السنة ٨٩
الجزء الثاني
السنة التاسع والثمانون | الجزء الثاني | تمّوز – كانون الأوّل ٢٠١٥

أطلب نسختك الورقيّة

إشترِ نسختك الرقميّة

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

في الأيّام السود: حذارِ من البروباغندا!

لا أحد ينفي، منذ زمن بعيد، قوّة الإعلام والإعلان. وهذا السلاح، في غالبيّة الأحيان، أمضى وأفتك من أسلحة الدمار والقتل والموت المباشر. ويترجم الإعلام قوّته اليوم في تعدّد الوسائل من الورقيّة على مختلف أنسالها، إلى الإذاعيّة والتلفزيونيّة والشبكة العنكبوتيّة بمختلف أبوابها وأشكالها. ضِف إلى ذلك التطوُّر الهائل الذي طرأ شيئًا فشيئًا على التصاميم الهندسيّة والأشكال المتناسقة والأساليب الباهرة، وإحاطة المعرفة بكلّ شاردة وواردة، ممّا يجعل الإعلام عنصرًا أساسيًّا في أيّ صراع أو في أيّ معركة. إنّه الباع الطويل في الوصول إلى تحقيق الهدف وفي إيصال الصراع إلى خواتيمه. ولا عنصرَ يقف حاجزًا أمام مَن يدير دفّة الإعلام: فتزييف الخبر أصبح عادةً، وتضخيمه هو وسيلة في خدمة الهدف، وتكبير الصورة بهدف التخويف يثير الذعر ويدعو إلى الهروب، والتركيز على نوعيّة القتل والتصفية يزرع الإحباط في القلوب. إنّه الإعلام الذي نستطيع نعته بالإعلام الحربيّ الذي، وإن كان على شيءٍ من الموضوعيّة، فإنّه يستخدم بوجه واسع كلّ الوسائل للقضاء على الآخر بما يمثّله من ثقافةٍ وشرعة حياة ونهج إيمان ووجهة حضاريّة.
فإلى جانب الحروب، لا بل في موازاة الحروب وصُلْبها، في هذا الشرق البديع، شرق الآلهة، ومصدر الديانات التوحيديّة السماويّة، تتحرّك اليوم الپروپاغندا القاتلة، الكاذبة، الشنيعة التي لها أهدافها السياسيّة لغةَ تخاطب بين المتخاصمين والمتحاربين؛ إلاّ أنّها أيضًا لغة تهدف إمّا إلى إعداد النفوس لانتظار الأسوأ، وإمّا إكمال ما تكون بعض المعارك قد حقّقته من باب القتل والتدمير. فنحن على معرفةٍ اليومَ أنّ معركة إعلاميّة حاصلة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا، وكأنّها عودة إلى الحرب الباردة مع حصول حروب صغيرة أو كبيرة هنا وهنالك، تحت ستار ضرب الإرهاب وإعطاء القوميّات حقوقها. إنّها أيضًا الپروپاغندا التي تنشط فيها الحكومات الجائرة الخائفة على مصيرها وتبرع في إدارتها تلك المنظّمات الراديكاليّة التي تقتل باسم الدِّين وهي خارجة على كلّ دين، كما أنّ المواطن البريء العاجز المسلوب الإرادة هو ضحيّة هذا الصراع بعد أن مَرْجَحتهُ الپروپاغندا التي نجحت وسائل إعلامها المرئيّ والمسموع التجاريّة، والمواقف الخاصّة المستشرية، في الفتك بأعصابه ونفسيّته وبحاضره وبمستقبله من خلال إذاعة وإعادة إذاعة الخبر السيِّئ والمقزّز، والصورة البشِعة مرّة واثنتين وثلاثًا. ولا أحد ينجو من هذه المحنة، وربّما كانت المجموعات الحضاريّة القليلة العدد هي التي تنتظر الأسوأ أمام اشتداد المحنة وتفاعل الكارثة. وهل نستسلم أمام هذا الواقع؟
لا بدّ من تفعيل تلك القوّة الباطنيّة التي نسمّيها الرغبة في البقاء والمقاومة، وبناء الأوطان والجماعات التي حرّكت الجميع منذ أزمنة الدعوة إلى استقلال الشعوب وبروز الدول التي تهدّدها اليوم تيّارات وعقائد وجيوش وعصبيّات وطائفيّات ومذهبيّات لا عدّ لها ولا حصر.
نحاول أيضًا عند قراءة الخبر أو سماعه القراءة بين السطور، فنُعْمِل حسّ التمييز بين ما هو مضخّم وما هو موضوعي، ونستجمع قوانا النفسيّة والعقليّة لأخذ موقف مبدئيّ يقضي بعدم الرضوخ أمام ديكاتوريّة الپروپاغندا! وقد يؤتي هذا التمييز ثمارًا إيجابيّة عندما يقرأ المرء مضمون هذه الرسائل الإعلاميّة مع آخرين، بشرط ألاّ تقع الجماعة ضحيّة ما تصبو إليه تلك الپروپاغندا فتكون الكارثة شاملة. ولمواجهة هذه الآفة، لا بدّ من أن نتذكّر نضالات السابقين في أوضاع أشدّ صعوبة، وكيف أنّهم انتصروا على ذواتهم قبل الانتصار على أبشع هجمة إعلاميّة.
لا ننسى أنّنا في مسيرة والرأس دومًا مرفوع من رفعة الكرامة البشريّة!

إفتتـاحيّــة العدد

اقرأ الافتتاحيّة كاملةً

في الأيّام السود: حذارِ من البروباغندا!

