في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر –
الانسجامات الأساسيَّة
ط.1، 176 ص.، بيروت: دار المشرق، 2025.
ISBN: 978-2-7214-8196-2
صدر عن دار المشرق في العام 2025 كتابٌ للدُّكتور فرانك درويش بعنوان في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر – الانسجامات الأساسيَّة[1]، يعرض فيه الكاتب تطوُّر مصطلح الواقعانيَّة (Faktizität) وارتداداته على وجود «الدَّازَين» Dasein وحرِّيَّته في العالم. يُحدِّد الكاتب في المقدِّمة إشكاليَّة كتابه انطلاقًا من المرحلة الثَّانية للواقعانيَّة في فكر هايدغر (1889-1976)، ذلك أنَّ الكُتُب السَّابقة، في رأيه، اقتصرت أبحاثها على تحليل الواقعانيَّة في بدايات فكر هذا الفيلسوف – وهو فكرٌ يُعبِّر عن الإنسان «ككائن مرميّ»[2] (Geworfenheit) في العالم من دون أن يختار لماذا هو هنا، كما وَرَدَ ذلك في كتابه الكينونة والزَّمان، إذ يَجد نفسه في عالم وَرث ثقافته وتاريخه وبيئته -، وأهملت النُّصوص الَّتي ظهرت بعد المنعطف[3] (Kehre) المرتبطة بالكينونة. هذا ما يُسوِّغ في آن واحد عنوان كتاب المؤلِّف وعنوان الفصل الأوَّل، «من واقعانيَّة إلى واقعانيَّة».
إنَّ الغوص في فكر هايدغر ليس أمرًا سهلًا، إذ يستدعي معرفة واسعة بمصطلحاته الألمانيَّة المتشعِّبة والعصيَّة على الفهم والتَّرجمة في آن. ما يبرز في متن هذا الكتاب هو إلمام الكاتب بفكر هذا الفيلسوف إلى حدِّ التَّماهي بأسلوبه وتعابيره، ما يجعل القارئ في حَيرة من أمره، ولا سيَّما فيما يتعلَّق باستخدام المصطلحات، إذ يستخدمها الكاتب وكأنَّها مصطلحات مُكتسبة، في حين أنَّ كلَّ مصطلح يحتاج إلى تفسير واضح من جهة، وإلى إيجاد المصطلح العربيِّ المناسب، ولا سيَّما أنَّه لا يوجد توافقٌ بين المختصِّين بترجمة مصطلحات هايدغر العربيَّة. ومع ذلك، لا بدَّ من الإشارة إلى أهمِّيَّة هذا الكتاب في العالم العربيِّ وإلى ضرورته، إذ لا يتوقَّف على الكينونة والزَّمان (Sein und Zeit) بل يغوص في الكتابات اللَّاحقة، ولا سيَّما تلك الَّتي نُشِرت بعد وفاة الفيلسوف.
ومن ثمّ، لا أخفي أنَّني تردَّدت بعض الشَّيء في تقييم هذا الكتاب، إذ يتطلَّب جُهدًا كبيرًا للإحاطة به وبتطوُّر فكر هايدغر الَّذي لم يعرف الكَلَل حتَّى أواخر حياته. فهايدغر ليس كباقي الفلاسفة، إنَّه فيلسوف مُجدِّد وناقدٌ صارم للإرث الفلسفيِّ الميتافيزيقيِّ منذ أفلاطون حتَّى نيتشه، وذلك في أسلوب غريب من نوعه حتَّى على النَّاطقين باللُّغة الألمانيَّة. مشروع هايدغر هو بحثٌ عن معنى الكينونة في واقع الدَّازَين، ذلك أنَّ هدفه ينطوي على مساءلة الكينونة الَّتي سقطت في طيِّ النسيان، على حدِّ تعبيره. لذا، والحالة هذه، سأحاول أن أقيِّم كتاب فرانك درويش بتردُّد وتهيُّب مع اقتناعي بأنَّ هذه المقاربة لن تَفِيَ بمضمونه وتشعُّباته.
- الإنسان كائنٌ مُقبِلٌ على الموت
لكي نَفهم أكثر مشروع هايدغر الفكريَّ في كتاب الكينونة والزَّمن لا بدَّ من تحديد الدَّازَين (Dasein) الَّذي ليس سوى الإنسان المرتبط بهذا العالم، الَّذي يختبر فيه معنى كينونته (sein) في تعاريج وجودٍ وُضِع فيه رُغمًا عنه، ومن ثمَّ، عليه أن يتدبَّر أمره في اختبار تقلُّبات الزَّمن بين الماضي والحاضر والمستقبل، الأمر الَّذي يَخلق فيه هَمًّا (Sorge) كبيرًا، وبخاصَّةٍ هَمَّ الموت المتأصِّل في كيانه، فيكتشف أنَّ وجوده هَشٌّ بِفِعْلِ ارتباطه العضويِّ بالموت. أمام هذا الثِّقَل (Last) الرَّابض عليه يسعى الإنسان إلى الخروج من عطوبيَّته حين يَعي وضعه الخاصَّ المائت كفرد، ويُبادر إلى إيجاد عناية لا تمُتُّ بصلة إلى كائن آخر، عنايةٍ تتجلَّى في رحاب هذا العالم، وهو في هذا السِّياق، ليس بعيدًا عن نيتشه. الإنسان، على حدِّ قول هايدغر، كائنٌ «مُقبِلٌ على الموت» (Sein zum Tode)، وكلُّ تفتيش عن أصل أو غائيَّة تُخفِّف من هذا الثِّقَل الرَّهيب يبقى عَصيًّا ومَخفيًّا عليه، وهذا ما يُفسِّر واقع الدَّازَين الموجود والمرميّ. الوجود لا مرجعيَّة له ولا يقود إلى أيِّ مكان، ما يُعبِّر عن الهمِّ المتأصِّل في الإنسان الَّذي يشعر به من جرَّاء هذه الواقعانيَّة.
في هذا السِّياق، يبدو أنَّ الأسئلة الَّتي أثارها هايدغر عن الواقعانيَّة وعن الكينونة التَّاريخانيَّة في كتابه الكينونة والزَّمان قد سلَّطت الضَّوء على استكشافات مهمَّة، إلَّا أنَّ بعض الأسئلة الَّتي أثارها قد أُغلِقت، لا بل لم تُعطِ أجوبة شافية. وما الواقعانيَّة الثَّانية سوى محاولة لإيجاد رؤية جديدة تُساعدنا على فَهْمِ المنعطف (Kehre) الَّذي برز في مسيرة هايدغر الفكريَّة. هذا ما حاول الكاتب تبيانه في مَتْنِ هذا الكتاب.
