لفتت انتباهي المقالة المنشورة، في هذا العدد من مجلَّة المشرق، عن دور المرأة في الاقتصاد وإدارة الأعمال، وألهمتني أن أدوِّن هذه الكلمة في لحظة يحتاج فيها العالم الأوسع والأصغر، أكثر من أيِّ وقت مضى، إلى إعطاء المرأة موقعًا مركزيًّا في عمليَّة الإصلاح، والرِّعاية، والبناء، والصُّمود.
فالمرأة لم تعد مجرَّد شاهدة أو داعمة خفيَّة لمسيرة التَّنمية، بل أصبحت فاعلة رئيسة لا يمكن الاستغناء عنها. في إدارة الأعمال، وفي الابتكار الاقتصاديِّ، وفي التَّغيير الاجتماعيِّ، تبرهن المرأة على ذكاء استثنائيٍّ، وقدرة على التَّوفيق بين العقلانيَّة والإنسانيَّة، وبين الحزم والبصيرة، ما يجعل منها ركيزة أساسيَّة في بناء مستقبل أكثر عدلًا وتوازنًا.
إنَّ إعطاء المرأة مساحة أوسع في مواقع القرار لا يُعدُّ استجابة لمطلب العدالة والمساواة فحسب، بل هو خيار استراتيجيٌّ يعكس وعيًا بأهميَّة التَّنوُّع، وفعَّاليَّة القيادة المتعدِّدة الرُّؤى، وثراء التَّجربة الإنسانيَّة. إنَّ عالم الغد لن يُبنى بدون النِّساء، بل سيتقوَّى ويستمرُّ بهنَّ ومن خلالهنَّ.
تؤدِّي المرأة اللُّبنانيَّة والعربيَّة دورًا متناميًا وحيويًّا في المجتمع، ولا سيَّما في ميادين الإدارة والاقتصاد والماليَّة، حيث أثبتت قدرتها على المساهمة الفعليَّة في دفع عجلة التَّنمية والتَّقدُّم. لقد تجاوزت المرأة اليوم الصُّورة التَّقليديَّة الَّتي حُصرت في إطارها لسنوات، واستطاعت أن تبرز في ميادين العلم والعمل والقيادة، بفضل ما تمتلكه من كفاءة أكاديميَّة ومهنيَّة، فنالت أعلى الدَّرجات العلميَّة من أهمِّ الجامعات، ودخلت سوق العمل بثقة ومهارة. هذا التَّقدُّم لم يقتصر على التَّحصيل العلميِّ فحسب، بل انعكس أيضًا في أساليب القيادة والإدارة الَّتي تمارسها المرأة، والَّتي تمتاز غالبًا بالمزج بين الحزم والمرونة، وبين الرُّؤية الاستراتيجيَّة والذَّكاء العاطفيِّ، ما يضفي على بيئات العمل طابعًا أكثر توازنًا وإنسانيَّة.
وتأتي مشاركة المرأة في الاقتصاد لتؤكِّد أنَّها ليست عنصرًا مكمِّلًا فحسب، بل هي شريك أساسيٌّ في النُّموِّ والإنتاج. فكلَّما زادت نسبة مشاركتها في القوى العاملة، كلَّما ارتفع النَّاتج المحليِّ، وتوسَّع النَّشاط الاقتصاديُّ، وتقلَّصت الفجوات الاجتماعيَّة، ما يعزِّز العدالة ويقوِّي النَّسيج الاجتماعيَّ. كما أنَّ تمكين المرأة اقتصاديًّا وإداريًّا يمنحها استقلاليَّة حقيقيَّة، ويعزِّز دورها كمحرِّك للتَّغيير في الأسرة والمجتمع، ويجعل منها نموذجًا ملهِمًا للأجيال الصَّاعدة من الفتيات. لكن على الرُّغم من كلِّ هذا التَّقدُّم، فإنَّ الواقع لا يزال يفرض تحدِّيات كبيرة أمام تطوُّر هذا الدَّور، أبرزها العقليَّات التَّقليديَّة الَّتي تقيِّد المرأة في أدوار نمطيَّة، وتمنعها من الوصول إلى كامل إمكاناتها.
لذلك، فإنَّ تطوير دور المرأة في المجتمع يستدعي عملًا جذريًّا على عدَّة مستويات. لا بدَّ أوَّلًا من إعادة النَّظر في الذِّهنيَّات والمفاهيم الثَّقافيَّة الَّتي تقيِّد مشاركتها، وذلك من خلال تربية قائمة على قيم المساواة والعدالة والاحترام، تبدأ من المناهج التَّعليميَّة وتُترجم في البيوت والمدارس والإعلام. كما أنَّ التَّشريعات لا بدَّ من أن تواكِب هذا التَّحوُّل، من خلال سنِّ قوانين تضمن للمرأة فرصًا متكافئة في العمل والمشاركة السياسيَّة والإداريَّة، وتمنع كلَّ أشكال التَّمييز في الأجور أو التَّرقية. ولا بدَّ أيضًا من توفير بيئة مهنيَّة آمنة ومرنة تدعم المرأة وتراعي خصوصيَّاتها، لا سيَّما من خلال سياساتٍ تتعلَّق بالإجازات العائليَّة، ودعم ريادة الأعمال النِّسائيَّة، وتسهيل الوصول إلى مراكز القرار.
ويُعتبر الإعلام أداة محوريَّة في إعادة تشكيل صورة المرأة في الوعي الجمعيِّ، إذ لا يكفي الحديث عن المساواة نظريًّا، بل يجب أن تظهر المرأة في الإعلام نموذجًا ناجحًا وفاعلًا في كلِّ المجالات، بعيدًا عن الصُّور النَّمطيَّة السَّطحيَّة الَّتي تختزلها في الجمال أو التَّبعيَّة. إنَّ تمكين المرأة لا يُعدُّ مكسبًا فرديًّا للنِّساء فحسب، بل هو استثمار في طاقة إنسانيَّة جماعيَّة قادرة على الإبداع والتَّجديد، وبناء مجتمع أكثر عدلًا وتوازنًا وابتكارًا. فليس من الممكن أن ينهض المجتمع بجناح واحد، ودورُ المرأة لم يعد خيارًا ولا ترفًا، بل هو ضرورة وطنيَّة وإنسانيَّة لبناء مستقبلٍ يليق بالجميع.
الأب سليم دكَّاش اليسوعيّ: رئيس تحرير مجلَّة المشرق. رئيس جامعة القدِّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتِّحاد الدَّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز شهادة دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، وشهادة دكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون - السُّوربون 1 (1988)، ويدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السِّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.