اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

FRANÇOIS BOËDEC
Comme un long Samedi saint. Libres propos sur l’espérance
.Première édition, 253 pages, Paris: Loyola Press, 2025

راهبٌ يسوعيُّ فرنسيّ، فرنسوا بوادك هو الرَّئيس الحاليُّ لجامعة القدِّيس يوسف في بيروت. حاز شهادة الدُّكتوراه بالعلوم السِّياسيَّة في العام ٢٠٠٢، بعد مناقشة أطروحةٍ عن الإشكاليَّات السِّياسيَّة المُرتبطة بالتَّحكُّم بالموارد المائيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط. تولَّى منصب رئيس كلِّيَّات لويولا في باريس (٢٠١٥-٢٠١٧)، ثمَّ عُيِّن رئيسًا إقليميًّا لمُقاطعة أوروبا الغربيَّة النَّاطقة بالفرنسيَّة (٢٠١٧-٢٠٢٣). في العام ٢٠٢٥، الَّذي أعلنه البابا فرنسيس يوبيلًا للرَّجاء، نشر كتابًا بعنوان كأنَّه سبتٌ عظيمٌ طويل. أحاديث حرَّة في الرَّجاء.

في التُّراث المسيحيّ، السَّبت العظيم (أو سبت النُّور) هو الفترة الزَّمنيَّة الفاصلة بين يومَي صلب يسوع وقيامته. وصفها الكاتب بفترة المحنة والرَّجاء في آنٍ، بفترة الانتظار، حيث يعمل اﷲُ بصمتٍ من أجل الانتصار النِّهائيِّ على الموت (ص. ٧١)، وكأنَّ المؤمن يُردِّدُ كلمات صاحب المزمور: «ذابَت نَفْسي شَوقًا إِلى خَلاصِكَ» (مزمور ١١٧، ٨١). تطرَّق العنوانُ الفرعيُّ إلى «أحاديث حُرَّة» حيث يُشارك الكاتبُ شهادَته الخاصَّة المُتجذِّرة في الرُّوحانيَّة الإغناطيَّة، النَّابعة من التَّأمُّل بكلمة اﷲ ومن قراءاته ولقاءاته، والمُستندة إلى اختباراته الحياتيَّة (ص. ١٣).

في القسم الأوَّل من الكتاب، وهو «الاختبار الحميم»، ذكر الكاتبُ الصِّراعات الرُّوحيَّة الَّتي تنتاب المُعمَّد عندما يحتاج إلى التَّمييز بين الأفكار الموحى بها من الرُّوح القدس لاستقبالها، وتلك الواردة من العدوِّ لنبذها (ص. ٢٧)، ويجهد في تنقية قلبه، وغربلة تصوُّراته عن اﷲ، ويتعمَّق في هويَّته المسيحيَّة ليكتشف أنَّه ليس أفضل من الآخرين، بل هو مَن اهتدى إلى «مُبتكر الوجود» الَّذي يمنح الحبَّ والمعنى لحياة الإنسان (ص. ٣٦). كذلك استفاض في الحديث عن أهمِّيَّة الصَّمت للالتقاء الحقيقيِّ بالخالق ولرؤية أمورٍ عميقة لا تتَّضح في صخب الضَّجيج والحركة الدَّائمة (ص. ٥٤)، وللخروج من الدَّوائر الضَّيِّقة الَّتي تُقيِّد الذَّات، وللتَّمسُّك بالرَّجاء.

في القسم الثَّاني، توسَّع بإشكاليَّاتٍ ارتبطت بدور الكنيسة في مُجتمعٍ مفكَّكٍ وفاقدٍ للرَّجاء، حاثًّا على تبصُّر اﷲ الكُليِّ القدرة في الضَّعف (ص. ١٢٤)، وعلى رذل صوت الشَّيطان الَّذي يسعى إلى زرع بذور الإحباط في قلوب البشر، وعلى عدم الاستقرار في الثَّروات المادِّيَّة والثَّقافيَّة والتَّرابطيَّة. دعا المسيحيِّين إلى اكتشاف علامات رجاءٍ، إذ إنَّ المحنة، مهما طالت، ليست مؤشِّر النِّهاية بل الحافز للتَّجدُّد واتِّخاذ القرارات المُلائمة لواقع جديد (ص. ١٣٩-١٥٩). طرح الكاتبُ على رُعاة الكنيسة بعضًا من الخيارات الرُّوحيَّة المُمكنة للشَّهادة للرَّجاء في العالَم الرَّاهن، كالنَّظرة إلى العالم من الأسفل، والإعراض عن مَوقفَيْن مُتطرِّفَين هما الذَّوبان في المجتمع والرَّغبة ببناء كنيسةٍ للأطهار فقط (ص. ١٨٤).

صاغ بوادك الصَّفحات الأخيرة بعد مجيئه إلى لبنان، حيث عُيِّن نائبًا لرئيس جامعة القدِّيس يوسف في بيروت للموارد البشريَّة. كانت فترة الحرب في العام ٢٠٢٤، الَّتي شاهد فيها شقاءَ المواطنين ويأسهم، واستمع إلى الخطابات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة الَّتي استغلَّت اﷲَ والأرضَ والذَّاكرة الجماعيَّة، إلَّا أنَّه وَثِق أيضًا بمسيرة إيمان شعبٍ سينجح في آخر المطاف في العبور من اليأس إلى الرَّجاء ومن الخوف إلى الثِّقة (ص. ٢٤٨).

اتَّسم الكتابُ بالنَّفحة الشِّعريَّة والتَّأمُّليَّة وبالأفكار الجريئة. وقد هدف الكاتبُ، من خلاله، إلى بثِّ الرَّجاء في صميم عالمٍ متعدِّد الصُّعوبات والتَّحدِّيات، مُستشهدًا بمفكِّرين كثيرين، انتمت غالبيَّتهم إلى الرَّهبنة اليسوعيَّة، كالقدِّيس إغناطيوس دي لويولا، وتيار دو شاردان، وهنري دي لوباك، وموريس بيليه، وفرنسوا فاريون، وميشال دو سيرتو، وإتيان غرِيو.

يُجيب الكاتبُ عن إشكاليَّاتٍ طُرحت لا سيَّما في الغرب وفي المجتمع الفرنسيّ، إلَّا أنَّه يُنير أيضًا الواقع الشَّرقيَّ واللُّبنانيَّ في خضمِّ عالمٍ أضحى، في جوانب كثيرة، قرية مُشتركة. هاكم اقتراحات ثلاثة مُفيدة للمسيحيِّين في الشَّرق: أوَّلًا، الانصراف عن اتِّخاذ موقف المُوجِّهين المستنيرين (ص. ١٦٢)؛ ثانيًا، عدم الاحتفال بالطُّقوس اللِّيتورجيَّة الَّتي تجعل اﷲَ بعيدًا عن واقع البشر (ص. ١٦٨)؛ ثالثًا، عدم اختيار التَّقوقع على الذَّات، وأنْ يكونوا أقلِّيَّاتٍ خلَّاقة.

غي سركيس: حائز درجة الدُّكتوراه في اللَّاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدِّينيَّة والتَّأمُّليَّة والفكريَّة في اللَّاهوت المسيحيِّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ- المسيحيِّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسَّلام… لمن؟، أؤمن… وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيِّ، وإيمان في حالة بحث – النَّشاط اللَّاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، والبابا فرنسيس، صاحبُ الفطنة والسَّذاجة، جولةٌ في فكره اللَّاهوتيِّ).

grsarkis@gmail.com

Share This