اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

البابا لاوُن الرابع عشر
(١) الإنسانيَّة الرَّائعة

اقتداءً بسلفِهِ الرَّاحل البابا لاوُن الثَّالث عشر الَّذي أصدَرَ في سنِي حبريَّتِه رسالةً عامَّةً بهدف مواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الأولى، أصدر قداسة البابا لاوُن الرَّابع عَشَر في الخامس عشر من شهر أيَّار ٢٠٢٦، رسالته العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة Magnifica Humanitas، وذلك بهدف حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيّ. وقد أوضَح قداسته أنَّه يرغب في الاستناد إلى تراث تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ لمواجهة تحدِّيات الثَّورة الصِّناعيَّة الحاليَّة، والتَّقدُّم الحاصل في الذَّكاء الاصطناعيّ، دفاعًا عن الكرامة الإنسانيَّة والعدل والعمل. وسَنُفرِدُ في هذا النَّصِّ أبرز ما تَضَمَّنَته هذه الوثيقة القَيِّمة من حديث عن نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وعن التَّحدِّيات المعاصرة والحلول المَرْجُوَّة، بالإضافة إلى مقتطفاتٍ مُستَلَّةٍ من الرِّسالة.

١. نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ
في مستهلِّ رسالته يتحدَّث البابا عن ماهيَّة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بوصفه مسارًا للتَّمييز الاجتماعيّ، وبأنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، وبأنَّه يتغذَّى من مُساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة؛ فيقول في هذا الصَّدد إنَّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ: «ليس دليلًا للمبادئ والقواعد الَّتي يجب تطبيقها، بل هو مسار للتَّمييز الجماعيّ. إنَّه ينشأ من اللِّقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ، ويسمح لعلامات الزَّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذَّى من مساهمة العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة» (الفقرة ٢٧).

وانطلاقًا من هذا التَّعريف، يمكن التَّوقُّف على ثلاثة عناصر أساسيَّة تميِّز نشأة تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ وتطوُّره، وهي: مسار التَّمييز الاجتماعيّ، واللِّقاء بين حقيقة الإنجيل وأسئلة التَّاريخ، وإسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة في إغنائه. وسوف نتناول هذه العناصر الثَّلاثة بالتَّفصيل في الفقرات الآتية.

– مسار للتَّمييز الجماعيّ
لا يُختَصَر تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بأنَّه دليل لحلولٍ جاهزة أو تكرار لتعاليم الماضي (الفقرة ٤ و٢٦)، بل يتميَّز هذا التَّعليم بطابع ديناميكيّ (الفقرة ١٧) وبمبادئ استشرافيَّة لقراءة الأحداث (الفقرة ٢٤). فمن خلال هذا التَّعليم، فسَّر كلُّ بابا تغيُّرات عصره التَّاريخيَّة في ضوء الإنجيل ليقدِّم مساهمة جديدة (الفقرة ٤٥)؛ فعلى سبيل المثال: أبرزَ لاوُن الثَّالث عشر، أمام قضيَّة العمَّال والتَّحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الرَّابط الَّذي لا ينفصم بين إعلان الإنجيل والبحث عن نظام اجتماعيٍّ عادل (الفقرة ٣٠)؛ واقترح يُوحنَّا الثَّالث والعشرون، في سياق الحرب الباردة وإنهاء الاستعمار، حقوق الإنسان كقواعد مشتركة من أجل السَّلام (الفقرة ٣٣)؛ وطوَّر فرنسيس، أمام الأزمة البيئيَّة والاجتماعيَّة، مفهوم الإيكولوجيا المتكاملة الَّتي تربط العناية بالبيت المشترك والخيار التَّفضيليّ للفقراء (الفقرة ٤٣).

– اللِّقاء بين الحقيقة الأبديَّة وأسئلة التَّاريخ
تسير الكنيسة إلى جانب البشريَّة وتتفاعل مع كلِّ ما يخصُّ حياة النَّاس وقضاياهم (الفقرة ١٩). وهي تعترف بأنَّ للأمور الدُّنيَويَّة استقلاليَّتها الخاصَّة (الفقرة ١٨)، كما تُميِّز بين دور الكنيسة ودور الدَّولة، ولا تعدُّ نفسها مسؤولة عن المهامِّ الَّتي تقع ضمن صلاحيَّات الدَّولة. ومع ذلك، لا يمكنها أن تتجاهل معاناة النَّاس واحتياجاتهم الواقعيَّة (الفقرة ٢١)، ولا أن تحصر الدِّين في المجال الشَّخصيِّ والخاصِّ فحسب (الفقرة ١٩).

