّاس واحتياجاتهم الواقعيَّة (الفقرة ٢١)، ولا أن تحصر الدِّين في المجال الشَّخصيِّ والخاصِّ فحسب (الفقرة ١٩).

– إسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة
ترى الكنيسة أنَّ كلَّ من يسعى بصدق إلى الحقيقة والخير والجمال هو شريك في المسيرة الإنسانيَّة. وعلى الرَّغم من أنَّ تعليمها يرتكز على الكتاب المقدَّس والتَّقليد (الفقرة ٣)، إلَّا أنَّه يستفيد أيضًا من المعارف والخبرات البشريَّة، مثل الفلسفة والعلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، ما يُساعده على أن يُصبح أغنى وأعمق (الفقرة ٢٣). وبما أنَّ التَّعليم الاجتماعيَّ للكنيسة ينطلق من الحوار مع قضايا التَّاريخ، ويصغي إلى علامات الزَّمن وما تطرحه من أسئلة، تستعرض الوثيقة أبرز التَّحدِّيات الَّتي يواجهها عالمنا اليوم.

٢. بعض تحدِّيات عصرنا
يواجه عالمنا اليوم العديد من التَّحدِّيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة الَّتي تؤثِّر بشكل مباشر في حياة الأفراد والشُّعوب. وقد أدَّت التَّحوُّلات السَّريعة، الَّتي يشهدها العالم، إلى ظهور قضايا جديدة تتطلَّب التَّفكير فيها والبحث عن حلول مناسبة لها. ومن هذا المنطلق، يسعى تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وتحديدًا رسالة قداسته الأولى إلى قراءة هذه التَّحدِّيات في ضوء الإنجيل، من أجل الإسهام في بناء مجتمع أكثر عدالةً وتضامنًا واحترامًا لكرامة الإنسان، فتتوقَّف الرِّسالة على التَّحدِّيات الآتية:

– الذَّكاء الاصطناعيّ
أصبح الذَّكاء الاصطناعيُّ يؤثِّر بشكل متزايد في حياة النَّاس اليوميَّة. فالأنظمة الآليَّة تتَّخذ قرارات قد تؤثِّر في فرص العمل أو في سمعة الأفراد (الفقرة ١٠٢)، لكنَّها لا تمتلك صفات إنسانيَّة مثل الرَّحمة أو التَّفهُّم أو القدرة على المسامحة. كما أنَّ هذه الأنظمة ليست محايدة تمامًا من النَّاحية الأخلاقيَّة، لأنَّها تعتمد على البيانات والبرامج الَّتي صمَّمها الإنسان وتعمل وفقًا لها (الفقرة ١٠٤). وفي كثير من الأحيان، قد تساهم في زيادة نفوذ جهات قويَّة تتحكَّم في تدفُّق المعلومات وتوجِّه سلوك المستهلكين (الفقرة ١٠٨).

– ما بعد الإنسانيَّة (transhumanisme) وما يتجاوز الإنسانيَّة (posthumanisme)
يسعى تيَّار «ما بعد الإنسانيَّة» إلى تحسين قدرات الإنسان باستخدام التّكنولوجيا، بينما يتصوَّر تيَّار «ما يتجاوز الإنسانيَّة» دمج الإنسان بالآلة والبيئة للوصول إلى مرحلة تطوُّر جديدة (الفقرة ١١٦). ويرى هذان التيَّاران أنَّ التَّقدُّم يعني تجاوز حدود الإنسان الحاليّ (الفقرة ١١٥). ونتيجةً لذلك، أصبحَت هناك فكرة شائعة تعدُّ كلَّ ما يُضْعِف الإنسان، مثل المرض أو الشَّيخوخة أو الألم أو الضُّعف، شيئًا خاطئًا يجب التَّخلُّص منه أو إصلاحه (الفقرة ١١٨).

الوجوه الجديدة للحرب
تتكرَّس تدريجيًّا ثقافة تقوم على استخدام القوَّة، حتَّى أصبحت الحرب تُستخدَم كأداةٍ في السِّياسة الدَّوليَّة (الفقرة ١٩٠)، مع تزايد اعتبارها أمرًا «ضروريًّا» في بعض الحالات (الفقرة ١٩٢). كما تساهم وسائل الاتِّصال الحديثة في زيادة الانقسام وتسريع نشر الدِّعاية، ما يعزِّز خطاب العنف. وفي هذا السِّياق، تظهر بيئة خصبة لنشوء نزاعات جديدة بسبب التَّطرُّف الدِّينيّ، والتَّعصُّب الهُويَّاتيّ، ونشر المعلومات المُضلِّلة، والسُّخرية من الخصوم، وصناعة الخوف بشكل منظَّم (الفقرة ٢٠٦).

وقد غيَّرت الثَّورة الرَّقميَّة طبيعة الحروب، فأصبحت تشمل الهجمات الإلكترونيَّة والتَّلاعب بالمعلومات، إضافةً إلى اعتمادٍ متزايد على الأنظمة الآليَّة في اتِّخاذ القرارات الاستراتيجيَّة (الفقرة ١٨٣). ونتيجةً لذلك، باتت الحروب أقلَّ خضوعًا للرَّقابة البشريَّة المباشرة (الفقرة ١٩٧)، بل إنَّ بعض الآلات تُقدَّم أحيانًا على أنَّها «وُكَلاء أخلاقيُّون اصطناعيُّون» قادرون على التَّمييز بين الخير والشَّرِّ بشكل يفوق الإنسان (الفقرة ١٩٨).

٣. الإجابات عن التَّحدِّيات
تُجيب هذه الوثيقة عن التَّحدِّيات المطروحة مُقتَرِحةً الرُّجوع إلى أسس تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ ومبادئها، باعتبارها مرجعًا يساعد على فهم الواقع وتقييمه في ضوء الكرامة الإنسانيَّة والخير العامّ.

ففي أساس تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يوجد الإنسان الَّذي خلقه اﷲ الثَّالوث على صورته، أي أنَّه خُلِقَ ليعيش في علاقة وشركة مع الآخرين ومع الخليقة (الفقرة ٥٠). ويتمتَّع هذا الإنسان بكرامة لا تُقاس بِمجرَّد كونه إنسانًا، لأنَّ اﷲ أراده وخلقه وأحبَّه (الفقرة ٥٢). لذلك، لا تعتمد قيمته على إنجازاته أو ما ينتجه (الفقرة ٥١). وبسبب هذه الكرامة، يتمتَّع بحقوق أساسيَّة ثابتة وغير قابلة للانتهاك، وقد أكَّدها الإعلان العالميُّ لحقوق الإنسان في العام ١٩٨٤ (الفقرة ٥٤).

وتذكر الرِّسالة العامَّة المبادئ الخمسة الآتية:

– مبدأ الخير العامّ: لا يُختصر إلى مجرَّد قائمة من الشُّروط أو مجموع المزايا، بل هو خيرٌ يعود إلى الجميع الَّذين يتوجَّب عليهم أن يبنوه ويحفظوه معًا كمشروع مشترك (الفقرة ٦٠).
– مبدأ الغاية الشَّاملة لخيرات الأرض: هي خيرات أعطاها اﷲ للعائلة البشريَّة جمعاء لكي تعيل كلَّ إنسان (الفقرة ٦٥). ولهذا، فإنَّ حقَّ المُلكيَّة الخاصَّة ليس مطلقًا بحسب التَّقليد المسيحيّ.
– مبدأ اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار: يقوم على ألَّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص أو الجماعات المحلِّيَّة (الفقرة ٦٨) وذلك لتعزيز المسؤوليَّة المشتركة (الفقرة ٧٠).
– مبدأ التَّضامن: هو الاعتراف الحقيقيُّ بأنَّ مصير كلِّ فرد مرتبط بمصير الجميع (الفقرة ٧٣).
– مبدأ العدل الاجتماعيّ: لا يقتصر على سلوكيَّات الأفراد، بل يشمل التَّصوُّرات والتَّنظيمات للحياة في المجتمع (الفقرة ٧٧) الَّتي تعزِّز «خيارًا تفضيليًّا للفقراء» (الفقرة ٧٨)، وتصلح الرَّوابط المقطوعة (الفقرة ٧٩)، وتحمي الأصغر والأضعف (الفقرة ٨٠).

تسمح هذه المبادئ بالتَّنمية البشريَّة المتكاملة (الفقرة ٨٢) الَّتي تضع الإنسان والشُّعوب في المركز وتتضمَّن المسؤوليَّة تجاه مَن سيأتون بعدنا (الفقرة ٨٣).

ولتسليط الضَّوء على هذه الوثيقة نستعرض مقتطفاتٍ من الرِّسالة العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة، لأنَّ مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ هي وحدها قادرة على مساعدتنا في قراءة هذا الواقع الجديد.

مقتطف: مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ المطبَّقة على الذَّكاء الاصطناعيّ
«في عالم تتركَّز فيه البيانات، ورأس المال الحاسوبيُّ والقدرة التَّنظيميَّة في أيدي قلَّة قليلة، فإنَّ الكلام على الخير العامِّ يعني كشف هذا التَّفاوت المعرفيِّ والاقتصاديِّ والسِّياسيِّ الجديد، وتسمية احتكارات الذَّكاء الاصطناعيِّ الجديدة. الكلام على الغاية الشَّاملة للخيرات يعني إيجاد طرق لضمان الوصول الشَّامل إلى التّكنولوجيَّات والتَّنشئة. الكلام على اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار يتطلَّبان حماية قدرة الجماعات على الاختيار والتَّصحيح، من دون تقييد تدخُّلها في دور الرَّقابة، بعد أن تكون المعايير قد كُتبت في مكان آخر. الكلام على التَّضامن يفرض الاعتراف بالعمل غير المرئيّ، الَّذي يتمُّ استغلاله في كثير من الأحيان، ويغذِّي النَّماذج الخوارزميَّة. الكلام على العدل يفرض علينا أن نطرح أسئلة عن جغرافيَّات السُّلطة الَّتي تحدِّد مَن يمكنه أن يدرِّب النَّماذج، ومن هو مجرَّدُ موضوعٍ للتَّدريب، وأن نعترف بأنَّ العدل الاجتماعيَّ ليس مجرَّد هدف يجب حمايته بعد اعتماد التِّقنيَّات، بل هو شرط مُسبق يجب ممارسته في عمليَّة التَّصميم نفسها.» (الفقرة 109).

تسمح المبادئ الدَّائمة لتعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بإعطاء الإجابات الآتية عن التَّحدِّيات الرَّاهنة المذكورة:
– المسؤوليَّة والشَّفافيَّة والحوكمة في إدارة الذَّكاء الاصطناعيّ
لا يمكن مساواة أنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ بالذَّكاء البشريّ، فهي وإنْ كانت تتفوَّق عليه سرعةً، لا تعيش الاختبارات، ولا تعرف الفرح ولا الألم ولا معنى الحبِّ والعمل والصَّداقة والمسؤوليَّة، وليس لها ضمير أخلاقيّ: لا تفهم ما تُنتِج (الفقرة ٩٩). يجب الانتباه إلى تحدِّيات ثلاثة للذَّكاء الاصطناعيّ: ١) سرعته تُبسِّط الحياة لكنَّها قد تُضعف الحكم والإبداع لدى الإنسان؛ ٢) موضوعيَّته الظَّاهريَّة تعكس المعايير الثَّقافيَّة لمن صمَّمه؛ ٣) التَّواصل البشريُّ المُحاكى الَّذي يخلق الوهم بالارتباط بذات شخصيَّة حقيقيَّة (الفقرة ١٠٠). ويلزم أيضًا أُطُر قانونيَّة ملائمة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). من المهمِّ أن ننزع سلاح الذَّكاء الاصطناعيّ، أي أن ننتزعه من منطق التَّنافس، ونمنعه من السَّيطرة على الإنسان، ونجعله قابلًا للمناقشة والطَّعن (الفقرة ١١٠)؛
– الشَّيء الحقيقيُّ الَّذي هو «أكثر من الإنسان»
من المهمِّ ألَّا نُطلِق صفة المُطلق على بُعدٍ واحد فحسب من أبعاد الإنسان. فالذَّكاء مثلًا لا يمكنه أن يحجب العاطفة والإرادة والتَّفاني والعلاقة (الفقرة ١١٣). كما أنَّ الإنسان لا يزدهر على الرَّغم من الحدّ، بل من خلال الحدّ. إذا كان من واجبنا أن نسعى إلى إزالة الألم، فمن الحكمة أيضًا أن نعترف بمحدوديَّتنا الجوهريَّة (الفقرة ١١٨)، فلأنَّه يختبر الحدود (الألم، الفشل، إلخ)، يصير بمقدور الإنسان الاعتراف بأنَّه لا يجوز الاعتداء على كرامة الشَّخص البشريّ. يتكلَّم التَّقليد المسيحيُّ أيضًا على عبارة «أكثر من الإنسان»، ويعني بذلك أنَّ الإنسان مَدْعُوٌّ إلى تجاوز ذاته والازدهار في المحبَّة (الفقرة ١٢٧).
– حضارة المحبَّة
أمام الأشكال الجديدة للحرب، يجب العمل من أجل حضارة المحبَّة، أي نظام اجتماعيٍّ تتشابك فيه العدالة والمحبَّة، وتصير المحبَّة مبدأً لتنظيم الحياة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة (الفقرة ١٨٦). في هذه الحضارة، وإنْ لم يكن للجميع القدرة نفسها على التَّأثير في الواقع، إلَّا أنَّه لا أحد بلا مسؤوليَّة (الفقرة ٢١٢)، لأنَّ هذه الحضارة تولد من مجموع أعمال الإخلاص الصَّغيرة والمُثابرة الَّتي تُشكِّل حاجزًا أمام التَّجريد من الإنسانيَّة (الفقرة ٢١٣).

