السنة ٨٨
الجزء الأوّل
السنة الثامن والثمانون | الجزء الأوّل | كانون الثاني – حزيران ٢٠١٤

أطلب نسختك الورقيّة

إشترِ نسختك الرقميّة

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

عفوكَ، وديع الصافي!

وهل لمجلّة مثل المشرق أن تهتمّ بالطرب والمطربين من أمثال وديع الصافي؟ لقد رحل في العاشر من شهر تشرين الأوّل، إلاّ أنّه صار إرثًا لا يُمحى من ذاكرة لبنان الثقافيّة. إنّه يختصر تاريخًا وجبلاً ووديانًا، وهو قيمة مُضافة أنعمَ الله بها على بلادنا، فلنحافظ عليها. لن أكتب فقط هنا عن وديع الصافي الذي تحوّل بفعل الأحداث الأليمة في لبنان وبفعل حروبه المجنونة، إلى مرتّل كثيرٍ من التراتيل والأدعية بصوته الشجيّ، ومنها ترتيلة «الأبانا» الشهيرة التي تدمع العين عند سماعها. الواقع أنّ وديع الصافي كان مرتّلاً من الطراز الأوّل، ومنذ شبابه عندما كان يخدم القداديس؛ ولقد اشتهر بقدّاسَيْن مسجّلَيْن: الأوّل مع الأب مارون مراد الأنطونيّ، والثاني مع الأب إلياس سعاده، وهما قمّة في الأداء الشعوريّ الدينيّ العميق، حاملاً شوق البشريّة وتوقها إلى الماورائيّة. عرفتُه في باريس بداية الثمانينيّات من القرن الماضي مُنشدًا ومُرتّلاً في كنيسة سيّدة لبنان. ربّما لم يكن قريبًا من خصائص الليتُرجيا السريانيّة وموسيقاها، إلاّ أنّه لم يكن خجولاً في المشاركة بصوتٍ يمجّد ويسبِّح، بما يكتنز من طاقاتٍ تتمازج بها الميجانا والعتابا وألوان الفولكلور اللبنانيّ. وفي أحد الآحاد، وكان وديع الصافي ينشد في الكنيسة، اقترب منه مدير الجوقة وصحّح له جملةً لم يحافظ فيها على قواعد اللغة العربيّة، فتكدّرَ وديع ولم يأت في الأحد اللاحق، إلاّ أنَّ قلبه كان قلب طفل، إذ شارك في القدّاس والتراتيل بعد أسبوعَيْن وصحّح ما يجب تصحيحه، ودعا الجميع إلى تناول الغداء إلى مائدته!
إنّه وديع الصافي وكفى! مئات ومئات من الأغاني والأناشيد كان حظّها أنّها انطلقت من تلك الحنجرة التي شبّهها بعضُهم بأنّها شُقَّت من صخور لبنان وارتوت من مياه جبله، فأصبحت الحنجرة الصافية التي غنّت للبنان ومن لبنان، على مدى ستّين عامًا على الأقلّ، منذ الخمسينيّات من القرن الماضي حتّى نهاية العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين. شاخ وديع الصافي جسديًّا، إلاّ أنّه مع مرور الزمن أصبح مثل البرج الصامد في وجه العاتيات، وباتت المئات من أغانيه قويّة شابّة بعودٍ أخضر قُدّ من شجرات الجبل، من شجرات السنديان العتيق والأرزات الخالدات. يكفي أن نتذكّر بعض العناوين حتّى نتحقّق من أنّ وديع الصافي مرادفٌ للفنّ اللبنانيّ الأصيل، شأنه في ذلك شأن فيروز في أغانيها والأناشيد. مَنْ منّا لا يتذكّر الألحان الرحبانيّة يغنّيها الصافي في عناوين مثل: … «لا إنتْ راضي…» و«دقّ باب البيت عالسكّيت» و«مرسال الهوى» و«سهرة الحبّ» الخالدة و«رح حلّفك بالغصن يا عصفور»… وإن عدنا إلى زمن أبعد من العقدَيْن الأخيرَيْن، رأينا أنَّ وديع شارك في الأفلام مغنّيًا فرحًا، وصدح صوته بتلك الأغاني الشهيرة التي ما زال صداها يتردّد حتّى اليوم مثل: «عالبال يا عصفورة النهرَيْن» للرحابنة و«لوَيْن يا مروان» و«لبنان يا قطعة سما» و«ليلتنا من ليالي العمر»، ومجمل هذه الأغاني من ألحان زكي ناصيف.
وديع الصافي لم يكن وقفًا على طائفةٍ أو جماعة معيّنة. بصوته الصدّاح اخترق الحدود المصنوعة من الإنسان أو من الطبيعة ليجمع الناس حول الجمال والخير. قيل إنّه يختصر حقبةً تاريخيّة، وذلك صحيح، إلاّ أنّه لم يغنِّ شعرًا وأبياتًا وحسب، بل جبلَ بأغنيته صورًا متعدّدة من العالم الماديّ والروحيّ والنفسيّ والاجتماعيّ لزمنٍ صار وراءنا. كما أنّ الصوت المعجزة يستعيد الزمن ليعيد إنتاجه اليوم ويزرع مقوِّماته الجماليّة في زمننا الحاضر. هؤلاء الذين يربطون الأزمنة بعضَها ببعضِها الآخر قليلون وقليلون جدًّا. عالمنا في حاجة إليهم، إلى أصواتهم، إلى حنانهم، وإلى دعائهم والصلوات. إنّهم من سلالة الأنبياء. عفوك، وديع الصافي!