- الإنسان كائنٌ مرميٌّ في واقعانيَّة الزَّمان
ولكي يضع هايدغر الواقعانيَّة في إطارها الصَّحيح، يحمل على ديكارت، ذلك أنَّ شكَّه المُبالغ فيه أفضى به إلى الانطواء على الذَّات وعلى الابتعاد عن مصدر الواقعانيَّة المرتبطة في الزَّمان والمكان، فراح يُفتِّش عنها في مصدرٍ سامٍ آخر (ﷲ) خارج إطارها المرئيّ. وهذا ما دفع هايدغر إلى التَّحقُّق من معنى هذا المصطلح من خلال الهرمنيوطيقا للعودة إلى أصولها عن طريق الانخراط في واقعانيَّة الكائنات (Befindlichkeit) في هذا العالم المرتبِط باختبار الدَّازَين من خلال انسجامه (Stimmung) وعلاقته بواقعه، ككائنٍ في العالم. فمنذ وعيه يكتشف الإنسان أنَّه كائن مرميٌّ (geworfen) في هذا العالم، فيُسلِّم بهذا الواقع ويُحاول أن ينطلق من هذا التَّسليم الَّذي لا مناص منه، أي ككائنٍ مُلقًى به ليس من قِبَل كائنٍ أعلى، بل ككائن موجود في هذا العالم فحسب. ومن ثمَّ، يأخذ الإنسان من واقعانيَّته المرميَّة موقِفَين: إمَّا أن يَستسلم للواقع من دون أن يُغيِّر فيه شيئًا ويعيشَ حياةً غير أصيلة Uneigentlichkeit لا معنى لها، تُحرِّكها الظُّروف الاجتماعيَّة الخارجيَّة، وإمَّا أن يُعطيَ هذه الواقعانيَّة معنى الأصالة (Eigentlichkeit) يُواجه من خلالها الحياة، بحيث يسعى إلى تنمية حرِّيَّته ومسؤوليَّته وفرادته. وقد بَيَّن هايدغر في كتابه أنَّ مصير الإنسان يَحدث في قلب الزَّمن ضمن مسارٍ تاريخيّ، وأنَّ معنى الكينونة لا يتجلَّى إلَّا في هذا العالم فحسب. هذا يعني أنَّ «الدَّازَين، هو نفسه القاع المُرمى، إذ يرمي بنفسه على إمكانيَّات قد رُمِيَ فيها»[4]، ولكي يتحكَّم الدَّازَين بهذا القاع، لا بدَّ له من أن يبدأ مغامرته من «الوجود كأساس» ليَفْهم ذاته بحسب ما يملك من إمكانيَّات. وبتعبير آخر، كما فسَّره فرانك درويش، «يبدأ الدَّازَين من شيء ومن لا شيء»[5] في آنٍ واحد، أي ما يُسمِّيه هايدغر بالمعاودة (Wiederholung). ومن ثمَّ، يُضْحي ما ورثه الدَّازَين باطلًا لا قيمة له حتَّى يتمَّ تحويله من جديد. من هنا أهمِّيَّة الابتعاد عن الموروث كي تكون المعاودةُ معاودةً حقيقيَّة. هذه هي المهمَّة الَّتي ينبغي للدَّازَين أن يقوم بها. لذا، والحالة هذه، يُصبح الدَّازَين كلَّ إنسانٍ يعي أنَّه هنا، كي تنفتح أمامه آفاق جديدة، أو ما يُسمِّيه هايدغر بالمُنفَسح أو المنارة [6] (Lichtung).
- الدَّازَين بين ثِقَل الحياة وشجاعة الوجود
في هذا السِّياق، على الدَّازَين أن يبدأ مشروعه «ممَّا يجده هنا معه»، كي تنفتح أمامه منارة الوجود. ذلك أنَّ ما يُرافق الدَّازَين من إمكانيَّات يكمن في «واقعانيَّة الوجود في التَّاريخ». هذا الفكر الشَّاقُّ والغريب في مصطلحاته المبتكرة ليس من السَّهل التَّعبير عنه، ذلك أنَّ كلَّ مصطلح عند هايدغر يحتاج إلى تفسير في إطاره كي ينجلي ويتَّضح، لأنَّ فكر هايدغر هو أشبه بشخصٍ يحفر في الصَّخر وعليه أن يكون صبورًا كي يصل إلى مبتغاه. فأوَّل ما يشعر به الدَّازَين في وجوده هو أنَّ هناك عبئًا(Last) ثقيلًا (schwer) يربض عليه ويتحكَّم به، وأنَّ عليه أن يتحلَّى بالشَّجاعة (Mut)، ما يعني أنَّ العبء يتطلَّب روحًا جديدة، كما عبَّر عنها هايدغر في كتابه إسهامات في الفلسفة، فيشير إلى «روح الشَّجاعة كإرادة عهد (Ereignis) عارفة - إنسجاميَّة»[7]. ويُردف الكاتب في تحليله فكر هايدغر قائلًا بأنَّ هذه الرُّوح الشُّجاعة ليست في متناول الجميع، إذ تتطلَّب إبداعًا وخَلْقًا (Schöpfung) . ومن ثمَّ، ليس من السَّهل لأيِّ أحدٍ انطلاقًا من واقعانيَّة الدَّازَين أن يأخذ على عاتقه هذا الخلق وهذا الإبداع. ولعلَّ الفيلسوف، على حدِّ قول الكاتب، هو الأقرب إلى الخوض بشجاعة في هذه البداية الجديدة. ويستعين هايدغر أيضًا بالشَّاعر هولدرلين للتَّعبير عن هذه المهمَّة من خلال الشِّعر لاحقًا، إذ يُعبِّر هذا الشَّاعر عن «إمكانيَّات الكينونة – التَّاريخانيَّة»[8] ويأخذها على عاتقه. لذا، فإنَّ «المطلوب من المفكِّر، أي الفيلسوف في فكره الحقّ، والشَّاعر أن يُقيما أساسًا، أو بشكل أدقّ، أن يسمحا لأساس مُعيَّن أن يَحصل، فَيَنْشأ ويُنشِئ»[9].
ومن ثمَّ، إنَّ مهمَّة الدَّازَين المُرمى في العالم والَّذي يُعاود خَلْقَ ذاتِه في إمكانيَّاته التَّاريخانيَّة، هي أن يتوسَّع خارج ذاته ضِمْن حدوده الجديدة المفروضة عليه. هذا التَّوسُّع للدَّازَين يُظهر أنَّ هناك تقييدًا جديدًا للواقعانيَّة عبَّر عنه فرانك درويش بمصطلحَي القلق (Angst) والانسجامات (Stimmungen) الأساسيَّة استنادًا إلى كتاب الكينونة والزَّمان.