تقوم مسؤوليَّة كلِّ واحد على خمسة محاور للالتزام: ١) نزع السِّلاح من الكلمات: للكلمات قوَّةٌ هائلة، لذا يجب الانتباه إلى أقوالنا (الفقرة ٢١٤)؛ ٢) بناء السَّلام في العدل: لأنَّ السَّلام ليس مجرَّد غياب الصِّراع (الفقرة ٢١٥)؛ ٣) تبنِّي نظرة الضَّحايا: لا يكفي الحياد، بل يجب أن ننظر إلى الوجوه، ونصغي إلى القصص، ونعترف بالضَّحايا (الفقرة ٢١٦-٢١٧)؛ ٤) تربية واقعيَّة سليمة: تجنُّبًا للمثاليَّة السِّياسيَّة وللسُّخرية القاتلة على حدٍّ سواء (الفقرة ٢١٨)؛ ٥) إعادة إطلاق الحوار: هو الأداة الرَّئيسة للتَّعايش بين الأفراد والشُّعوب (الفقرة ٢١٩). وهذه المحاور الخمسة تتغذَّى بالصَّلاة، لأنَّ السَّلام يأتي من اﷲ (الفقرة ٢٢٨).

مقتطف: نعمة المحدوديَّة
«في محدوديَّتنا بالذَّات نجد الرَّأفة، والقلق الصَّادق إزاء احتياجات الآخرين، والكرم الَّذي يفاجئنا حتَّى في خضمِّ الظَّلام والفشل، والخبرة الرُّوحيَّة والسُّجود ﷲ. نرى ذلك في لحظات كثيرة تتجسَّد فيها الحدود في حياتنا، عندما يواجهنا الرَّفض، وعندما نتألَّم من مرض شخص عزيز أو وفاته، وعندما نختبر العجز أو الفشل. بشكل عجيب، في هذه المواقف بالتَّحديد يمكننا أن نجد حكمة جديدة، ونلمس مودَّة النَّاس لمس اليَد، ونختبر حضور الرَّبِّ يسوع. إذا ظهرت الحدود وكانت فينا ألَمًا داخليًّا، تقول لنا الحكمة البشريَّة ألَّا نزيلها ولا نكبتها، بل ندمجها في حياتنا. لكي نلغي الألم بصورة تامَّة، يجب، في النِّهاية، أن نطفئ الحبَّ والرَّغبة أيضًا. في الواقع، من يحبُّ ويرغب، لا يمكنه أن يتجنَّب المرور بالمحنة والألم، ولهذا السَّبب، على مرِّ السِّنين، نحتفظ في داخلنا بتعاليم تنطبع فينا مثل ندوب، وذكرى للمسيرة الَّتي قطعناها بين الحرِّيَّة والسَّقطات، وبين الأحلام وخيبات الأمل. وبفضل تَداخُل هذه العناصر فحسب، تحدث في قلبنا مُعجِزات الرُّوح الَّتي تجعلنا نتذوّق أجمل طعم لأنَّنا بشر.» (الفقرة ١١٩-١٢٠).

أمام التَّحوُّلات الَّتي تحصل (خصوصًا الذَّكاء الاصطناعيّ وتيَّارات ما بعد الإنسانيَّة)، من المهمِّ الانتباه إلى هذه الحقائق الثَّلاث:

– الحقيقة هي خير عامّ
غالبًا ما تبني المنصَّات الرَّقميَّة وأنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ روايات مُشَوَّهة، وتطمس الحدود بين الصَّحيح والزَّائف، وتخلط بين الوقائع والآراء، وتتلاعب بالمحتوى والصُّور (الفقرة ١٣٢). قد يظنُّ الإنسان أنَّه قادرٌ على بناء الواقع الَّذي يتناسب بشكل أفضل مع مطالبه، وينسى أنَّه يجب أن يعترف بحقائق كونيَّة صحيحة تسبقه (الفقرة ١٣٣). ولهذا، يجب تعزيز بيئة للتَّواصل ووضع قواعد حتَّى لا يتمكَّن الَّذين يتحكَّمون في المنصَّات الرَّقميَّة من التَّأثير في المخيِّلة الجماعيَّة (الفقرة ١٣٦-١٣٧). كما أنَّ وسائل الإعلام الرَّقميَّة تُولِّد ثقافة الفوريَّة (الفقرة ١٣٩) الَّتي قد تُطفئ الرَّغبة في طرح الأسئلة (الفقرة ١٤٠)، ولها تأثيرات سلبيَّة في النَّوم والانتباه والتَّنظيم العاطفيِّ والحياة العلائقيَّة (الفقرة ١٤١). لذلك يجب تربية الإنسان على «متى ولماذا» لا يستخدم الذَّكاء الاصطناعيّ (الفقرة ١٤٠)، واتِّخاذ تدابير تشريعيَّة، وتعليم الأجيال الجديدة البحث عن الحقيقة ومحبَّتها، والتَّساؤل عن معنى الحياة وكرامة كلِّ إنسان (الفقرة ١٤٣).
– حماية كرامة العمل
تُحوِّل الرُّوبوتات والذَّكاء الاصطناعيُّ بنية العمل نفسها، ما يؤدِّي إلى استبعاد عمَّال كثيرين وتقليل الحاجة إلى اليد العاملة (الفقرة ١٥٠). ومع أنَّه من المستحسن أن تخفِّف التّكنولوجيا عن الإنسان بعض الأعمال الشَّاقَّة والمتكرِّرة والخطرة، إلَّا أنَّه يجب أيضًا حماية الوظائف (الفقرة ١٥٢) لأنَّ العمل يبقى بُعدًا أساسيًّا من أبعاد الخبرة الإنسانيَّة كمكان للتَّعبير والعلاقات والمساهمة في الجماعة (الفقرة ١٥٣). ولهذا يجب وضع معايير اجتماعيَّة للابتكار، وإنشاء سياسات فعَّالة تجعل التَّنشئة المستمرَّة والتَّحوُّلات المهنيَّة في متناول الجميع (الفقرة ١٥٦).
– الحفاظ على الحرِّيَّة
صُمِّمت المنصَّات الرَّقميَّة لاستحواذ وقت المستخدِمين، مستغلَّةً ضعفهم، ومُضعفةً حرِّيَّتهم الدَّاخليَّة (الفقرة ١٧٠). بالإضافة إلى ذلك، وبِجَمْعها البيانات بشكل مكثَّف، يمكنها أنْ ترسم ملامح الشَّخصيَّات وتتنبَّأ بسلوكيَّاتها وتوجُّهها (الفقرة ١٧١). العصر الرَّقميُّ هو عصر استعماريّ، لأنَّه يستولي على البيانات، ويحوِّل الحياة الشَّخصيَّة إلى معلومات قابلة للاستغلال، تسمح بتدريب نماذج تنبُّئِيَّة، وتوجيه استراتيجيَّات الاستثمار، واستباق الأزمات، وانتقاء الأشخاص والأشياء الَّتي تهمّ (الفقرة ١٧٨). لذلك، لا بدَّ من استخدامٍ يعزِّز الحرِّيَّة الدَّاخليَّة (الاعتدال الرَّقميّ، ومكافحة النَّماذج الَّتي تزدهر على الضُّعف) (الفقرة ١٧٠).

مُقتطف: التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيّ
«تحتاج العمليَّات التَّربويَّة إلى وقتٍ للنُّضج، وإلى مواجهة الواقع بما يتجاوز المظاهر، وإلى مسيرة صبورة. المسألة جوهريَّة، لأنَّ كلَّ تكنولوجيا تربِّي من يستخدمها. لذلك، التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيِّ تتضمَّن التَّربية على اتِّخاذ القرار متَى وأين لا نستخدمه. السُّرعة والسُّهولة اللَّتان يتمُّ بهما الحصول على إجابة أو ملخَّص قد يُطفِئان فينا الرَّغبة في طرح الأسئلة، الَّتي لا تُجتَنَى ثمارها إلَّا مع مرور الوقت. كما كتب أفلاطون، فإنَّ الأمور الأعمق والأهمَّ لا نتعلَّمها إلَّا بعد وقت طويل وجهد كبير، والتزامنا في النِّقاش مع الآخرين لِـ «تفتيت» المفاهيم والخبرات كما لو أنَّها أحجارٌ ناريَّة، حتَّى تنطلق فينا شرارة الفهم. يجب علينا أن نربِّي أنفسنا على نوع من الصَّوم عن الذَّكاء الاصطناعيِّ ونحمي شبابنا من وعد الآلة المثاليَّة، ومن الإغراء النَّاعم الَّذي يجعل التَّفكير البشريَّ يبدو عديم الفائدة بالتَّحديد عندما يكون بأمسِّ الحاجة إليه.» (الفقرة ١٤٠).

خيار يجب اتِّخاذه
في وجه يسوع، يمكننا أن نتأمَّل في «الإنسانيَّة الرَّائعة»، ونفهم أنَّنا مَدْعُوُّون إلى أن نكون شُرَكاء في عمل الخليقة، لا متفرِّجين مستسلمين (الفقرة ٢٣٣). فليس هناك أيُّ نظام حسابيٍّ يلد قلبًا يهب ذاته، ولا ضميرًا يميِّز الخير (الفقرة ٢٣٣). إذًا، أمام التَّحوُّل التَّاريخيّ (الفقرة ٦) النَّاتج من الرَّقمنة والذَّكاء الاصطناعيِّ والرُّوبوتات (الفقرة ٤)، والإنسانيَّة الَّتي لم يسبق لها أن امتلكت مثل هذا السُّلطان على نفسها (الفقرة ٤)، والَّتي تطرح أسئلة خطيرة مثل «إلى أين نحن ذاهبون؟ أيَّ اتِّجاه نختار؟»، تواجِه اليوم خيارًا حاسمًا بين اثنين (الفقرة ١):
١. الاستسلام لـ «متلازمة بابل»: اختيار عمل ضخم صُوِّر من دون الإشارة إلى الله، والَّذي يؤدِّي إلى إطلاق صفة المطلق على الإنسان. هذا المنطق يقوم على التَّماثل الَّذي يقضي على التَّنوُّع ويضحِّي بالأضعف (الفقرة ٧ و١٠)؛
٢. السُّلوك في «طريق نحميا»: هو اختيار إعادة بناء أسوار أورشليم. عند العودة من سبي بابل، أوكلَ نحميا إلى كلِّ عائلة جزءًا من السُّور لإعادة بنائه، ما سمح للمدينة أن تولد من جديد بفضل المسؤوليَّة المشتركة للشَّعب كلِّه، وبفضل لغة العيش المشترك (الفقرة ٨). في هذا العمل المشترك، وهو البناء في الخير، للمسيحيِّين طريقتهم الخاصَّة في البناء: البناء على صخرة العلاقة مع الله، واحترام حدود البشريَّة وضعفها، وتحمُّل مسؤوليَّة مشتركة شُجاعة لأنَّ لا يد واحدة تكفي بمفردها، وأخيرًا اعتماد لغة إنجيليَّة ترفض الكلام الَّذي يهين أو يثير التَّنافر (الفقرة ١١-١٤).

لذلك، يدعو البابا إلى روحانيَّة «المهندس المعماريِّ الحكيم»، حيث يكون أساس البناء هو العلاقة مع الله، ويقوم على قبول حدود الإنسان، ويُترجَم إلى مسؤوليَّة مشتركة ولغة إنجيليَّة في التَّعامل مع الواقع (الفقرة ٢٣٦). ومن خلال هذه الرُّوحانيَّة، يستطيع الإنسان أن يحافظ على قلبٍ محبٍّ للحقيقة، ساعٍ إلى العدالة، باحث عن الحكمة، ومدرك أنَّه جزء من شبكة علاقات تربطه بالآخرين وبالخليقة (الفقرة ٢٣٧).

كما يصف البابا هذه الرُّوحانيَّة أيضًا بأنَّها «روحانيَّة إفخارستيَّة»، أي روحانيَّة الوحدة الكنسيَّة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٤). ففي الإفخارستيَّا، يُدعى المؤمنون إلى العيش كأعضاء في جسد المسيح، إخوة وأخوات رغم اختلافاتهم، بحيث يشكِّلون معًا وحدة واحدة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٥).

الخاتمة وإضاءات للشَّرق الأوسط

تؤكِّد الرِّسالة العامَّة مرارًا أنَّ الابتكارات التّكنولوجيَّة ليست محايدة (الفقرة ٨٥)، لأنَّها تعكس في الواقع طريقة تفكير من صمَّمها وتَوجُّهَه. وغالبًا ما تقف خلف هذه المنصَّات مصالح بشريَّة تسعى إلى الرِّبح وتؤثِّر في المحتوى وتهمِّش الفئات الضَّعيفة. لذلك يشدِّد البابا على نقطتَيْن أساسيَّتَيْن: أوَّلًا، لا يكفي الحديث عن الأخلاق فحسب، بل لا بدَّ من وجود أطُر قانونيَّة واضحة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). وثانيًا، تُقاس جودة الحضارة بمدى قدرتها على الاهتمام بالآخرين ورعايتهم (الفقرة ١١٤). ومع ذلك، يبقى الواقع معقَّدًا، لأنَّ الإنسان يتَّجه نحو الخير الَّذي يرغب فيه، لكنَّه لا يلتزم به دائمًا، فهو في الوقت نفسه «رائع ومجروح» (الفقرة ١٢٦).

وتقدِّم هذه الرِّسالة البابويَّة الأولى للبابا لاوُن الرَّابع عشر بوصلةً لإنسان يعيش في زمن تكنولوجيٍّ سريع التَّطوُّر، بحيث تصبح الأفكار فيه سريعة التَّغيُّر، وغالبًا ما نعرف القليل عن طريقة عمل هذه التِّقنيَّات (الفقرة ٩٨). ومن هذا المنطلق، تطرح الرِّسالة إضاءات على عدد من تحدِّيات الشَّرق الأوسط، من أبرزها:

في شرقٍ أوسط تُستهلَك فيه الأخبار عبر المنصَّات الرَّقميَّة من دون التَّحقُّق من صحَّتها أو أهدافها، تُذكِّر الرِّسالة بأهمِّيَّة البحث عن الحقيقة لِتَفادي الوقوع ضحيَّة التَّضليل أو التَّحريض على الكراهية.