– إسهامات العلوم والثَّقافات والخبرات البشريَّة
ترى الكنيسة أنَّ كلَّ من يسعى بصدق إلى الحقيقة والخير والجمال هو شريك في المسيرة الإنسانيَّة. وعلى الرَّغم من أنَّ تعليمها يرتكز على الكتاب المقدَّس والتَّقليد (الفقرة ٣)، إلَّا أنَّه يستفيد أيضًا من المعارف والخبرات البشريَّة، مثل الفلسفة والعلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، ما يُساعده على أن يُصبح أغنى وأعمق (الفقرة ٢٣). وبما أنَّ التَّعليم الاجتماعيَّ للكنيسة ينطلق من الحوار مع قضايا التَّاريخ، ويصغي إلى علامات الزَّمن وما تطرحه من أسئلة، تستعرض الوثيقة أبرز التَّحدِّيات الَّتي يواجهها عالمنا اليوم.

٢. بعض تحدِّيات عصرنا
يواجه عالمنا اليوم العديد من التَّحدِّيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة الَّتي تؤثِّر بشكل مباشر في حياة الأفراد والشُّعوب. وقد أدَّت التَّحوُّلات السَّريعة، الَّتي يشهدها العالم، إلى ظهور قضايا جديدة تتطلَّب التَّفكير فيها والبحث عن حلول مناسبة لها. ومن هذا المنطلق، يسعى تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وتحديدًا رسالة قداسته الأولى إلى قراءة هذه التَّحدِّيات في ضوء الإنجيل، من أجل الإسهام في بناء مجتمع أكثر عدالةً وتضامنًا واحترامًا لكرامة الإنسان، فتتوقَّف الرِّسالة على التَّحدِّيات الآتية:

– الذَّكاء الاصطناعيّ
أصبح الذَّكاء الاصطناعيُّ يؤثِّر بشكل متزايد في حياة النَّاس اليوميَّة. فالأنظمة الآليَّة تتَّخذ قرارات قد تؤثِّر في فرص العمل أو في سمعة الأفراد (الفقرة ١٠٢)، لكنَّها لا تمتلك صفات إنسانيَّة مثل الرَّحمة أو التَّفهُّم أو القدرة على المسامحة. كما أنَّ هذه الأنظمة ليست محايدة تمامًا من النَّاحية الأخلاقيَّة، لأنَّها تعتمد على البيانات والبرامج الَّتي صمَّمها الإنسان وتعمل وفقًا لها (الفقرة ١٠٤). وفي كثير من الأحيان، قد تساهم في زيادة نفوذ جهات قويَّة تتحكَّم في تدفُّق المعلومات وتوجِّه سلوك المستهلكين (الفقرة ١٠٨).

– ما بعد الإنسانيَّة (transhumanisme) وما يتجاوز الإنسانيَّة (posthumanisme)
يسعى تيَّار «ما بعد الإنسانيَّة» إلى تحسين قدرات الإنسان باستخدام التّكنولوجيا، بينما يتصوَّر تيَّار «ما يتجاوز الإنسانيَّة» دمج الإنسان بالآلة والبيئة للوصول إلى مرحلة تطوُّر جديدة (الفقرة ١١٦). ويرى هذان التيَّاران أنَّ التَّقدُّم يعني تجاوز حدود الإنسان الحاليّ (الفقرة ١١٥). ونتيجةً لذلك، أصبحَت هناك فكرة شائعة تعدُّ كلَّ ما يُضْعِف الإنسان، مثل المرض أو الشَّيخوخة أو الألم أو الضُّعف، شيئًا خاطئًا يجب التَّخلُّص منه أو إصلاحه (الفقرة ١١٨).