- المنعطف: الانسجامات الأساسيَّة وتجلِّياتها في الواقعانيَّة
موضوع القلق لدى هايدغر موضوع أساسيٌّ في فكره، إذ يرتبط بالكائنات كلِّها وبفكرة العدم الَّذي هو محور مقالته الشَّهيرة «ما الميتافيزيقا؟»، وذلك لِفَهْم الكائن الموجود وارتباطه بالضَّجر العميق الَّذي يصيب الدَّازَين في «الزَّمان الَّذي يدوم» ولا يعرف التَّوقُّف. إلى جانب القلق، يتوسَّع هايدغر بمفهوم «الانسجامات الأساسيَّة» ويدعو إلى استيقاظها كي تؤدِّي دورَين أساسيَّين: «عليها أن تتابع إرساء الدَّازَين في واقعانيَّته وأن تجعلَه موضوعَ تَفكُّر»[10]. هذان الدَوْران يسمحان لنا بالدُّخول في الفكرِ «كَرَميٍ لحقيقة الوجود في الفسحة المفتوحة»[11]. وتسمح الانسجامات أيضًا بتجلِّي ثلاثة مواقف: التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة (Verhaltenheit) والتَّفكير في التَّخلِّي عن الوجود (Seinsverlassenheit) وانتظار ما سيتبدَّى في المستقبل [12] (Zukünftigen).
إنَّ التَّشديد على هذه المصطلحات ضروريٌّ لنفهم ما يريد هايدغر، وما يُحاول فرانك دوريش أن يوصله من خلال كتابه في تحليله مصطلح الواقعانيَّة الثَّانية الَّتي هي محور هذا الكتاب.
التَّحفُّظ أو الانقباضيَّة هو انسجام الدَّازَين مع نفسه لَيَفهم أنَّه مرميٌّ وأنَّه سيرمي نفسه في السَّكن الأصيل داخل الوجود. لذا، يجد الدَّازَين نفسه جاهزًا لواقعانيَّته، «أي العهد (Ereignis) الَّذي هو الكينونة التَّاريخانيَّة»[13]. يضمن التَّحفُّظ (Verhaltenheit) للدَّازَين أن يكون مرميًّا في واقعانيَّته كواقعانيَّة حقيقيَّة تقود إلى اتِّخاذ قرارٍ نحو الوجود أو نحو عدم - الوجود.
أمَّا التَّخلِّي عن الوجود فينتمي إلى وجهَين: نسيان الوجود واضمحلال الحقيقة في آنٍ واحد. هذان الوجهان لا يُمكن تجاوزهما إلَّا من خلال فكرٍ تاريخانيٍّ مرجعه التَّحفُّظ أو كما ترجمه فرانك درويش بالانقباضيَّة.
الموقف الثَّالث الَّذي يشير إلى انتظار ما سيأتي في المستقبل هو ما سيضطلع به المفكِّرون الَّذين قرَّروا الانتساب إلى الوجود والَّذين عُهِد إليهم القيام بهذه الوظيفة والتَّأسيس الجديد انطلاقًا من الوجود التَّاريخانيِّ ضمن حقبة مغايرة تمامًا عن حقبة الميتافيزيقا الغربيَّة الَّتي بلغت ذروتها في التِّقنيَّة الحديثة، أي ما يسمح للإنسان أن يكون ما يجب أن يكون من دون النَّظر إلى الوراء والالتفاف على الكينونة من منطلقٍ مغاير عن واقعها.
بعد هذه القراءة المقتضبة لمفهوم الواقعانيَّة في بُعدها الأوَّل (الكينونة والزَّمان) والواقعيَّة في بعدها الثَّاني بعد المنعطف، تمكنَّا من الإحاطة بوضوح أكبر بواقعانيَّة الدَّازَين من خلال التَّأويل المتأخِّر له. وسوف يدعم الكاتب هذا الفهم من خلال الحِداد الَّذي أفرد له فصلَين من كتابه، إذ يُمثِّل حركة الانتقال نحو الواقعانيَّة الجديدة الَّتي هي في صُلب الفكر التَّاريخانيّ.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هايدغر، في كتابه إسهامات في الفلسفة، يحمل على المسيحيَّة ويتخلَّى عنها، تمامًا كما تخلَّى عن الرومانسيَّة والمثاليَّة. لا بل ذهب في تخلِّيه إلى أبعد من الإلحاد، إذ انتقل إلى مفهوم وثنيٍّ جديد تخلَّى من خلاله عن المفهوم الإلهيِّ المسيحيّ، واستحضر مفهومًا إلهيًّا من نوع آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحِداد.
- إهمال الانسجام الأساس في الدِّراسات عن هايدغر
يمضي فرانك درويش في تحليله مفهوم الواقعانيَّة الجديدة، ويتساءل لماذا أهملت الدِّراسات عن هايدغر مصطلح الانسجام الأساسيّ، في حين أنَّ مصطلحات أخرى مثل الإرايغنس Ereignis (العهد في ترجمة درويش) والفنِّ والفضاء والإله والسَّكن قد أُفرِد لها دراسات وافية. هناك دراسات، بالطَّبع، كما يقول الكاتب، عن الانسجام (Stimmung) وحده أو عن الأساس Grund، ولكن لا يوجد دراسة تجمع بين الاثنين. لذا، ينبري الكاتب في الفصل الثَّاني من كتابه لتوضيح هذه العلاقة.
لن أدخل في النِّقاش الَّذي أقامه فرانك درويش مع الكاتب البريطانيِّ ماثيو راتكليف Matthew Ratcliffe وسبب إهماله مصطلحَ الانسجام الأساسيّ. ما يهمُّني في سياق هذه الدِّراسة هو أنَّ هدف الكاتب من هذا الفصل هو الاهتمام بفهمٍ صحيح للانسجام الأساسيِّ، ودراسة تكوين الانسجامات - الأساسيَّة ونموِّها المرتبطة بفكر هايدغر بعد المنعطف الفكريِّ سنة 1026.
يُميِّز الكاتب دور الانسجام والأساس قبل فعلهما الَّذي يسبق البناء. الانسجام موجود كلَّ مرَّة يكون هناك مشروع تأسيسيّ، أمَّا الأساس فهو إمكان الأساس وديمومته في حركة الزَّمان والتَّعاقب الدَّائم في الوجود. يقول الكاتب في هذا الصَّدد: «لا يُعطي الانسجام أساسًا أبدًا، ولكنَّه موجود عند كلِّ تأسيس بصفته ميزته وبصمته… الخاصَّة، وهو يحفظ العلاقة الديناميكيَّة بين البدايات وأساسها المؤسِّس»[14] (34). ومن ثمَّ، لِمَ هذا التَّرابط الوثيق بين الانسجام والأساس؟
يُبيِّن فرانك درويش في الفصل عينه أنَّ هايدغر، الَّذي تأثَّر كثيرًا بفنومنولجيا إدموند هوسرل ولا سيَّما بكتاب الأبحاث المنطقيَّة، قد سعى إلى الذَّهاب أبعد من اهتمام هوسرل بالأشياء بذاتها (zu den Dingen selbst) ليَعبر من السُّؤال عن الوجود ومعناه إلى السُّؤال عن الاختلاف الأنطولوجيّ (ontologische Differenz)، وذلك من خلال كتابه «في ماهيَّة الأساس» ومحاضرته «ما الميتافيزيقا؟».