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

عفوكَ، وديع الصافي!

وهل لمجلّة مثل المشرق أن تهتمّ بالطرب والمطربين من أمثال وديع الصافي؟ لقد رحل في العاشر من شهر تشرين الأوّل، إلاّ أنّه صار إرثًا لا يُمحى من ذاكرة لبنان الثقافيّة. إنّه يختصر تاريخًا وجبلاً ووديانًا، وهو قيمة مُضافة أنعمَ الله بها على بلادنا، فلنحافظ عليها. لن أكتب فقط هنا عن وديع الصافي الذي تحوّل بفعل الأحداث الأليمة في لبنان وبفعل حروبه المجنونة، إلى مرتّل كثيرٍ من التراتيل والأدعية بصوته الشجيّ، ومنها ترتيلة «الأبانا» الشهيرة التي تدمع العين عند سماعها. الواقع أنّ وديع الصافي كان مرتّلاً من الطراز الأوّل، ومنذ شبابه عندما كان يخدم القداديس؛ ولقد اشتهر بقدّاسَيْن مسجّلَيْن: الأوّل مع الأب مارون مراد الأنطونيّ، والثاني مع الأب إلياس سعاده، وهما قمّة في الأداء الشعوريّ الدينيّ العميق، حاملاً شوق البشريّة وتوقها إلى الماورائيّة. عرفتُه في باريس بداية الثمانينيّات من القرن الماضي مُنشدًا ومُرتّلاً في كنيسة سيّدة لبنان. ربّما لم يكن قريبًا من خصائص الليتُرجيا السريانيّة وموسيقاها، إلاّ أنّه لم يكن خجولاً في المشاركة بصوتٍ يمجّد ويسبِّح، بما يكتنز من طاقاتٍ تتمازج بها الميجانا والعتابا وألوان الفولكلور اللبنانيّ. وفي أحد الآحاد، وكان وديع الصافي ينشد في الكنيسة، اقترب منه مدير الجوقة وصحّح له جملةً لم يحافظ فيها على قواعد اللغة العربيّة، فتكدّرَ وديع ولم يأت في الأحد اللاحق، إلاّ أنَّ قلبه كان قلب طفل، إذ شارك في القدّاس والتراتيل بعد أسبوعَيْن وصحّح ما يجب تصحيحه، ودعا الجميع إلى تناول الغداء إلى مائدته!
إنّه وديع الصافي وكفى! مئات ومئات من الأغاني والأناشيد كان حظّها أنّها انطلقت من تلك الحنجرة التي شبّهها بعضُهم بأنّها شُقَّت من صخور لبنان وارتوت من مياه جبله، فأصبحت الحنجرة الصافية التي غنّت للبنان ومن لبنان، على مدى ستّين عامًا على الأقلّ، منذ الخمسينيّات من القرن الماضي حتّى نهاية العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين. شاخ وديع الصافي جسديًّا، إلاّ أنّه مع مرور الزمن أصبح مثل البرج الصامد في وجه العاتيات، وباتت المئات من أغانيه قويّة شابّة بعودٍ أخضر قُدّ من شجرات الجبل، من شجرات السنديان العتيق والأرزات الخالدات. يكفي أن نتذكّر بعض العناوين حتّى نتحقّق من أنّ وديع الصافي مرادفٌ للفنّ اللبنانيّ الأصيل، شأنه في ذلك شأن فيروز في أغانيها والأناشيد. مَنْ منّا لا يتذكّر الألحان الرحبانيّة يغنّيها الصافي في عناوين مثل: … «لا إنتْ راضي…» و«دقّ باب البيت عالسكّيت» و«مرسال الهوى» و«سهرة الحبّ» الخالدة و«رح حلّفك بالغصن يا عصفور»… وإن عدنا إلى زمن أبعد من العقدَيْن الأخيرَيْن، رأينا أنَّ وديع شارك في الأفلام مغنّيًا فرحًا، وصدح صوته بتلك الأغاني الشهيرة التي ما زال صداها يتردّد حتّى اليوم مثل: «عالبال يا عصفورة النهرَيْن» للرحابنة و«لوَيْن يا مروان» و«لبنان يا قطعة سما» و«ليلتنا من ليالي العمر»، ومجمل هذه الأغاني من ألحان زكي ناصيف.
وديع الصافي لم يكن وقفًا على طائفةٍ أو جماعة معيّنة. بصوته الصدّاح اخترق الحدود المصنوعة من الإنسان أو من الطبيعة ليجمع الناس حول الجمال والخير. قيل إنّه يختصر حقبةً تاريخيّة، وذلك صحيح، إلاّ أنّه لم يغنِّ شعرًا وأبياتًا وحسب، بل جبلَ بأغنيته صورًا متعدّدة من العالم الماديّ والروحيّ والنفسيّ والاجتماعيّ لزمنٍ صار وراءنا. كما أنّ الصوت المعجزة يستعيد الزمن ليعيد إنتاجه اليوم ويزرع مقوِّماته الجماليّة في زمننا الحاضر. هؤلاء الذين يربطون الأزمنة بعضَها ببعضِها الآخر قليلون وقليلون جدًّا. عالمنا في حاجة إليهم، إلى أصواتهم، إلى حنانهم، وإلى دعائهم والصلوات. إنّهم من سلالة الأنبياء. عفوك، وديع الصافي!