الوجوه الجديدة للحرب
تتكرَّس تدريجيًّا ثقافة تقوم على استخدام القوَّة، حتَّى أصبحت الحرب تُستخدَم كأداةٍ في السِّياسة الدَّوليَّة (الفقرة ١٩٠)، مع تزايد اعتبارها أمرًا «ضروريًّا» في بعض الحالات (الفقرة ١٩٢). كما تساهم وسائل الاتِّصال الحديثة في زيادة الانقسام وتسريع نشر الدِّعاية، ما يعزِّز خطاب العنف. وفي هذا السِّياق، تظهر بيئة خصبة لنشوء نزاعات جديدة بسبب التَّطرُّف الدِّينيّ، والتَّعصُّب الهُويَّاتيّ، ونشر المعلومات المُضلِّلة، والسُّخرية من الخصوم، وصناعة الخوف بشكل منظَّم (الفقرة ٢٠٦).

وقد غيَّرت الثَّورة الرَّقميَّة طبيعة الحروب، فأصبحت تشمل الهجمات الإلكترونيَّة والتَّلاعب بالمعلومات، إضافةً إلى اعتمادٍ متزايد على الأنظمة الآليَّة في اتِّخاذ القرارات الاستراتيجيَّة (الفقرة ١٨٣). ونتيجةً لذلك، باتت الحروب أقلَّ خضوعًا للرَّقابة البشريَّة المباشرة (الفقرة ١٩٧)، بل إنَّ بعض الآلات تُقدَّم أحيانًا على أنَّها «وُكَلاء أخلاقيُّون اصطناعيُّون» قادرون على التَّمييز بين الخير والشَّرِّ بشكل يفوق الإنسان (الفقرة ١٩٨).

٣. الإجابات عن التَّحدِّيات
تُجيب هذه الوثيقة عن التَّحدِّيات المطروحة مُقتَرِحةً الرُّجوع إلى أسس تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ ومبادئها، باعتبارها مرجعًا يساعد على فهم الواقع وتقييمه في ضوء الكرامة الإنسانيَّة والخير العامّ.

ففي أساس تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يوجد الإنسان الَّذي خلقه اﷲ الثَّالوث على صورته، أي أنَّه خُلِقَ ليعيش في علاقة وشركة مع الآخرين ومع الخليقة (الفقرة ٥٠). ويتمتَّع هذا الإنسان بكرامة لا تُقاس بِمجرَّد كونه إنسانًا، لأنَّ اﷲ أراده وخلقه وأحبَّه (الفقرة ٥٢). لذلك، لا تعتمد قيمته على إنجازاته أو ما ينتجه (الفقرة ٥١). وبسبب هذه الكرامة، يتمتَّع بحقوق أساسيَّة ثابتة وغير قابلة للانتهاك، وقد أكَّدها الإعلان العالميُّ لحقوق الإنسان في العام ١٩٨٤ (الفقرة ٥٤).

وتذكر الرِّسالة العامَّة المبادئ الخمسة الآتية:

– مبدأ الخير العامّ: لا يُختصر إلى مجرَّد قائمة من الشُّروط أو مجموع المزايا، بل هو خيرٌ يعود إلى الجميع الَّذين يتوجَّب عليهم أن يبنوه ويحفظوه معًا كمشروع مشترك (الفقرة ٦٠).
– مبدأ الغاية الشَّاملة لخيرات الأرض: هي خيرات أعطاها اﷲ للعائلة البشريَّة جمعاء لكي تعيل كلَّ إنسان (الفقرة ٦٥). ولهذا، فإنَّ حقَّ المُلكيَّة الخاصَّة ليس مطلقًا بحسب التَّقليد المسيحيّ.
– مبدأ اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار: يقوم على ألَّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص أو الجماعات المحلِّيَّة (الفقرة ٦٨) وذلك لتعزيز المسؤوليَّة المشتركة (الفقرة ٧٠).
– مبدأ التَّضامن: هو الاعتراف الحقيقيُّ بأنَّ مصير كلِّ فرد مرتبط بمصير الجميع (الفقرة ٧٣).
– مبدأ العدل الاجتماعيّ: لا يقتصر على سلوكيَّات الأفراد، بل يشمل التَّصوُّرات والتَّنظيمات للحياة في المجتمع (الفقرة ٧٧) الَّتي تعزِّز «خيارًا تفضيليًّا للفقراء» (الفقرة ٧٨)، وتصلح الرَّوابط المقطوعة (الفقرة ٧٩)، وتحمي الأصغر والأضعف (الفقرة ٨٠).

تسمح هذه المبادئ بالتَّنمية البشريَّة المتكاملة (الفقرة ٨٢) الَّتي تضع الإنسان والشُّعوب في المركز وتتضمَّن المسؤوليَّة تجاه مَن سيأتون بعدنا (الفقرة ٨٣).

