اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

إلياس عبد المسيح
الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ

ط.١، ٦٧٧ صفحة، لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥

يتميَّز الشَّرق الأوسط بأَنَّه مكان ولادة الدِّيانات الثَّلاث الكبرى في العالم: اليهوديَّة والمسيحيّة والإسلام. استتبع ظهور هذه الأديان قيامُ أبحاث عديدة عن ظروف ظهورها ونشأتها وتأثيرها في منطقة الشَّرق الأوسط من النَّواحي التَّاريخيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. حاول المؤلِّف في كتابه الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ معالجة إشكاليَّات تاريخيَّة عديدة منها: لماذا هم منسيُّون؟ ما هي أهمِّيَّتهم في هذه الفترة التَّاريخيَّة الَّتي نُعِتت بالجاهليَّة؟ وما هي قيمة إنتاجهم الفكريّ؟

تؤرِّخ هذه الفترة لظهور المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلاديِّ حتَّى القرن السَّابع الميلاديِّ تاريخ ظهور الدِّين الإسلاميّ، الَّذي عدَّ كلَّ ما سبقه في جزيرة العرب منتميًا إلى الجاهليَّة، وبالتَّالي لا قيمة له. لفت هذا الأمر الأب اليسوعيَّ لويس شيخو فأمضى أربعين سنة يبحث فيها في أهمِّيَّة الوجود المسيحيِّ، وأثره الأدبيِّ والرُّوحيِّ والحضاريِّ في شبه الجزيرة العربيَّة قبل الاسلام. وتجلَّى ذلك بإصداره كتاب: النَّصرانيَّة وأدبها بين عرب الجاهليَّة، مطلع العشرينيَّات ١٩١٩-١٩٢٣. تأتي أهمِّيَّة هذا الكشف بعد اعتماد المستشرقين والجامعات الغربيَّة السَّرديَّةَ الإسلاميَّة عن عصر ما قبل الجاهليَّة كمسلَّمة من دون تثبُّتٍ من دقَّتها، والزَّعم بأنَّ لا شيء صالح قبل الإسلام في تلك الفترة.

تناول المؤلِّف الأب الياس عبد المسيح موضوع الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيِّين بكتاب مفصَّل تضمَّن، إلى جانب أشعارهم، الكثير من المعلومات والسِّير الذَّاتيَّة. وحسنًا فعل حين أطلق على مؤلَّفه عنوان الشُّعراء العرب المنسيُّون بدلًا من «الشُّعراء العرب المسيحيُّون في عصر الجاهليَّة».

يقول الدُّكتور ربيعة أبي فاضل في مقدِّمة الكتاب: «بعد انقضاء أكثر من مئة سنة [على كتاب الأب لويس شيخو] عاد راهب أنطونيٌّ آخر، واجتهد من جديد، ليبرهن أنَّ العرب استضاؤوا بأنوار تعاليم النَّصارى، مستغرِبًا كون المناهج والمصادر والمراجع، تنعت شعراء ما قبل الإسلام بأنَّهم جاهليُّون، وهم مضرب مثل في الوفاء والكرم والفروسيَّة واحترام الذَّات والآخر والإبداع بالكلمة…» (١).

أثبت المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين، كشعراء قبائل تغلب وأياد وبكر وسكَّان نجران والحيرة، قد أسهموا إسهامًا بالغ الأهمِّيَّة في تطوُّر اللُّغة العربيَّة، وتثبيت قواعدها قبل الإسلام، حيث عُرفوا بجزالة ألفاظهم وفصاحتهم. قدَّم هؤلاء الشُّعراء إسهامات كبيرة أثرَت المعجم العربيَّ بمفردات روحانيَّة وفلسفيَّة تعكس البيئة الَّتي عاشوا فيها، ما أضاف أبعادًا تعبيريَّة، وعمقًا فكريًّا لم يكن موجودًا في الشِّعر القبليِّ التَّقليديّ.

ويظهر من خلال الأشعار الَّتي أوردها المؤلِّف أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين قبل الإسلام أحدثوا نقلة نوعيَّة في الأغراض الشِّعريَّة، وفتحوا بابًا جديدًا للأدب الرُّوحيِّ والفلسفيِّ حيث قدَّموا لغة شعريَّة تركِّز على البحث عن معنى الوجود الحقيقيِّ فأضافوا أبعادًا جديدة إلى الأدب العربيّ.