يظهر «الانسجام الأساسيُّ» في مسألة الاختلاف الأنطولوجيّ وارتباطه بمفهوم العدم (das Nichts). العدم في المعنى التَّقليديّ هو نَفْيُ كلِّ شيء وهو أيضًا اللَّاشيء أو الغياب الكلِّيّ، أمَّا هايدغر فيتناول المسألة من زاوية أوسع وأشمل، إذ يشمل الكائن الموجود بحيث يتجلَّى ذلك من خلال السَّأم (Langeweile) إلى حدِّ اللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ومن ثمّ، يكشف هذا السَّأم الوجود بكلِّيَّته. من هذا الاختبار، يبرز القلق (Agnst) كوجدان في كتاب الكينونة والزَّمان، إذ هو اختبار وجدانيّ، أي الشُّعور الَّذي ينتاب الدَّازَين إزاء وضعه في العالم، بحيث يتراجع كلُّ شيء، ذلك أنَّ القلق هو تعبير عن غربة الدَّازَين في هذا العالم أو ما يُسمِّيه هايدغر السَّأم الأساسيَّ الَّذي هو أقوى وأعمق من الضَّجر العابر. وقد عبَّر فرانك درويش عن السَّأم بطريقة جليَّة قائلًا: «السَّأم هو مثل ضبابٍ مُسكِّن ((schweigender Nebel ينتقل من مكان إلى آخر في هاويات (Abgründen) الدَّازَين، فيُزيل كلَّ شيء… ويضع الكلَّ في لامبالاة مُميَّزة»[15]. ما غاية الانسجام (Stimmung) سوى تلك الوسيلة الَّتي تُسهم في دوزنة الأشياء وتناغمها. ذلك أنَّ الانسجام يقوم بدور الجمع ويضمن التَّماسك في كلِّ تحوُّلاته. الانسجام هو الَّذي يُبقي الأفق مفتوحًا ويتحكَّم بالعدم على أنواعه «واللَّاأساس الَّذي يُشكِّل ماهيَّته»، وهو، في هذا الأفق، يُقدِّم «التَّركيبات الانسجاميَّة الَّتي تُشكِّل وتُقدِّم دائمًا إمكانيَّات أساسات مختلفة، وبالتَّالي مبادئ معرفيَّة ومبادئ وجود… في العالم»[16].
وفي السِّياق عينه، يُبيِّن فرانك درويش أنَّ الانسجام يُعطي المعنى في الزَّمان، ويُسعفنا على «فهم العالم التَّاريخانيِّ الَّذي يُستحضر في كلِّ مرَّة، والَّذي نحن فيه، والعوالم الَّتي سوف تأتي لاحقًا بفضل تعالي الوجود الَّذي يُمكِّنها، من خلال أساسٍ وانسجام يضعاننا في زمانه وكلمته – أي اللُّغة في المعنى الَّذي يبني الزَّمان»[17]. لهذا السَّبب يُمكننا فهم السَّأم والقلق اللَّذين هما في صميم محاضرته «ما الميتافيزيقا؟» السَّأم يُقدِّم منعطفًا في الزَّمان، بينما يضع القلق اللُّغة في صُلْب التَّساؤل.
ما من شكٍّ في أنَّ الدَّازَين يَقِفُ حائرًا من دون كلام أمام العدم، إذ هو اختباره الأليم، ولكنَّ هذا الاختبار ليس مجرَّد فراغ، بل هو استعداد للغة جديدة من نوع آخر، واستعداد لقولٍ مختلف. هذه اللُّغة الجديدة هي الَّتي ستخفِّف من ثِقل السَّأم وهوْل القلق اللَّذين يُشكِّلان الانسجامَين - الأساس في مقاربة الكاتب، وقد تجلَّت في كتاب هايدغر رسالة في الإنسانويَّة، إذ رسم فيه توجُّهه المستقبليَّ الجديد من خلال هذه الكلمات الشَّهيرة الَّتي تُعبِّر عن فكره، ولا سيَّما بعد تحليله قصائد الشَّاعر الألمانيِّ فريدريش هولدرلين: «اللُّغة منزل الوجود»[18] (Die Sprache ist das Haus des Seiens). لذا، والحالة هذه، لم تَعُد اللُّغة وسيلة للتَّواصل بل باتت سَكَنَنا على الأرض، على حدِّ تعبير هايدغر في محاضرته سنة 1951: «نبني نسكن نفكِّر»، الأمر الَّذي يقودنا إلى نوعٍ من السُّكون «فيسيطر الأساس كإمكان لغةٍ تسمح بالسَّكن في انسجام مع الوجود»[19] .
وخلاصة القول، إنَّ الانسجامات - الأساس تفتح لنا آفاقًا واسعة لنفهم تطوُّر فكر هايدغر منذ صدور كتابه الكينونة والزَّمان حتَّى الكتابات اللَّاحقة، ذلك أنَّ هذين المصطلحين يُعبِّران عن واقع الدَّازَين وارتباطه في هذا العالم الَّذي وُجِد فيه. ولكي نذهب أبعد في قراءتنا كتاب فرانك درويش، لا بدَّ لنا من التَّوقُّف على مسألة الضَّجر أو السَّأم العميق (Tiefe Langeweile) بعمق أكثر، إذ هو «انسجام - أساس»، كما يقول صاحب هذا الكتاب في الفصل الثَّالث.
- الضَّجر والانسجام الأساس
يستند فرانك درويش في مقاربته مصطلح الضَّجر، في هذا الفصل، إلى دَرْسٍ ألقاه هايدغر في فصل ربيع 1929/1930 بعنوان التَّصوُّرات الأساسيَّة للميتافيزيقا: العالم – التَّناهي – الوحدة، وهو مصطلح يُشكِّل محور هذا الدَّرس. فالكلمة الألمانيَّة Langeweile، كما استخدمها هايدغر، تنطوي على معانٍ ثلاثة، ما يتطلَّب جهدًا كبيرًا لفهمها. بيد أنَّ الكاتب، بعد اطِّلاعه على معناه في اللُّغة العربيَّة، وجد أنَّ هناك ثلاثة مصطلحات يحمل كلُّ واحد منها المعنى الَّذي أراده هايدغر، وهذا ما حدا به إلى التَّشديد على غنى اللُّغة العربيَّة وقدرتها على استيعاب معنى كلمة هايدغر Langeweile، وذلك على النَّحو التَّالي: الملل، الضَّجر، السَّأم.
لن أغوص في تحليل الفصل الأوَّل من دَرْسِ هايدغر، فالكاتب لم يشرْ إلى نقد الميتافيزيقا الَّتي فقدت قدرتها على التَّكيُّف مع تحدِّيات العصر وإلى معنى الانسجامات وعلاقتها بالدَّازَين الَّتي تُعطيه مكانته وإمكانيَّاته، فهذه الانسجامات لا تأتي من اللَّامكان، بل يجب إفاقتها كي يعي الدَّازَين وجوده هنا ككائن حقيقيّ، ومن ثمَّ يدعونا إلى «إفاقة الملل/الضَّجر/السَّأم» الَّذي هو الانسجام/الأساسيُّ لكلِّ مهتمٍّ بالثَّقافة.