في شرقٍ أوسط تَتَّخذ فيه الصِّراعات أشكالًا أكثر تعقيدًا مع استخدام التّكنولوجيا والذَّكاء الاصطناعيّ، وتُبرَّر أحيانًا باسم «الحرب العادلة»، تدعو الرِّسالة إلى بناء حضارة محبَّة تقوم على المسؤوليَّة في الكلام، والسَّعي إلى العدالة، والتَّعاطف مع الضَّحايا، وإحياء الحوار باستمرار.

في شرقٍ أوسط تسوده أشكال من متلازمة بابل، حيث تسعى بعض القوى إلى فرض هَيْمَنتها وإلغاء التَّنوُّع، تُشجِّع الرِّسالة على مسار المصالحة، بحيث يُسْهِم كلُّ فرد وكلُّ جماعة في إعادة بناء مجتمع يقوم على التَّعدُّديَّة والعيش المشترك.


(١) رسالة بابويَّة عامَّة لقداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر في «حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيِّ»، وهي مكوَّنة من ٢٤٥ فقرة، وقد نُشرت على الموقع الرَّسميِّ للكرسيِّ الرَّسوليِّ. وبالإمكان الوصول إليها كاملة على هذا الرَّابط: http://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/encyclicals/documents/20260515-magnifica-humanitas.html

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام، تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

القسّ عيسى دياب
تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام،
تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش

ط.١، ٤٤٨ ص.، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦
ISBN: 978-2-7214-5050-0

الكتاب بانوراما للعلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة في منطقة الشَّرق الأوسط منذ ظهور الإسلام حتَّى يومنا هذا. لم يحصر الكاتب هذه البانوراما بالجغرافيا بل بالألسنيَّات، فتناول تاريخ المسيحيِّين الَّذين يتبعون الطُّقوس الشَّرقيَّة ويتكلَّمون حاليًّا اللُّغة العربيَّة، وبالتَّالي قد استبعد شمال أفريقيا وتركيا واليونان وأرمينيا ودول أوروبا الشَّرقيَّة.

وكما هو حال الكثير من الكتَّاب المسيحيِّين المشرقيِّين الَّذين يتناولون موضوعًا كهذا، فإنَّ الكاتب يُبرز في سرده التَّاريخيِّ الاضطهادات الَّتي تعرَّض لها المسيحيُّون في المنطقة على يد المسلمين، وهو ما ندر وجوده في كتابات المؤرِّخين المسلمين المعاصرين. لكنَّ المميَّز في هذا الكتاب هو أنَّه لا يكتفي بالاضطهادات، بل يضيف إليها الدَّور الحضاريَّ الَّذي قدَّمه المسيحيُّون لشعوب المنطقة.

يبدأ الفصل الأوَّل من الكتاب بعرضٍ موجز للخلافات بين المسيحيِّين قبل الإسلام، والانقسامات الَّتي نتجت منها، وما تبعها من صراعاتٍ وحروبٍ ومآسٍ أضعفت المسيحيَّة في المنطقة. يقول الكاتب: «إنَّ ضعف المسيحيَّة، كما هو موصوف أعلاه، قد ساهم، ليس في سرعة انتشار الإسلام وحسب، بل أيضًا في نشأته» (ص. ٢١).

بعد هذا العرض السَّريع، يتناول الكاتب دخول المسيحيَّة إلى شبه الجزيرة العربيَّة والمِلل المسيحيَّة الَّتي كانت موجودة حين ظهر الإسلام. وهنا يلحُّ على مسألة التَّمييز بين النَّصارى الَّذين ورد ذكرهم في القرآن، والمسيحيِّين المعروفين اليوم بهذا الاسم على اختلاف طوائفهم:
«السُّؤال الَّذي يطرح نفسه هو: «هل النَّصارى، الَّذين أتَت المصادر الإسلاميَّة على ذكرهم، هُم المسيحيُّون الأرثوذكسيُّون»؟ الفرضيَّة الَّتي سأحاول برهنتها هي أنَّ «النَّصارى» هم أتباع يسوع المسيح، لكنَّهم يختلفون عن المسيحيِّين في كثير مِن الأمور» (ص. ٣٢).

ما يلي من ذكرٍ للمِلل المؤمنة بيسوع المسيح، الَّتي عاشت في شبه الجزيرة العربيَّة، سيوضع في خانة الفِرق النَّصرانيَّة، وليس الفرق المسيحيَّة. وقد أوردها الكاتب على التَّوالي: الأبيونيُّون، والكسائيُّون، والمريميُّون، والحوَّاريُّون، والآريوسيُّون، والحنفاء، الَّذين ربط محمَّد رسول الإسلام هويَّته بهم. عن هذه المجموعة الأخيرة، يقول الكاتب:
«إنَّ الحنفاء هم أناس رفضوا عبادة الأوثان، وتركوا ما عليه قومهم مِن عبادة الأصنام، وراحوا يبحثون عن الدِّين الحقِّ. ونتيجة لبحثهم، اعتنق بعضهم النَّصرانيَّة، وبعضهم الآخر تمسَّك بـ «الحنيفيَّة»، الَّتي يظنُّونها دِين إبراهيم، وأكثرهم سيدخلون في الإسلام النَّاشئ» (ص. ٥٣).

يلي ذلك عرض للكنائس المسيحيَّة المشرقيَّة الَّتي ستتقابل مع الإسلام: اليعاقبة، والنَّساطرة، والأقباط، والرُّوم.

الفصل الثَّاني عرض لشخصيَّة محمَّد وعلاقته بالمسيحيَّة، بدءًا من ورقة ابن نوفل الأسديِّ القُرشيِّ وخديجة زوجة الرَّسول، وظهور الإسلام، ودخول القبائل المسيحيَّة فيه. ويتوقَّف الكاتب مطوَّلًا عند ما يسمِّيه: «مسيحيَّة الإسلام»، أي الطَّابع المسيحيَّ في الإسلام، والمسيحيَّة في منظور الإسلام، فيبيِّن كيف أنَّ الملل النَّصرانيَّة شكَّلت في القرآن الكريم تصوُّرًا معيَّنًا عن المسيحيَّة ومعتقداتها، وهو تصوُّر إيجابيّ، أقلُّه في السُّوَر المكِّيَّة الَّتي، كما يقول الكاتب:
«تقترب بمعانيها وأخبارها مِن الدِّيانتَين اليهوديَّة والمسيحيَّة؛ ويؤكِّد فيها محمَّد رسالة موسى في التَّوراة، ورسالة عيسى في الإنجيل. وفي كلامه على اليهود والنَّصارى الكثير مِن الإيجابيَّة حيالهم، والتَّحبُّب إليهم. وفيها اعتراف بأنَّ المسيح هو كلمة اﷲ وروحه (النِّساء ٤: ١٧١؛ الأنبياء ٢١: ٩١) تمامًا كما جاء في الإنجيل» (ص. ٧٦-٧٧).

ويصل في النِّهاية إلى عرضٍ مستفيض عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيِّين في أيَّام النَّبيّ. وهنا يبدأ مصطلح «نصارى» بالتَّلاشي ليحلَّ محَلّه مصطلح مسيحيِّين. في هذا العرض نجد مراسلات النَّبيِّ مع قادة مسيحيِّين: هرقل ملك الرُّوم، المقوقس ملك مصر، النَّجاشي ملك الحبشة، المنذر بن ساوى التَّميميُّ ملك البحرين؛ ومع نصارى شبه الجزيرة العربيَّة: نجران، وجرباء، وأذرح، وأيلة.

الفصول التَّالية تتبع التَّسلسل الكرونولوجيّ. الخلافة الرَّاشديَّة، الأمويَّة، العبَّاسيَّة، الفترة الصَّليبيَّة، المماليك، وأخيرًا العثمانيَّة. في كلِّ فصل عرض موجز لأحداث الفترة إسلاميًّا، يليه عرض لحال المسيحيِّين في تلك الفترة، ثمَّ متفرِّقات جديرة بالذِّكر.

في الفصل الثَّالث يتكلَّم على حال المسيحيِّين في العصر الرَّاشديّ، ويتناولهم خليفة تِلوَ الآخر، مع الإشارة إلى الفتوحات ومواقف المسيحيِّين المشرقيِّين منها، والمعاهدات الَّتي أبرِمَت معهم، والضِّيق الَّذي تعرَّضوا له في ظلِّ حكم بعضٍ منهم أو في فتراتٍ محدَّدة. فعلى سبيل المثال، أخرج عمر بن الخطَّاب النَّصارى واليهود من شبه الجزيرة العربيَّة، في حين أنَّه تعهَّد لمسيحيِّي القدس بألَّا يمسَّهم سوء، وبأن يبقوا في ديارهم آمنين مقابل دفع الجزية.

الفصل الرَّابع، الَّذي يتناول الدَّولة الأمويَّة، هو فصل مفصليّ، لأنَّه يُظهِر انقلاب أحوال المسيحيِّين من الازدهار إلى الاضطهاد. ففي حين رأى فيهم أوَّلُ الخلفاء شركاء لهم رآهم مَن تلاهم أعداء. عن هذا العصر الذَّهبيِّ للعيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين يقول الكاتب:
«سمح الأمويُّون بالاحتفاظ بأغلب الكنائس، ولم يمانعوا ترميمها أو بناء كنائس جديدة. ورغم أنَّ بعض عهود الصُّلح أيَّام الرَّاشدين نصَّت على منع استحداث كنائس جديدة، فإنَّ الأمويِّين لم يلتزموا بها باستثناء مرحلة عُمر بن عبد العزيز. وقد روى الطَّبري أنَّ خالد القسريَّ والي العراق كان يأمر بنفسه بإنشاء البيع والكنائس، وأبو جعفر المنصور الخليفة، حذا حذوه عندما شيَّد بغداد» (ص. ١٤٢-١٤٣).

العصر العبَّاسيُّ يشغل فصلَين: العصر العبَّاسيَّ الأوَّل وهو سنوات سلام في العيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين، برز فيه دور المسيحيِّين في عالم الفكر من طبٍّ وفلسفة وباقي العلوم، وفيه جرت حوارات مهمَّة بين المسيحيِّين والمسلمين. ويلخِّص الجاحظ حال المسيحيِّين على النَّحو الآتي:
«إنَّ النَّصارى متكلِّمون وأطبَّاء ومنجِّمون وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء… وإنَّ منهم كُتَّاب السَّلاطين وفرَّاشي الملوك وأطبَّاء الأشراف والعطَّارين والصَّيارفة… وإنَّهم اتَّخذوا البراذين والخيل واتَّخذوا الشَّاكريَّة والخدم والمستخدَمين» (ص. ١٥٤).

شهد العصر العبَّاسيُّ الثَّاني ظهور الدُّويلات: الفاطميُّون، السَّلاجقة، الأيُّوبيُّون، حتَّى وصول المغول. إنَّه عصر انحطاط، وعصر اضطهاد للمسيحيِّين. يصف الكاتب هذا العصر كما يأتي:
«مع بداية عصور الانحطاط، بدأ جوُّ التَّفاهم والتَّعايش الكريم بالتَّبخُّر. فهُدِّمت الكنائس، ومُنع أهل الكتاب مِن ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التِّجاريَّة والاقتصاديَّة، أو الإقامة في دُور مرتفعة، أو دخول الحمَّامات الَّتي كان يدخلها المسلمون. وعُوملوا كرعايا مِن الدَّرجة الثَّانية. وأخذ السَّلاطين والولاة يستبدُّون بهم. وأخذ البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرِّخ ابن البطريق والمسعوديُّ وغيرهما. كانت إحدى نتائج ذلك، هجرة المسيحيِّين الَّذين رفضوا اعتناق الإسلام مِن المدن نحو الجبال» (ص. ١٨٠).

الفصل التَّاسع مخصَّص للحملات الصَّليبيَّة، والكاتب يحاول التزام الحياد تجاهها، ويبيِّن كيف أنَّ المسيحيِّين المشرقيِّين فضَّلوا، في غالبيَّتهم، انتماءهم الثَّقافيَّ الجغرافيَّ على انتمائهم الدِّينيّ، فوقفوا مع المسلمين لردِّ الغزوات الصَّليبيَّة، على الرَّغم من سوء المعاملة الَّتي كان المسلمون يعاملونهم بها.
«أمَّا المسيحيُّون المشرقيُّون، بشكل عامٍّ، فلم يسيطر انتماؤهم المسيحيُّ للانحياز إلى الصَّليبيِّين على انتمائهم إلى الشَّرق وتقاليده وأعرافه، وحسن الجوار مع إخوتهم المسلمين. فأظهروا الولاء لهم في جميع المواقف، ووقفوا إلى جانبهم. ربَّما شذَّ عن هذه القاعدة بعض الأرمن وبعض الموارنة. أمَّا الأرمن فبسبب عدائهم مع المسلمين؛ وأمَّا الموارنة، فبسبب محاولاتهم المتبادلة مع الصَّليبيِّين للانضمام إلى روما. وفي الوقت نفسه، كان المسيحيُّون أحيانًا ضحيَّة. فالمسلمون كانوا يُشكِّكون بولائهم بسبب مشاركتهم الدِّين مع الصَّليبيِّين؛ والصَّليبيُّون كانوا يشكِّكون في إخلاصهم بسبب انتمائهم الشَّرقيّ» (ص. ٢٤٦).

ويتابع الكاتب سرده، بحسب النَّهج نفسه، فيصل إلى دولة المماليك، ولعلَّها الفترة الأقسى على المسيحيِّين، خصوصًا مع تعديل نظام الذِّمَّة وتشديده، وحملات الإكراه على دخول الإسلام تحت طائلة النَّهب والنَّفي.