لا أحد ينفي، منذ زمن بعيد، قوّة الإعلام والإعلان. وهذا السلاح، في غالبيّة الأحيان، أمضى وأفتك من أسلحة الدمار والقتل والموت المباشر. ويترجم الإعلام قوّته اليوم في تعدّد الوسائل من الورقيّة على مختلف أنسالها، إلى الإذاعيّة والتلفزيونيّة والشبكة العنكبوتيّة بمختلف أبوابها وأشكالها. ضِف إلى ذلك التطوُّر الهائل الذي طرأ شيئًا فشيئًا على التصاميم الهندسيّة والأشكال المتناسقة والأساليب الباهرة، وإحاطة المعرفة بكلّ شاردة وواردة، ممّا يجعل الإعلام عنصرًا أساسيًّا في أيّ صراع أو في أيّ معركة. إنّه الباع الطويل في الوصول إلى تحقيق الهدف وفي إيصال الصراع إلى خواتيمه. ولا عنصرَ يقف حاجزًا أمام مَن يدير دفّة الإعلام: فتزييف الخبر أصبح عادةً، وتضخيمه هو وسيلة في خدمة الهدف، وتكبير الصورة بهدف التخويف يثير الذعر ويدعو إلى الهروب، والتركيز على نوعيّة القتل والتصفية يزرع الإحباط في القلوب. إنّه الإعلام الذي نستطيع نعته بالإعلام الحربيّ الذي، وإن كان على شيءٍ من الموضوعيّة، فإنّه يستخدم بوجه واسع كلّ الوسائل للقضاء على الآخر بما يمثّله من ثقافةٍ وشرعة حياة ونهج إيمان ووجهة حضاريّة.
فإلى جانب الحروب، لا بل في موازاة الحروب وصُلْبها، في هذا الشرق البديع، شرق الآلهة، ومصدر الديانات التوحيديّة السماويّة، تتحرّك اليوم الپروپاغندا القاتلة، الكاذبة، الشنيعة التي لها أهدافها السياسيّة لغةَ تخاطب بين المتخاصمين والمتحاربين؛ إلاّ أنّها أيضًا لغة تهدف إمّا إلى إعداد النفوس لانتظار الأسوأ، وإمّا إكمال ما تكون بعض المعارك قد حقّقته من باب القتل والتدمير. فنحن على معرفةٍ اليومَ أنّ معركة إعلاميّة حاصلة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا، وكأنّها عودة إلى الحرب الباردة مع حصول حروب صغيرة أو كبيرة هنا وهنالك، تحت ستار ضرب الإرهاب وإعطاء القوميّات حقوقها. إنّها أيضًا الپروپاغندا التي تنشط فيها الحكومات الجائرة الخائفة على مصيرها وتبرع في إدارتها تلك المنظّمات الراديكاليّة التي تقتل باسم الدِّين وهي خارجة على كلّ دين، كما أنّ المواطن البريء العاجز المسلوب الإرادة هو ضحيّة هذا الصراع بعد أن مَرْجَحتهُ الپروپاغندا التي نجحت وسائل إعلامها المرئيّ والمسموع التجاريّة، والمواقف الخاصّة المستشرية، في الفتك بأعصابه ونفسيّته وبحاضره وبمستقبله من خلال إذاعة وإعادة إذاعة الخبر السيِّئ والمقزّز، والصورة البشِعة مرّة واثنتين وثلاثًا. ولا أحد ينجو من هذه المحنة، وربّما كانت المجموعات الحضاريّة القليلة العدد هي التي تنتظر الأسوأ أمام اشتداد المحنة وتفاعل الكارثة. وهل نستسلم أمام هذا الواقع؟
لا بدّ من تفعيل تلك القوّة الباطنيّة التي نسمّيها الرغبة في البقاء والمقاومة، وبناء الأوطان والجماعات التي حرّكت الجميع منذ أزمنة الدعوة إلى استقلال الشعوب وبروز الدول التي تهدّدها اليوم تيّارات وعقائد وجيوش وعصبيّات وطائفيّات ومذهبيّات لا عدّ لها ولا حصر.
نحاول أيضًا عند قراءة الخبر أو سماعه القراءة بين السطور، فنُعْمِل حسّ التمييز بين ما هو مضخّم وما هو موضوعي، ونستجمع قوانا النفسيّة والعقليّة لأخذ موقف مبدئيّ يقضي بعدم الرضوخ أمام ديكاتوريّة الپروپاغندا! وقد يؤتي هذا التمييز ثمارًا إيجابيّة عندما يقرأ المرء مضمون هذه الرسائل الإعلاميّة مع آخرين، بشرط ألاّ تقع الجماعة ضحيّة ما تصبو إليه تلك الپروپاغندا فتكون الكارثة شاملة. ولمواجهة هذه الآفة، لا بدّ من أن نتذكّر نضالات السابقين في أوضاع أشدّ صعوبة، وكيف أنّهم انتصروا على ذواتهم قبل الانتصار على أبشع هجمة إعلاميّة.
لا ننسى أنّنا في مسيرة والرأس دومًا مرفوع من رفعة الكرامة البشريّة!

محتويات العدد

@
خواطر في إنسانيّة يسوع – أصلان اثنان متداخلان في شخص واحد
بقلم الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ
@
فلسفة المكان القدسيّ. الميثاق الروحيّ وتجلّياته بين الزائر والقدّيس
بقلم محمود حيدر
@
ثلاث مقالات لاهوتيّة ليحيى بن عديّ في (الاتّحاد، الصلب، الموت، والصعود)
بقلم د. نادين عبّاس
@
شخصيّات من خلال علامات الملكيّة في مجموعة مخطوطات المكتبة الشرقيّة
بقلم الأخ أنطوان صليبا
@
منهج النقد الموضوعاتيّ في البحث عن النغم الضائع
بقلم د. جوزف لبّس
@
المقاومة والتمثيل: تفاعل محمود درويش مع الذاكرة والنسيان
بقلم سونيلا موباي
@
إفتتـاحيّــة: في الأيّام السود: حذارِ من البروباغندا!
بقلم الأب سليم دكّاش اليسوعيّ
@
مخاض الديموقراطيّة في لبنان والشرق الأوسط
بقلم الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ
@
النصّ العربيّ الأقدم لمحاورة طيموثاوس الجاثليق مع الخليفة المهدي
بقلم الأب بيير مصريّ
@
القدّيس لويس دي غونزاغا. "طوبى لأطهار القلوب فإنّهم يشاهدون الله" (متّى 8:5)
بقلم د. منى كرم
@
هجوم الفرنج على بيروت العام 926 هـ/1520م
بقلم د. بيار مكرزل
@
بعلبك في العهد المملوكيّ. من الولاية إلى النيابة
بقلم د. أندريه نصّار
@
سيكولوجيا الاستحواز
بقلم د. وجدي فريد
@
أدونيس والتجديد في النظريّة الشعريّة
بقلم د. جورج سلهب
i

مقالات هذا العدد

مخاض الديموقراطيّة في لبنان والشرق الأوسط

على مدى عقد ونصف، خاض العالم العربيّ تجربتين ديموقراطيّتين كارثيّتين: الأولى من “الخارج” فرضتها الإدارة الأميركيّة على الرئيس “جورج بوش”، المعروفة تحت اسم “الشرق الأوسط الكبير”، والثانية ناتجة من الداخل “مع الانتفاضات الشعبيّة التي نشأت في العديد من البلدان. يقترح المؤلّف قراءة نقديّة لهذين الحدثين والقضايا ذات الصلة، فضلاً عن التجربة الديموقراطيّة اللبنانيّة في ضوء التغيّرات الإقليميّة، من أجل تلخيص العناصر التي تعزّز ظهور ديموقراطيّة حقيقيّة في لبنان والعالم العربيّ.