محتويات العدد

@
الورد والأفيون أو صراع الفنّ والدِّين
بقلم د. جوزف لبُّس
@
الشِّعر دَرْوَشَةً. قراءة في ديوان وادي النَّمل للشاعر جمال الصليعيّ في ضَوء تقاطع رؤيتَي السُّلوك الصوفيّ والتَّرحال الدّولوزيّ
بقلم شفيقة وعيل
@
جورج إلياس قدّوم (1897- 1958) الطبيب الفيلسوف
بقلم د. أندريه نصّار
@
القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسّس الرهبنة اليسوعيّة (1)
بقلم د. منى كرم
@
ممارسات حوار الأديان، أفراحه، عقباته وتحدّياته
بقلم د. باميلا شرابية
@
إبن رشد: الشارح الفيلسوف
بقلم د. جيرار جهامي
@
"مختصَر مسألة في مخاطبة السيّد لأبيه الواردة في الإنجيل المقدَّس" ليحيى بن عديّ
تقديم وتحقيق د. نادين عبّاس
@
الكتابة
بقلم ريمون حرفوش
@
إفتتـاحيّــة: عفوكَ، وديع الصافي!
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّ
@
دور الجامعات العربيّة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ
بمقابلة مع د. فاديا كيوان
@
هل ولّى زمنُ الاستشراق؟
بقلم الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّّ
@
كيف نربّي على الإيمان؟ خبرة آباء الكنيسة
بقلم الأب جوزيف كميل جبارة
@
دور النظام التربويّ في تكوين الشخصيّة الاجتماعيّة
بقلم د. دنيا حشيمه بو خليل
@
الفاروق وسيكولوجيا العدل
بقلم د. وجدي فريد
@
في الزيجات المختلطة
بقلم الأب مارون نصر
@
خواطر في إنسانيّة يسوع المسيح – بين الدوافع والمنهجيّة والمحتوى –
بقلم الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ
i

مقالات هذا العدد

دور الجامعات العربيّة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ

إنّ موضوع هذه المقابلة هو مسؤوليّة الطلّاب الشبيبة في الشرق الأوسط ضمن فترة ما بعد الربيع العربيّ الصعبة. فالعالم العربيّ يمرّ بمرحلة انتقاليّة سياسيّة وثقافيّة على حدّ سواء، ولا سيّما في مصر وتونس وليبيا. حاليًّا، يحاول العرب إعادة “ترميم” كلّ مِن إيمانهم والحداثة، ولكن من غير أن يقلّدوا أحدًا، إذ إنّهم يدركون أنّ هذه الأحداث تمثّل خطوةً أولى على الطريق الطويلة التي عليهم اتّخاذها كي يبلغوا الاستقرارَ المنشود. بالإضافة، سيتطلّب الأمر الاعتراف بأنّ الوقت قد حان لفَصْل الدِّين عن السياسة، كون الضمير السياسيّ والتربية أصبحا مختلفَين اليوم، ولو كانت الشبيبة الجامعيّة العربيّة تتأثّر بطريقة أو بأخرى بتلك التغيّرات الجذريّة، وخاصّةً في لبنان، بسبب الليبراليّة والهجرة. بالتالي فمن الضروريّ أن تتعاون الجامعات العربيّة بفتحها أبوابَ التواصل بين طلّابها، وباتّخاذها المبادرات الجماعيّة، مشجّعةً هكذا على الثقة ببلادنا.

هل ولّى زمنُ الاستشراق؟

إنّ استشراق إدوار سعيد هو أحد الكتب النادرة الحديثة التي سبّبت جدالات في الأوساط الأكاديميّة والسياسيّة على الصعيد العالميّ، والتي أثّرت في الدراسات ما بعد احتلال المشرق طوال جيلَين. والكتب النقديّة العديدة التي درست هذا المؤلَّف قد أظهرت أخطاءه التاريخيّة والعلميّة وحتّى المنهجيّة، جاعلةً الإشكاليّة المطروحة فيه باطلة. مع أنّ كاتب هذا المقال يبيّنُ أنّ جوهر هذه الإشكاليّة المتين، وهو “الاستشراق المستتر” الذي يتحدّث عنه إدوار سعيد، لا يزال ناشطًا وله ثِقلُه لدى بعض الأكاديميّين، يؤدّي دورًا بارزًا في اتّحاده بالخطاب السياسيّ وخاصّةً في زمن المحنة.

كيف نربّي على الإيمان؟ خبرة آباء الكنيسة

لقد أعلن البابا بنيدكتُس السادس عشر العام 2012-2013 عامَ الإيمان. دعا المؤمنين إلى التفكير في هذا السرّ الكبير. ودورُ هذا المقال أن يلبّي تلك الدعوة. ويجيب آباءُ الكنيسة عن السؤال المطروح في عنوان المقال بأنّ التربية على الإيمان تقوم على ثلاثة أركان أساسيّة، والثلاثة تؤلّف سلّمًا مثلّث القوائم يرتقي المرء من خلالها أعلى درجات الإيمان، والخطأ الكبير هو في الاستغناء عن أحدها: الركيزة البيبليّة أو الكتابيّة، والركيزة العقائديّة، والركيزة الأسراريّة أو المستاغوجيّة.