يذكر الكاتب من أحكام نظام الذِّمِّيَّة ما يأتي:

١. على الذِّمِّيِّين أنْ يدفعوا الجزية للحكَّام المسلمين بالطَّريقة القرآنيَّة (وهم صاغرون؛ المائدة ٩: ٢٩)، وأنْ يخضعوا لكلِّ الشُّروط الَّتي ينصُّ عليها عهد الذِّمِّيَّة في الشَّرع الإسلاميّ.
٢. يُحظَّر على المسيحيِّين واليهود العمل في إدارات الدَّولة المملوكيَّة.
٣. على المسيحيِّين أنْ يضعوا على رؤوسهم طربوشًا وأنْ يلبسوا ثوبًا أزرق، واليهود ثوبًا أصفر، والسَّامريِّين ثوبًا أحمر.
٤. يُحظَّر على غير المسلمين ارتياد الأحصنة.
٥. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين بناء بيوت يكون ارتفاعها أعلى مِن بيوت المسلمين.
٦. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين دخول مغارة المكفيلة في حبرون. (ص. ٢٥٨-٢٥٩).

في الفصل التاسع أيضًا، الدَّولة العثمانيَّة، يتمُّ الإلحاح على الإرساليَّات المسيحيَّة، فكلُّها تمَّت في ظلِّ الدَّولة العثمانيَّة؛ وهذا لا يعود إلى طبيعة العثمانيِّين بقدر ما يعود إلى تغيُّر المشهد السِّياسيِّ بين الدُّول في ذلك العصر. النَّهضة الأوروبِّيَّة، وتطوُّر القطاع التِّجاريِّ والصِّناعيّ، وكثرة الاختراعات، واكتشاف العالم الجديد.

يذكر هذا الفصل وصول الرَّهبنات الكاثوليكيَّة: الفرنسيسكان، اليسوعيُّون، الكبُّوشيُّون، الكرمليُّون… ووصول البعثات البروتستانتيَّة، وتحوُّل جماعاتٍ مسيحيَّة شرقيَّة من العداء لروما إلى الاتِّحاد بها، وهي الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة. وبعد سرد ما قدَّمته هذه الإرساليَّات للشَّرق كي يتطوَّر ويواكب عصره: مدارس، مستشفيات، مطابع، علوم… يمرُّ على المذابح الَّتي ميَّزت نهاية عصر العثمانيِّين، والَّتي راح ضحيَّتها أكثر من مليوني مسيحيّ، وتهجير السُّكَّان، وما إليه من فظائع.

الفصل العاشر: «المسيحيَّة المشرقيَّة منذ نهاية الحرب العالميَّة الأولى وحتَّى الوقت الحاضر». فصل غنيٌّ بالمعلومات، بعيد عن الموضوع. فهو يذكر من جهة تطوُّر العقليَّة الإسلاميَّة نحو التَّطرُّف، ومن جهة أخرى تحوُّل العقليَّة المسيحيَّة في الغرب نحو العلميَّة، وفي هذا كلِّه، المسيحيَّة المشرقيَّة غائبة. في نهاية الفصل، عرض تقديميٌّ للجماعات المسيحيَّة المشرقيَّة اليوم؛ كلِّ كنيسةٍ مشرقيَّة: نشأتها، نموِّها، حالها اليوم.

الفصل الحادي عشر هو بمثابة خاتمة. فيه يلقي الكاتب نظرةً إلى الماضي ليستخلص منه العبر. ومن هذه العِبَر الَّتي تشرح سبب انحسار المسيحيَّة المشرقيَّة: الخلافات المسيحيَّة - المسيحيَّة، وهجرة المسيحيِّين، وتعزيز عقليَّة التَّعصُّب.

أمَّا النَّظرة إلى المستقبل فيراها الكاتب في أهمِّيَّة التَّمييز بين الدِّين والدَّولة، وتعميق معرفة الآخر، والاعتراف بأخطاء الماضي، والشَّهادة للغفران والمصالحة، والحذر من التَّعميمات والصُّور النَّمطيَّة، والمساهمة المشتركة في بناء المجتمعات.

الكتاب ضخم، موسوعيّ، شيِّق في القراءة، غنيٌّ بالمعلومات الدَّقيقة.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب‭ ‬يسوعيّ،‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف‭ – ‬بيروت‭. ‬له‭ ‬مؤلَّفات‭ ‬وترجمات‭ ‬عدَّة‭ ‬منشورة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬بحثيَّة‭ ‬في‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق‭.‬

editing@darelmachreq.com

باباوات وسلاطين، حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسها

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

جوليو تشيبولُّوني
باباوات وسلاطين،
حين تحدَّثوا لغة الحرب نفسها

تعريب: ميرفت كلّي وبارتولوميو بيروني
ط.١، ٣٣٦ صفحة، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦
ISBN: 978-2-7214-5049-4

الكتاب قراءة في تاريخ الحروب الصَّليبيَّة وليس تأريخًا لها. فالكاتب يعود إلى الوثائق القديمة: كتابات المؤرِّخين والمراسلات، ليصوِّر، كمرحلة أولى، أجواء الحروب الصَّليبيَّة والعقليَّات المسيحيَّة والإسلاميَّة الميَّالة آنذاك إلى القتال. ويتناول تصويرُه شرح بعض المصطلحات كالحرب المقدَّسة والجهاد والكفر بحسب عقليَّات مَن عاشوا في تلك الفترة الَّتي هي قيد الدِّراسة، وطرائق توظيف الكتب المقدَّسة لتبرير العنف وحثِّ المؤمنين على تحمُّل ويلات الحرب، خصوصًا الأسر، لينتقل بعدها إلى المبادرات الإنسانيَّة الَّتي ظهرت في ذلك الحين، والَّتي يعطيها في آخر الكتاب، قراءة معاصرة.

ينقسم الكتاب إلى جزأين، الجزء الأوَّل ليس غاية في حدِّ ذاتها، بل هو لخدمة الجزء الثَّاني.

يسعى الجزء الأوَّل لإبراز التَّشابه بين موقف المسيحيِّين من الحرب وموقف المسلمين منها، وكيف كان قادة كلِّ طرف يؤجِّجون مشاعر الشَّعب من أجل التَّجنيد، معتمدين على الدِّين والنُّصوص المقدَّسة. ويعتمد الكاتب في هذا الجزء على منهجيَّتين، الأولى هي الوقوف عند المصطلحات وشرح كيف يفهمها كلُّ طرف، ومقدار التَّشابه في فهمها، وكيف أنَّ هذا التَّشابه يتوافق مع مبادئ دينٍ ويخرج عن مبادئ دينٍ آخر. المنهجيَّة الثَّانية هي عرض الوثائق التَّاريخيَّة الَّتي تعكس حالة الأجواء المهيمنة حينها، وهذا العرض يمنح الكتاب أهمِّيَّةً خاصَّة، إذ نجد فيه، من بين ما نجده، مراسلات بين ديوان السُّلطان صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ والبابا إنُّوسنت الثَّالث، وهي الفترة الَّتي ركَّز الكاتب عليها أكثر بسبب الجزء الثَّاني من الكتاب. فما الَّذي يتضمَّنه الجزء الثَّاني، وهو غاية الكتاب؟

في أثناء الحروب الصَّليبيَّة، ظهر بين المسيحيِّين أشخاص رفضوا الحرب، ويسمِّيهم الكاتب: «المستنكفون ضميريًّا». لم يقف هؤلاء المستنكفون مكتوفي الأيدي، ولا شكَّلوا جماعات ضغطٍ تندِّد بالحرب وترفض المشاركة فيها كما هو الحال في أيَّامنا؛ فنحن في أواخر القرن الثَّاني عشر، وهذه المواقف لم تكن معروفة حينها ولا توصَّل العقل البشريُّ إليها بعدُ. ما فعله المستنكفون هو أنَّهم سعَوا لتحرير الأسرى من كلا الطَّرفَين. ويبدو أنَّ هذه المساعي ظهرت في كلا المعسكرَين المسيحيِّ والإسلاميّ. كانت المساعي في المعسكر الإسلاميِّ مبادرات فرديَّة، مؤقَّتة وغير منظَّمة، في حين أنَّها اتَّخذت في المعسكر المسيحيِّ تنظيمًا وهيكليَّة انضوت تحت غطاء تديُّنيٍّ وهو غطاء الحياة الرَّهبانيَّة الَّتي اعترف بها البابا إنُّوسنت الثَّالث رسميًّا في السَّنة ١١٩٨. أسَّس المستنكفون المسيحيُّون، إذًا، رهبنةً سمِّيت باسم الرَّهبنة الثَّالوثيَّة (Trinitarian). إنَّها في أيَّامها شبيهة بمنظَّمة الصَّليب الأحمر في أيَّامنا. كانت رسالتها هي جمع التَّبرُّعات لتحرير الأسرى، وإجراء الاتِّصالات مع القادة من أجل عمليَّات تبادل الأسرى. هذه الرَّهبنة لازالت قائمة حتَّى الآن، ويقدَّر عدد الأسرى الَّذين تحرَّروا بمساعيها حوالى ١٤٠ ألف أسير حتَّى نهاية القرن العشرين. ويبدو أنَّ الكاتب يريد تكريمها بكتابه، ويريد في هذه المناسبة تسليط الضَّوء على الخير الكامن في الإنسان في جميع الظُّروف، ليصل إلى استنكار الحرب، خصوصًا تلك الَّتي تصطبغ بصبغةٍ دينيَّة وطائفيَّة كما هو حال غالبيَّة حروبنا اليوم.

حين نتكلَّم على مآسي الحرب، نذكر عمومًا الخسائر المادِّيَّة والبشريَّة، ونتناول في الخسائر البشريَّة الضَّحايا والمهجَّرين، لكنَّنا قلَّما نهتمُّ بالأسرى وحالهم في الأسر الَّذي هو أقسى ما في الحروب. هذا ما أراد الكاتب تسليط الضَّوء عليه، وقد اختار لغلاف كتابه، بنسختَيه الأجنبيَّة والعربيّة، فسيفساء موضوعة عند مدخل كنيسة سان توماس في فورميس (إيطاليا) تعود إلى السَّنة ١٢١٠/٦٠٦ هـ.، من أعمال جاكوبو وابنه كوزما. تصوِّر الفسيفساء السَّيِّد المسيح جالسًا على عرش، يمسك أسيرًا مسيحيًّا بيد، وأسيرًا مسلمًا بيدٍ أخرى ليحرِّرهم. لوحة تعبِّر عن روحانيَّة الرَّهبنة الثَّالوثيَّة في زمنٍ كان الباباوات والسَّلاطين يتكلَّمون لغة الحرب نفسها، طرف يدعو إلى الحرب المقدَّسة والطرف الآخر إلى الجهاد الصَّغير، ودعوة كلاهما تتحجَّج بالمشيئة الإلهيَّة، وتدعم حججها بآياتٍ مختارة اختيارًا منحازًا من الكتب المقدَّسة؛ المسلمون من القرآن الكريم والمسيحيُّون من العهد القديم إذ لم يجدوا في العهد الجديد ما يدعم حججهم.

طرفان صنع كلٌّ منهما صورةً لعدوِّه ودعا لمحاربته لأنَّها مشيئة اﷲ أو في سبيل اﷲ. وفجأةً، يظهر طرف ثالث يحوِّل صورة مَن يكرههم اﷲ إلى صورة مَن يحبُّهم اﷲ لأنَّه أبوهم وخالقهم، ويدعو إلى المحبَّة والرَّحمة.

الكتاب قراءة تاريخيَّة غنيَّة بالمعلومات والتَّحليلات، حيث لم يتردَّد الكاتب في إبداء رأيه، بل إعلان صرخته ضدَّ كلِّ عنفٍ أو استعدادٍ للعنف يسود العالم، في الأمس كما اليوم.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب‭ ‬يسوعيّ،‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف‭ – ‬بيروت‭. ‬له‭ ‬مؤلَّفات‭ ‬وترجمات‭ ‬عدَّة‭ ‬منشورة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬بحثيَّة‭ ‬في‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق‭.‬

editing@darelmachreq.com

La figure de Salomon dans les Chroniques: La sagesse au service du temple

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

P. Sami Nehmé
:La figure de Salomon dans les Chroniques
La sagesse au service du temple
Première édition, 296 pages, Beirut : Dar el-Machreq, 2026
ISBN : 978-2-7214-6038-7

 

تُركِّز «دورة سليمان» (Cycle de Salomon) في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني (الإصحاحات ١-٩) على إعادة قراءة متميِّزة لشخصيَّة الملك سليمان تختلف عن سرد سفر الملوك. وقد جاء في التَّوطئة بقلم الأخت يارا متَّى ما يأتي:
«يقودنا منهج المؤلِّف الأب سامي نعمة في متاهات هذه الشَّخصيَّة المثيرة للجدل بأسلوب بارع، فمن خلال اتِّخاذ سفر أخبار الأيَّام منطلقًا يستكشف المؤلِّف بدقَّة بنية دورة سليمان مشيرًا من جهة إلى بنية الرِّوايات وحركتها العامَّة، ومن جهة أخرى إلى الفوارق الَّتي تظهر في كتابتها مقارنةً بسفر الملوك

يتناول هذا البحث قراءة مقارنة مع الأدب الحِكميّ (الخاصِّ بسفر الحكمة)، ولا سيَّما سفر يشوع بن سيراخ والمزامير المنسوبة إلى الملك سليمان. وبالتَّالي، فإنَّ الإشكاليَّة المطروحة لا تقتصر على الموضوع المدروس فحسب، بل تطال أيضًا مكانة القراءة الكتابيَّة بشكلٍ عامّ.

إنَّ التَّفسير الدَّقيق والمتقَن للنُّصوص الكتابيَّة المتعلِّقة بشخصيَّة الملك سليمان الَّذي يدعونا إليه المؤلِّف يقود القرَّاء إلى اكتشاف الأصداء الَّتي تتردَّد من نصٍّ إلى آخر، وربَّما إلى إيقاظ أصداء جديدة لكلمة اﷲ في عقولنا وحياتنا.» (التَّوطئة).