النصّ العربيّ الأقدم لمحاورة طيموثاوس الجاثليق مع الخليفة المهدي

يعتبر الجدل القائم بين رئيس الأساقفة طيموثاوس والخليفة المهدي من أقدم السجالات الإسلاميّة والمسيحيّة وأحد أشهرها. في الواقع، وصلتنا بعض المخطوطات العربيّة الجديدة، إلاّ أنّ هذا المقال يتناول، باختصار، البحوث التي كان يمكن لهذه النصوص أن تعالجها، ثمّ ما اكتشفناه بعد دراستنا التفصيليّة والمقارنة التي أجريناها بين النصوص هذه. وأخيراً، يعالج المقال بعض القضايا الجديدة المتعلّقة بطبيعة العلاقة الجدليّة بين النسختين العربيّة والسريانيّة.

القدّيس لويس دي غونزاغا. “طوبى لأطهار القلوب فإنّهم يشاهدون الله” (متّى 8:5)

تتوق المؤلّفة إلى الانخطاف برائحة القداسة المقترنة بالقدّيس لويس دي غونزاغا لكي يملأ روحها بالألحان الموسيقيّة، ويخفّف نبضات قلبها بأنفاسه… وهكذا، فإنه يفتح الطريق أمام قرّاء مجلّة المشرق ليتمكّنوا من الانخطاف بالرائحة نفسها، حتّى من خلال ترجمة أعماله التي تمّت بقسمين: الأوّل، وهو القسم المنشور في هذه المجلّة، يروي ولادته، وعماده، والاتجاهات الكبرى التي اتّبعها في شبابه العابق بحسّ الطهارة والتواضع. بعد ذلك، تصف المؤلّفة روحه الطاهرة والتقيّة المفعمة بمبادئ العفّة، والرسالة، والتقشّف، والرصانة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد توقّفت عند مسألة ميله إلى الانتماء للرهبانيّة اليسوعيّة وقراره الثابت بالانضمام إليها والامتثال لأنظمتها مرورًا بالمحاولات العديدة التي قام بها والده لخنق ذلك اللهب المتألّق والمشتعل في قلبه والتي باءَت كلّها بالفشل إذ إنّه لم يتمكّن من إقناعه بالعزوف عن قراره. كما أوضحت بعمق الطريقة التي أشبع بها عينيه، وقلبه، وروحه بصوت الربّ الذي يناديه لخدمته، وكيف استعدّ للعبق بالمسك الفائح من ذلك الصوت العليّ والفاضل، والتسلّح به في كلّ وقتٍ وزمان من أجل الدفاع عن إيمانه، واحترامه، وحماسته… والوصول أخيرًا إلى رفع رايته عاليًا جدًّا. تجدر الإشارة إلى أنّ المؤلّفة قد استندت، في كلّ ما سبق أن ذكرت، إلى مجموعة متنوّعة من المراجع المهمّة من أجل الحفاظ على الدقّة في كتاباتها.

هجوم الفرنج على بيروت العام 926 هـ/1520م

في كتابه ” مفاكهة الخلان في حوادث الزمان” ، يذكر المؤرّخ محمّد بن طولون أنّه في سنة 926 هـ / 1520 م، هاجم الفرنج مدينة بيروت. من جانبه، حرّر الكاتب الصحافيّ إبن إلياس نسخةً مختلفة، بحيث يذكر أنّ الفرنج قد احتلّوا بيروت وبقيوا فيها لمدّة ثلاثة أيّام إلى أن تدخّل محافظ دمشق جان بردي الغزاليّ قائدًا على جيشٍ قتل عددًا كبيرًا من الفرنج وسجن منهم 300 شخص.
من هم هؤلاء الفرنج الذين هاجموا بيروت وما هي أسباب الهجوم هذا؟ يُعتبر المقال الحاليّ محاولة للإجابة على هذين السؤالين من خلال إعادة النظر في الإطار الذي وقعت فيه سلسلة الأحداث التي طبعت العلاقات بين السلطان سليمان القانونيّ في بداية عهده وأوروبا الغربيّة.

بعلبك في العهد المملوكيّ. من الولاية إلى النيابة

كان لبنان، بحدوده الجغرافيّة والسياسيّة والإداريّة الحاليّة، جزءًا من سوريا الكبرى (بلاد الشام) منذ أيّام الإسلام الأولى. ففي الوثائق المرجعيّة كلّها، كان هامش المنطقة الساحليّ يسمّى ساحل الشام، أو ساحل دشق بشكل خاصّ. وفي غضون الحقبة المملوكيّة، وهي امتداد للقرون الوسطى، بقي الوضع على حاله تقريباً مع ظهور اختلافات ضئيلة. فقد انشقّ لبنان أقسامًا إداريّة نتج عنها ضمّ بعض مدنه كبعلبكّ، وصيدا، وبيروت إلى دمشق. في الواقع ، كانت بعلبكّ مقاطعة (ولاية) في بداية العصر المملوكيّ، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى نيابة صغيرة، يرأسها نائب يلتزم بتعليمات نائب دمشق. وتعود أصول التحوّل هذا إلى طموح السلطنة في تبنّي الإصلاحات، ولا سيّما في عهد السلطان الناصر محمّد، أو إلى ظهور أسباب إستراتيجيّة أخرى، أو لتسهيل العمل الإداريّ، أو حتّى لأسباب تتعلّق بعواقب الحملات العسكريّة التي خاضها المماليك ضدّ كسروان.