ولتسليط الضَّوء على هذه الوثيقة نستعرض مقتطفاتٍ من الرِّسالة العامَّة الأولى الإنسانيَّة الرَّائعة، لأنَّ مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ هي وحدها قادرة على مساعدتنا في قراءة هذا الواقع الجديد.

مقتطف: مبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيِّ المطبَّقة على الذَّكاء الاصطناعيّ
«في عالم تتركَّز فيه البيانات، ورأس المال الحاسوبيُّ والقدرة التَّنظيميَّة في أيدي قلَّة قليلة، فإنَّ الكلام على الخير العامِّ يعني كشف هذا التَّفاوت المعرفيِّ والاقتصاديِّ والسِّياسيِّ الجديد، وتسمية احتكارات الذَّكاء الاصطناعيِّ الجديدة. الكلام على الغاية الشَّاملة للخيرات يعني إيجاد طرق لضمان الوصول الشَّامل إلى التّكنولوجيَّات والتَّنشئة. الكلام على اللَّامركزيَّة والتَّكامل في اتِّخاذ القرار يتطلَّبان حماية قدرة الجماعات على الاختيار والتَّصحيح، من دون تقييد تدخُّلها في دور الرَّقابة، بعد أن تكون المعايير قد كُتبت في مكان آخر. الكلام على التَّضامن يفرض الاعتراف بالعمل غير المرئيّ، الَّذي يتمُّ استغلاله في كثير من الأحيان، ويغذِّي النَّماذج الخوارزميَّة. الكلام على العدل يفرض علينا أن نطرح أسئلة عن جغرافيَّات السُّلطة الَّتي تحدِّد مَن يمكنه أن يدرِّب النَّماذج، ومن هو مجرَّدُ موضوعٍ للتَّدريب، وأن نعترف بأنَّ العدل الاجتماعيَّ ليس مجرَّد هدف يجب حمايته بعد اعتماد التِّقنيَّات، بل هو شرط مُسبق يجب ممارسته في عمليَّة التَّصميم نفسها.» (الفقرة 109).

تسمح المبادئ الدَّائمة لتعليم الكنيسة الاجتماعيِّ بإعطاء الإجابات الآتية عن التَّحدِّيات الرَّاهنة المذكورة:
– المسؤوليَّة والشَّفافيَّة والحوكمة في إدارة الذَّكاء الاصطناعيّ
لا يمكن مساواة أنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ بالذَّكاء البشريّ، فهي وإنْ كانت تتفوَّق عليه سرعةً، لا تعيش الاختبارات، ولا تعرف الفرح ولا الألم ولا معنى الحبِّ والعمل والصَّداقة والمسؤوليَّة، وليس لها ضمير أخلاقيّ: لا تفهم ما تُنتِج (الفقرة ٩٩). يجب الانتباه إلى تحدِّيات ثلاثة للذَّكاء الاصطناعيّ: ١) سرعته تُبسِّط الحياة لكنَّها قد تُضعف الحكم والإبداع لدى الإنسان؛ ٢) موضوعيَّته الظَّاهريَّة تعكس المعايير الثَّقافيَّة لمن صمَّمه؛ ٣) التَّواصل البشريُّ المُحاكى الَّذي يخلق الوهم بالارتباط بذات شخصيَّة حقيقيَّة (الفقرة ١٠٠). ويلزم أيضًا أُطُر قانونيَّة ملائمة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). من المهمِّ أن ننزع سلاح الذَّكاء الاصطناعيّ، أي أن ننتزعه من منطق التَّنافس، ونمنعه من السَّيطرة على الإنسان، ونجعله قابلًا للمناقشة والطَّعن (الفقرة ١١٠)؛
– الشَّيء الحقيقيُّ الَّذي هو «أكثر من الإنسان»
من المهمِّ ألَّا نُطلِق صفة المُطلق على بُعدٍ واحد فحسب من أبعاد الإنسان. فالذَّكاء مثلًا لا يمكنه أن يحجب العاطفة والإرادة والتَّفاني والعلاقة (الفقرة ١١٣). كما أنَّ الإنسان لا يزدهر على الرَّغم من الحدّ، بل من خلال الحدّ. إذا كان من واجبنا أن نسعى إلى إزالة الألم، فمن الحكمة أيضًا أن نعترف بمحدوديَّتنا الجوهريَّة (الفقرة ١١٨)، فلأنَّه يختبر الحدود (الألم، الفشل، إلخ)، يصير بمقدور الإنسان الاعتراف بأنَّه لا يجوز الاعتداء على كرامة الشَّخص البشريّ. يتكلَّم التَّقليد المسيحيُّ أيضًا على عبارة «أكثر من الإنسان»، ويعني بذلك أنَّ الإنسان مَدْعُوٌّ إلى تجاوز ذاته والازدهار في المحبَّة (الفقرة ١٢٧).
– حضارة المحبَّة
أمام الأشكال الجديدة للحرب، يجب العمل من أجل حضارة المحبَّة، أي نظام اجتماعيٍّ تتشابك فيه العدالة والمحبَّة، وتصير المحبَّة مبدأً لتنظيم الحياة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة (الفقرة ١٨٦). في هذه الحضارة، وإنْ لم يكن للجميع القدرة نفسها على التَّأثير في الواقع، إلَّا أنَّه لا أحد بلا مسؤوليَّة (الفقرة ٢١٢)، لأنَّ هذه الحضارة تولد من مجموع أعمال الإخلاص الصَّغيرة والمُثابرة الَّتي تُشكِّل حاجزًا أمام التَّجريد من الإنسانيَّة (الفقرة ٢١٣).

