اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

أنسلم غرون، أحمد ميلاد كريمي

في قلب الرُّوحانيَّة
ما السَّبيل إلى لقاء المسيحيِّين والمسلمين؟

ط.1، 250 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025

ISBN: 978-2-7214-5688-5

لهذا الكتاب مؤلِّفان متوازيان، واحد مسيحيٌّ والثَّاني مسلم. وحين أقول إنَّهما متوازيان أقصد أنَّ أحدهما لا يكمل الآخر، ولا يحيط حتَّى بجانبٍ من الموضوع لم يطرقه الآخر، بل كلُّ واحدٍ منهما طرق الموضوع نفسه انطلاقًا من ديانته. وبالتَّالي، إذا جمعنا ما كتبه أحدهما يكون لدينا كتابٌ متكاملٌ عن ديانة الكاتب.

هناك بعض نقاط التَّلاقي بين الكاتبَين: كلُّ واحد منهما يعيش إيمانه بطريقة ميَّالة إلى التَّصوُّف، وأيضًا أنَّ الاثنين يعيشان في ألمانيا (أنسلم غرون ألمانيُّ المولد، وأحمد كريمي أفغانيٌّ يعيش في ألمانيا منذ زمن طويل)، وبالتَّالي، يستطيعان أن ينطلقا من قاعدةٍ ثقافيَّة مشتركة نحو حوار يقوم على عرض ما يُعاش أكثر من قيامه على الجدال. أمَّا بشأن الإيمان بالحوار فيظهر في النَّصِّ تفاوت على مستوى جذور الفكرة بين المسيحيَّة والإسلام.

يتناول الكتاب حوالى خمسةٍ وعشرين موضوعًا تبدأ بالخلق وتنتهي بالحياة بعد الموت، مع مقدِّمة توضيحيَّة تفسِّر ما يعنيه الحوار بين الدِّيانتَين. يتناول كلُّ كاتبٍ الموضوع من وجهة نظر إيمانه. أمَّا الموضوعات فهي مجموعات موزَّعة على الفئات الآتية:

الفئة الأولى تضع حجر أساس الحوار، فيقدِّم كلُّ طرفٍ موقفه (أو موقف دينه) من موضوعاتٍ تثير تساؤلات لدى الطَّرف الآخر.

تساؤلات المسيحيِّين عن الإسلام الَّتي يوضِّحها أحمد كريمي هي: مَن يمثِّل الإسلام الحقيقيّ؟ ما هي صورة ﷲ عند الإسلام؟ كيف يفهم الإسلام الوحي؟ وعلاقة الدِّين والدَّولة في الإسلام.

أمَّا تساؤلات المسلمين عن المسيحيِّين الَّتي يوضِّحها أنسلم غرون فهي: جدليَّة العلاقة بين الحقيقة المسيحيَّة والمسيحيَّة الحقَّة، مسألة الثَّالوث، مسألة التَّجسُّد، مسألة الصَّلب لأجل الخلاص، علاقة المسيحيَّة بالمجتمع، وتاريخ المسيحيَّة الدَّمويّ.

في الفئة الثَّانية، يعود الكاتبان لتناول الموضوعات السَّابقة بتفاصيل أكثر، ويضيفون إليها موضوعات أخرى. وهنا يتكلَّم الاثنان على مفهوم ديانة كلٍّ منهما للخلق، ﷲ، والعلاقة بالنُّصوص المقدَّسة، ومكانة يسوع عند الإسلام وموقف المسيحيَّة من محمَّد، لينهيا المجموعة بالكلام على موقف المسيحيَّة أو الإسلام من المرأة.

الفئة الثَّالثة تتناول الممارسات الدِّينيَّة: الجهاد الرُّوحيّ، الصَّلاة، بيوت العبادة، الحجّ، الصَّوم، أفعال الرَّحمة، المحبَّة، التَّسامح، ثمَّ الموضوع الحرج: التَّبشير والهداية.

الفئة الرَّابعة قصيرة، وهي مجتمعيَّة: علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الرَّجل بالمرأة.

في النِّهاية، وبعد المرور ببعض الموضوعات الرُّوحيَّة كالحياة الرُّوحيَّة والزُّهد، تأتي المسائل المصيريَّة: الألم، والموت، والمصير بعد الموت.

الطَّرائق الَّتي يعالِج بها الكاتبان الموضوعات شديدة الاختلاف. فعلى مستوى الشَّرعيَّة، يستند أنسلم غرون إلى أسس عقائديَّة حدَّدتها الكنيسة، في حين يبقى أحمد كريمي على مستوى المفهوم النَّظريِّ والرُّؤية الصُّوفيَّة غير المؤسَّساتيَّة. على مستوى المعالجة، يبدو كلام أحمد كريمي أكثر واقعيَّةً من كلام أنسلم غرون.

هذا يعني أنَّ الكتاب يعكس واقعًا ملموسًا يُبرز التَّفاوت على مستوى الحوار المسيحيِّ الإسلاميّ. فهناك طرف يريد الحوار ويرغبه ويدعو إليه، وهو الطَّرف المسيحيُّ الكاثوليكيّ، وطرف آخر لا يمانع ويلبِّي الدَّعوة، وهو الطَّرف الإسلاميّ. طرف يمثِّل جماعة، وطرف يمثِّل نفسه ويدعو جماعته لتبنِّي ما يمثِّله. الطَّرف الأوَّل مدعوم من مواقف مؤسَّسته الدِّينيَّة في حين أنَّ الطَّرف الآخر يسعى كي تتَّخذ مؤسَّسته الدِّينيَّة هذا الموقف وتدعمه.

برأيي، هذا الفارق في موقع كلٍّ من المتكلِّمَين، والأسس الَّتي يقف عليها كلٌّ منهما، هو ما يعطي الكتاب فرادته. توازٍ صرف يمكننا أن نستشفَّ منه تقاطعاتٍ واعدة، لا مجاملة فيه ولا محاباة ولا هجوم. كتاب يسلِّط الضَّوء على ما نرجو ذاتَ يوم أن يكون أساس نقاط تفاهمٍ واتِّفاق.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

shallak@jespro.org

Share This