«تُبرز دورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام بوضوح إعادة صياغة لشخصيَّة باني الهيكل. فهي بعيدة كلَّ البعد عن أن تكون مجرَّد نقل لمصدرها، إذ يقدِّم سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، ١-٩ تفسيرًا مُحدَّثًا لهذه الشَّخصيَّة.

فالملك سليمان يظهر في سفر الملوك بصورة واقعيَّة ونقديَّة، ملكًا عظيمًا وحكيمًا لكنَّه ليس بلا أخطاء وعيوب، انحرف في أواخر حياته بسبب زيجاته الكثيرة من نساء غريبات وعبادته لآلهة أخرى لأنَّ قلبه مال عن يهوه (سفر الملوك الأوَّل ١١، ٤)، فسلَّم نفسه إلى الجهالة في نهاية ملكه ما أدَّى إلى انقسام المملكة بعد موته. أمَّا في سفر أخبار الأيَّام فيظهر بصورة مثاليَّة وممجَّدة حيث تبرز شخصيَّته كبانٍ للهيكل وكمؤمن ثبَّت العبادة في أورشليم.

في سفر أخبار الأيَّام تبدو مواضع التَّركيز مختلفة تمامًا. فلا يمكن التَّطرُّق إلى إخفاقات ذاك الَّذي بنى الهيكل وامتدَّ ملكه فترة أربعين عامًا، جالبًا السَّلام والازدهار إلى مملكته. أليست هذه علامات بركة إلهيَّة تنسجم مع لاهوت الجزاء الفوريِّ الَّذي يبرزه هذا السَّفر؟ (ترجمة عن ظهر الغلاف).

كتب الباحث في مقدِّمة دراسته وضمن تحديد المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها ما يلي:
«… ستركِّز دراستنا على النَّصِّ العبريِّ الكتابيِّ في صيغته النِّهائيَّة، وفق مقاربة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ. ومع ذلك، وبما أنَّ سفر أخبار الأيَّام هو المجموعة الوحيدة الكاملة في الكتاب المقدَّس العبريِّ الَّتي تتوفَّر لدينا فيها معظم المصادر، فإنَّ منهج تحليلنا سيعتمد أيضًا على مقاربة مقارنة مع النُّصوص الموازية في صموئيل - الملوك…» (ص. ١٥).

تُعدُّ هذه الدِّراسة «قراءة مقارنة لدورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام وفي صموئيل - الملوك، تُقرأ بطريقة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ» (ص. ١٧).

وهي تهدف إلى معرفة كيف يمكن حِكمة سليمان في سفر الملوك الأوَّل أن تساعد على فهم حكمته في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، وما الَّذي ينبغي الاحتفاظ به في هذا السفر وما الَّذي يجب تركه جانبًا (ص. ١٩).

ثلاثة أقسام تتناول شخصيَّة سليمان في دراسة من ستَّة فصول. يُلقي القسم الأوَّل، في فصلَيه الأوَّل والثَّاني، نظرة عامَّة على سفر أخبار الأيَّام وتاريخ تدوينه ومكانه كما يتطرَّق إلى بنية دورة سليمان بحسب الإصحاح الثَّاني من سفر أخبار الأيَّام ١-٩.

يتناول القسم الثَّاني في فصوله الثَّلاثة قراءة لدورة سليمان الَّذي اختاره اﷲ ليبني الهيكل، وحكمة سليمان المعتَرَف بها من الأمم، وبناء الهيكل من داوود إلى سليمان.

أمَّا القسم الثَّالث والأخير فيُبرز تردُّدات أصداء حكمة سليمان على شخصيَّته في سفر أخبار الأيَّام.

من يقرأ هذه الدِّراسة، سيتلمَّس الفرق بين السِّفرَين – سفر الملوك وسفر أخبار الأيَّام الثَّاني في الكتاب المقدَّس، وهذا الفرق يتعلَّق أساسًا بالمنظور والهدف اللَّاهوتيِّ رغم أنَّ الاثنين يرويان أحداثًا متشابهة عن ملوك إسرائيل ويهوذا.

سفر الملوك: يركِّز على تقييم الملوك من ناحية أمانتهم ﷲ، ويُظهر كيف أدَّى الشَّرُّ والابتعاد عن اﷲ إلى سقوط المملكة والسَّبي.

أمَّا سفر أخبار الأيَّام الثَّاني فيركِّز أكثر على الجانب الرُّوحيِّ والعبادة، خصوصًا الهيكل والكهنوت، ويقدِّم نظرة أكثر إيجابيَّة لشعب يهوذا بعد العودة من السَّبي.

من خلال التَّمعُّن بهذه الدِّراسة يتبيَّن لنا مدى أهمِّيَّة تأوين هذَين السِّفرين في عالمنا اليوم.
– هذا السِّفر يقدِّم نموذجًا متكرِّرًا عن الفساد، والابتعاد عن القيم، وسقوط المجتمعات. في عالمنا اليوم، الرِّسالة ليست دينيَّة فحسب، بل أخلاقيَّة وسياسيَّة أيضًا مفادها أنَّ القرارات والقيادة لها نتائج طويلة المدى.
– ثمَّة إشارات إلى أهمِّيَّة المسؤوليَّة الفرديَّة والجماعيَّة، ففي السِفرَين، الملك يؤثِّر في الشَّعب كلِّه. اليوم، هذا ينطبق على القادة، لكن أيضًا على الأفراد داخل أيِّ مجتمع. أفعال الأفراد تتراكم وتصنع مصيرًا جماعيًّا.
– التَّأمُّل في النُّصوص يجدِّد الأمل في إمكانيَّة الإصلاح في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني. هذا السِّفر يركِّز على التَّوبة والإصلاح، ويبيِّن أنَّ العودة ممكنة حتَّى بعد الانهيار.
– يركِّز سفر أخبار الأيَّام الثَّاني على القِيم الرُّوحيَّة والعبادة. واليوم، يمكن فهم هذا كدعوة للتمسُّك بالقيم الأساسيَّة (سواء كانت دينيَّة أو إنسانيَّة) في خضمِّ التَّغيُّرات السَّريعة الَّتي يواجهها عالمنا.
– يساعدنا هذا البحث على قراءة التَّاريخ من زاويتَين:
* يقدِّم سفر الملوك قراءة نقديَّة؛
* ويقدِّم سفر أخبار الأيَّام قراءة بنَّاءة.

هذه القراءة تبيِّن لنا كيف أنَّ الحدث يمكن فهمه بطرق مختلفة بحسب الهدف.

وأخيرًا، تكمن أهمِّيَّة هذه الدِّراسة المعمَّقة في أنَّها قراءة تأويليَّة تأوينيَّة تعلِّمنا، من خلال سفر الملوك، كيف ولماذا تنهار المجتمعات، ومن خلال سفر أخبار الأَيَّام الثَّاني كيف يمكن أن ننهض ثانيةً، ومن هنا آنيَّتهما في عصرنا الحاليّ، آنيَّة تصلح في كلِّ زمان ومكان ومهما اختلفت المجتمعات والجماعات.

الدُّكتورة بيتسا استيفانو>: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. باحثة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

betsa.estephano@usj.edu.lb

Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Pierre Jabbour
Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme
Beyrouth: Éditions de l’USJ; Paris: Geuthner, Cahiers d’études syriaques, 280 p. 2025.
ISBN: 978-614-8019-88-3

يشكِّل كتاب بيار جبُّور إضافة علميَّة بارزة إلى حقل الدِّراسات المارونيَّة والشَّرقيَّة. ويأتي ليسلِّط الضَّوء على واحدةٍ من أكثر المحطّات حساسيَّة وتعقيدًا في تاريخ العلاقة بين الكنيسة المارونيَّة والكرسيِّ الرَّسوليِّ في أواخر القرن السَّادس عشر. فمن خلال دراسة طبعة Missale Chaldaicum iuxta ritum Ecclesiæ nationis Maronitarum الصَّادرة في روما بين العامَين ١٥٩٢ و١٥٩٤، يقدِّم المؤلِّف قراءة نقديَّة جديدة لمرحلة مفصليَّة تزامنت مع تطبيق مقرَّرات المجمع التريدانتينيِّ وبداية تشكُّل المعرفة الغربيَّة المنظَّمة بالتُّراثات المسيحيَّة الشَّرقيَّة.

ولا تكمن أهمِّيَّة الكتاب في الموضوع الَّذي يتناوله فحسب، بل أيضًا في المنهج الَّذي يعتمده. فالمؤلِّف يبتعد عن المقاربات الاعتذاريَّة الَّتي سادت طويلًا في كتابة تاريخ العلاقات بين روما والموارنة، كما يتجنَّب الأحكام الإيديولوجيَّة المسبقة الَّتي ترى في كلِّ تدخُّل رومانيٍّ مشروع هيمنة أو ليتنة مقصودة. وبدلًا من ذلك، يختار العودة إلى المصادر والمخطوطات والوثائق الأصليَّة، محاولًا إعادة بناء ظروف إعداد هذا القدَّاس المطبوع، والعوامل الفكريَّة واللَّاهوتيَّة والمؤسَّساتيَّة الَّتي أثَّرت في صوغ نصوصه.

ومن أبرز عناصر الجِدَّة في هذا العمل اعتماد مفهوم «التَّركيب اللَّاهوتيّ» (bricolage théologique) مفتاحًا لفهم عمليَّة إعداد الكتاب اللّيتورجيّ. فالطَّبعة الرُّومانيَّة لم تكن، بحسب ما يبيِّن المؤلِّف، استنساخًا أمينًا لتقليد مارونيٍّ ثابت ومكتمل، كما لم تكن أيضًا فرضًا مباشِرًا لنموذج لاتينيٍّ جاهز، بل جاءت نتيجة عمليَّةٍ معقَّدة من الاختيار والتَّكييف والتَّوفيق بين مصادر متعدِّدة، بعضها سريانيٌّ وبعضها كرشونيّ، في ظلِّ معرفة محدودة نسبيًّا بالتُّراثات الشَّرقيَّة لدى عدد من المحرِّرين الرُّومانيِّين، وفي إطار هاجس كنسيٍّ يتمثَّل بضمان الانسجام العقائديِّ مع توجُّهات الإصلاح الكاثوليكيّ.

وتكمن قوَّة الكتاب في أنَّه لا يكتفي بوصف هذه العمليَّة، بل يحاول فهم منطقها الدَّاخليّ. فالقدَّاس المطبوع يظهر هنا بوصفه ثمرة تفاوض غير معلَن بين التَّقليد المحليِّ والسُّلطة المركزيَّة، بين الذَّاكرة اللّيتورجيَّة الموروثة ومتطلِّبات التَّوحيد العقائديّ، وبين خصوصيَّة الكنائس الشَّرقيَّة وطموح الكنيسة الكاثوليكيَّة إلى التَّعبير عن وحدتها الجامعة. ومن هذه الزَّاوية، يصبح النَّصُّ اللّيتورجيُّ وثيقة تاريخيَّة بامتياز، تكشف عن شبكات معقَّدة من العلاقات الثَّقافيَّة والكنسيَّة والسِّياسيَّة الَّتي تجاوزت بكثير حدود العبادة والشَّعائر.

ولعلَّ من أبرز الإسهامات العلميَّة الَّتي يقدِّمها هذا الكتاب نجاحَ المؤلِّف في إعادة فتح ملفِّ Missale Chaldaicum انطلاقًا من اكتشاف كوديكولوجيٍّ بالغ الأهمِّيَّة. فقد تمكَّن من التَّعرُّف إلى المخطوط الفاتيكانيِّ Vat. sir. 431 بوصفه جزءًا مفقودًا من المخطوط المرجِعيّ المعروف بـ ms. O، الأمر الَّذي أتاح إعادة تركيب هذا المخطوط، وإعادة بناء بنيته الأصليَّة بدرجة غير مسبوقة من الدِّقَّة. وبهذا الاكتشاف انتقل البحث من مستوى الافتراضات، الَّتي حكمت الدِّراسات السَّابقة، إلى مستوى الاستناد المباشر إلى شواهد مادِّيَّة ونصِّيَّة جديدة. وقد بيَّن المؤلِّف أنَّ ما كان يُعتقد أنَّه أجزاء مفقودة بصورة نهائيَّة يمكن استعادته جزئيًّا «الواقع أنَّ المخطوط أصبح شبه مكتمل ولا ينقصه سوى قسم g»، وأنَّ بعض النُّصوص والصَّلوات الَّتي اعتمدها محرِّرو Missale Chaldaicum تعود إلى مصادر محدَّدة أمكن تحديدها بدقَّة أكبر. كما أظهر أنَّ بعض العناصر الواردة في الطَّبعة الرُّومانيَّة لا تنتمي أصلًا إلى المخطوط المرجِعيّ، بل أُضيفت لاحقًا، أو تُرجمت في روما على يد خرِّيجي المدرسة المارونيَّة. ومن خلال هذه المراجعة الكوديكولوجيَّة الدَّقيقة، لا يكتفي الكتاب بتسليط ضوء جديد على تاريخ المخطوطات المارونيَّة، بل يعيد صياغة فهمنا للظُّروف الَّتي أُعدَّ فيها Missale Chaldaicum وللخيارات التَّحريريَّة واللَّاهوتيَّة الَّتي رافقت صدوره. ومن هنا يمكن اعتبار هذا الإنجاز الوثائقيِّ أحد المفاتيح الأساسيَّة الَّتي ترتكز إليها أطروحة الكتاب بأكملها، لأنَّه أتاح الانتقال من دراسة النَّصِّ المطبوع وحده إلى دراسة الورشة التَّاريخيَّة الَّتي أنتجته.