سيكولوجيا الاستحواز

تظهر الرغبة في الاستيلاء والاستحواز في جوانب الحياة المختلفة منذ بداية الزمان. في الواقع، تبرز الظاهرة هذه في الإنسان طوال مرحلة النموّ النفسيّ-الجنسيّ في الطفولة. فالصغار الذين يحبّون أن يستحوزوا على كلّ شيء يتحدّرون، بشكل عامّ، من عائلات غير مستقرّة نفسيًّا وبطريقة مماثلة، يمكن القول إنّ المجتمعات التي تتميّز بهذه الظاهرة غالباً ما تفتقر حكوماتها إلى المصداقيّة.
كثيرًا ما ترتبط سمات الاستحواز هذه بسمات سيكوباتيّة يصعب علاجها. فالارتباط هذا يميل إلى خلق دكتاتوريّات سياسيّة، وعسكريّة، وإيديولوجيّة.
العلاج قد يبدو صعبًا، خاصّة بالنسبة إلى الراشدين. أمّا ما يمكن معالجته بشكل معقول فهو قيام سلطة قضائيّة، عادلة وحازمة في الوقت نفسه، قادرة على الردّ على “الأنا” الفرديّة والجماعيّة وتدمير هيكليّتها الأساسيّة. في حين يبقى العنصر الوقائيّ والتربويّ أساسيًّا للغاية لكي تتمكّن الأجيال الجديدة من تفادي هذا الاتّجاه غير السليم.

خواطر في إنسانيّة يسوع – أصلان اثنان متداخلان في شخص واحد

في القسم الثاني هذا الذي يتحدّث عن إنسانية يسوع المسيح، نناقش المراحل الثلاثة من كريستولوجيا المجامع الكنيسّة في القرون الأولى في ما يتعلّق بطبيعة العلاقة بين ألوهيّة المسيح وإنسانيتّه. ففي أفسس (431)، طرح الإصرار على شخص واحد، ردّاً على نسطور الذي طرح السؤال الحقيقيّ “كيف؟” ، فاصلاً الطبيعتين إلى شخصين، معتبرًا أنّ الألوهيّة غير قادرة على تكبّد معاناة الإنسانيّة. في خلقيدونية (451)، ظهر الفرق الواضح بين طبيعتين في شخص واحد، ردًّا على أوطاخي الذي زعم أنّ اللاهوت قد امتصّ الإنسانيّة، “مثل قطرة ماء في البحر”. ولكن، تبيّن في مجمع القسطنطينيّة الثاني (533) أنّ الألوهيّة تسمح للإنسانيّة بعمل المعجزات، وفي المقابل، نرى الإنسانيّة تهب الألوهيّة المعاناة: “واحد من الثالوث قد عانى”. كذلك، فقد تمّ تأكيد “مشيئتي” يسوع المسيح في لاتران (649) ومجمع القسطنطينيّة الثالث (680-681). وهكذا، وبشكل تدرّجيّ، تعزّز الإصرار على إنسانيّته وواقعه التاريخيّ، في حين أنّ مجمع نيقية (325) قد أصرّ على ألوهيّته الوجوديّة.
وبالنسبة إلينا اليوم؟ هل لا يزال الإيمان في خطر النسطوريّة الجديدة (ألوهيّة يسوع المسيح تصنع المعجزات ولا يمكن بلوغها لا بمعاناة البشرية ولا بموت بشريّ) والأوطيخيّة الجديدة (إنسانيّة يسوع المسيح تختفي في ألوهيّته). في الوقت نفسه، ينبغي أن يصرّ الخطاب اللاهوتيّ على إله يصبح “جسدًا” و”يتأثّر” بالإنسان وبتاريخه. وكذلك، لا بدّ من التشديد على الاقتصاد (تاريخ الخلاص) الذي يعبّر عن “اللاهوت” (حقيقة الله) وعلى “اللاهوت” الذي يوجّه “الاقتصاد”، في “تواصل” حقيقيّ بين هذه الخطابين المسيحيّين.

فلسفة المكان القدسيّ. الميثاق الروحيّ وتجلّياته بين الزائر والقدّيس

الغرض من هذا البحث هو توضيح حقيقة المكان المقدّس المتسامية وإبراز “العهد الروحيّ” الذي يبرم بين المزار والزائر وما يترتّب عليه من آثار أخلاقيّة.
يبدو لي أنّ كلّ كلمة قيلت عن جوهر ما هو مقدّس تؤدي إلى مفارقة معيّنة. فالمقدّس، بغضّ النظر عن قدسيّته، هو في حدّ ذاته مستقلّ ومميّز عن كلّ ما ليس من طبيعته. وفي سياق الدراسة هذه، يبدو أنّ المكان الذي يتمتّع بخاصيّة التقديس هو انحياز فرديّ في العالم الأرضيّ. فمن أجل فهم الواقع المقدّس، يجب على المرء أن يعيشه، ويكونه، أو بعبارة أخرى، أن يلاحظ قدسيّته برضى وخنوع، ويفهم المكان الذي يتواجد فيه ليكون فهمه نتيجة الملاحظة والفعل.
لا شكّ في أنّ “العهد الروحيّ” الذي يجب على الزائر إبرامه مع المكان المقدّس يجبره على الاستعداد للقاءٍ لم يقم به من قبل. سيتعيّن على الزائر أن يستعدّ لحوار لا يمكن أن يفعَّل إلا على المستوى الشخصيّ مع الحاضر في المزار. فالمكان المقدّس لا يقبل الحوار مع زائره إلاّ إذا جاء هذا الأخير بشكل فرديّ، على الرغم من عدد الزائرين الكبير. لكلّ زائر طريقة في الوصول إلى الموقع المقدّس. ولكنّ الشخص الذي يكتشف، نوعًا ما، سرّه، يمكنه وحده أن يصل إليه. ومَن يتمتّع بنيّة صادقة ويؤمن بالشخصيّة التي يحمل المزاؤ اسمها يكتشف السرّ ويدخل المكان بسلام. وهذا ما يسمّيه الحكماء “لحظة العماد” التي تعبّر في الواقع عن تجربة أخلاقيّة ونشوة روحيّة ى يحصل عليها إلّا مَن يعيشها.

ثلاث مقالات لاهوتيّة ليحيى بن عديّ في (الاتّحاد، الصلب، الموت، والصعود)

نُشرت في هذه الدراسة ثلاثة نصوص غير منشورة ليحيى بن عديّ:
1- ملخّص إجابة يحيى على الأسئلة الثلاثة عن الاتّحاد، وكلمة “الموت”، والسبب الكامن وراء عدم ذكرها في العقيدة الإيمانيّة.
2- ملخّص إجاية يحيى بن عديّ على سؤال طرحه الجهينيّ عن كلمة الإنجيل: لن يصعد إلى السماء…
3- ملخّص آخر عن سؤال طرحه الجهينيّ، في ذلك الاجتماع نفسه، عمّا هو مكتوب في التوراة: كلّ مصلوب ملعون…”
تسبق النصوص مقدّمة تعرض محتواها، والطريقة التي اتّبعها يحيى بن عديّ لتفسير آيات الكتاب المقدّس وتقديم نظريّة الاتّحاد الخاصّة به.