دور النظام التربويّ في تكوين الشخصيّة الاجتماعيّة

إنّ المؤسّسة العائليّة والمؤسّسة المدرسيّة مسؤولتان على حدٍّ سواء عن تكوين كرامة الأجيال الصاعدة. فيجب تربية الولد على المجهود حيث الضغط الجسديّ يساعده على أن يكون حرًّا وجاهزًا لكلّ المسؤوليّات. لذا، تقوم الدول بالكثير من الجهود بهدف بلوغ التوازن الاجتماعيّ والسياسيّ الذي سيتمكّن أخيرًا من تأمين المساواة والعدالة اللتَين تقرّبان ماسِكي السلطة والشعب.
فثمّة ميثاق تربويّ يفرض نفسه بالتالي في غاية تبيان ما يعيشه الولد من التزامات نفسيّة ونظاميّة أوّلًا، وثانيًا التعليم والفهم طوال فترة التعليم المدرسيّ، بهدف بناء شخصيّة اجتماعيّة متميّزة. وهذا المقال يقترح مجموعةً من التصرّفات التي يجب تجنّبها في معاملة الولد، ومجموعة أخرى، بالمقابل، من المحبّذ اتّباعها واتّخاذها لأجل تربيةٍ أفضل.

الفاروق وسيكولوجيا العدل

لقد أدارَ عمر ابن الخطّاب الخلافة الإسلاميّة في فترةٍ عصيبة، إلّا أنّه تمكّن من تقوية أسُسها عبر اعتماد مبدأ العدالة. وهذه العدالة لم تكن، عنده، عدالةً قضائيّة أو اقتصاديّة، بل امتدّت لتطالَ السلوك والمشاعر. وإذ كان يحاول أن يطبّقها في كلّ شيء، وجبَ عليه مواجهة حاجزَين كبيرَين: تفسير النصوص الدينيّة الصارم، وفكرة ممارسة العبوديّة. كما شجّعَ مبدأ التفكير العاقل من أجل تفسيرٍ أشدّ ملاءمة للظروف والتطوّر. وطبعًا، حاربَ العبوديّة. وانتقادُه القمعيّ إزاء حاكم مصر كان مستمرًّا، نظرًا إلى سلوك هذا الحاكم القاسي والمستفزّ مع المصريّين. وقد قُتِل عمر، للأسف، مطعونًا بالسكّين، ما تسبّب بمقاطعة نضال الفاروق..

في الزيجات المختلطة

يتضمّن هذا المقال مقدّمة تتعلّق بالزواج المختلط بحسب القانون الرابع عشر من مجمع خلقيدونيا (451م)، كما يتضمّن أربعة فصول وخاتمة عامّة. في المبدأ، لا تعترف الكنيسة الكاثوليكيّة لشخصٍ كاثوليكيّ معمَّد بإمكانيّة أن يتزوّج شخصًا غير معمَّد. أمّا في الكنائس الأرثوذكسيّة فهذه الزواجات لا تزال ممنوعة. في الإسلام، على الزواج أن يتمّ فقط بين رجال مسلمين ونساء من أهل الكتاب. وفي الطائفة الدرزيّة، الشرط هو وحدة الإيمان. يُطلِعنا هذا المقال على مختلف العادات المتّخذة في الديانات كافّة.

خواطر في إنسانيّة يسوع المسيح – بين الدوافع والمنهجيّة والمحتوى –

في هذا المقال حافزٌ مزدوج: مصلحة الكاتب الشخصيّة بشأن الإنسان، وإصرار المسيحيّة الشرقيّة على ألوهيّة يسوع، وهو إصرار يتطلّب التشديد على إنسانيّته.
القسم الأوّل: منهجيّة: الكتابات المقدّسة، ضمن نوعَين أدبيَّين: اللاهوت الروائيّ (الأناجيل الكاشفة إنسانيّةَ يسوع)؛ اللاهوت الخطابيّ (كتابات أخرى للعهد الجديد)؛ التقليد اللاهوتيّ: آباء الكنيسة، مجامع وخطاب روحانيّ ولاهوتيّ. والعلوم الإنسانيّة التي تجلب النور إلى عالمنا.
القسم الثاني: المضمون، ضمن خانتَين، الأولى نظريّة: تصرُّف يسوع بصفته شخصًا فريدًا في نوعه له أصلٌ إلهيّ وبشريّ؛ إدراكُه هويّته المزدوجة ومعرفتُه الوحيَ الإلهيّ ومصيره؛ دلالات التسميات التالية: إبن الإنسان، وابن الله، والوسيط؛ أربعة أشكال لجسده: أرضيّ وممجّد وكنائسيّ وقربانيّ. والخانة الثانية علائقيّة: العلاقة بأبيه وبإرادته؛ العلاقة بالبشر؛ التواصل بين الله والإنسان وحضور الله للبشر أجمعين.

الورد والأفيون أو صراع الفنّ والدِّين

لم ينتهِ الصراع بين الفنّ والدين، ولم ينتهِ نزاع القطبَين في الألفيّة الثالثة؛ ما زال الفنّ يسخر وينتقد ويقسو، والدِّين يحظّر ويحرّم ويحطّم، ترافقه نزعةٌ همجيّة لتخريب الآثار الفنيّة وهَدْم النفائس والصنائع ومطاردة صانعيها.

الشِّعر دَرْوَشَةً. قراءة في ديوان وادي النَّمل للشاعر جمال الصليعيّ في ضَوء تقاطع رؤيتَي السُّلوك الصوفيّ والتَّرحال الدّولوزيّ

يعالج المقال نموذج الرحّالة الأصليّ في ديوان جمال الصليعيّ (شاعر تونسيّ معاصر) وادي النَّمل، كاشفًا اللغة العربيّة بصفتها بحثًا وانعكاسًا للرحّالة/الشاعر.
إنّ السفر الصوفيّ (الدَرْوَشة) وفسلفة السَّفَر عند الدولوزيّ (البَداوة) يلتقيان في التفاعُل بين الشاعر واللغة من خلال مصيرهما. وهذا الالتقاء يكشف الصراع بين الشاعر واللغة طوال السفَر/الديوان؛ فالشاعر يحدّد نفسه في أمجاد لغته/أرضه وتاريخه، رافضًا تفسّخَه وحاضِرَه الفارغ حيث يشعر بأنّه منفيّ. وجوابًا عن مسألة الانتماء والعزلة في صراع الهويّة، يبدو سفَر الصليعيّ دروَشَةً دولوزيّة، بكلّ تعقيداتها.

