اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

Pierre Jabbour
Une affaire de bricolage théologique aux débuts de l’orientalisme
.Beyrouth: Éditions de l’USJ; Paris: Geuthner, Cahiers d’études syriaques, 280 p. 2025
ISBN: 978-614-8019-88-3

يشكِّل كتاب بيار جبُّور إضافة علميَّة بارزة إلى حقل الدِّراسات المارونيَّة والشَّرقيَّة. ويأتي ليسلِّط الضَّوء على واحدةٍ من أكثر المحطّات حساسيَّة وتعقيدًا في تاريخ العلاقة بين الكنيسة المارونيَّة والكرسيِّ الرَّسوليِّ في أواخر القرن السَّادس عشر. فمن خلال دراسة طبعة Missale Chaldaicum iuxta ritum Ecclesiæ nationis Maronitarum الصَّادرة في روما بين العامَين ١٥٩٢ و١٥٩٤، يقدِّم المؤلِّف قراءة نقديَّة جديدة لمرحلة مفصليَّة تزامنت مع تطبيق مقرَّرات المجمع التريدانتينيِّ وبداية تشكُّل المعرفة الغربيَّة المنظَّمة بالتُّراثات المسيحيَّة الشَّرقيَّة.

ولا تكمن أهمِّيَّة الكتاب في الموضوع الَّذي يتناوله فحسب، بل أيضًا في المنهج الَّذي يعتمده. فالمؤلِّف يبتعد عن المقاربات الاعتذاريَّة الَّتي سادت طويلًا في كتابة تاريخ العلاقات بين روما والموارنة، كما يتجنَّب الأحكام الإيديولوجيَّة المسبقة الَّتي ترى في كلِّ تدخُّل رومانيٍّ مشروع هيمنة أو ليتنة مقصودة. وبدلًا من ذلك، يختار العودة إلى المصادر والمخطوطات والوثائق الأصليَّة، محاولًا إعادة بناء ظروف إعداد هذا القدَّاس المطبوع، والعوامل الفكريَّة واللَّاهوتيَّة والمؤسَّساتيَّة الَّتي أثَّرت في صوغ نصوصه.

ومن أبرز عناصر الجِدَّة في هذا العمل اعتماد مفهوم «التَّركيب اللَّاهوتيّ» (bricolage théologique) مفتاحًا لفهم عمليَّة إعداد الكتاب اللّيتورجيّ. فالطَّبعة الرُّومانيَّة لم تكن، بحسب ما يبيِّن المؤلِّف، استنساخًا أمينًا لتقليد مارونيٍّ ثابت ومكتمل، كما لم تكن أيضًا فرضًا مباشِرًا لنموذج لاتينيٍّ جاهز، بل جاءت نتيجة عمليَّةٍ معقَّدة من الاختيار والتَّكييف والتَّوفيق بين مصادر متعدِّدة، بعضها سريانيٌّ وبعضها كرشونيّ، في ظلِّ معرفة محدودة نسبيًّا بالتُّراثات الشَّرقيَّة لدى عدد من المحرِّرين الرُّومانيِّين، وفي إطار هاجس كنسيٍّ يتمثَّل بضمان الانسجام العقائديِّ مع توجُّهات الإصلاح الكاثوليكيّ.

وتكمن قوَّة الكتاب في أنَّه لا يكتفي بوصف هذه العمليَّة، بل يحاول فهم منطقها الدَّاخليّ. فالقدَّاس المطبوع يظهر هنا بوصفه ثمرة تفاوض غير معلَن بين التَّقليد المحليِّ والسُّلطة المركزيَّة، بين الذَّاكرة اللّيتورجيَّة الموروثة ومتطلِّبات التَّوحيد العقائديّ، وبين خصوصيَّة الكنائس الشَّرقيَّة وطموح الكنيسة الكاثوليكيَّة إلى التَّعبير عن وحدتها الجامعة. ومن هذه الزَّاوية، يصبح النَّصُّ اللّيتورجيُّ وثيقة تاريخيَّة بامتياز، تكشف عن شبكات معقَّدة من العلاقات الثَّقافيَّة والكنسيَّة والسِّياسيَّة الَّتي تجاوزت بكثير حدود العبادة والشَّعائر.