تقوم مسؤوليَّة كلِّ واحد على خمسة محاور للالتزام: ١) نزع السِّلاح من الكلمات: للكلمات قوَّةٌ هائلة، لذا يجب الانتباه إلى أقوالنا (الفقرة ٢١٤)؛ ٢) بناء السَّلام في العدل: لأنَّ السَّلام ليس مجرَّد غياب الصِّراع (الفقرة ٢١٥)؛ ٣) تبنِّي نظرة الضَّحايا: لا يكفي الحياد، بل يجب أن ننظر إلى الوجوه، ونصغي إلى القصص، ونعترف بالضَّحايا (الفقرة ٢١٦-٢١٧)؛ ٤) تربية واقعيَّة سليمة: تجنُّبًا للمثاليَّة السِّياسيَّة وللسُّخرية القاتلة على حدٍّ سواء (الفقرة ٢١٨)؛ ٥) إعادة إطلاق الحوار: هو الأداة الرَّئيسة للتَّعايش بين الأفراد والشُّعوب (الفقرة ٢١٩). وهذه المحاور الخمسة تتغذَّى بالصَّلاة، لأنَّ السَّلام يأتي من اﷲ (الفقرة ٢٢٨).

مقتطف: نعمة المحدوديَّة
«في محدوديَّتنا بالذَّات نجد الرَّأفة، والقلق الصَّادق إزاء احتياجات الآخرين، والكرم الَّذي يفاجئنا حتَّى في خضمِّ الظَّلام والفشل، والخبرة الرُّوحيَّة والسُّجود ﷲ. نرى ذلك في لحظات كثيرة تتجسَّد فيها الحدود في حياتنا، عندما يواجهنا الرَّفض، وعندما نتألَّم من مرض شخص عزيز أو وفاته، وعندما نختبر العجز أو الفشل. بشكل عجيب، في هذه المواقف بالتَّحديد يمكننا أن نجد حكمة جديدة، ونلمس مودَّة النَّاس لمس اليَد، ونختبر حضور الرَّبِّ يسوع. إذا ظهرت الحدود وكانت فينا ألَمًا داخليًّا، تقول لنا الحكمة البشريَّة ألَّا نزيلها ولا نكبتها، بل ندمجها في حياتنا. لكي نلغي الألم بصورة تامَّة، يجب، في النِّهاية، أن نطفئ الحبَّ والرَّغبة أيضًا. في الواقع، من يحبُّ ويرغب، لا يمكنه أن يتجنَّب المرور بالمحنة والألم، ولهذا السَّبب، على مرِّ السِّنين، نحتفظ في داخلنا بتعاليم تنطبع فينا مثل ندوب، وذكرى للمسيرة الَّتي قطعناها بين الحرِّيَّة والسَّقطات، وبين الأحلام وخيبات الأمل. وبفضل تَداخُل هذه العناصر فحسب، تحدث في قلبنا مُعجِزات الرُّوح الَّتي تجعلنا نتذوّق أجمل طعم لأنَّنا بشر.» (الفقرة ١١٩-١٢٠).