ويُحسب للمؤلِّف أيضًا أنَّه يضع هذه القضيَّة في إطار أوسع يتعلَّق بتاريخ الاستشراق الكاثوليكيّ في بداياته. فالاهتمام الرُّومانيُّ بالمخطوطات الشَّرقيَّة وجمعها وترجمتها ودراستها لم يكن منفصلًا عن المشروع الكنسيِّ العامّ، بل كان جزءًا من رؤيةٍ تسعى إلى معرفة الشَّرق المسيحيِّ وإدماجه ضمن أفق كاثوليكيٍّ شامل. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمة تتجاوز الدِّراسات المارونيَّة الصِّرفة، ليصبح مساهمة في تاريخ إنتاج المعرفة الغربيَّة عن الشَّرق المسيحيِّ، وفي دراسة العلاقة بين المعرفة والسُّلطة الدِّينيَّة في العصر الحديث المبكِّر.

ومع ذلك، فإنَّ أهمِّيَّة العمل لا تعود إلى النَّتائج الَّتي يتوصَّل إليها فحسب، بل أيضًا إلى الأسئلة الَّتي يطرحها. فهو يدعو إلى إعادة النَّظر في عدد من المسلَّمات المرتبطة بتاريخ اللّيتورجيا المارونيَّة، ويشجِّع على دراسةٍ أوسع للمخطوطات والنُّصوص الَّتي سبقت الطَّبعة الرُّومانيَّة أو عاصرتها. كما يفتح المجال أمام أبحاث جديدة عن أثر هذه الطَّبعة في تطوُّر الهويَّة اللّيتورجيَّة المارونيَّة في القرون اللَّاحقة، وفي العلاقة بين النَّصِّ المطبوع والممارسة الرَّعويَّة الفعليَّة في البيئات المحليَّة.

إنَّ هذا الكتاب يمثِّل نموذجًا لما يمكن أن يقدِّمه البحث التَّاريخيُّ الرَّصين عندما يتحرَّر من منطق الدِّفاع أو الاتِّهام، ويتَّجه نحو الفهم النَّقديِّ الهادئ. ومن الفصول اللَّافتة في الكتاب الفصل السَّادس، حيث يعرض المؤلِّف نقاشًا غنيًّا بين الخوري شلَّاق والأب لوميلّينو اليسوعيِّ في قراءة تاريخ القدَّاس المارونيِّ ودلالاته الكنسيَّة واللَّاهوتيَّة. ولا يقتصر هذا السِّجال على اختلافٍ في تفسير الوثائق أو الوقائع التَّاريخيَّة، بل يكشف عن تباينٍ أعمق في المقاربات المنهجيَّة، وفي الرُّؤى الإكليزيولوجيَّة الَّتي تحكم قراءة الماضي. فمن جهة، تبرز مقاربة تستند إلى منطق الإصلاح الكاثوليكيِّ ما بعد التريدنتينيّ، حيث تُفهم الشَّركة الكنسيَّة في إطار السَّعي إلى الوحدة العقائديَّة والانتظام اللّيتورجيّ. ومن جهة أخرى، تظهر حساسيَّة أكبر تجاه خصوصيَّة التَّقليد الشَّرقيِّ واستقلاليَّته التَّاريخيَّة واللَّاهوتيَّة. ومن خلال تحليل هذا الحوار، يبيِّن بيار جبُّور أنَّ السُّؤال المطروح لا يتعلَّق بمدى «أرثوذكسيَّة» النُّصوص أو «صحَّة» التَّعديلات الَّتي أُدخلت على القدَّاس فحسب، بل أيضًا بكيفيَّة فهم الكاثوليكيَّة ذاتها: أهي اندماج التَّقاليد المختلفة في نموذج مرجِعيٍّ واحد، أم شركة بين تقاليد متمايزة تحتفظ بخصوصيَّتها اللَّاهوتيَّة واللّيتورجيَّة؟ ومن هنا تتجاوز المناقشة إطار Missale Chaldaicum لتلامس إشكاليَّاتٍ لا تزال حاضرة في الحوار بين الكنائس وفي الدِّراسات المعاصرة عن هويَّة الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة ومكانتها داخل الكنيسة الجامعة.

وإذا كانت جامعة القدِّيس يوسف قد شاركت في نشر هذا الكتاب، فإنَّ ذلك يندرج في تقليدها العريق في خدمة التُّراث المشرقيِّ وتشجيع الدِّراسات النَّقديَّة الرَّصينة بشأن تاريخه الدِّينيّ والثَّقافيّ. أمَّا بالنِّسبة إلى قرَّاء المشرق فإنَّ هذا العمل يذكِّر بأهمِّيَّة الجمع بين الأمانة للتُّراث والجرأة العلميَّة في قراءته، لأنَّ الحقيقة التَّاريخيَّة، مهما كانت معقَّدة، تبقى الطَّريق الأضمن لفهم الماضي وبناء المستقبل.

البروفسور سليم دكَّاش اليسوعيّ: مدير عامّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام ٢٠١٦). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (٢٠١١)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون – السُّوربون ١ (١٩٨٨). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.

essde@hotmail.com

Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

FRANÇOIS BOËDEC
Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance
Première édition, 253 pages, Paris: Loyola Press, 2025.

راهبٌ يسوعيُّ فرنسيّ، فرنسوا بوادك هو الرَّئيس الحاليُّ لجامعة القدِّيس يوسف في بيروت. حاز شهادة الدُّكتوراه بالعلوم السِّياسيَّة في العام ٢٠٠٢، بعد مناقشة أطروحةٍ عن الإشكاليَّات السِّياسيَّة المُرتبطة بالتَّحكُّم بالموارد المائيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط. تولَّى منصب رئيس كلِّيَّات لويولا في باريس (٢٠١٥-٢٠١٧)، ثمَّ عُيِّن رئيسًا إقليميًّا لمُقاطعة أوروبا الغربيَّة النَّاطقة بالفرنسيَّة (٢٠١٧-٢٠٢٣). في العام ٢٠٢٥، الَّذي أعلنه البابا فرنسيس يوبيلًا للرَّجاء، نشر كتابًا بعنوان كأنَّه سبتٌ عظيمٌ طويل. أحاديث حرَّة في الرَّجاء.

في التُّراث المسيحيّ، السَّبت العظيم (أو سبت النُّور) هو الفترة الزَّمنيَّة الفاصلة بين يومَي صلب يسوع وقيامته. وصفها الكاتب بفترة المحنة والرَّجاء في آنٍ، بفترة الانتظار، حيث يعمل اﷲُ بصمتٍ من أجل الانتصار النِّهائيِّ على الموت (ص. ٧١)، وكأنَّ المؤمن يُردِّدُ كلمات صاحب المزمور: «ذابَت نَفْسي شَوقًا إِلى خَلاصِكَ» (مزمور ١١٧، ٨١). تطرَّق العنوانُ الفرعيُّ إلى «أحاديث حُرَّة» حيث يُشارك الكاتبُ شهادَته الخاصَّة المُتجذِّرة في الرُّوحانيَّة الإغناطيَّة، النَّابعة من التَّأمُّل بكلمة اﷲ ومن قراءاته ولقاءاته، والمُستندة إلى اختباراته الحياتيَّة (ص. ١٣).

في القسم الأوَّل من الكتاب، وهو «الاختبار الحميم»، ذكر الكاتبُ الصِّراعات الرُّوحيَّة الَّتي تنتاب المُعمَّد عندما يحتاج إلى التَّمييز بين الأفكار الموحى بها من الرُّوح القدس لاستقبالها، وتلك الواردة من العدوِّ لنبذها (ص. ٢٧)، ويجهد في تنقية قلبه، وغربلة تصوُّراته عن اﷲ، ويتعمَّق في هويَّته المسيحيَّة ليكتشف أنَّه ليس أفضل من الآخرين، بل هو مَن اهتدى إلى «مُبتكر الوجود» الَّذي يمنح الحبَّ والمعنى لحياة الإنسان (ص. ٣٦). كذلك استفاض في الحديث عن أهمِّيَّة الصَّمت للالتقاء الحقيقيِّ بالخالق ولرؤية أمورٍ عميقة لا تتَّضح في صخب الضَّجيج والحركة الدَّائمة (ص. ٥٤)، وللخروج من الدَّوائر الضَّيِّقة الَّتي تُقيِّد الذَّات، وللتَّمسُّك بالرَّجاء.

في القسم الثَّاني، توسَّع بإشكاليَّاتٍ ارتبطت بدور الكنيسة في مُجتمعٍ مفكَّكٍ وفاقدٍ للرَّجاء، حاثًّا على تبصُّر اﷲ الكُليِّ القدرة في الضَّعف (ص. ١٢٤)، وعلى رذل صوت الشَّيطان الَّذي يسعى إلى زرع بذور الإحباط في قلوب البشر، وعلى عدم الاستقرار في الثَّروات المادِّيَّة والثَّقافيَّة والتَّرابطيَّة. دعا المسيحيِّين إلى اكتشاف علامات رجاءٍ، إذ إنَّ المحنة، مهما طالت، ليست مؤشِّر النِّهاية بل الحافز للتَّجدُّد واتِّخاذ القرارات المُلائمة لواقع جديد (ص. ١٣٩-١٥٩). طرح الكاتبُ على رُعاة الكنيسة بعضًا من الخيارات الرُّوحيَّة المُمكنة للشَّهادة للرَّجاء في العالَم الرَّاهن، كالنَّظرة إلى العالم من الأسفل، والإعراض عن مَوقفَيْن مُتطرِّفَين هما الذَّوبان في المجتمع والرَّغبة ببناء كنيسةٍ للأطهار فقط (ص. ١٨٤).

صاغ بوادك الصَّفحات الأخيرة بعد مجيئه إلى لبنان، حيث عُيِّن نائبًا لرئيس جامعة القدِّيس يوسف في بيروت للموارد البشريَّة. كانت فترة الحرب في العام ٢٠٢٤، الَّتي شاهد فيها شقاءَ المواطنين ويأسهم، واستمع إلى الخطابات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة الَّتي استغلَّت اﷲَ والأرضَ والذَّاكرة الجماعيَّة، إلَّا أنَّه وَثِق أيضًا بمسيرة إيمان شعبٍ سينجح في آخر المطاف في العبور من اليأس إلى الرَّجاء ومن الخوف إلى الثِّقة (ص. ٢٤٨).

اتَّسم الكتابُ بالنَّفحة الشِّعريَّة والتَّأمُّليَّة وبالأفكار الجريئة. وقد هدف الكاتبُ، من خلاله، إلى بثِّ الرَّجاء في صميم عالمٍ متعدِّد الصُّعوبات والتَّحدِّيات، مُستشهدًا بمفكِّرين كثيرين، انتمت غالبيَّتهم إلى الرَّهبنة اليسوعيَّة، كالقدِّيس إغناطيوس دي لويولا، وتيار دو شاردان، وهنري دي لوباك، وموريس بيليه، وفرنسوا فاريون، وميشال دو سيرتو، وإتيان غرِيو.

يُجيب الكاتبُ عن إشكاليَّاتٍ طُرحت لا سيَّما في الغرب وفي المجتمع الفرنسيّ، إلَّا أنَّه يُنير أيضًا الواقع الشَّرقيَّ واللُّبنانيَّ في خضمِّ عالمٍ أضحى، في جوانب كثيرة، قرية مُشتركة. هاكم اقتراحات ثلاثة مُفيدة للمسيحيِّين في الشَّرق: أوَّلًا، الانصراف عن اتِّخاذ موقف المُوجِّهين المستنيرين (ص. ١٦٢)؛ ثانيًا، عدم الاحتفال بالطُّقوس اللِّيتورجيَّة الَّتي تجعل اﷲَ بعيدًا عن واقع البشر (ص. ١٦٨)؛ ثالثًا، عدم اختيار التَّقوقع على الذَّات، وأنْ يكونوا أقلِّيَّاتٍ خلَّاقة.

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إلياس عبد المسيح
الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

ط.١، ٦٧٧ صفحة، لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥

يتميَّز الشَّرق الأوسط بأَنَّه مكان ولادة الدِّيانات الثَّلاث الكبرى في العالم: اليهوديَّة والمسيحيّة والإسلام. استتبع ظهور هذه الأديان قيامُ أبحاث عديدة عن ظروف ظهورها ونشأتها وتأثيرها في منطقة الشَّرق الأوسط من النَّواحي التَّاريخيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. حاول المؤلِّف في كتابه الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ معالجة إشكاليَّات تاريخيَّة عديدة منها: لماذا هم منسيُّون؟ ما هي أهمِّيَّتهم في هذه الفترة التَّاريخيَّة الَّتي نُعِتت بالجاهليَّة؟ وما هي قيمة إنتاجهم الفكريّ؟

تؤرِّخ هذه الفترة لظهور المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلاديِّ حتَّى القرن السَّابع الميلاديِّ تاريخ ظهور الدِّين الإسلاميّ، الَّذي عدَّ كلَّ ما سبقه في جزيرة العرب منتميًا إلى الجاهليَّة، وبالتَّالي لا قيمة له. لفت هذا الأمر الأب اليسوعيَّ لويس شيخو فأمضى أربعين سنة يبحث فيها في أهمِّيَّة الوجود المسيحيِّ، وأثره الأدبيِّ والرُّوحيِّ والحضاريِّ في شبه الجزيرة العربيَّة قبل الاسلام. وتجلَّى ذلك بإصداره كتاب: النَّصرانيَّة وأدبها بين عرب الجاهليَّة، مطلع العشرينيَّات ١٩١٩-١٩٢٣. تأتي أهمِّيَّة هذا الكشف بعد اعتماد المستشرقين والجامعات الغربيَّة السَّرديَّةَ الإسلاميَّة عن عصر ما قبل الجاهليَّة كمسلَّمة من دون تثبُّتٍ من دقَّتها، والزَّعم بأنَّ لا شيء صالح قبل الإسلام في تلك الفترة.