شخصيّات من خلال علامات الملكيّة في مجموعة مخطوطات المكتبة الشرقيّة

يسعى مؤلّف المقالة هذه، من خلال علامات الملكيّة، إلى تحديد أصحاب بعض المخطوطات من مجموعة المكتبة الشرقيّة لجامعة القدّيس يوسف في بيروت. يعرض المقال، بطريقة منظّمة، حوالى عشرين علامة منها، بما في ذلك محتوياتها، وقياسها، وأسماء الأشخاص الذين يظهرون فيها، كما حرّر سيرة ذاتيّة مختصرة تليها مراجع بيبليوغرافيّة، وأخيرًا جدولاً يبيّن المخطوطات (العدد، الملفّ، العنوان) حيث تظهر تلك العلامات الملكيّة في غالبيّة هذه المخطوطات. يمكن أن يشكّل المقال هذا عملاً يساعد علماء المخطوطات. وتقترح هذه المقالة إنشاء قاعدة بيانات متخصّصة من عرمات الملكيّة الموجودة في مخطوطات المكتبة الشرقيّة في بيروت.

منهج النقد الموضوعاتيّ في البحث عن النغم الضائع

“الموضوع” إلهام جوهريّ، ومصدر للتفكير، وهوس يدور حوله الغموض بين عمل الكاتب وحياته، هدفه بلوغ الانصهار البطيء في علم النفس الوجوديّ…
أمّا النقد الموضوعيّ، كما يحدّده جورج بوليه، “هو رواية وجود يبحث عن الجوهر”. إنّها حركة روحيّة وعضويّة على حدّ سواء، وهي تقوم على استكشاف عالم الكاتب الخياليّ، وربط التصوّر بالوعي الإبداعيّ، والغوص في أشدّ التجارب حساسيّة من أجل العودة إلى أصل العمل الإبداعيّ أو “الحدس المحدِّد”.
فمهما كان نطاق العمل المدروس، لا بدّ من أن تسترشد مسيرة القراءة بثلاثة أهداف أساسيّة من شأنها تحديد الموضوعات المتكرّرة في العمل، وتصنيفها، واستيعاب هيكليّاتها السرّيّة من أجل تأسيس بنية غير مرئيّة يتميّز بها العمل والولوج إلى عالم الفنّان الملموس.
على أيّ حال، يسلك النقد الموضوعيّ، والقراءة بالإحساس، والاستكشاف، والبناء طريق التماسك لا محال.

أدونيس والتجديد في النظريّة الشعريّة

في إطار الأيّام الأولى من العام الدراسيّ 2014-2015 في “الجامعة للكلّ” بجامعة القدّيس يوسف، وتحت شعار “الفنّ ومكافحة المصير”، كان الشاعر أدونيس ضيف الشرف، وقد شارك الدكتور جورج سلهب، أستاذ أدب عربيّ وأدب مقارَن في معهد الآداب الشرقيّة، بجامعة القدّيس يوسف، وقدّم محاضرة بعنوان “أدونيس والتجديد الشعريّ”، في حضور الشاعر. وبعد الاطّلاع السريع على عمل الشاعر، وهو مرشّح دائم لجائزة نوبل في الأدب، أشار المُحاضر إلى خصائص شعر أدونيس: الرفض، والتمرّد الدينيّ والسياسيّ، والموت والقيامة، والهروب، والحلم، والطفولة، والهجاء. وقد أعرب الشاعر عن أفكاره التجديديّة التي تطال “مجلّة الشعر” التي أسّسها الشاعر يوسف الخال العام 1951. لقد جمعت المجلّة الأدبيّة هذه، التي استمرّت حتّى العام 1970، حول مؤسّسها وأدونيس نخبة من الشعراء والكتّاب المبتكرين الذين أعادوا إحياء حركة التجديد في الأدب العربيّ، التي أبصرت النور منذ أيّام جبران خليل جبران و”الرابطة القلمية” في بداية القرن العشرين. وقد كان قرار تغيير العالم من خلال الشعر مبدأ الحركة الشعريّة الرئيسيّ في “مجلّة الشعر”. ثمّ أعجب شعراء “الشعر” بالتيّار السرّياليّ، وأطلقوا العنان للتعبير المباشر، والتصوّر الشعريّ، والخيال الإبداعيّ. وقد كان عدد القصائد الأجنبيّة الكبير الذي نُقِلَ وتُرجِمَ على صفحات المجلّة يعكس العلاقة بين مؤلّفي “الشعر” والكوزموبوليّات الأدبيّة.

المقاومة والتمثيل: تفاعل محمود درويش مع الذاكرة والنسيان

في روايته “ذاكرة النسيان”، صوّر الشاعر محمود درويش عمليّة تحضير القهوة ارتشافها وكأنّه فعل مقاومة، ووصف رائحة حبوب البنّ وكأنّها جغرافيا. يتّسم هذا النصّ في الشكل والمضمون باستحالة التصنيف، بما أنّه يحتوي على جغرافيّات متعدّدة. في الواقع، استغنم درويش فرصة اندلاع الحرب، والتدمير، وانفجار الوضع الذي كنّا نقود فيه الحياة بشكل مختلف تماماً عن الطبيعة. وهكذا، يعكس الفعل الإبداعيّ الواقع والتاريخ بشكل واضح، مع العلم أنّه الموضوع الأساسيّ الذي عالجه في روايته. وأنا أدرس هنا هذا النصّ وفقًا لمقاومة الحصار على بيروت، ومن منظور تمثيل الصوت الجماعيّ في السيرة الذاتيّة والانسجام مع الأدب القديم من أجل تسليط الضوء على الصراع بين التاريخ والتمثيل مع أخذ تعقيداتها كلّها بعين الاعتبار. تجدر الإشارة إلى أنّ النصّ الحاليّ يُظهر نقطة في غاية الأهمّيّة: إذا كان الإنسان يمتلك لغته، فسوف يتقن سرد روايته، وبالتالي، سوف يتقن قصّته.

i

مقالات هذا العدد

مخاض الديموقراطيّة في لبنان والشرق الأوسط

على مدى عقد ونصف، خاض العالم العربيّ تجربتين ديموقراطيّتين كارثيّتين: الأولى من “الخارج” فرضتها الإدارة الأميركيّة على الرئيس “جورج بوش”، المعروفة تحت اسم “الشرق الأوسط الكبير”، والثانية ناتجة من الداخل “مع الانتفاضات الشعبيّة التي نشأت في العديد من البلدان. يقترح المؤلّف قراءة نقديّة لهذين الحدثين والقضايا ذات الصلة، فضلاً عن التجربة الديموقراطيّة اللبنانيّة في ضوء التغيّرات الإقليميّة، من أجل تلخيص العناصر التي تعزّز ظهور ديموقراطيّة حقيقيّة في لبنان والعالم العربيّ.