أمام التَّحوُّلات الَّتي تحصل (خصوصًا الذَّكاء الاصطناعيّ وتيَّارات ما بعد الإنسانيَّة)، من المهمِّ الانتباه إلى هذه الحقائق الثَّلاث:

– الحقيقة هي خير عامّ
غالبًا ما تبني المنصَّات الرَّقميَّة وأنظمة الذَّكاء الاصطناعيِّ روايات مُشَوَّهة، وتطمس الحدود بين الصَّحيح والزَّائف، وتخلط بين الوقائع والآراء، وتتلاعب بالمحتوى والصُّور (الفقرة ١٣٢). قد يظنُّ الإنسان أنَّه قادرٌ على بناء الواقع الَّذي يتناسب بشكل أفضل مع مطالبه، وينسى أنَّه يجب أن يعترف بحقائق كونيَّة صحيحة تسبقه (الفقرة ١٣٣). ولهذا، يجب تعزيز بيئة للتَّواصل ووضع قواعد حتَّى لا يتمكَّن الَّذين يتحكَّمون في المنصَّات الرَّقميَّة من التَّأثير في المخيِّلة الجماعيَّة (الفقرة ١٣٦-١٣٧). كما أنَّ وسائل الإعلام الرَّقميَّة تُولِّد ثقافة الفوريَّة (الفقرة ١٣٩) الَّتي قد تُطفئ الرَّغبة في طرح الأسئلة (الفقرة ١٤٠)، ولها تأثيرات سلبيَّة في النَّوم والانتباه والتَّنظيم العاطفيِّ والحياة العلائقيَّة (الفقرة ١٤١). لذلك يجب تربية الإنسان على «متى ولماذا» لا يستخدم الذَّكاء الاصطناعيّ (الفقرة ١٤٠)، واتِّخاذ تدابير تشريعيَّة، وتعليم الأجيال الجديدة البحث عن الحقيقة ومحبَّتها، والتَّساؤل عن معنى الحياة وكرامة كلِّ إنسان (الفقرة ١٤٣).
– حماية كرامة العمل
تُحوِّل الرُّوبوتات والذَّكاء الاصطناعيُّ بنية العمل نفسها، ما يؤدِّي إلى استبعاد عمَّال كثيرين وتقليل الحاجة إلى اليد العاملة (الفقرة ١٥٠). ومع أنَّه من المستحسن أن تخفِّف التّكنولوجيا عن الإنسان بعض الأعمال الشَّاقَّة والمتكرِّرة والخطرة، إلَّا أنَّه يجب أيضًا حماية الوظائف (الفقرة ١٥٢) لأنَّ العمل يبقى بُعدًا أساسيًّا من أبعاد الخبرة الإنسانيَّة كمكان للتَّعبير والعلاقات والمساهمة في الجماعة (الفقرة ١٥٣). ولهذا يجب وضع معايير اجتماعيَّة للابتكار، وإنشاء سياسات فعَّالة تجعل التَّنشئة المستمرَّة والتَّحوُّلات المهنيَّة في متناول الجميع (الفقرة ١٥٦).
– الحفاظ على الحرِّيَّة
صُمِّمت المنصَّات الرَّقميَّة لاستحواذ وقت المستخدِمين، مستغلَّةً ضعفهم، ومُضعفةً حرِّيَّتهم الدَّاخليَّة (الفقرة ١٧٠). بالإضافة إلى ذلك، وبِجَمْعها البيانات بشكل مكثَّف، يمكنها أنْ ترسم ملامح الشَّخصيَّات وتتنبَّأ بسلوكيَّاتها وتوجُّهها (الفقرة ١٧١). العصر الرَّقميُّ هو عصر استعماريّ، لأنَّه يستولي على البيانات، ويحوِّل الحياة الشَّخصيَّة إلى معلومات قابلة للاستغلال، تسمح بتدريب نماذج تنبُّئِيَّة، وتوجيه استراتيجيَّات الاستثمار، واستباق الأزمات، وانتقاء الأشخاص والأشياء الَّتي تهمّ (الفقرة ١٧٨). لذلك، لا بدَّ من استخدامٍ يعزِّز الحرِّيَّة الدَّاخليَّة (الاعتدال الرَّقميّ، ومكافحة النَّماذج الَّتي تزدهر على الضُّعف) (الفقرة ١٧٠).