جورج إلياس قدّوم (1897- 1958) الطبيب الفيلسوف

إنّ جورج إلياس قدّوم، كاتب وفيزيائيّ واقعيّ لبنانيّ، هاجر إلى الإكوادور حيث أمضى معظم حياته. في العام 1935، توجّه إلى “كيتو” باحثًا عن آفاقٍ أوسع، وانتقل مع عائلته إلى العاصمة ونشر مجلّة ثيوصوفيّة. وقد عُرف في مجال الإيزوتيريك في أميركا الجنوبيّة. في العام 1950، قرّرَ أن يعيش في ريو دو جانيرو، زائرًا مع ذلك بلدانًا أخرى. ترك مجموعة مؤلّفات كتابيّة بارزة، وقد هدف معظمها إلى تشجيع الإنسان على الاستيقاظ وعلى تحريك ميوله الكبرى حتّى بلوغ الجوانب الجسديّة والفكريّة والروحيّة. قام بزيارة بلدان أميركا الجنوبيّة كلّها تقريبًا، وألقى ندواتٍ مجّانيّة، كما نشر مؤلّفاته وقام بأعمال خيريّة. طوال سنواتٍ عديدة عاش في البرازيل، وتوفّي في سنّ الواحدة والستّين في ريو دو جانيرو، يوم 4 أيّار 1958، ضحيّةَ عارِضٍ دماغيّ.

القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسّس الرهبنة اليسوعيّة (1)

إنّ سيرة القدّيس إغناطيوس، وقد طبعتها الطريق الممجَّدة التي سلكها، قد لفتت اهتمامَ المؤلِّفة التي كانت قد ترجمت أحدَ مقالاتها المقسَّم قسمَين: الأوّل في هذا العدد من مجلّتنا وهو يعالج تاريخ القدّيس إغناطيوس وولادته وحبّه لفنّ الحرب… وقد أتت المؤلّفة على ذكر مزاياه العديدة وأسفاره إلى بعض البلدان باحثًا عن المعرفة وجاهدًا ليوجّه الناس ويربّي العقول ويبعدها عن طريق الشرّ والرذيلة. كما كانت المؤلّفة قد أظهرت كيف تحدّثَ إغناطيوس مع رفاقه في باريس عن فكرة رهبنة جديدة، وكيف استطاع أن يدعم هذه الرهبنة التي عُرفت قبلًا باسم “الرهبانيّة اليسوعيّة” الرسميّ، وكيف كان قد وضع، شخصيًّا، نظامَها العادل.

ممارسات حوار الأديان، أفراحه، عقباته وتحدّياته

إنّ لحوار الأديان تاريخًا طويلًا لا يخلو من الحواجز والتعقيدات، ولكنّه غنيّ بالممارسات الناجحة. يكفي أن نذكرَ التبادلات البَيثقافيّة والفنيّة، وعمل العلماء المشترك، ومناظرات اللاهوتيّين والفلاسفة، والصداقات والزيجات ما بين الأديان، والأعمال المشتركة من أجل الاستقلال، وحقوق الإنسان، والعدالة والسلام. أمّا هدف هذا المقال فليس وضع قائمة لمجموع الممارسات الناجحة المعنيّة، بل هدفه، أوّلًا، عرض لمحة عن غنى هذه الأعمال بالاستناد إلى السياق اللبنانيّ، وثانيًا وثالثًا، تبيان بعض الحواجز والتحدّيات التي يجب تجاوزها. يُستنتج من هذا الغنى في أماكن الحوار أنّ لبنان التعدّديّ لم يختفِ، وأنّ هذا الغِنى هو أساس مقاومته عواصفَ الحروب المحليّة والإقليميّة.

إبن رشد: الشارح الفيلسوف

راجَ تقليدٌ بين القدماء من الشرّاح والفلاسفة بالتأليف الفلسفيّ على مستويَين: المستوى الأوّل اقتصرَ فيه هؤلاء على بلورة أفكار “المعلّمين” الأوائل مع إيراد بعضٍ من آرائهم ضمن الشروحات التي تعكس بذور نبوغهم. والمستوى الثاني شرحٌ فانتقالٌ إلى الخصوصيّات والعنديّات من تعليقات ومقالات ومؤلّفات تؤذِن بانبلاج فجر النبوغ والتفرّد بالرأي والعقيدة ونُضج المذهب. وهذه هي حال ابن رشد الشارح الأكبر لأرسطو وفيلسوف العقل الراجح.