النصّ العربيّ الأقدم لمحاورة طيموثاوس الجاثليق مع الخليفة المهدي

يعتبر الجدل القائم بين رئيس الأساقفة طيموثاوس والخليفة المهدي من أقدم السجالات الإسلاميّة والمسيحيّة وأحد أشهرها. في الواقع، وصلتنا بعض المخطوطات العربيّة الجديدة، إلاّ أنّ هذا المقال يتناول، باختصار، البحوث التي كان يمكن لهذه النصوص أن تعالجها، ثمّ ما اكتشفناه بعد دراستنا التفصيليّة والمقارنة التي أجريناها بين النصوص هذه. وأخيراً، يعالج المقال بعض القضايا الجديدة المتعلّقة بطبيعة العلاقة الجدليّة بين النسختين العربيّة والسريانيّة.

القدّيس لويس دي غونزاغا. “طوبى لأطهار القلوب فإنّهم يشاهدون الله” (متّى 8:5)

تتوق المؤلّفة إلى الانخطاف برائحة القداسة المقترنة بالقدّيس لويس دي غونزاغا لكي يملأ روحها بالألحان الموسيقيّة، ويخفّف نبضات قلبها بأنفاسه… وهكذا، فإنه يفتح الطريق أمام قرّاء مجلّة المشرق ليتمكّنوا من الانخطاف بالرائحة نفسها، حتّى من خلال ترجمة أعماله التي تمّت بقسمين: الأوّل، وهو القسم المنشور في هذه المجلّة، يروي ولادته، وعماده، والاتجاهات الكبرى التي اتّبعها في شبابه العابق بحسّ الطهارة والتواضع. بعد ذلك، تصف المؤلّفة روحه الطاهرة والتقيّة المفعمة بمبادئ العفّة، والرسالة، والتقشّف، والرصانة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد توقّفت عند مسألة ميله إلى الانتماء للرهبانيّة اليسوعيّة وقراره الثابت بالانضمام إليها والامتثال لأنظمتها مرورًا بالمحاولات العديدة التي قام بها والده لخنق ذلك اللهب المتألّق والمشتعل في قلبه والتي باءَت كلّها بالفشل إذ إنّه لم يتمكّن من إقناعه بالعزوف عن قراره. كما أوضحت بعمق الطريقة التي أشبع بها عينيه، وقلبه، وروحه بصوت الربّ الذي يناديه لخدمته، وكيف استعدّ للعبق بالمسك الفائح من ذلك الصوت العليّ والفاضل، والتسلّح به في كلّ وقتٍ وزمان من أجل الدفاع عن إيمانه، واحترامه، وحماسته… والوصول أخيرًا إلى رفع رايته عاليًا جدًّا. تجدر الإشارة إلى أنّ المؤلّفة قد استندت، في كلّ ما سبق أن ذكرت، إلى مجموعة متنوّعة من المراجع المهمّة من أجل الحفاظ على الدقّة في كتاباتها.

هجوم الفرنج على بيروت العام 926 هـ/1520م

في كتابه ” مفاكهة الخلان في حوادث الزمان” ، يذكر المؤرّخ محمّد بن طولون أنّه في سنة 926 هـ / 1520 م، هاجم الفرنج مدينة بيروت. من جانبه، حرّر الكاتب الصحافيّ إبن إلياس نسخةً مختلفة، بحيث يذكر أنّ الفرنج قد احتلّوا بيروت وبقيوا فيها لمدّة ثلاثة أيّام إلى أن تدخّل محافظ دمشق جان بردي الغزاليّ قائدًا على جيشٍ قتل عددًا كبيرًا من الفرنج وسجن منهم 300 شخص.
من هم هؤلاء الفرنج الذين هاجموا بيروت وما هي أسباب الهجوم هذا؟ يُعتبر المقال الحاليّ محاولة للإجابة على هذين السؤالين من خلال إعادة النظر في الإطار الذي وقعت فيه سلسلة الأحداث التي طبعت العلاقات بين السلطان سليمان القانونيّ في بداية عهده وأوروبا الغربيّة.

بعلبك في العهد المملوكيّ. من الولاية إلى النيابة

كان لبنان، بحدوده الجغرافيّة والسياسيّة والإداريّة الحاليّة، جزءًا من سوريا الكبرى (بلاد الشام) منذ أيّام الإسلام الأولى. ففي الوثائق المرجعيّة كلّها، كان هامش المنطقة الساحليّ يسمّى ساحل الشام، أو ساحل دشق بشكل خاصّ. وفي غضون الحقبة المملوكيّة، وهي امتداد للقرون الوسطى، بقي الوضع على حاله تقريباً مع ظهور اختلافات ضئيلة. فقد انشقّ لبنان أقسامًا إداريّة نتج عنها ضمّ بعض مدنه كبعلبكّ، وصيدا، وبيروت إلى دمشق. في الواقع ، كانت بعلبكّ مقاطعة (ولاية) في بداية العصر المملوكيّ، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى نيابة صغيرة، يرأسها نائب يلتزم بتعليمات نائب دمشق. وتعود أصول التحوّل هذا إلى طموح السلطنة في تبنّي الإصلاحات، ولا سيّما في عهد السلطان الناصر محمّد، أو إلى ظهور أسباب إستراتيجيّة أخرى، أو لتسهيل العمل الإداريّ، أو حتّى لأسباب تتعلّق بعواقب الحملات العسكريّة التي خاضها المماليك ضدّ كسروان.