ولعلَّ من أبرز الإسهامات العلميَّة الَّتي يقدِّمها هذا الكتاب نجاحَ المؤلِّف في إعادة فتح ملفِّ Missale Chaldaicum انطلاقًا من اكتشاف كوديكولوجيٍّ بالغ الأهمِّيَّة. فقد تمكَّن من التَّعرُّف إلى المخطوط الفاتيكانيِّ Vat. sir. 431 بوصفه جزءًا مفقودًا من المخطوط المرجِعيّ المعروف بـ ms. O، الأمر الَّذي أتاح إعادة تركيب هذا المخطوط، وإعادة بناء بنيته الأصليَّة بدرجة غير مسبوقة من الدِّقَّة. وبهذا الاكتشاف انتقل البحث من مستوى الافتراضات، الَّتي حكمت الدِّراسات السَّابقة، إلى مستوى الاستناد المباشر إلى شواهد مادِّيَّة ونصِّيَّة جديدة. وقد بيَّن المؤلِّف أنَّ ما كان يُعتقد أنَّه أجزاء مفقودة بصورة نهائيَّة يمكن استعادته جزئيًّا «الواقع أنَّ المخطوط أصبح شبه مكتمل ولا ينقصه سوى قسم g»، وأنَّ بعض النُّصوص والصَّلوات الَّتي اعتمدها محرِّرو Missale Chaldaicum تعود إلى مصادر محدَّدة أمكن تحديدها بدقَّة أكبر. كما أظهر أنَّ بعض العناصر الواردة في الطَّبعة الرُّومانيَّة لا تنتمي أصلًا إلى المخطوط المرجِعيّ، بل أُضيفت لاحقًا، أو تُرجمت في روما على يد خرِّيجي المدرسة المارونيَّة. ومن خلال هذه المراجعة الكوديكولوجيَّة الدَّقيقة، لا يكتفي الكتاب بتسليط ضوء جديد على تاريخ المخطوطات المارونيَّة، بل يعيد صياغة فهمنا للظُّروف الَّتي أُعدَّ فيها Missale Chaldaicum وللخيارات التَّحريريَّة واللَّاهوتيَّة الَّتي رافقت صدوره. ومن هنا يمكن اعتبار هذا الإنجاز الوثائقيِّ أحد المفاتيح الأساسيَّة الَّتي ترتكز إليها أطروحة الكتاب بأكملها، لأنَّه أتاح الانتقال من دراسة النَّصِّ المطبوع وحده إلى دراسة الورشة التَّاريخيَّة الَّتي أنتجته.

ويُحسب للمؤلِّف أيضًا أنَّه يضع هذه القضيَّة في إطار أوسع يتعلَّق بتاريخ الاستشراق الكاثوليكيّ في بداياته. فالاهتمام الرُّومانيُّ بالمخطوطات الشَّرقيَّة وجمعها وترجمتها ودراستها لم يكن منفصلًا عن المشروع الكنسيِّ العامّ، بل كان جزءًا من رؤيةٍ تسعى إلى معرفة الشَّرق المسيحيِّ وإدماجه ضمن أفق كاثوليكيٍّ شامل. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمة تتجاوز الدِّراسات المارونيَّة الصِّرفة، ليصبح مساهمة في تاريخ إنتاج المعرفة الغربيَّة عن الشَّرق المسيحيِّ، وفي دراسة العلاقة بين المعرفة والسُّلطة الدِّينيَّة في العصر الحديث المبكِّر.