“مختصَر مسألة في مخاطبة السيّد لأبيه الواردة في الإنجيل المقدَّس” ليحيى بن عديّ

إنّ مقالة يحيى بن عديّ المذكورة في العنوان تعالج مسألة طبيعة المسيح وعلاقة الابن بالآب. يثبت يحيى خطأ مَن يعتقد أنّ الآيتَين “أبي وأنا واحد” و”مَن رآني رأى الآب” تناقضان الآية “أبتِ، أبعِد عنّي هذه الكأس”، لأنّ الآيتَين الأُوليَين تُظهران أنّ الآب والابن هما من طبيعة واحدة، في حين أنّ الثالثة تبيّن الازدواجيّة من جهة، وعَجْز الابن من جهة أخرى.
بالفعل، يستند جواب يحيى على تبيان إمكانيّة مخاطبة الذات وفوائد هكذا مخاطبة، وهذا في قسمَين: في القسم الأوّل يثبت خطأ اعتقاد أنّ مخاطبة الذات أمرٌ غير معقول، ذاكرًا أمثلة من الكتاب المقدّس والأدب العربيّ. وفي القسم الثاني، يقدّم ستّ فوائد لمخاطبة المسيح أباه، ويستنتج من ذلك دروسًا أخلاقيّة من جهة، ونتائجَ لاهوتيّة من جهة أخرى (الثالوث الأقدس، التجسّد، الصَّلب).

i

مقالات هذا العدد

دور الجامعات العربيّة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ

إنّ موضوع هذه المقابلة هو مسؤوليّة الطلّاب الشبيبة في الشرق الأوسط ضمن فترة ما بعد الربيع العربيّ الصعبة. فالعالم العربيّ يمرّ بمرحلة انتقاليّة سياسيّة وثقافيّة على حدّ سواء، ولا سيّما في مصر وتونس وليبيا. حاليًّا، يحاول العرب إعادة “ترميم” كلّ مِن إيمانهم والحداثة، ولكن من غير أن يقلّدوا أحدًا، إذ إنّهم يدركون أنّ هذه الأحداث تمثّل خطوةً أولى على الطريق الطويلة التي عليهم اتّخاذها كي يبلغوا الاستقرارَ المنشود. بالإضافة، سيتطلّب الأمر الاعتراف بأنّ الوقت قد حان لفَصْل الدِّين عن السياسة، كون الضمير السياسيّ والتربية أصبحا مختلفَين اليوم، ولو كانت الشبيبة الجامعيّة العربيّة تتأثّر بطريقة أو بأخرى بتلك التغيّرات الجذريّة، وخاصّةً في لبنان، بسبب الليبراليّة والهجرة. بالتالي فمن الضروريّ أن تتعاون الجامعات العربيّة بفتحها أبوابَ التواصل بين طلّابها، وباتّخاذها المبادرات الجماعيّة، مشجّعةً هكذا على الثقة ببلادنا.

هل ولّى زمنُ الاستشراق؟

إنّ استشراق إدوار سعيد هو أحد الكتب النادرة الحديثة التي سبّبت جدالات في الأوساط الأكاديميّة والسياسيّة على الصعيد العالميّ، والتي أثّرت في الدراسات ما بعد احتلال المشرق طوال جيلَين. والكتب النقديّة العديدة التي درست هذا المؤلَّف قد أظهرت أخطاءه التاريخيّة والعلميّة وحتّى المنهجيّة، جاعلةً الإشكاليّة المطروحة فيه باطلة. مع أنّ كاتب هذا المقال يبيّنُ أنّ جوهر هذه الإشكاليّة المتين، وهو “الاستشراق المستتر” الذي يتحدّث عنه إدوار سعيد، لا يزال ناشطًا وله ثِقلُه لدى بعض الأكاديميّين، يؤدّي دورًا بارزًا في اتّحاده بالخطاب السياسيّ وخاصّةً في زمن المحنة.

كيف نربّي على الإيمان؟ خبرة آباء الكنيسة

لقد أعلن البابا بنيدكتُس السادس عشر العام 2012-2013 عامَ الإيمان. دعا المؤمنين إلى التفكير في هذا السرّ الكبير. ودورُ هذا المقال أن يلبّي تلك الدعوة. ويجيب آباءُ الكنيسة عن السؤال المطروح في عنوان المقال بأنّ التربية على الإيمان تقوم على ثلاثة أركان أساسيّة، والثلاثة تؤلّف سلّمًا مثلّث القوائم يرتقي المرء من خلالها أعلى درجات الإيمان، والخطأ الكبير هو في الاستغناء عن أحدها: الركيزة البيبليّة أو الكتابيّة، والركيزة العقائديّة، والركيزة الأسراريّة أو المستاغوجيّة.

دور النظام التربويّ في تكوين الشخصيّة الاجتماعيّة

إنّ المؤسّسة العائليّة والمؤسّسة المدرسيّة مسؤولتان على حدٍّ سواء عن تكوين كرامة الأجيال الصاعدة. فيجب تربية الولد على المجهود حيث الضغط الجسديّ يساعده على أن يكون حرًّا وجاهزًا لكلّ المسؤوليّات. لذا، تقوم الدول بالكثير من الجهود بهدف بلوغ التوازن الاجتماعيّ والسياسيّ الذي سيتمكّن أخيرًا من تأمين المساواة والعدالة اللتَين تقرّبان ماسِكي السلطة والشعب.
فثمّة ميثاق تربويّ يفرض نفسه بالتالي في غاية تبيان ما يعيشه الولد من التزامات نفسيّة ونظاميّة أوّلًا، وثانيًا التعليم والفهم طوال فترة التعليم المدرسيّ، بهدف بناء شخصيّة اجتماعيّة متميّزة. وهذا المقال يقترح مجموعةً من التصرّفات التي يجب تجنّبها في معاملة الولد، ومجموعة أخرى، بالمقابل، من المحبّذ اتّباعها واتّخاذها لأجل تربيةٍ أفضل.