سيكولوجيا الاستحواز

تظهر الرغبة في الاستيلاء والاستحواز في جوانب الحياة المختلفة منذ بداية الزمان. في الواقع، تبرز الظاهرة هذه في الإنسان طوال مرحلة النموّ النفسيّ-الجنسيّ في الطفولة. فالصغار الذين يحبّون أن يستحوزوا على كلّ شيء يتحدّرون، بشكل عامّ، من عائلات غير مستقرّة نفسيًّا وبطريقة مماثلة، يمكن القول إنّ المجتمعات التي تتميّز بهذه الظاهرة غالباً ما تفتقر حكوماتها إلى المصداقيّة.
كثيرًا ما ترتبط سمات الاستحواز هذه بسمات سيكوباتيّة يصعب علاجها. فالارتباط هذا يميل إلى خلق دكتاتوريّات سياسيّة، وعسكريّة، وإيديولوجيّة.
العلاج قد يبدو صعبًا، خاصّة بالنسبة إلى الراشدين. أمّا ما يمكن معالجته بشكل معقول فهو قيام سلطة قضائيّة، عادلة وحازمة في الوقت نفسه، قادرة على الردّ على “الأنا” الفرديّة والجماعيّة وتدمير هيكليّتها الأساسيّة. في حين يبقى العنصر الوقائيّ والتربويّ أساسيًّا للغاية لكي تتمكّن الأجيال الجديدة من تفادي هذا الاتّجاه غير السليم.

خواطر في إنسانيّة يسوع – أصلان اثنان متداخلان في شخص واحد

في القسم الثاني هذا الذي يتحدّث عن إنسانية يسوع المسيح، نناقش المراحل الثلاثة من كريستولوجيا المجامع الكنيسّة في القرون الأولى في ما يتعلّق بطبيعة العلاقة بين ألوهيّة المسيح وإنسانيتّه. ففي أفسس (431)، طرح الإصرار على شخص واحد، ردّاً على نسطور الذي طرح السؤال الحقيقيّ “كيف؟” ، فاصلاً الطبيعتين إلى شخصين، معتبرًا أنّ الألوهيّة غير قادرة على تكبّد معاناة الإنسانيّة. في خلقيدونية (451)، ظهر الفرق الواضح بين طبيعتين في شخص واحد، ردًّا على أوطاخي الذي زعم أنّ اللاهوت قد امتصّ الإنسانيّة، “مثل قطرة ماء في البحر”. ولكن، تبيّن في مجمع القسطنطينيّة الثاني (533) أنّ الألوهيّة تسمح للإنسانيّة بعمل المعجزات، وفي المقابل، نرى الإنسانيّة تهب الألوهيّة المعاناة: “واحد من الثالوث قد عانى”. كذلك، فقد تمّ تأكيد “مشيئتي” يسوع المسيح في لاتران (649) ومجمع القسطنطينيّة الثالث (680-681). وهكذا، وبشكل تدرّجيّ، تعزّز الإصرار على إنسانيّته وواقعه التاريخيّ، في حين أنّ مجمع نيقية (325) قد أصرّ على ألوهيّته الوجوديّة.
وبالنسبة إلينا اليوم؟ هل لا يزال الإيمان في خطر النسطوريّة الجديدة (ألوهيّة يسوع المسيح تصنع المعجزات ولا يمكن بلوغها لا بمعاناة البشرية ولا بموت بشريّ) والأوطيخيّة الجديدة (إنسانيّة يسوع المسيح تختفي في ألوهيّته). في الوقت نفسه، ينبغي أن يصرّ الخطاب اللاهوتيّ على إله يصبح “جسدًا” و”يتأثّر” بالإنسان وبتاريخه. وكذلك، لا بدّ من التشديد على الاقتصاد (تاريخ الخلاص) الذي يعبّر عن “اللاهوت” (حقيقة الله) وعلى “اللاهوت” الذي يوجّه “الاقتصاد”، في “تواصل” حقيقيّ بين هذه الخطابين المسيحيّين.

فلسفة المكان القدسيّ. الميثاق الروحيّ وتجلّياته بين الزائر والقدّيس

الغرض من هذا البحث هو توضيح حقيقة المكان المقدّس المتسامية وإبراز “العهد الروحيّ” الذي يبرم بين المزار والزائر وما يترتّب عليه من آثار أخلاقيّة.
يبدو لي أنّ كلّ كلمة قيلت عن جوهر ما هو مقدّس تؤدي إلى مفارقة معيّنة. فالمقدّس، بغضّ النظر عن قدسيّته، هو في حدّ ذاته مستقلّ ومميّز عن كلّ ما ليس من طبيعته. وفي سياق الدراسة هذه، يبدو أنّ المكان الذي يتمتّع بخاصيّة التقديس هو انحياز فرديّ في العالم الأرضيّ. فمن أجل فهم الواقع المقدّس، يجب على المرء أن يعيشه، ويكونه، أو بعبارة أخرى، أن يلاحظ قدسيّته برضى وخنوع، ويفهم المكان الذي يتواجد فيه ليكون فهمه نتيجة الملاحظة والفعل.
لا شكّ في أنّ “العهد الروحيّ” الذي يجب على الزائر إبرامه مع المكان المقدّس يجبره على الاستعداد للقاءٍ لم يقم به من قبل. سيتعيّن على الزائر أن يستعدّ لحوار لا يمكن أن يفعَّل إلا على المستوى الشخصيّ مع الحاضر في المزار. فالمكان المقدّس لا يقبل الحوار مع زائره إلاّ إذا جاء هذا الأخير بشكل فرديّ، على الرغم من عدد الزائرين الكبير. لكلّ زائر طريقة في الوصول إلى الموقع المقدّس. ولكنّ الشخص الذي يكتشف، نوعًا ما، سرّه، يمكنه وحده أن يصل إليه. ومَن يتمتّع بنيّة صادقة ويؤمن بالشخصيّة التي يحمل المزاؤ اسمها يكتشف السرّ ويدخل المكان بسلام. وهذا ما يسمّيه الحكماء “لحظة العماد” التي تعبّر في الواقع عن تجربة أخلاقيّة ونشوة روحيّة ى يحصل عليها إلّا مَن يعيشها.

ثلاث مقالات لاهوتيّة ليحيى بن عديّ في (الاتّحاد، الصلب، الموت، والصعود)

نُشرت في هذه الدراسة ثلاثة نصوص غير منشورة ليحيى بن عديّ:
1- ملخّص إجابة يحيى على الأسئلة الثلاثة عن الاتّحاد، وكلمة “الموت”، والسبب الكامن وراء عدم ذكرها في العقيدة الإيمانيّة.
2- ملخّص إجاية يحيى بن عديّ على سؤال طرحه الجهينيّ عن كلمة الإنجيل: لن يصعد إلى السماء…
3- ملخّص آخر عن سؤال طرحه الجهينيّ، في ذلك الاجتماع نفسه، عمّا هو مكتوب في التوراة: كلّ مصلوب ملعون…”
تسبق النصوص مقدّمة تعرض محتواها، والطريقة التي اتّبعها يحيى بن عديّ لتفسير آيات الكتاب المقدّس وتقديم نظريّة الاتّحاد الخاصّة به.