يُبيِّن الكاتب أنَّ هناك ثلاثة معانٍ لمصطلح الـ Langeweile في فكر هايدغر، وأنَّ هذه المعاني لا يُمكن التَّعبير عنها في اللُّغة الألمانيَّة، وأنَّ اللُّغة العربيَّة تتفرَّد بعدَّة تعابير هي خير دليلٍ على إظهار هذه المعاني.
يُعبِّر المعنى الأوَّل للكلمة الألمانيَّة عن الملل الَّذي يُصيب شخصًا ما حين ينتظر أحدًا أو قطارًا، فلا ينجح في تمرير الوقت، ذلك أنَّ الوقت يشلُّه ويرمي به في الفراغ. يمتدُّ الزَّمن ثُمَّ يضعف ثُمَّ يتردَّد، إلى حدِّ أنَّه يُصبح ثقيلًا عليه، ينظر إلى ساعة اليد من دون أن يدري ماذا يفعل. الملل هو التَّعبير الأدقُّ عن اتِّساع الزَّمان الَّذي يُفرغ كلَّ شيء، «فينجرُّ ويَجرُّنا معه»[20]، ولا شيء يُساعدنا على تمريره.
المعنى الثَّاني هو الضَّجر، أي حين يضجر الشَّخص من شيءٍ ما. فحتَّى لو أمضى هذا الشَّخص أوقاتًا ممتعة، في سهرةٍ أو في حفلة، ولكن ما إن يعود إلى بيته حتَّى ينتابه الضَّجر وكأنَّ الزَّمن قد تَسَمَّر في الحاضر، فيضجر من كلِّ شيء، لأنَّ الفراغ يملأ حياته. هذا الفراغ يتأتَّى من واقع الدَّازَين، من وجوده، فيشعر باللَّامبالاة (Gelichgültigkeit)، ويُختزل الماضي والمستقبل في الحاضر، فينحلُّ الوقت ويتحجَّر كلُّ شيء «في الآن الحاضر».
أمَّا المعنى الثَّالث لكلمة Langeweile فهو السَّأم، أي حين يُصاب المرء به ويَنخُر أعماقه، وقد اختار الكاتب أيضًا مصطلح السَّأم العميق (tiefe Langeweile) للتَّعبير عنه. في السَّأم «ليس هناك وقت يمتدُّ ويجرُّنا معه أو وقت يتحجَّر الآن»[21]. في السَّأم يختفي كلُّ ما نعتبره: «أنا»، «نحن»، «أنت» ويبقى اللَّاأحد من دون أيِّ تحديد، ومن دون أيِّ معنى أو قيمة. فحين نقول باللُّغة الألمانيَّة (es ist einem langweilig) تُعبِّر الـ es عن الغياب والمجهول واللَّاأحد[22]. وهذا ما يقودنا إلى القلق (Angst) الَّذي ينتاب الإنسان، إذ لا يعود يحتمل شيئًا.
بوجيز العبارة، سعى الكاتب إلى تبيان قدرة اللُّغة العربيَّة على إيجاد تعابير واضحة لمصطلحات هايدغر، على الرَّغم من غموضها وصعوبة نقلها إلى لغاتٍ أخرى.
هذا التَّحديد الدَّقيق لكلمة Langeweile أتاح لفرانك درويش أن ينتقل إلى التَّفكُّر في أمور أخرى من خلال الملل/الضَّجر/السَّأم كدليلٍ على التَّأويل، إذ من الضَّروريِّ أن تبرز هذه الكلمة في شكلٍ عمليٍّ وتطبيقيٍّ ليُبيِّن ما يبغي هايدغر من ذلك، فاختار فيلمًا سينمائيًّا يتوافق مع الـ Langrweile لبيلَّا تار Béla Tarr عنوانه حصان تورينو.
- علاقة الضَّجر بالفنِّ من خلال فيلم «حصان تورينو» لبيلّا تار
الغاية من هذه المقاربة هي الفَهْم، ولكن ليس الفهم المرتبط بالمعرفة العلميَّة بل فَهْم الدَّازَين الَّذي يَفْهم نفسه وكلَّ ما يوجد حوله. وهذا ما يُسمِّيه الكاتب بـ «الدَّائرة الهرمينوطيقيَّة» الَّتي «هي دائرةُ فَهْمٍ مأخوذ في وضعيَّة ما يتأثَّر بحالة الدَّازَين»[23]. في هذا السِّياق، «الفَهْم هو تداخل مع العمل الفنِّيِّ لا يحصل بسيكولوجيًّا، من خلال أهواء ما، أو عرفانيًّا أو عقلانيًّا أو إدراكيًّا، بل من خلال الدُّخول في انسجام - أساس هو الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يحمل الدَّازَين – أي نحن أمام العمل… ويضع العمل نفسه في بعده التَّأويليّ»[24]. هذا هو أفق الفهم الَّذي يسعى إليه، إلَّا أنَّه يلجأ إلى مصطلح أرسطو الَّذي ورد في الكتاب الثَّاني من الخطابة، الـ αἴσθησις، كما فهمه هايدغر حين شرح مفهوم الانفعالات عند أرسطو. هذا المصطلح اليونانيُّ يعني ميل الإنسان إلى العالم، الـ αἴσθησις هي مصدر الأهواء والانفعالات الَّتي تُعبِّر عن كيفيَّة الوجود والفكر والظُّهور الزَّمانيّ[25]. لذا، يحتلُّ هذا المصطلح مكانةً مرموقة في كلِّ قراءة الواقعانيَّة، إذ هو في صلب الملل/الضَّجر/السَّأم. وهذا ما سيُساعد الكاتب على فهم الفيلم السِّينمائيِّ الَّذي حاول تفسيره.
يُفسِّر الكاتب هذا الفيلم من خلال أربعة مواقف للـ Langeweile: «نهاية العالم بصفتها وقتًا يمتدّ، العاديّ/اليوميّ كتعبير الضَّجر، وقتُ ضجر وتقعير الحدث»[26].