تناول المؤلِّف الأب الياس عبد المسيح موضوع الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيِّين بكتاب مفصَّل تضمَّن، إلى جانب أشعارهم، الكثير من المعلومات والسِّير الذَّاتيَّة. وحسنًا فعل حين أطلق على مؤلَّفه عنوان الشُّعراء العرب المنسيُّون بدلًا من «الشُّعراء العرب المسيحيُّون في عصر الجاهليَّة».

يقول الدُّكتور ربيعة أبي فاضل في مقدِّمة الكتاب: «بعد انقضاء أكثر من مئة سنة [على كتاب الأب لويس شيخو] عاد راهب أنطونيٌّ آخر، واجتهد من جديد، ليبرهن أنَّ العرب استضاؤوا بأنوار تعاليم النَّصارى، مستغرِبًا كون المناهج والمصادر والمراجع، تنعت شعراء ما قبل الإسلام بأنَّهم جاهليُّون، وهم مضرب مثل في الوفاء والكرم والفروسيَّة واحترام الذَّات والآخر والإبداع بالكلمة…» (١).

أثبت المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين، كشعراء قبائل تغلب وأياد وبكر وسكَّان نجران والحيرة، قد أسهموا إسهامًا بالغ الأهمِّيَّة في تطوُّر اللُّغة العربيَّة، وتثبيت قواعدها قبل الإسلام، حيث عُرفوا بجزالة ألفاظهم وفصاحتهم. قدَّم هؤلاء الشُّعراء إسهامات كبيرة أثرَت المعجم العربيَّ بمفردات روحانيَّة وفلسفيَّة تعكس البيئة الَّتي عاشوا فيها، ما أضاف أبعادًا تعبيريَّة، وعمقًا فكريًّا لم يكن موجودًا في الشِّعر القبليِّ التَّقليديّ.

ويظهر من خلال الأشعار الَّتي أوردها المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين قبل الإسلام أحدثوا نقلة نوعيَّة في الأغراض الشِّعريَّة، وفتحوا بابًا جديدًا للأدب الرُّوحيِّ والفلسفيِّ حيث قدَّموا لغة شعريَّة تركِّز على البحث عن معنى الوجود الحقيقيِّ فأضافوا أبعادًا جديدة إلى الأدب العربيّ.

لم يكن الكتَّاب والشُّعراء المسيحيُّون شعراء بدوًا ينتقلون في الأسواق، بل كانوا أدباء يكتبون بوعي وثقافة ما رفع مستوى الصِّياغة والبلاغة. لقد أسَّسوا لتقاليد أدبيَّة مكتوبة ومنظَّمة ودمجوا بين الثَّقافة السُّريانيَّة والعربيَّة وقدَّموا نماذج أدبيَّة متقدِّمة في بناء الأسلوب والجملة. فضلًا عن ذلك ابتكر هؤلاء الشُّعراء أغراضًا شعريَّة لم تكن معهودة في الشِّعر الجاهليِّ التَّقليديِّ كشعر الزُّهد والعتاب الإلهيّ، ما وسَّع دائرة التَّصوير اللُّغويّ وجعلها ركيزة أساسيَّة في رفع سويَّة اللُّغة العربيَّة. وبالرُّغم من غزارة عدد الشُّعراء المسيحيِّين الَّذين ذكرهم المؤلِّف فإنَّه يضيف أنَّ الكثير من هذا التُّراث قد ضاع حيث لا نملك اليوم إلَّا ما حفظته لنا كتب الأدب المتفرِّقة وما جمعه المستشرقون من إشارات دقيقة في مؤلَّفاتهم (٢).

يطرح الكاتب إشكاليَّات عديدة، يتداخل فيها التَّاريخ واﻷيديولوجيا والأسطورة، وهي تتطلَّب اعتماد منهجيَّة صارمة لإثبات سرديَّة المؤلِّف الَّتي تجابه موروثا عمره أجيال عديدة بخاصَّة من النَّاحية التَّاريخيَّة. إنَّها رحلة محفوفة بالمخاطر حيث تتلطَّى الإيديولوجيَّات والدِّين والأساطير خلف ستائر الزَّمن وتبدُّل بالفرضيَّات غير الموثوقة. لم يُسلِّم الكاتب عرضًا بأيِّ رواية أو قصَّة من دون أن يُخضعها لعمليَّة تشريح دقيقة تشمل نقد السَّند ونقد المتن؛ أمَّا في نقد السَّند فقد تحرَّى الكاتب عن هويَّة الرَّاوي ومدى معاصرته الأحداث وفي مصادر معلوماته. وكذلك في شأن المتن فقد فحَص مدى منطقيَّة الرِّواية وتوافقها مع الحقائق العلميَّة والتَّاريخيَّة بموضوعيَّة وتجرُّد، وليس بمقياس العصر الحاليّ. التزم الكاتب بهذه المنهجيَّة وإن مع بعض الخروقات الَّتي لا تتناسب مع دقَّة البحث العلميّ، ومثالًا على ذلك الرِّسالة المنسوبة إلى الرَّسول محمَّد والموجَّهة إلى أسقف نجران، والَّتي يزعم أنَّها محفوظة لدى مشايخ صلح آل العنداري في شمال لبنان، والَّتي هي بحاجة إلى تدقيق أوسع سندًا إلى علم المخطوطات والأحرف والحركات الواردة في النَّص، للتَّأكُّد من صحَّة الوثيقة والنَّصِّ وتاريخ ومكان كتابته (٣). مع العلم أنَّ اللُّجوء إلى الذَّكاء الاصطناعيِّ كإطار مرجعيٍّ أو لاستنباط صور افتراضيَّة للشُّعراء لا يُغني البحث بل يمكن أن يؤخذ عليه.

لقد أشار المؤلِّف إلى أنَّ غياب الشُّعراء المسيحيِّين من المراجع والمشهديَّة الأدبيَّة العربيَّة لم يكن نتيجة ضعف في الموهبة، بل كان غيابًا مصنوعًا وإقصاء مدروسًا. فهؤلاء الشُّعراء لم يكونوا هامشيِّين في حياتهم، بل هُمِّشوا بعد رحيلهم. وعندما تشكَّلت الذَّاكرة الأدبيَّة تحت وطأة الدِّين والسِّياسة تمَّ اختيار الأصوات الَّتي تخدم السَّرديَّات الكبرى واستُبعدت تلك الَّتي لا تتقاطع معها (٤).

بالمقابل قدَّم المؤلِّف الدَّليل على أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين العرب تمكَّنوا من اللُّغة العربيَّة، لغتهم الأمّ، وعبَّروا في شعرهم عمَّا يدور في نفسهم، وعن مفاهيم الشَّرف والعدالة والحكمة الَّتي كانت سائدة بين القبائل العربيَّة في ذلك الزَّمن. وقد أعطَوا هذا المجتمعَ أعظم إنجازاته وهي اللُّغة العربيَّة، الَّتي أُنزل بها الوحي، وكذلك قواعد النَّحو الَّتي سمحت بتفسير النَّصِّ الدِّينيّ.

يندرج هذا الكتاب في إطار حركة فكريَّة وعلميَّة ناشطة تعمل على إعادة قراءة هذه المرحلة التَّاريخيَّة الممتدَّة من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع للميلاد. إنَّ دراسة حقبةٍ كانت تلقَّب بـ «الجاهليَّة» قد تطوَّرت، ولم تعد تقتصر على تبنِّي السَّرديَّة التَّقليديَّة كما هي من دون تمحيص، بل انتقلت إلى مرحلة الدِّراسة الاستشراقيَّة النَّقديَّة الَّتي تدرس النُّصوص بلغتها الأصليَّة، وتطبِّق المنهجيَّة النَّقديَّة الصَّارمة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إضفاء كلمة جَهل على حقبة تاريخيَّة كاملة أمر مبالغ فيه، صُمِّم كأداة بلاغيَّة وسياسيَّة بانتقائيَّة شديدة وبمنظار عقائديٍّ ضيِّق خارج السِّياق الدِّينيِّ والحضاريِّ والاجتماعيّ. وفي الواقع تعترض هذا المسار العقلانيَّ غاباتٌ كثيفة من الأساطير الضَّبابيَّة السَّاحرة الَّتي تتلبَّس الحقائق، وتشكِّل تهديدًا حقيقيًّا لكتابة تاريخ الأدب، فغالبًا ما تلجأ الحضارات أو بعض الدِّيانات النَّاشئة إلى تأليف أساطير تأسيسيَّة تساعد على انتشارها. وهنا، يتوجَّب على الكاتب أن يتعامل مع هذا الغزو الأسطوريِّ للذَّاكرة الجماعيَّة بمقاربة نقديَّة صارمة لتفكيك رموزها، ليستخرج منها حقائق المجتمع النَّفسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي أنتجها صونًا للحقيقة.

في الخلاصة تتكشَّف الصُّورة الحقيقيَّة لهذه الحقبة التَّاريخيَّة، المسمَّاة جاهليَّة، يومًا بعد يوم بسبب انتشار الدِّراسات النَّقدية العلميَّة، وظهور الإنترنت ما يسمح بانتقال المعلومات وتداولها بسرعة وغزارة وحرِّيَّة، إضافةً إلى الاكتشافات الأثريَّة في شبه الجزيرة العربيَّة والَّتي تسلِّط الضَّوء على تاريخ أدبيٍّ منسيّ.


(١) الأب إلياس عبد المسيح، الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ (لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥)، ٥٠.
(٢) عبد المسيح، الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ، ٥٣٦.
(٣) عبد المسيح، المرجع نفسه، ١٩١-١٩٢.
(٤) عبد المسيح، المرجع نفسه، ٥٣٣.

الدُّكتور جورج لبكي: رئيس مجلس إدارة ومدير المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز شهادة دكتوراه في القانون من السُّوربون، وأخرى في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس XII. من مؤلَّفاته باللُّغة الفرنسيَّة: أنثولوجيا، والأدب اللُّبنانيّ باللُّغة الفرنسيَّة، ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

georgelabaki@gmail.com

Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo

اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Sobhi Habchi
Gibran Khalil Gibran Poète, peintre, prophète Poétique et esthétique comparées Blake, Nietzsche, Rodin, Carrière, Hugo

Librairie d’Amérique et d’Orient, Claire MAISONNEUVE, 2020, 324 pages
ISBN: 978-2720-012075

ها هو صبحي حبشي يطلُّ علينا مجدَّدًا بكتابٍ قيِّم، بعد أن حفلت مجلَّةُ المشرق لسنوات بمراجعاتٍ قيِّمة عن أعماله، تُظهرُ عمق فكره من جهة، ورقَّةَ إحساس الشَّاعر اللُّبنانيِّ العاشق للُّغتَين العربيَّة والفرنسيَّة، من جهة أخرى؛ بخاصَّةٍ وأنَّه كان باحثًا في المركز الوطنيِّ للبحث العلميّ، ومحاضرًا مرموقًا في جامعة السُّوربون، وعضوًا في الجمعيَّتَين: الفرنسيَّة للأدب المقارن، والآسيويَّة بباريس. وله دراسات عديدة ومقالات نقديَّة.

يمثِّل كتابُه هذا، الصَّادر باللُّغة الفرنسيَّة، نهجًا جديدًا في دراسات جبران. فقد سعى صبحي حبشي، بصفته منفتحًا على قضايا الجماليَّات وإشكاليَّات الإبداع الموضوعيّ، إلى استعراض الدِّراسات الَّتي تناولت مؤلِّف كتاب النَّبيّ من العام ١٩٣١ إلى العام ٢٠٢٠، مسلِّطًا ضوءًا جديدًا على جبران الشَّاعر والرَّسَّام، بل والنَّبيِّ أيضًا، بالمعنى الشِّعريّ. ويتناول الكتاب شموليَّة إنتاج جبران الَّذي لم يلتزم بلونٍ أدبيٍّ واحد، بل كتب في جميعها، حيث نظَمَ الشِّعرَ وألَّفَ الرِّوايةَ والقصَّةَ القصيرة، وكتَبَ المقالةَ الَّتي تميَّزت بتنوُّع موضوعاتها ما بينَ الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ والفكريِّ والفلسفيّ. وقد كان من الَّذين أبدعوا في فنِّ الرسالة، فترك مجموعة من الرِّسالات الَّتي تعجُّ بالأساليب الأدبيَّة والمواضيع المتنوِّعة. أمَّا بشأن الموضوعات والأهداف الَّتي كان يدور عليها أدب جبران فهي متنوِّعة، جزءٌ منها يدعو إلى القوَّة والتَّأثير في الدِّين والعقيدة والعادات، أمَّا الجزء الآخر فكان يتَّبع الأهواء والميول وحبَّ الحياة.

في الفصول السِّتَّة، كما في المقدِّمة والخاتمة، يُظهر صبحي حبشي كيف أنَّ الفعل الشِّعريَّ عند جبران لا ينفصل عن الفعل الفنِّيّ، وكيف يجعل الانخراط الحرَّ من هذا المجموع الشِّعريِّ والتَّصويريِّ عملًا مؤسِّسًا في اللُّغتَين العربيَّة والإنجليزيَّة. يُركِّز عمل حبشي على مصادر إلهام جبران في كلٍّ من الشِّعر والرَّسم. ومن هنا تأتي المقارنات والتَّوازيات بين جبران وبليك، وبين جبران وأوجين كاريير، وبين جبران ورودان، وكذلك بين جبران وشخصيَّة المسيح النَّبويَّة وصوت نيتشه المتمرِّد، وطبعًا، فيكتور هوغو. كلُّ هذا بأسلوبٍ لافت، يجعلُ القارئ يتشوَّقُ لمطالعة المزيد، فيتمسَّك بكلِّ صفحة تقدِّمُ جديدًا، وصولًا إلى فصلٍ آخر يبدأ في الغالب بحُسن تخلُّصٍ يذكِّر بما سبق، ويُبقي انتباهَ القارئ وتركيزه متيقِّظَين. أمَّا مُستَهَلُّ كلِّ فصلٍ فقولٌ شهير إمَّا لجبران نفسِه، وإمَّا لأحد أعلام الأدب كمارون عبُّود مثلًا، يُحيلُ إلى مضمون الفصل وغايته.