لم يكن الكتَّاب والشُّعراء المسيحيُّون شعراء بدوًا ينتقلون في الأسواق، بل كانوا أدباء يكتبون بوعي وثقافة ما رفع مستوى الصِّياغة والبلاغة. لقد أسَّسوا لتقاليد أدبيَّة مكتوبة ومنظَّمة ودمجوا بين الثَّقافة السُّريانيَّة والعربيَّة وقدَّموا نماذج أدبيَّة متقدِّمة في بناء الأسلوب والجملة. فضلًا عن ذلك ابتكر هؤلاء الشُّعراء أغراضًا شعريَّة لم تكن معهودة في الشِّعر الجاهليِّ التَّقليديِّ كشعر الزُّهد والعتاب الإلهيّ، ما وسَّع دائرة التَّصوير اللُّغويّ وجعلها ركيزة أساسيَّة في رفع سويَّة اللُّغة العربيَّة. وبالرُّغم من غزارة عدد الشُّعراء المسيحيِّين الَّذين ذكرهم المؤلِّف فإنَّه يضيف أنَّ الكثير من هذا التُّراث قد ضاع حيث لا نملك اليوم إلَّا ما حفظته لنا كتب الأدب المتفرِّقة وما جمعه المستشرقون من إشارات دقيقة في مؤلَّفاتهم (٢).

يطرح الكاتب إشكاليَّات عديدة، يتداخل فيها التَّاريخ واﻷيديولوجيا والأسطورة، وهي تتطلَّب اعتماد منهجيَّة صارمة لإثبات سرديَّة المؤلِّف الَّتي تجابه موروثا عمره أجيال عديدة بخاصَّة من النَّاحية التَّاريخيَّة. إنَّها رحلة محفوفة بالمخاطر حيث تتلطَّى الإيديولوجيَّات والدِّين والأساطير خلف ستائر الزَّمن وتبدُّل بالفرضيَّات غير الموثوقة. لم يُسلِّم الكاتب عرضًا بأيِّ رواية أو قصَّة من دون أن يُخضعها لعمليَّة تشريح دقيقة تشمل نقد السَّند ونقد المتن؛ أمَّا في نقد السَّند فقد تحرَّى الكاتب عن هويَّة الرَّاوي ومدى معاصرته الأحداث وفي مصادر معلوماته. وكذلك في شأن المتن فقد فحَص مدى منطقيَّة الرِّواية وتوافقها مع الحقائق العلميَّة والتَّاريخيَّة بموضوعيَّة وتجرُّد، وليس بمقياس العصر الحاليّ. التزم الكاتب بهذه المنهجيَّة وإن مع بعض الخروقات الَّتي لا تتناسب مع دقَّة البحث العلميّ، ومثالًا على ذلك الرِّسالة المنسوبة إلى الرَّسول محمَّد والموجَّهة إلى أسقف نجران، والَّتي يزعم أنَّها محفوظة لدى مشايخ صلح آل العنداري في شمال لبنان، والَّتي هي بحاجة إلى تدقيق أوسع سندًا إلى علم المخطوطات والأحرف والحركات الواردة في النَّص، للتَّأكُّد من صحَّة الوثيقة والنَّصِّ وتاريخ ومكان كتابته (٣). مع العلم أنَّ اللُّجوء إلى الذَّكاء الاصطناعيِّ كإطار مرجعيٍّ أو لاستنباط صور افتراضيَّة للشُّعراء لا يُغني البحث بل يمكن أن يؤخذ عليه.

لقد أشار المؤلِّف إلى أنَّ غياب الشُّعراء المسيحيِّين من المراجع والمشهديَّة الأدبيَّة العربيَّة لم يكن نتيجة ضعف في الموهبة، بل كان غيابًا مصنوعًا وإقصاء مدروسًا. فهؤلاء الشُّعراء لم يكونوا هامشيِّين في حياتهم، بل هُمِّشوا بعد رحيلهم. وعندما تشكَّلت الذَّاكرة الأدبيَّة تحت وطأة الدِّين والسِّياسة تمَّ اختيار الأصوات الَّتي تخدم السَّرديَّات الكبرى واستُبعدت تلك الَّتي لا تتقاطع معها (٤).