لن أتوسَّع كثيرًا في تأويل هذا الفيلم، إذ يتطلَّب قراءة متمعِّنة لكلِّ حركة منه. لذا، سأكتفي ببعض الأفكار الَّتي تُساعدنا على فهم الملل/الضَّجر/السَّأم الَّذي يجتاح أشخاص هذا الفيلم ورؤية مؤلِّفه. تبدأ القصَّة من الحدث الَّذي حصل مع فريدريش نيتشه في تورينو حينما رأى سائق العربة يضرب حصانه كي يَتقدَّم. فانتابت الفيلسوف موجة من الشَّفقة وراح يحتضن الحصان وهو يبكي. بُعيْد هذه القصَّة بيومين، أصيب نيتشه بالخَبَل حتَّى آخر حياته. ما يهمُّنا من هذا الفيلم هو الجوُّ العامُّ الصَّامت الَّذي يُخيِّم على منزلٍ بعيدٍ عن النَّاس في منطقةٍ مُقفرة يعيش فيه أبٌ وابنته، يُمضيان أغلب وقتهما في الدَّاخل، فتتوالى اللَّقطات تدريجيًّا من دون أيِّ حوار، وتُهيمن على المكان شجرة ميتة في منعطفٍ تعصف به الرِّيح. هذا هو المشهد الوحيد للفيلم، يسوده جوٌّ لا تواصل فيه ولا كلام، إلى حدِّ أنَّ المُشاهِد يشعر بقلق شديد، إذ يتوجَّس أنً أمرًا غامضًا يلوح في الأفق وأنَّ كلَّ شيء يُشرف على النِّهاية. إنَّ غياب الحوار في الفيلم يُعبِّر عن مشهد العالم الَّذي يَرضَخ للزَّمانيَّة الَّتي تمتدُّ وتضعنا إزاء ألم يصعُب وصفه، إذ هو تعبير استطيقيٌّ عن ميْل أشخاص إلى العدم، إلى اللَّازمان الَّذي فَقَدَ معناه، وهذا ما يُسمِّيه الكاتب في سياق هايدغر بزمان الملل والضَّجر والسَّأم. ومن ثمَّ، يتحوَّل فيلم حصان تورينو إلى وسيلة لكشف «التَّناهي الإستطيقيِّ الَّذي يحصل ويُعطي نفسه كضَجَرٍ، كزمانٍ حيث الأبديَّة نفسها تَنْجَرُّ وتمتدُّ وتتزامن…»[27].
وتتجلَّى من خلال الفيلم أيضًا الحياة اليوميَّة داخل البيت، فإذا بها أسيرة التَّكرار والزَّمان الدَّائريِّ ضمن زمانيَّة لا تنتهي في الحاضر.
يَبدو لنا حتَّى الآن أنَّ وقت الملل – الضَّجر – السَّأم في حصان تورينو إنَّما يُعطينا أبعادًا ثلاثة: الضَّجر الَّذي يظهر كتلهُّفٍ لبلوغ النِّهاية، لا بل لِمَحي الزَّمانيَّة، ولكن يبقى كلُّ شيء في حركة زمانيَّة دائريَّة، تدور في حلقةٍ فارغة، بيد أنَّ الضَّجر، في سياق كوفانس الَّذي حلَّل هذا الفيلم، غيرُ مضجِر في رؤية بيلَّا تار، إذ ينطلق منه ويعودُ إليه، أي ما يُسمِّيه الكاتب تلاقي الأضداد، في ضجَر-لا ضجَر، الأمر الَّذي يُغيِّر المفهوم العاديَّ لهذه الكلمة. وخلاصة القول، الضَّجر هو أفضل أفق تأويليٍّ لحصان تورينو، إلَّا أنَّه ضجر من نوع آخر.
- دور الحِداد كانسجام أساسيٍّ في التَّصالح بين اللُّبنانيِّين
وفي خطِّ الانسجام الأساس، يتطرَّق الكاتب إلى انسجام آخر: الحِداد (Trauer)، ومن ثَم يُبيِّن مدى تفاعله مع الضَّجر.
في الفصل الخامس، الَّذي يحمل عنوان «الحِداد: مصدر التَّصالح مع النَّفس في صلْب لغة متجدِّدة»، ينطلق الكاتب من «اختبار الحروب الأهليَّة»، ولا سيَّما الحرب الأهليَّة في لبنان، ويسعى إلى «إيجاد بُعدٍ تصالحيّ» لأبناء الوطن في مكوِّناته المتعدِّدة والمتنافرة، ويستند إلى مفهوم هايدغيريٍّ هو الحِداد للتَّوصُّل إلى «انسجام أساسيّ»، يقوم على عامل اللُّغة، ولا سيَّما اللُّغة العامِّيَّة، لِجمْع الشَّمْل بين مختلف مكوِّنات الوطن.
لِمَ التَّشديد على الحِداد كمرادفٍ للانسجام – الأساس الَّذي ينبغي العودة إليه للمصالحة في بلدٍ مثل لبنان وبناء مجتمع مبنيٍّ على أسسٍ ثابتة؟
في رأي فرانك درويش، الوطن الَّذي يقع ضحيَّة العراك والتَّنافر يفقد الانسجام - الأساس الَّذي هو دعامة الوحدة في هذا الوطن. فبُعيد كلِّ حرب أهليَّة، تُصبح العلاقة بين مكوِّنات الوطن هشَّة ويضعف الانتماء إليه ويندثر مفهوم الانسجام - الأساس الَّذي عبَّر عنه المعلِّم بطرس البستانيّ: «العائلة الواحدة» «أبوها الوطن وأمُّها الأرض»[28]. في هذا السِّياق، يأخذ الحِداد، كما يرى الكاتب، مكانه الصَّحيح لإعادة لُحمة أبناء الوطن، وهنا لبنان. الحِداد هو الحزن معًا وتحمُّل الألم والمعاناة معًا، كي نفهم ما حَلَّ بنا ونتخطَّى بعد ذلك هذا الواقع للدُّخول في انسجامٍ جوهريٍّ يتخلَّى عن التَّفاصيل والجزئيَّات الثَّانويَّة، ليُكِبَّ أصحاب البلد الواحد على الكينونة والجوهر للاهتمام بما هو مصيريّ. الألم، هو «ألم التَّاريخ الَّذي يجب إعادة التَّفكير فيه واستملاكه»[29]. وبما أنَّ التَّاريخ يُعبِّر عن ماهيَّة كلِّ شعب، فهو «نداء يتوجَّه إلى الأفراد وكيانهم بصفتهم شعبًا. هو نداء الحِداد انطلاقًا من أرضيَّته»[30] كي يجد الفرد أصالته. ومن ثمَّ، يأخذ الحِداد معنى إيجابيًّا ولا يُصبح حالة مرضيَّة، تُكرِّر الحزنَ وصِراعَ الماضي، بل يتحوَّل إلى شعور مع الآخر يُسهم في بناء رؤية وطنيَّة مستقبليَّة تقوم على الانسجام مع الواقع.
- «اللُّغة مسكن الكينونة»
ولكي يدعم فكرة الحِداد هذه، يشير فرانك درويش إلى دور اللُّغة في توطيد الأوطان مستندًا إلى قولٍ شهير لهايدغر، يقول فيه: «اللُّغة مسكن الوجود: يسكن الإنسان في مأواها»[31]. ويُردف في السِّياق عينه: «اللُّغة، بصفتها لوغوس، تُحقِّق ما يُشير إليه فِعْلُ (λέγειν) أي تُجمِّع، ثُم تَضع في كلمات – وتتكلَّم: فيها، معهود لها ومنها، يتكلَّم الإنسان فيكون صوتًا وتحادُثًا (Gespräch). يُرافق الحداد (…) مع، تحادُث يَجمَع ويُؤسِّس علاقاتٍ تُعزِّز انسجام الدَّازَين بصفته «نحن» و«أنا» في سَكَنٍ وأرضيَّةِ وطَن، وينتج من ذلك سكنٌ - مع (Mitwohnen) وسلام»[32]. ما يعني أنَّ اللُّغة تحمل في ذاتها طابعًا مقدَّسًا فتُصبح ملجأ ومسكنًا وأرضًا وموطنًا نهائيًّا يَعُمُّ فيه السَّلام للجميع.