الفاروق وسيكولوجيا العدل

لقد أدارَ عمر ابن الخطّاب الخلافة الإسلاميّة في فترةٍ عصيبة، إلّا أنّه تمكّن من تقوية أسُسها عبر اعتماد مبدأ العدالة. وهذه العدالة لم تكن، عنده، عدالةً قضائيّة أو اقتصاديّة، بل امتدّت لتطالَ السلوك والمشاعر. وإذ كان يحاول أن يطبّقها في كلّ شيء، وجبَ عليه مواجهة حاجزَين كبيرَين: تفسير النصوص الدينيّة الصارم، وفكرة ممارسة العبوديّة. كما شجّعَ مبدأ التفكير العاقل من أجل تفسيرٍ أشدّ ملاءمة للظروف والتطوّر. وطبعًا، حاربَ العبوديّة. وانتقادُه القمعيّ إزاء حاكم مصر كان مستمرًّا، نظرًا إلى سلوك هذا الحاكم القاسي والمستفزّ مع المصريّين. وقد قُتِل عمر، للأسف، مطعونًا بالسكّين، ما تسبّب بمقاطعة نضال الفاروق..

في الزيجات المختلطة

يتضمّن هذا المقال مقدّمة تتعلّق بالزواج المختلط بحسب القانون الرابع عشر من مجمع خلقيدونيا (451م)، كما يتضمّن أربعة فصول وخاتمة عامّة. في المبدأ، لا تعترف الكنيسة الكاثوليكيّة لشخصٍ كاثوليكيّ معمَّد بإمكانيّة أن يتزوّج شخصًا غير معمَّد. أمّا في الكنائس الأرثوذكسيّة فهذه الزواجات لا تزال ممنوعة. في الإسلام، على الزواج أن يتمّ فقط بين رجال مسلمين ونساء من أهل الكتاب. وفي الطائفة الدرزيّة، الشرط هو وحدة الإيمان. يُطلِعنا هذا المقال على مختلف العادات المتّخذة في الديانات كافّة.

خواطر في إنسانيّة يسوع المسيح – بين الدوافع والمنهجيّة والمحتوى –

في هذا المقال حافزٌ مزدوج: مصلحة الكاتب الشخصيّة بشأن الإنسان، وإصرار المسيحيّة الشرقيّة على ألوهيّة يسوع، وهو إصرار يتطلّب التشديد على إنسانيّته.
القسم الأوّل: منهجيّة: الكتابات المقدّسة، ضمن نوعَين أدبيَّين: اللاهوت الروائيّ (الأناجيل الكاشفة إنسانيّةَ يسوع)؛ اللاهوت الخطابيّ (كتابات أخرى للعهد الجديد)؛ التقليد اللاهوتيّ: آباء الكنيسة، مجامع وخطاب روحانيّ ولاهوتيّ. والعلوم الإنسانيّة التي تجلب النور إلى عالمنا.
القسم الثاني: المضمون، ضمن خانتَين، الأولى نظريّة: تصرُّف يسوع بصفته شخصًا فريدًا في نوعه له أصلٌ إلهيّ وبشريّ؛ إدراكُه هويّته المزدوجة ومعرفتُه الوحيَ الإلهيّ ومصيره؛ دلالات التسميات التالية: إبن الإنسان، وابن الله، والوسيط؛ أربعة أشكال لجسده: أرضيّ وممجّد وكنائسيّ وقربانيّ. والخانة الثانية علائقيّة: العلاقة بأبيه وبإرادته؛ العلاقة بالبشر؛ التواصل بين الله والإنسان وحضور الله للبشر أجمعين.

الورد والأفيون أو صراع الفنّ والدِّين

لم ينتهِ الصراع بين الفنّ والدين، ولم ينتهِ نزاع القطبَين في الألفيّة الثالثة؛ ما زال الفنّ يسخر وينتقد ويقسو، والدِّين يحظّر ويحرّم ويحطّم، ترافقه نزعةٌ همجيّة لتخريب الآثار الفنيّة وهَدْم النفائس والصنائع ومطاردة صانعيها.

الشِّعر دَرْوَشَةً. قراءة في ديوان وادي النَّمل للشاعر جمال الصليعيّ في ضَوء تقاطع رؤيتَي السُّلوك الصوفيّ والتَّرحال الدّولوزيّ

يعالج المقال نموذج الرحّالة الأصليّ في ديوان جمال الصليعيّ (شاعر تونسيّ معاصر) وادي النَّمل، كاشفًا اللغة العربيّة بصفتها بحثًا وانعكاسًا للرحّالة/الشاعر.
إنّ السفر الصوفيّ (الدَرْوَشة) وفسلفة السَّفَر عند الدولوزيّ (البَداوة) يلتقيان في التفاعُل بين الشاعر واللغة من خلال مصيرهما. وهذا الالتقاء يكشف الصراع بين الشاعر واللغة طوال السفَر/الديوان؛ فالشاعر يحدّد نفسه في أمجاد لغته/أرضه وتاريخه، رافضًا تفسّخَه وحاضِرَه الفارغ حيث يشعر بأنّه منفيّ. وجوابًا عن مسألة الانتماء والعزلة في صراع الهويّة، يبدو سفَر الصليعيّ دروَشَةً دولوزيّة، بكلّ تعقيداتها.