بالمقابل قدَّم المؤلِّف الدَّليل على أنَّ الشُّعراء المسيحيِّين العرب تمكَّنوا من اللُّغة العربيَّة، لغتهم الأمّ، وعبَّروا في شعرهم عمَّا يدور في نفسهم، وعن مفاهيم الشَّرف والعدالة والحكمة الَّتي كانت سائدة بين القبائل العربيَّة في ذلك الزَّمن. وقد أعطَوا هذا المجتمعَ أعظم إنجازاته وهي اللُّغة العربيَّة، الَّتي أُنزل بها الوحي، وكذلك قواعد النَّحو الَّتي سمحت بتفسير النَّصِّ الدِّينيّ.

يندرج هذا الكتاب في إطار حركة فكريَّة وعلميَّة ناشطة تعمل على إعادة قراءة هذه المرحلة التَّاريخيَّة الممتدَّة من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع للميلاد. إنَّ دراسة حقبةٍ كانت تلقَّب بـ «الجاهليَّة» قد تطوَّرت، ولم تعد تقتصر على تبنِّي السَّرديَّة التَّقليديَّة كما هي من دون تمحيص، بل انتقلت إلى مرحلة الدِّراسة الاستشراقيَّة النَّقديَّة الَّتي تدرس النُّصوص بلغتها الأصليَّة، وتطبِّق المنهجيَّة النَّقديَّة الصَّارمة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إضفاء كلمة جَهل على حقبة تاريخيَّة كاملة أمر مبالغ فيه، صُمِّم كأداة بلاغيَّة وسياسيَّة بانتقائيَّة شديدة وبمنظار عقائديٍّ ضيِّق خارج السِّياق الدِّينيِّ والحضاريِّ والاجتماعيّ. وفي الواقع تعترض هذا المسار العقلانيَّ غاباتٌ كثيفة من الأساطير الضَّبابيَّة السَّاحرة الَّتي تتلبَّس الحقائق، وتشكِّل تهديدًا حقيقيًّا لكتابة تاريخ الأدب، فغالبًا ما تلجأ الحضارات أو بعض الدِّيانات النَّاشئة إلى تأليف أساطير تأسيسيَّة تساعد على انتشارها. وهنا، يتوجَّب على الكاتب أن يتعامل مع هذا الغزو الأسطوريِّ للذَّاكرة الجماعيَّة بمقاربة نقديَّة صارمة لتفكيك رموزها، ليستخرج منها حقائق المجتمع النَّفسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي أنتجها صونًا للحقيقة.

في الخلاصة تتكشَّف الصُّورة الحقيقيَّة لهذه الحقبة التَّاريخيَّة، المسمَّاة جاهليَّة، يومًا بعد يوم بسبب انتشار الدِّراسات النَّقدية العلميَّة، وظهور الإنترنت ما يسمح بانتقال المعلومات وتداولها بسرعة وغزارة وحرِّيَّة، إضافةً إلى الاكتشافات الأثريَّة في شبه الجزيرة العربيَّة والَّتي تسلِّط الضَّوء على تاريخ أدبيٍّ منسيّ.


(١) الأب إلياس عبد المسيح، الشُّعراء النَّصارى العرب المنسيُّون من القرن الأوَّل حتَّى القرن السَّابع الميلاديّ (لبنان: الجامعة الأنطونيَّة بعبدا، ٢٠٢٥)، ٥٠.
(٢) عبد المسيح، المرجع نفسه، ٥٣٦.
(٣) عبد المسيح، المرجع نفسه، ١٩١-١٩٢.
(٤) عبد المسيح، المرجع نفسه، ٥٣٣.

الدُّكتور جورج لبكي: رئيس مجلس إدارة ومدير المعهد الوطنيّ للإدارة. حائز شهادة دكتوراه في القانون من السُّوربون، وأخرى في الأدب الفرنسيّ المعاصر من جامعة باريس XII. من مؤلَّفاته باللُّغة الفرنسيَّة: أنثولوجيا، والأدب اللُّبنانيّ باللُّغة الفرنسيَّة، ولبنان: قصص من حنايا بلاد الياسمين.

georgelabaki@gmail.com

Share This