اللُّغة الَّتي يشير إليها الكاتب في هذا الفصل هي اللَّهجة المحكيَّة، بحسب هايدغر، الَّتي تُعبِّر عن ماهيَّة الأرض، والَّتي من خلالها يُمكن بناء أساسٍ متين عليها. ذلك أنَّ اللُّغة المحكيَّة «هي لغة يجب فهمها واسترجاعها، فهي تحدِّد الشَّعب، كلَّ شعب، أنطولوجيًّا، وأهمِّيَّتها مركزيَّة إذا ما أراد أعضاؤها، متكلِّموها، أن يسكنوا بطريقة آمنة ومستديمة»[33]. ومن ثمَّ، إنَّ اللُّغة تعبير وجوديٌّ تاريخانيٌّ لكلِّ شعب، إذ هي الامتداد الأرضيُّ الَّذي يسمح للشَّعب أن يجد مسكنًا له، وتتكلَّم انطلاقًا من صلب أساس الحِداد، ومن ثمَّ تستطيع أن تصون سلامة النَّاس الَّذين يلبُّون صوتها. فلا عجب في أن تأخذ اللُّغة بُعدًا مقدَّسًا، إذ ما إن ينتفي هذا البعد حتَّى تتحوَّل اللُّغة إلى مجرَّد تواصل، وليس إلى مناجاة عميقة تُسهم في لقاء النَّاس بعضهم ببعض.
وبوجيز العبارة، نكتشف مع الكاتب أهمِّيَّة الانسجامات الأساسيَّة الَّتي تتجلَّى في مفاهيم كونيَّة وعالميَّة في الوقت عينه، تمامًا كما عبَّر عن ذلك في مقاربته الحِداد.
- الحِداد كانسجام أساس من خلال فنِّ الرَّسم
الفصل السَّابع من هذا الكتاب هو امتداد للفصل السَّادس، إذ يُقارِب الكاتب مفهوم الحِداد والضَّجر من خلال الفنّ، على غرار السِّينما، استنادًا إلى فنَّانين مثل بول كلي (Paul Klee) وبول سيزان (Paul Cézanne)، ويُحدِّد في بداية الفصل الغاية منه: «الزَّخم الَّذي يُعطيه الضَّجر كانسجام – أساس، وذلك عند كلٍّ من سيزان وكلي»[34]، ثمَّ ينطلق بعدها إلى زَخْم الحِداد فيُبيِّن أنَّ سيزان بَقي عالقًا في أعماق الحِداد، في حين أنَّ كْلي «قفز قفزة طويلة نحو فُسحة البهجة…»[35]. ما يدلُّ على أنَّ المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها لِفَهْم الانسجامات الأساسيَّة قد ساعدته على خلق علاقة تصاعديَّة بين الأرض والسَّماء. فالتَّعمُّق بالأرض، الَّذي هو حال بول سيزان، يُبيِّن مفهوم السَّأم في معنيَيه: العدم والكلّ، لذا، بقي هذا الفنَّان متنقِّلًا بين «العمق والسَّطح» مع تضاريسه الجسيمة الَّتي رَسَّخت تعلُّق سيزان بعالمه الأرضيّ، بقي في صلب الحِداد، بين البهجة والحزن. أمَّا كْلي فقد تبنَّى انسجام الكآبة كبعد فكريٍّ شامل، وانطلق من الأرض وانفتح بفكره وعمله على السَّماء.
- الانقباضيَّة في صُلب المنعطف
يُنهي الكاتب مقاربته للواقعانيَّة والانسجامات الأساسيَّة بفصلٍ يقوم على ما يُسمِّيه بـ «الانقباضيَّة: اسم انسجام لا اسم له» Verhaltenheit. هذا المصطلح هو في قلب المنعطف الَّذي سعى هايدغر من خلاله إلى إيجاد لغة جديدة تُحرِّر الدَّازَين من الفكر الميتافيزيقيّ، الَّذي هيمن على الفلسفة الغربيَّة، ومن تغرُّبه الَّذي يُخيِّم على كتاب الكينونة والزَّمان. ويُشير الكاتب، في السِّياق عينه، إلى مصطلح الإرايغنيس (Ereignis) الَّذي هو المصطلح الرَّئيس في ما يُسمَّى بفكر هايدغر الثَّاني الَّذي نجده في كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس، وهو مصطلح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالانقباضيَّة.
ماذا يعني هايدغر بالانقباضيَّة؟
الانقباضيَّة هي انسجام أساسيٌّ ينتمي إلى تفكيرٍ مختلف كلِّيًّا عمَّا قاله هايدغر سابقًا. إنَّه موقف الدَّازَين تجاه العالم والكينونة. إنَّه استعداد لتقبُّل لغة جديدة وطريقة وجود في العالم تكون في الوقت عينه انفتاح وتحفُّظ. انفتاح على فكرة الحقيقة αλήθεια الَّتي هي انكشاف الكينونة وانحجابها في حركة الزَّمان، وتحفُّظ لأنَّ الانقباضيَّة لا تكتمل في «مفهوم» أو «تصوُّر»، لأنَّها ليست مجرَّد توافق الأضداد، بل هي انتشار ينطوي على عدَّة احتمالات، إذ تبني قولًا جديدًا متعدِّدا وانسجامات متعدِّدة تُعبِّر عمَّا سيقوله الإرايغنيس (الَّذي ترجمه المؤلِّف بمصطلح العهد).
الانقباضيَّة هي موقف الدَّازَين الَّذي لم يَعد مجرَّد فِعْلٍ بسيط، بل بات استعدادًا أساسيًّا ليكون في العالم. إنَّها استعداد يكون فيه الدَّازَين في وضعيَّة الانتظار يكتشف ويختبئ في آنٍ واحد. هذا التَّصرُّف أساسيٌّ لبلوغ الحقيقة، الَّتي هي انكشاف واختباء في آنٍ واحد. ومن ثمَّ، الحقيقة ليست تطابقًا أو توافقًا كما حدَّدتها الفلسفة سابقًا، بل هي انكشاف حين يحلو لها أن تتجلَّى في الكينونة.
ومجمل القول، يُشكِّل كتاب إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس منعطفًا في فكر هايدغر. فهو ينتقل من تفكيرٍ عن الإنسان في علاقته مع الكينونة إلى تفكير الكينونة وحقيقتها في علاقتها بالإنسان. هذا التَّحوُّل مهمٌّ جدًّا لفهم تطوُّر فكر هايدغر.