مُقتطف: التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيّ
«تحتاج العمليَّات التَّربويَّة إلى وقتٍ للنُّضج، وإلى مواجهة الواقع بما يتجاوز المظاهر، وإلى مسيرة صبورة. المسألة جوهريَّة، لأنَّ كلَّ تكنولوجيا تربِّي من يستخدمها. لذلك، التَّربية على استخدام الذَّكاء الاصطناعيِّ تتضمَّن التَّربية على اتِّخاذ القرار متَى وأين لا نستخدمه. السُّرعة والسُّهولة اللَّتان يتمُّ بهما الحصول على إجابة أو ملخَّص قد يُطفِئان فينا الرَّغبة في طرح الأسئلة، الَّتي لا تُجتَنَى ثمارها إلَّا مع مرور الوقت. كما كتب أفلاطون، فإنَّ الأمور الأعمق والأهمَّ لا نتعلَّمها إلَّا بعد وقت طويل وجهد كبير، والتزامنا في النِّقاش مع الآخرين لِـ «تفتيت» المفاهيم والخبرات كما لو أنَّها أحجارٌ ناريَّة، حتَّى تنطلق فينا شرارة الفهم. يجب علينا أن نربِّي أنفسنا على نوع من الصَّوم عن الذَّكاء الاصطناعيِّ ونحمي شبابنا من وعد الآلة المثاليَّة، ومن الإغراء النَّاعم الَّذي يجعل التَّفكير البشريَّ يبدو عديم الفائدة بالتَّحديد عندما يكون بأمسِّ الحاجة إليه.» (الفقرة ١٤٠).

خيار يجب اتِّخاذه
في وجه يسوع، يمكننا أن نتأمَّل في «الإنسانيَّة الرَّائعة»، ونفهم أنَّنا مَدْعُوُّون إلى أن نكون شُرَكاء في عمل الخليقة، لا متفرِّجين مستسلمين (الفقرة ٢٣٣). فليس هناك أيُّ نظام حسابيٍّ يلد قلبًا يهب ذاته، ولا ضميرًا يميِّز الخير (الفقرة ٢٣٣). إذًا، أمام التَّحوُّل التَّاريخيّ (الفقرة ٦) النَّاتج من الرَّقمنة والذَّكاء الاصطناعيِّ والرُّوبوتات (الفقرة ٤)، والإنسانيَّة الَّتي لم يسبق لها أن امتلكت مثل هذا السُّلطان على نفسها (الفقرة ٤)، والَّتي تطرح أسئلة خطيرة مثل «إلى أين نحن ذاهبون؟ أيَّ اتِّجاه نختار؟»، تواجِه اليوم خيارًا حاسمًا بين اثنين (الفقرة ١):
١. الاستسلام لـ «متلازمة بابل»: اختيار عمل ضخم صُوِّر من دون الإشارة إلى الله، والَّذي يؤدِّي إلى إطلاق صفة المطلق على الإنسان. هذا المنطق يقوم على التَّماثل الَّذي يقضي على التَّنوُّع ويضحِّي بالأضعف (الفقرة ٧ و١٠)؛
٢. السُّلوك في «طريق نحميا»: هو اختيار إعادة بناء أسوار أورشليم. عند العودة من سبي بابل، أوكلَ نحميا إلى كلِّ عائلة جزءًا من السُّور لإعادة بنائه، ما سمح للمدينة أن تولد من جديد بفضل المسؤوليَّة المشتركة للشَّعب كلِّه، وبفضل لغة العيش المشترك (الفقرة ٨). في هذا العمل المشترك، وهو البناء في الخير، للمسيحيِّين طريقتهم الخاصَّة في البناء: البناء على صخرة العلاقة مع الله، واحترام حدود البشريَّة وضعفها، وتحمُّل مسؤوليَّة مشتركة شُجاعة لأنَّ لا يد واحدة تكفي بمفردها، وأخيرًا اعتماد لغة إنجيليَّة ترفض الكلام الَّذي يهين أو يثير التَّنافر (الفقرة ١١-١٤).

لذلك، يدعو البابا إلى روحانيَّة «المهندس المعماريِّ الحكيم»، حيث يكون أساس البناء هو العلاقة مع الله، ويقوم على قبول حدود الإنسان، ويُترجَم إلى مسؤوليَّة مشتركة ولغة إنجيليَّة في التَّعامل مع الواقع (الفقرة ٢٣٦). ومن خلال هذه الرُّوحانيَّة، يستطيع الإنسان أن يحافظ على قلبٍ محبٍّ للحقيقة، ساعٍ إلى العدالة، باحث عن الحكمة، ومدرك أنَّه جزء من شبكة علاقات تربطه بالآخرين وبالخليقة (الفقرة ٢٣٧).

