غريغوريوس النَّيصيّ
مقالةٌ في البتوليَّة
تعريب المطران كيرلُّس سليم بسترس
145 ص.، جونيه: منشورات المكتبة البولسيَّة، سلسلة النُّصوص النُّسكيَّة 4.
يتألَّف الكتاب من مقدِّمة وثلاثةٍ وعشرين فصلًا. الفصول قصيرة جدًّا، لا يتخطَّى أطولها الأربع صفحات. يبدأ الكتاب بنبذة عن المؤلِّف، تليها المقدِّمة، بقلم القدِّيس غريغوريوس نفسه، ثمَّ الفصل الأوَّل وهو مديح بالبتوليَّة، ويليه الفصل الثَّاني الَّذي يتبع التَّسلسل المنطقيّ، إذ يبدأ القدِّيس غريغوريوس بالبتوليَّة في الثَّالوث الأقدس انطلاقًا من فكرتَين: ولادة الابن بدون علاقة جنسيَّة، وحالة عدم الفساد لهذا الوجود الَّذي لا يحتاج إلى الجنس. ثمَّ ينتقل إلى العذراء مريم الَّتي ولدت المسيح بدون علاقة جنسيَّة أيضًا، وبالتَّالي تصبح البتوليَّة مكان العلاقة بين ﷲ والإنسان.
الفصل الثَّالث يثير الجدل. يُقال إنَّ الكاتب كان متزوِّجًا من ثيوزيبيا، وبعد أن صار كاهنًا عاشت معه وكأنَّهما أخَوان. لذلك يبدو أنَّه يأسف لاختياره الزَّواج، ويستفيض في الكلام على مشكلات الحياةِ الزَّوجيَّة: الحسد من الآخرين، مخاوف الموت حتَّى في لحظة الولادة، هموم التَّربية، خطر التَّرمُّل وتقلُّبات الدَّهر، ليصل إلى القول:
«كم هي كثيرة ومتنوِّعة المصائب النَّاجمة عن الزَّواج. فيحزن الإنسان سواء أكان له أولاد أم لا، ويحزن أيضًا سواء أكانوا أحياءً أم أمواتًا. فهذا له أولاد كثيرون وليس له ما يكفي لإطعامهم، وذاك ليس له مَن يخلفه ليحصل على الميراث الَّذي جمعه بعد كثيرٍ من العناء» (ص. 36).
ويتابع في الفصل الرَّابع هجومه على الزَّواج، فيعتبره منبعًا للمصائب والحسد والكبرياء والشَّهوة. فنحن مسافرون في هذه الأرض، وحياتنا عابرة نحو البيت السَّماويّ. فمن يتزوَّج يهمل متابعة السَّفر، وينشغل بأمور الأرض. لذلك يجب الاهتمام بصفاء النَّفس أكثر من الاعتناء بأمور الجسد، وهذا هو موضوع الفصل الخامس.
في الفصل السَّادس ينتقل إلى الشُّهود. أشخاص عاشوا البتوليَّة في حياتهم، ولهم شأن بين النَّاس: النَّبيُّ إيليَّا، ويوحنَّا المعمدان. ثمَّ يصحِّح في الفصل السَّابع الانطباع الَّذي قد يتولَّد لدى القارئ ممَّا قاله سابقًا، فينتقد الرُّهبان الَّذين يشجبون الزَّواج، ويصفهم ببعض الكلمات القاسية: «أناس يسِمون بطابع مزيَّف عقائد الكنيسة… لأنَّهم بعد أن تركوا قيادة الرُّوح القدس بتأثير من «التَّعاليم الشَّيطانيَّة»، يسِمون قلبهم ببعض النَّدبات والحروق، فيمقتون خلائق ﷲ إذ يعدُّونها أقذارًا وتحريضًا على الشَّرِّ وسببًا للشُّرور» (ص. 57). لذلك يدعو في الفصل السَّابع إلى الاعتدال، وعدم ازدراء الزَّواج، لكنَّه يدعو تقريبًا المتزوِّجين إلى نوعٍ من التَّبتُّل.
الفصول التَّالية، من الفصل الثَّامن إلى الثَّامن عشر استعراض للطَّرائق الَّتي يجب أن يسلكها الإنسان ليعيش التَّبتُّل كارتقاءٍ للنَّفس، أو كمسيرة تألُّه، بحسب تعبير الآباء الشَّرقيِّين، ومخاطر الانحراف عنه. الفصل التَّاسع عشر محطَّة توقُّف عند مريم أخت هارون الَّتي هي، برأيه، أوَّل مَن مارس هذا النَّوع من الكمال. لا شكَّ في أنَّ هذه الفكرة غريبة، إذ لا سند كتابيًّا لها، لكنَّ غريغوريوس يعتبرها عذراء لأنَّها كانت تقود جوقة العذارى في نشيد النَّصر بعد عبور البحر الأحمر؛ ومع ذلك لا يخفي شكوكه في مسألة تبتُّلها فيقول: «فقد لا نبتعد كثيرًا عن الحقيقة إذا اعتقدنا أنَّ النَّبيَّة كانت عذراء. لكن هذا هو من باب الافتراض وليس من باب البرهان الواضح» (ص. 113).
الفصول الأخيرة توصيات لعيش التَّبتُّل: «مَن يخدم الملذَّات الجسديَّة يستحيل عليه أن يحصد في الوقت عينه الفرح بحسب ﷲ» (الفصل الحادي والعشرون)، وهنا يدور الكلام على الزَّواج الجسديِّ والزَّواج الرُّوحيّ؛ التَّوازن والاعتدال في عيش التَّقشُّف (الفصل الثَّاني والعشرون)؛ توصيات باتِّخاذ مرشد روحيٍّ من أجل عيش التَّبتُّل باتِّزان (الفصل الثَّالث والعشرون).
هذا النَّصُّ وثيقة تاريخيَّة تفيد الباحثين، ويمكن أن نستخلص منها بعض الأفكار المفيدة للحياة الرُّوحيَّة، لكنَّه لا يصلح لأن يُعاش اليوم بحذافيره، ولا أن تُطرح أفكاره للاقتداء بها. خمسة عشر قرنًا تفصلنا عن عالم غريغوريوس تطوَّرت فيها الحياة والفكر البشريُّ عامَّةً، وتطوَّر الفكر الرُّوحيُّ المسيحيُّ بخاصَّة، لا سيَّما في نظرته إلى الزَّواج والعائلة، ما يجعل مواقف غريغوريوس النِّيصيِّ من الزَّواج والبتوليَّة أمر يصلح لزمانه، ومن شأنه أن يسلِّط بعض الأضواء في زماننا الحاضر على المواضيع الَّتي يطرحها.
الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.
shallak@jespro.org