خاتمة
ما من شكٍّ في أنَّ هذا الكتاب قد تطرَّق إلى عُمق فكر هايدغر من بداياته حتَّى أواخر كتاباته. هذه المحاولة القيِّمة ستُسهم كثيرًا، إلى جانب غيرها من الكتابات[36]، في مساعدة القارئ العربيِّ على فهْم مسار هايدغر الفكريِّ من كتاب الكينونة والزَّمان حتَّى إسهامات في الفلسفة: في الإرايغنيس وغيرها من الكتابات اللَّاحقة. لقد تمكَّن فرانك درويش من تبيان المداخل الأساسيَّة للخوض في فكر هايدغر المعقَّد، ولا سيَّما تحليله للواقعانيَّة والانسجامات – الأساس. هذا الكتاب يفتح آفاقًا مهمَّة من شأنها أن تُعين الباحثين في ميادين شتَّى، مثل الفلسفة واللَّاهوت والفنِّ وعلم الاجتماع وغيرها. فالانسجامات المرتبطة بالكينونة الَّتي هي محور هذا الكتاب قد تكون حافزًا لدراسات كثيرة في العالم العربيّ، إذ ستساعد على تقييم هايدغر، لا من خلال الكينونة والزَّمان فحسب، بل من خلال أبحاثه الَّتي ترتبط بالشِّعر والفنِّ ومسألة الحقيقة الَّتي نُشِرت لاحقًا.
ولكن، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب سيكون عصيًّا على الكثيرين، نظرًا إلى أسلوبه الغامض في الكثير من الصَّفحات، لأنَّ هايدغر يُرغم الَّذي يكتُب عنه على اتِّباع نمطٍ فكريٍّ غير مألوف، فتُصبح المسألة الفكريَّة مسألة مصطلحات لا تُحصى ولا تُعدّ، إلى حدِّ أنَّ القارئ يضيع في التَّفاصيل، فيتساءل: لِمَ هذا التَّعقيد، ولماذا ينبغي لنا أن نستنبط كلمات تحتاج إلى صفحات لفهمها والإحاطة بها. لهذا السَّبب، لا بدَّ من حلقة لغويَّة بين المختصِّين بفكر هايدغر للاتِّفاق على المصطلحات العربيَّة كي لا نقع في التَّشتُّت والضَّياع.
إنَّ البحث في مسألة الكينونة والوجود والزَّمان ومصير الدَّازَين يستدعي دومًا رؤية جديدة للغوص في تعاريج الحياة، وما كتابات هايدغر سوى محاولةٍ كبرى تُقدِّم نمطًا فكريًّا مغايرًا عن الَّذين سبقوه. وهذا ما يجعل منه فيلسوفًا إبداعيًّا في نمط تفكيره ومصطلحاته ومقاربته للكينونة.
[1] فرانك درويش، في تطوُّر الواقعانيَّة عند هايدغر - الانسجامات الأساسيَّة، بيروت: دار المشرق، 2025.
[2] فضَّلتُ استخدام تعبير «المَرميّ» بدلًا من تعبير «المقذوف» الَّذي استخدمه فرانك درويش، إذ هو، في رأيي، يُعبِّر أكثر عن لفظة geworfen الألمانيَّة.
[3] كما فضَّلتُ استخدام تعبير «المنعطف» بدلًا من تعبير «المنعرج»، لأنَّ التَّعبير الأوَّل بات متداولًا أكثر من الثَّاني في الأوساط الفكريَّة.
[4] درويش، المرجع نفسه، 13.
[5] درويش، المرجع نفسه، 14.
[6] درويش، المرجع نفسه، 15.
[7] درويش، المرجع نفسه، 18.
[8] درويش، المرجع نفسه، 19.
[9] درويش، المرجع نفسه.
[10] درويش، المرجع نفسه، 22.
[11] درويش، المرجع نفسه.
[12] درويش، المرجع نفسه.
[13] درويش، المرجع نفسه، 22.
[14] درويش، المرجع نفسه، 34.
[15] درويش، المرجع نفسه، 39.
[16] درويش، المرجع نفسه، 45.
[17] درويش، المرجع نفسه، 46.
[18] درويش، المرجع نفسه، 47.
[19] درويش، المرجع نفسه.
[20] درويش، المرجع نفسه، 60.
[21] درويش، المرجع نفسه، 62.
[22] درويش، المرجع نفسه.
[23] درويش، المرجع نفسه، 68.
[24] درويش، المرجع نفسه.
[25] درويش، المرجع نفسه، 69.
[26] درويش، المرجع نفسه، 70.
[27] درويش، المرجع نفسه، 71.
[28] درويش، المرجع نفسه، 94.
[29] درويش، المرجع نفسه، 89.
[30] درويش، المرجع نفسه.
[31] انظر درويش، المرجع نفسه، 93. الاقتباس هو من مقالة: «Brief über den Humanismus», in GA, BD 9, 313.
[32] درويش، المرجع نفسه، 93.
[33] درويش، المرجع نفسه، 94.
[34] درويش، المرجع نفسه، 98.
[35] درويش، المرجع نفسه، 98.
[36] انظر: مشير باسيل عون، الإنسان في رعاية الكينونة. هايدغر في المتناول الفلسفيِّ العربيّ، ط.1 (الفجيرة: بيت الفلسفة، 2023)، 470 صفحة. هذا الكتاب هو أيضًا إسهام كبير في نشر فلسفة هايدغر في أسلوب عربيٍّ متين، إذ يُساعد القارئ، على غرار كتاب فرانك درويش، على فهمٍ أعمق لفكر هذا الفيلسوف.
الدُّكتور جوزيف معلوف: حائز شهادة دكتوراه في الفلسفة من جامعة كان Caen (النورماندي)، وأستاذ الفلسفة الألمانيَّة والأخلاقيَّة في الجامعة اللُّبنانيَّة سابقًا. يُدرِّس الفلسفة والفلسفة الأخلاقيَّة في جامعة القدِّيس يوسف، وفي الجامعة الأنطونيَّة. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة في أخلاقيَّات الحياة والفلسفة الدِّينيَّة، منها: الأخلاق والطُّبّ، المسألة الأخلاقيَّة في العلوم الطُّبِّيَّة، محنة الفكر الدِّينيّ، مسألة الحقيقة. كما ترجَم كتاب مشروع أخلاق عالميَّة للكاتب السُّويسريِّ هانس كينغ. له ترجمات عدَّة لإمانويل كانط، أهمُّها: في التَّربية، محاضرات في التَّعليم الفلسفيِّ للدِّين . صدر له بالفرنسيَّة:
.Amin Maalouf, Itinéraire d’un humaniste éclairé, Paris: l’Harmattan, 2014
.Le désordre éthique mondial. Lecture géopolitique du Proche-Orient, Paris: l’Harmattan, 2022
josefmaalouf@hotmail.com