كما يصف البابا هذه الرُّوحانيَّة أيضًا بأنَّها «روحانيَّة إفخارستيَّة»، أي روحانيَّة الوحدة الكنسيَّة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٤). ففي الإفخارستيَّا، يُدعى المؤمنون إلى العيش كأعضاء في جسد المسيح، إخوة وأخوات رغم اختلافاتهم، بحيث يشكِّلون معًا وحدة واحدة في المحبَّة (الفقرة ٢٣٥).

الخاتمة وإضاءات للشَّرق الأوسط

تؤكِّد الرِّسالة العامَّة مرارًا أنَّ الابتكارات التّكنولوجيَّة ليست محايدة (الفقرة ٨٥)، لأنَّها تعكس في الواقع طريقة تفكير من صمَّمها وتَوجُّهَه. وغالبًا ما تقف خلف هذه المنصَّات مصالح بشريَّة تسعى إلى الرِّبح وتؤثِّر في المحتوى وتهمِّش الفئات الضَّعيفة. لذلك يشدِّد البابا على نقطتَيْن أساسيَّتَيْن: أوَّلًا، لا يكفي الحديث عن الأخلاق فحسب، بل لا بدَّ من وجود أطُر قانونيَّة واضحة ورقابة مستقلَّة (الفقرة ١٠٦). وثانيًا، تُقاس جودة الحضارة بمدى قدرتها على الاهتمام بالآخرين ورعايتهم (الفقرة ١١٤). ومع ذلك، يبقى الواقع معقَّدًا، لأنَّ الإنسان يتَّجه نحو الخير الَّذي يرغب فيه، لكنَّه لا يلتزم به دائمًا، فهو في الوقت نفسه «رائع ومجروح» (الفقرة ١٢٦).

وتقدِّم هذه الرِّسالة البابويَّة الأولى للبابا لاوُن الرَّابع عشر بوصلةً لإنسان يعيش في زمن تكنولوجيٍّ سريع التَّطوُّر، بحيث تصبح الأفكار فيه سريعة التَّغيُّر، وغالبًا ما نعرف القليل عن طريقة عمل هذه التِّقنيَّات (الفقرة ٩٨). ومن هذا المنطلق، تطرح الرِّسالة إضاءات على عدد من تحدِّيات الشَّرق الأوسط، من أبرزها:

في شرقٍ أوسط تُستهلَك فيه الأخبار عبر المنصَّات الرَّقميَّة من دون التَّحقُّق من صحَّتها أو أهدافها، تُذكِّر الرِّسالة بأهمِّيَّة البحث عن الحقيقة لِتَفادي الوقوع ضحيَّة التَّضليل أو التَّحريض على الكراهية.

في شرقٍ أوسط تَتَّخذ فيه الصِّراعات أشكالًا أكثر تعقيدًا مع استخدام التّكنولوجيا والذَّكاء الاصطناعيّ، وتُبرَّر أحيانًا باسم «الحرب العادلة»، تدعو الرِّسالة إلى بناء حضارة محبَّة تقوم على المسؤوليَّة في الكلام، والسَّعي إلى العدالة، والتَّعاطف مع الضَّحايا، وإحياء الحوار باستمرار.

في شرقٍ أوسط تسوده أشكال من متلازمة بابل، حيث تسعى بعض القوى إلى فرض هَيْمَنتها وإلغاء التَّنوُّع، تُشجِّع الرِّسالة على مسار المصالحة، بحيث يُسْهِم كلُّ فرد وكلُّ جماعة في إعادة بناء مجتمع يقوم على التَّعدُّديَّة والعيش المشترك.


(١) رسالة بابويَّة عامَّة لقداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر في «حماية الإنسان في عصر الذَّكاء الاصطناعيِّ»، وهي مكوَّنة من ٢٤٥ فقرة، وقد نُشرت على الموقع الرَّسميِّ للكرسيِّ الرَّسوليِّ. وبالإمكان الوصول إليها كاملة على هذا الرَّابط:
http://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/encyclicals/documents/20260515-magnifica-humanitas.html

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

Share This