والكتاب غنيٌّ بالوثائق والرُّسوم التَّوضيحيَّة؛ فهو يدعو القارئ من الشَّرق والغرب إلى اكتشافٍ جديد لجبران، الرُّوح اللُّبنانيَّة الأميركيَّة الرُّؤيويَّة الَّتي، من خلال أعمالها المتعدِّدة، أغنت، باسم الكرامة الإنسانيَّة، الحضارةَ الشِّعريَّة والفنِّيَّة لثقافتنا العالميَّة.

آن ماري شكّور فهمي : مدقّقة لغويّة ومنسّقة الإنتاج في دار المشرق – بيروت. حائزة إجازة تعليميّة وماجستير في اللّغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشّرقيّة بجامعة القدّيس يوسف – بيروت. لها ترجمات إلى العربيّة في دار المشرق، وقراءات نقديّة في مجلّة المشرق المحكّمة.

annemarie.chaccour@darelmachreq.com

i

مقالات العدد السابق

أمُّ الشَّعب المؤمن وثيقة فاتيكانيَّة جريئة

أمُّ الشَّعب المؤمن وثيقة فاتيكانيَّة جريئة

التَّقوى المريميَّة صفة شائعة في الكنائس الرَّسوليَّة شرقًا وغربًا، وحجر عثرة أمام الكنائس البروتستانتيَّة الإصلاحيَّة. تطرح هذه التَّقوى تساؤلات عدَّة في سلامة العقيدة خصوصًا في ما يتعلَّق بالألقاب الَّتي تُنادي بها مريم العذراء. وقد كُتِبَت في هذا الموضوع آلاف...

قراءة المزيد
قراءة في وثيقة «القديمة والجديدة» بين الذَّكاء الاصطناعيِّ والذَّكاء البشريّ

قراءة في وثيقة «القديمة والجديدة» بين الذَّكاء الاصطناعيِّ والذَّكاء البشريّ

تقدِّم المقالة قراءة نقديَّة للوثيقة «Antiqua et Nova» أو بالعربيَّة «القديمة والجديدة» الصَّادرة عن دائرتَي العقيدة والإيمان، والتَّعليم والثَّقافة، الَّتي تتناول العلاقة بين الذَّكاء الاصطناعيّ، والذَّكاء البشريِّ من منظور لاهوتيٍّ وأخلاقيّ. تؤكِّد الوثيقة أنَّ...

قراءة المزيد
عودة الدِّين في الزَّمن العلمانيّ

عودة الدِّين في الزَّمن العلمانيّ

تعالج هذه المقالة إشكاليَّة عودة الدِّين في زمنٍ يُوصَف بأنَّه «علمانيّ»، حيث وقع «نزعُ السِّحر عن العالم»، ولا مكان فيه للميثولوجيا والخرافات والماورائيَّات «المُفارِقة» أو المتعالية»، وغيرها من الظَّواهر والمظاهر الَّتي عادةً ما تُضاف إلى الدِّين. والواقع أنَّ هذه...

قراءة المزيد
جودة التَّعليم- التَّربية والاقتصاد وحال العالم

جودة التَّعليم- التَّربية والاقتصاد وحال العالم

تفرض التَّربية نفسها أساسًا مهمًّا من أسس التَّقدُّم الحضاريِّ البشريِّ باعتبارها جزءًا رئيسًا من عمليَّة دمج الكائن البشريِّ الجديد، أي الطِّفل، في الجماعة الإنسانيَّة انطلاقًا من العائلة، والمحيط العائليِّ الأوسع، ومجتمع الرَّوضة، فالمدرسة، وتدرُّجًا نحو المجتمع...

قراءة المزيد
الفعل الفنِّيّ: «الَّذي لا يُدرَك كُنهه في انسجامات المخيِّلة»

الفعل الفنِّيّ: «الَّذي لا يُدرَك كُنهه في انسجامات المخيِّلة»

يتناول هذا المقال مسار تصوُّر «الَّذي لا يُدرَك كُنهه» (je ne sais quoi) كما ظهر عند ليبنتز (Leibniz) وتطوَّر مع وولف (Wolff) وبومغارتن (Baumgarten) وغوتشد (Gottsched) وبريتنغر (Breitinger)، وصولًا إلى أرسطو بوصفه المرجِع الأصيل لتصوُّر πάθος (الانفعال). يبيِّن البحث...

قراءة المزيد
تمثُّلات الجسد البصريَّة واللُّغويَّة في كتاب “النَّبيّ” لجبران خليل جبران

تمثُّلات الجسد البصريَّة واللُّغويَّة في كتاب “النَّبيّ” لجبران خليل جبران

تستكشف هذه الدِّراسة تمثُّلات الجسد في النَّبيّ لجبران خليل جبران، مُظهِرةً دوره كوسيط للمعنى والرُّوحانيَّة. يتَّضح من خلال النُّصوص والرُّسوم التَّرابط العميق بين الجسد والرُّوح، مع معالجة مواضيع الحبِّ والزَّواج والأولاد والألم والموت، حيث يتمُّ دمج الرُّؤى...

قراءة المزيد
صورة الحرب اللُّبنانيَّة في الأدب الرِّوائيّ – بانوراما في ستِّ روايات

صورة الحرب اللُّبنانيَّة في الأدب الرِّوائيّ – بانوراما في ستِّ روايات

تقدِّم هذه المقالة بانوراما تحليليَّة لستِّ روايات لبنانيَّة كُتبت عن الحرب اللُّبنانيَّة (1975-1990)، لمناسبة مرور خمسين عامًا على تاريخ اندلاع الحرب. وتهدف هذه المقالة من خلال الرِّوايات المختارة إلى فهم كيفيَّة تقديم الرِّوائيِّين اللُّبنانيِّين للحرب، كلٍّ من...

قراءة المزيد
ألفاظ وأساليب خطَّأها المصحِّحون وهي عند الكوفيِّين صواب

ألفاظ وأساليب خطَّأها المصحِّحون وهي عند الكوفيِّين صواب

تعالج هذه الدِّراسة عددًا من الألفاظ والأساليب الَّتي وردت في مصنَّفات التَّصحيح اللُّغويِّ قديمًا وحديثًا، والَّتي عدَّها المصحِّحون فيها خطأً لغويًّا بالاستناد إلى آراء نحويَّة ولغويَّة معيَّنة، ولا سيَّما البصريَّة منها، ورفضوا استعمالها. تسعى هذه الدِّراسة من خلال...

قراءة المزيد
العوامل المؤثِّرة في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ

العوامل المؤثِّرة في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ

يهدف هذا البحث إلى دراسة العوامل اللُّغويَّة وغير اللُّغويَّة الَّتي أثَّرت في الرَّسم الإملائيِّ العربيّ، من خلال تحليل تطوُّر الكتابة العربيَّة بين الطَّابعَين الفونوتيكيِّ، والتَّاريخيّ. وتُبيِّن الباحثة أنَّ اللُّغة العربيَّة وعلى الرُّغم من انتظامها وقربها من...

قراءة المزيد
انتصارٌ للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ -تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديقِ لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.)

انتصارٌ للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ -تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديقِ لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.)

تقدِّم هذه المقالة تحقيقًا لرسالة الانتصار للشَّيخ محيي الدِّين ابن العربيّ تنزيهُ الصِّدِّيق عن وصفِ الزِّنديق لعليّ بن ميمون الغماريّ (ت.917هـ./1511م.). وتأتي أهمِّيَّة هذه الرِّسالة في كونها دليلًا وشاهدًا على كون شخصيَّة عليّ بن ميمون شخصيَّة تواصليَّة جامعة، جمع...

قراءة المزيد
أهل الكهف في نظر مؤرِّخين سريان وعرب – قصَّة التقاء بين المسيحيَّة والإسلام

أهل الكهف في نظر مؤرِّخين سريان وعرب – قصَّة التقاء بين المسيحيَّة والإسلام

ترتبط قصَّة الفِتيَة السَّبعة النَّائمين في أفسس، أو أهل الكهف، بالتُّراث السُّريانيّ القديم. تعود أولى النُّصوص المُدوَّنة إلى القرن السَّادس الميلاديّ. أشارت إليها مصادر متنوِّعة، ودُوِّنت في أكثر من مئتَي مخطوط، يعود تاريخها إلى الحقبة الممتدَّة بين القرنَين...

قراءة المزيد
سنيوريَّة أورتوسيا الفرنجيَّة  (1109-1289)

سنيوريَّة أورتوسيا الفرنجيَّة (1109-1289)

أنشأ الفرنج ضمن كونتيَّة طرابلس سنيوريَّة أورتوسيا Orthosias ، مركزها مدينة أورتوسيا الواقعة عند مصبِّ نهر البارد. كانت لسنيوريَّة أورتوسيا في الحقبة الفرنجيَّة مكانة مهمَّة على الصَّعيد الإداريّ، والعسكريّ، والاقتصاديّ، وارتبطت بمدينة طرابلس سياسيًّا واقتصاديًّا....

قراءة المزيد
مصادر المياه في حلب: مشروع قناة نهر السَّاجور – قويق في العصر المملوكيّ

مصادر المياه في حلب: مشروع قناة نهر السَّاجور – قويق في العصر المملوكيّ

مع تزايد في عدد السُّكَّان والمنشآت العمرانيَّة، وتطوُّر الصِّناعة في مدينة حلب، ازداد الطَّلب على المياه لتلبية حاجات هذه الزِّيادة، ما استدعى التَّفكير في مشاريع جديدة تؤمِّن المياه لمختلف أرجاء المدينة، فكان من بينها مشروع قناة السَّاجور - قويق الَّذي انتهى في...

قراءة المزيد
جذور الإيكولوجيَّة الشَّاملة في فكر الباباوات – من البابا بولس السَّادس حتَّى البابا لاون الرَّابع عشر

جذور الإيكولوجيَّة الشَّاملة في فكر الباباوات – من البابا بولس السَّادس حتَّى البابا لاون الرَّابع عشر

يتناول هذا المقال ظهور «الإيكولوجيَّة الشَّاملة» وترسيخ مفهومها في التَّعليم البابويِّ المعاصر. من خلال قراءة تاريخيَّة يوضِّح المقال كيف تطوَّر التَّفكير البيئيُّ من اهتمام رعويٍّ إلى رؤية لاهوتيَّة وأخلاقيَّة متماسكة. ويوضِّح المقال أنَّ هذه المساهمات المتتالية...

قراءة المزيد
القيادة كإطار لعَيش القداسة

القيادة كإطار لعَيش القداسة

إلى أيِّ مدًى يمكن مبادئ القداسة في الحياة المسيحيَّة أن تُغني فهمنا وممارستنا للقيادة في العالم المعاصر؟ من خلال استكشاف التَّقاطع بين القداسة والقيادة، يمكننا تقييم كيفيَّة دمج القيم المسيحيَّة في مقاربتنا للقيادة الحديثة، والمساهمة في إحداث تغيير إيجابيٍّ في...

قراءة المزيد
في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر- الانسجامات الأساسيَّة

في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر- الانسجامات الأساسيَّة

فرانك درويش في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر -الانسجامات الأساسيَّة ط.1، 176 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025.ISBN: 978-2-7214-8196-2 صدر عن دار المشرق في العام 2025 كتابٌ للدُّكتور فرانك درويش بعنوان في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر - الانسجامات الأساسيَّة[1]، يعرض فيه...

قراءة المزيد
في قلب الرُّوحانيَّة ما السَّبيل إلى لقاءِ المسيحيِّين والمسلمين؟

في قلب الرُّوحانيَّة ما السَّبيل إلى لقاءِ المسيحيِّين والمسلمين؟

أنسلم غرون، أحمد ميلاد كريمي في قلب الرُّوحانيَّةما السَّبيل إلى لقاء المسيحيِّين والمسلمين؟ ط.1، 250 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025 ISBN: 978-2-7214-5688-5 لهذا الكتاب مؤلِّفان متوازيان، واحد مسيحيٌّ والثَّاني مسلم. وحين أقول إنَّهما متوازيان أقصد أنَّ أحدهما لا يكمل...

قراءة المزيد
حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى (تبيكون إفرجتينوس)

حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى (تبيكون إفرجتينوس)

كير جوزيف جبارة حياة الرُّهبان الشَّرقيِّين في العصور الوسطى(تبيكون إفرجتينوس) ط.1، 140 ص. بيروت: دار المشرق. 2025ISBN: 978-2-7214-5690-8 «ما إن نقرأ عنوان الكتاب الفرعيَّ حتَّى يتبادر إلى أذهاننا السُّؤال الآتي: ما هو «التبيكون»؟ التبيكون كلمة يونانيَّة Typicon...

قراءة المزيد
المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)

المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)

جانيت جرجس رزق المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)ط.1، 468 ص.، بيروت: دار المشرق،2025 ISBN: 978-2-7214-8197-9   يوضح الأب سليم دكَّاش اليسوعيُّ، في تقديمه كتاب المسيحيُّون ومطابعهم في بيروت (1850-1920)، هويَّة هذا الحراك النَّهضويِّ بقوله: «فالمطابع لم تكن...

قراءة المزيد
مقالةٌ في البتوليَّة

مقالةٌ في البتوليَّة

غريغوريوس النَّيصيّ مقالةٌ في البتوليَّة تعريب المطران كيرلُّس سليم بسترس 145 ص.، جونيه: منشورات المكتبة البولسيَّة، سلسلة النُّصوص النُّسكيَّة 4. يتألَّف الكتاب من مقدِّمة وثلاثةٍ وعشرين فصلًا. الفصول قصيرة جدًّا، لا يتخطَّى أطولها الأربع صفحات. يبدأ الكتاب بنبذة عن...

قراءة المزيد
Share This