اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

الأب غي سركيس

البابا فرنسيس
«صاحبُ الفطنة والسَّذاجة»
جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ

ط.1، 180 ص. بيروت: دار المشرق، 2025.
ISBN: 978-2-7214-5681-6

تذخر المكتبة المسيحيَّة العربيَّة بكثير من التَّرجمات بشأن البابا الرَّاحل فرنسيس سواء في كتاباته أو عنه، لكنَّ ما كان ينقص مكتبتَنا المسيحيَّة نظرة مشرقيَّة عربيَّة أعمق في فكر الحبر الأعظم ولاهوته… وقد تمعَّن الأب غي سركيس، بحسِّه الرَّعويِّ وتعمُّقه اللَّاهوتيِّ، في هذه الرِّسالة، فقدَّم إلينا كتابًا هو من روح أسلوب البابا عينه، أي جذِلًا وبسيطًا وعميقًا، يأخذنا في «جولة» كما وعدنا، لا في فكر البابا اليسوعيِّ وحسب، بل في قلبه حيث كنزُه.

يُقال إنَّ «المكتوب يُعرف من عنوانه»، وهذا الكتاب يُعرف من مقدِّمته… فنستشفُّ مستوى الكتاب التَّحليليَّ الَّذي لا يستعرض المعلومات الدَّقيقة فحسب، بل يحلِّلها لاهوتيًّا وكنَسيًّا وكأنَّك، فعلًا، تدخل في عمق شخص البابا فرنسيس، وتعرف ما وراء المعلومة. يقدِّم الكاتب، ويشرح، ويحلِّل كلَّ مصطلح، فيبدِع، بطريقته التَّربويّة، في تعريف القارئ العربيِّ بما يمكن الإحاطة به فيما يخصُّ هذا البابا المميَّز.

وفي عالم يسهل الوصول فيه إلى المعلومة، يمكن القارئ أن يقع في فخِّ الكمِّ والسَّطحيَّة. لذلك، أصاب المؤلِّف في اختياره منهجيَّة كتابه، حين تناول رسائل البابا العامَّة وإرشاداته الرَّسوليَّة، وهي كثيرة وغنيَّة. لقد قدّم مضمون الوثيقة وتوجُّهاتها، معتمدًا أوَّلًا توضيح سبب اختيار البابا الموضوع، فمستخلِصًا العِبر للواقع المشرقيِّ العربيّ.

من هنا يبرز غنى هذا المؤلَّف بما يخصُّ كنيستنا… فالبابا فرنسيس يتوجَّه إلى العالم أجمع، وقد صدر معظم الوثائق باللُّغة العربيَّة، لكن، يبقى الرَّاعي هو من يؤدِّي دور الجسر الَّذي يصل المؤمنين بالكنيسة الجامعة، وهذا ما تصدَّى له الكاتب حين قدَّم الفكر الفرنسيسيَّ إلى مؤمنِي الشَّرق، موجِّهًا خطاهم في رحلة بحثهم الإيمانيَّة الشَّخصيَّة عن معنى وجودهم ورسالتهم في المشرق العربيِّ.

يشبه تقسيم الكتاب تقسيمات متاحف روما. فقد تختار زيارة جناح من دون غيره. وقد تختار التَّعمُّق والتَّذوُّق في غرفة، أو في عملٍ فنِّيٍّ على حساب آخر، كما في الكتاب الَّذي بين أيدينا، والَّذي لم يقسِّمه الأب سركيس التَّقسيم التَّقليديَّ، ولا جعله في أجزاء متسلسلة، بل اختار أسلوبًا مبسَّطًا في تناوله الموضوعات الأساسيَّة في فكر البابا والَّتي تعكس وثائقه المهمَّة: «البشارة، البيئة، العائلة، القداسة، الشَّبيبة، الانثقاف، الأخوَّة العالميَّة، المحبَّة المسيحيَّة، السِّينودسيَّة، كرامة الإنسان». وكأنَّ الكتاب موسوعة فرنسيسيَّة مصغَّرة، يمكن العودة إليها في كلِّ مرَّة يرغب فيها القارئ في التَّعمُّق في فكر البابا سواء أكان كاهنًا، أو خادمًا في كنيسة، أو باحثًا، أو مربِّيًا للتَّعليم المسيحيِّ… فهو يُناسب الجميع بأسلوبه المنهجيِّ العميق.

زيَّن الكاتب صفحات هذا المؤلَّف باقتباسات من النُّصوص الأصليَّة نفسها، وذيَّلها ببعض الأسئلة الَّتي تدعو المؤمنين والمؤمنات إلى التَّفكير في هويَّتهم المسيحيَّة المشرقيَّة، وماذا يعني اتِّباع المسيح اليوم؟

في الختام، لعلَّ القيمة المضافة لهذا الكتاب، هي في كونه يحثُّ القارئ على التَّفكير، ويجعله أقرب إلى منهج البابا «الكيميائيِّ»، الَّذي يجمع الحقائق ويفاعلها بعضها بعضًا ليُظهر حقيقة مبتكرة وأعمق.

الأب طوني حمصي اليسوعيّ : مدير التَّواصل الرَّقميِّ للرَّهبانيَّة اليسوعيَّة في الشَّرق الأدنى والمغرب العربيِّ. مشرف على النَّسخة الرَّقميّة للكتاب المقدَّس باللُّغة العربيَّة في ترجمته الكاثوليكيَّة. حائز شهادة ماجستير في اللَّاهوت الكتابيِّ – كلِّيَّة اللَّاهوت اليسوعيَّة – باريس، ودبلوم جامعيٍّ في الصِّحافة الرَّقميَّة، جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له العديد من التَّرجمات الصَّادرة عن دار المشرق.

tony.homsy@jesuits.net

Share This