شخصيّات من خلال علامات الملكيّة في مجموعة مخطوطات المكتبة الشرقيّة

يسعى مؤلّف المقالة هذه، من خلال علامات الملكيّة، إلى تحديد أصحاب بعض المخطوطات من مجموعة المكتبة الشرقيّة لجامعة القدّيس يوسف في بيروت. يعرض المقال، بطريقة منظّمة، حوالى عشرين علامة منها، بما في ذلك محتوياتها، وقياسها، وأسماء الأشخاص الذين يظهرون فيها، كما حرّر سيرة ذاتيّة مختصرة تليها مراجع بيبليوغرافيّة، وأخيرًا جدولاً يبيّن المخطوطات (العدد، الملفّ، العنوان) حيث تظهر تلك العلامات الملكيّة في غالبيّة هذه المخطوطات. يمكن أن يشكّل المقال هذا عملاً يساعد علماء المخطوطات. وتقترح هذه المقالة إنشاء قاعدة بيانات متخصّصة من عرمات الملكيّة الموجودة في مخطوطات المكتبة الشرقيّة في بيروت.

منهج النقد الموضوعاتيّ في البحث عن النغم الضائع

“الموضوع” إلهام جوهريّ، ومصدر للتفكير، وهوس يدور حوله الغموض بين عمل الكاتب وحياته، هدفه بلوغ الانصهار البطيء في علم النفس الوجوديّ…
أمّا النقد الموضوعيّ، كما يحدّده جورج بوليه، “هو رواية وجود يبحث عن الجوهر”. إنّها حركة روحيّة وعضويّة على حدّ سواء، وهي تقوم على استكشاف عالم الكاتب الخياليّ، وربط التصوّر بالوعي الإبداعيّ، والغوص في أشدّ التجارب حساسيّة من أجل العودة إلى أصل العمل الإبداعيّ أو “الحدس المحدِّد”.
فمهما كان نطاق العمل المدروس، لا بدّ من أن تسترشد مسيرة القراءة بثلاثة أهداف أساسيّة من شأنها تحديد الموضوعات المتكرّرة في العمل، وتصنيفها، واستيعاب هيكليّاتها السرّيّة من أجل تأسيس بنية غير مرئيّة يتميّز بها العمل والولوج إلى عالم الفنّان الملموس.
على أيّ حال، يسلك النقد الموضوعيّ، والقراءة بالإحساس، والاستكشاف، والبناء طريق التماسك لا محال.

أدونيس والتجديد في النظريّة الشعريّة

في إطار الأيّام الأولى من العام الدراسيّ 2014-2015 في “الجامعة للكلّ” بجامعة القدّيس يوسف، وتحت شعار “الفنّ ومكافحة المصير”، كان الشاعر أدونيس ضيف الشرف، وقد شارك الدكتور جورج سلهب، أستاذ أدب عربيّ وأدب مقارَن في معهد الآداب الشرقيّة، بجامعة القدّيس يوسف، وقدّم محاضرة بعنوان “أدونيس والتجديد الشعريّ”، في حضور الشاعر. وبعد الاطّلاع السريع على عمل الشاعر، وهو مرشّح دائم لجائزة نوبل في الأدب، أشار المُحاضر إلى خصائص شعر أدونيس: الرفض، والتمرّد الدينيّ والسياسيّ، والموت والقيامة، والهروب، والحلم، والطفولة، والهجاء. وقد أعرب الشاعر عن أفكاره التجديديّة التي تطال “مجلّة الشعر” التي أسّسها الشاعر يوسف الخال العام 1951. لقد جمعت المجلّة الأدبيّة هذه، التي استمرّت حتّى العام 1970، حول مؤسّسها وأدونيس نخبة من الشعراء والكتّاب المبتكرين الذين أعادوا إحياء حركة التجديد في الأدب العربيّ، التي أبصرت النور منذ أيّام جبران خليل جبران و”الرابطة القلمية” في بداية القرن العشرين. وقد كان قرار تغيير العالم من خلال الشعر مبدأ الحركة الشعريّة الرئيسيّ في “مجلّة الشعر”. ثمّ أعجب شعراء “الشعر” بالتيّار السرّياليّ، وأطلقوا العنان للتعبير المباشر، والتصوّر الشعريّ، والخيال الإبداعيّ. وقد كان عدد القصائد الأجنبيّة الكبير الذي نُقِلَ وتُرجِمَ على صفحات المجلّة يعكس العلاقة بين مؤلّفي “الشعر” والكوزموبوليّات الأدبيّة.

المقاومة والتمثيل: تفاعل محمود درويش مع الذاكرة والنسيان

في روايته “ذاكرة النسيان”، صوّر الشاعر محمود درويش عمليّة تحضير القهوة ارتشافها وكأنّه فعل مقاومة، ووصف رائحة حبوب البنّ وكأنّها جغرافيا. يتّسم هذا النصّ في الشكل والمضمون باستحالة التصنيف، بما أنّه يحتوي على جغرافيّات متعدّدة. في الواقع، استغنم درويش فرصة اندلاع الحرب، والتدمير، وانفجار الوضع الذي كنّا نقود فيه الحياة بشكل مختلف تماماً عن الطبيعة. وهكذا، يعكس الفعل الإبداعيّ الواقع والتاريخ بشكل واضح، مع العلم أنّه الموضوع الأساسيّ الذي عالجه في روايته. وأنا أدرس هنا هذا النصّ وفقًا لمقاومة الحصار على بيروت، ومن منظور تمثيل الصوت الجماعيّ في السيرة الذاتيّة والانسجام مع الأدب القديم من أجل تسليط الضوء على الصراع بين التاريخ والتمثيل مع أخذ تعقيداتها كلّها بعين الاعتبار. تجدر الإشارة إلى أنّ النصّ الحاليّ يُظهر نقطة في غاية الأهمّيّة: إذا كان الإنسان يمتلك لغته، فسوف يتقن سرد روايته، وبالتالي، سوف يتقن قصّته.

Share This