جورج إلياس قدّوم (1897- 1958) الطبيب الفيلسوف

إنّ جورج إلياس قدّوم، كاتب وفيزيائيّ واقعيّ لبنانيّ، هاجر إلى الإكوادور حيث أمضى معظم حياته. في العام 1935، توجّه إلى “كيتو” باحثًا عن آفاقٍ أوسع، وانتقل مع عائلته إلى العاصمة ونشر مجلّة ثيوصوفيّة. وقد عُرف في مجال الإيزوتيريك في أميركا الجنوبيّة. في العام 1950، قرّرَ أن يعيش في ريو دو جانيرو، زائرًا مع ذلك بلدانًا أخرى. ترك مجموعة مؤلّفات كتابيّة بارزة، وقد هدف معظمها إلى تشجيع الإنسان على الاستيقاظ وعلى تحريك ميوله الكبرى حتّى بلوغ الجوانب الجسديّة والفكريّة والروحيّة. قام بزيارة بلدان أميركا الجنوبيّة كلّها تقريبًا، وألقى ندواتٍ مجّانيّة، كما نشر مؤلّفاته وقام بأعمال خيريّة. طوال سنواتٍ عديدة عاش في البرازيل، وتوفّي في سنّ الواحدة والستّين في ريو دو جانيرو، يوم 4 أيّار 1958، ضحيّةَ عارِضٍ دماغيّ.

القدّيس إغناطيوس دي لويولا مؤسّس الرهبنة اليسوعيّة (1)

إنّ سيرة القدّيس إغناطيوس، وقد طبعتها الطريق الممجَّدة التي سلكها، قد لفتت اهتمامَ المؤلِّفة التي كانت قد ترجمت أحدَ مقالاتها المقسَّم قسمَين: الأوّل في هذا العدد من مجلّتنا وهو يعالج تاريخ القدّيس إغناطيوس وولادته وحبّه لفنّ الحرب… وقد أتت المؤلّفة على ذكر مزاياه العديدة وأسفاره إلى بعض البلدان باحثًا عن المعرفة وجاهدًا ليوجّه الناس ويربّي العقول ويبعدها عن طريق الشرّ والرذيلة. كما كانت المؤلّفة قد أظهرت كيف تحدّثَ إغناطيوس مع رفاقه في باريس عن فكرة رهبنة جديدة، وكيف استطاع أن يدعم هذه الرهبنة التي عُرفت قبلًا باسم “الرهبانيّة اليسوعيّة” الرسميّ، وكيف كان قد وضع، شخصيًّا، نظامَها العادل.

ممارسات حوار الأديان، أفراحه، عقباته وتحدّياته

إنّ لحوار الأديان تاريخًا طويلًا لا يخلو من الحواجز والتعقيدات، ولكنّه غنيّ بالممارسات الناجحة. يكفي أن نذكرَ التبادلات البَيثقافيّة والفنيّة، وعمل العلماء المشترك، ومناظرات اللاهوتيّين والفلاسفة، والصداقات والزيجات ما بين الأديان، والأعمال المشتركة من أجل الاستقلال، وحقوق الإنسان، والعدالة والسلام. أمّا هدف هذا المقال فليس وضع قائمة لمجموع الممارسات الناجحة المعنيّة، بل هدفه، أوّلًا، عرض لمحة عن غنى هذه الأعمال بالاستناد إلى السياق اللبنانيّ، وثانيًا وثالثًا، تبيان بعض الحواجز والتحدّيات التي يجب تجاوزها. يُستنتج من هذا الغنى في أماكن الحوار أنّ لبنان التعدّديّ لم يختفِ، وأنّ هذا الغِنى هو أساس مقاومته عواصفَ الحروب المحليّة والإقليميّة.

إبن رشد: الشارح الفيلسوف

راجَ تقليدٌ بين القدماء من الشرّاح والفلاسفة بالتأليف الفلسفيّ على مستويَين: المستوى الأوّل اقتصرَ فيه هؤلاء على بلورة أفكار “المعلّمين” الأوائل مع إيراد بعضٍ من آرائهم ضمن الشروحات التي تعكس بذور نبوغهم. والمستوى الثاني شرحٌ فانتقالٌ إلى الخصوصيّات والعنديّات من تعليقات ومقالات ومؤلّفات تؤذِن بانبلاج فجر النبوغ والتفرّد بالرأي والعقيدة ونُضج المذهب. وهذه هي حال ابن رشد الشارح الأكبر لأرسطو وفيلسوف العقل الراجح.

“مختصَر مسألة في مخاطبة السيّد لأبيه الواردة في الإنجيل المقدَّس” ليحيى بن عديّ

إنّ مقالة يحيى بن عديّ المذكورة في العنوان تعالج مسألة طبيعة المسيح وعلاقة الابن بالآب. يثبت يحيى خطأ مَن يعتقد أنّ الآيتَين “أبي وأنا واحد” و”مَن رآني رأى الآب” تناقضان الآية “أبتِ، أبعِد عنّي هذه الكأس”، لأنّ الآيتَين الأُوليَين تُظهران أنّ الآب والابن هما من طبيعة واحدة، في حين أنّ الثالثة تبيّن الازدواجيّة من جهة، وعَجْز الابن من جهة أخرى.
بالفعل، يستند جواب يحيى على تبيان إمكانيّة مخاطبة الذات وفوائد هكذا مخاطبة، وهذا في قسمَين: في القسم الأوّل يثبت خطأ اعتقاد أنّ مخاطبة الذات أمرٌ غير معقول، ذاكرًا أمثلة من الكتاب المقدّس والأدب العربيّ. وفي القسم الثاني، يقدّم ستّ فوائد لمخاطبة المسيح أباه، ويستنتج من ذلك دروسًا أخلاقيّة من جهة، ونتائجَ لاهوتيّة من جهة أخرى (الثالوث الأقدس، التجسّد، الصَّلب).

Share This