ومع ذلك، فإنَّ أهمِّيَّة العمل لا تعود إلى النَّتائج الَّتي يتوصَّل إليها فحسب، بل أيضًا إلى الأسئلة الَّتي يطرحها. فهو يدعو إلى إعادة النَّظر في عدد من المسلَّمات المرتبطة بتاريخ اللّيتورجيا المارونيَّة، ويشجِّع على دراسةٍ أوسع للمخطوطات والنُّصوص الَّتي سبقت الطَّبعة الرُّومانيَّة أو عاصرتها. كما يفتح المجال أمام أبحاث جديدة عن أثر هذه الطَّبعة في تطوُّر الهويَّة اللّيتورجيَّة المارونيَّة في القرون اللَّاحقة، وفي العلاقة بين النَّصِّ المطبوع والممارسة الرَّعويَّة الفعليَّة في البيئات المحليَّة.

إنَّ هذا الكتاب يمثِّل نموذجًا لما يمكن أن يقدِّمه البحث التَّاريخيُّ الرَّصين عندما يتحرَّر من منطق الدِّفاع أو الاتِّهام، ويتَّجه نحو الفهم النَّقديِّ الهادئ. ومن الفصول اللَّافتة في الكتاب الفصل السَّادس، حيث يعرض المؤلِّف نقاشًا غنيًّا بين الخوري شلَّاق والأب لوميلّينو اليسوعيِّ في قراءة تاريخ القدَّاس المارونيِّ ودلالاته الكنسيَّة واللَّاهوتيَّة. ولا يقتصر هذا السِّجال على اختلافٍ في تفسير الوثائق أو الوقائع التَّاريخيَّة، بل يكشف عن تباينٍ أعمق في المقاربات المنهجيَّة، وفي الرُّؤى الإكليزيولوجيَّة الَّتي تحكم قراءة الماضي. فمن جهة، تبرز مقاربة تستند إلى منطق الإصلاح الكاثوليكيِّ ما بعد التريدنتينيّ، حيث تُفهم الشَّركة الكنسيَّة في إطار السَّعي إلى الوحدة العقائديَّة والانتظام اللّيتورجيّ. ومن جهة أخرى، تظهر حساسيَّة أكبر تجاه خصوصيَّة التَّقليد الشَّرقيِّ واستقلاليَّته التَّاريخيَّة واللَّاهوتيَّة. ومن خلال تحليل هذا الحوار، يبيِّن بيار جبُّور أنَّ السُّؤال المطروح لا يتعلَّق بمدى «أرثوذكسيَّة» النُّصوص أو «صحَّة» التَّعديلات الَّتي أُدخلت على القدَّاس فحسب، بل أيضًا بكيفيَّة فهم الكاثوليكيَّة ذاتها: أهي اندماج التَّقاليد المختلفة في نموذج مرجِعيٍّ واحد، أم شركة بين تقاليد متمايزة تحتفظ بخصوصيَّتها اللَّاهوتيَّة واللّيتورجيَّة؟ ومن هنا تتجاوز المناقشة إطار Missale Chaldaicum لتلامس إشكاليَّاتٍ لا تزال حاضرة في الحوار بين الكنائس وفي الدِّراسات المعاصرة عن هويَّة الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة ومكانتها داخل الكنيسة الجامعة.

وإذا كانت جامعة القدِّيس يوسف قد شاركت في نشر هذا الكتاب، فإنَّ ذلك يندرج في تقليدها العريق في خدمة التُّراث المشرقيِّ وتشجيع الدِّراسات النَّقديَّة الرَّصينة بشأن تاريخه الدِّينيّ والثَّقافيّ. أمَّا بالنِّسبة إلى قرَّاء المشرق فإنَّ هذا العمل يذكِّر بأهمِّيَّة الجمع بين الأمانة للتُّراث والجرأة العلميَّة في قراءته، لأنَّ الحقيقة التَّاريخيَّة، مهما كانت معقَّدة، تبقى الطَّريق الأضمن لفهم الماضي وبناء المستقبل.

البروفسور سليم دكَّاش اليسوعيّ: مدير عامّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام ٢٠١٦). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (٢٠١١)، ودكتوراه في الآداب – الفلسفة من جامعة بانتيون – السُّوربون ١ (١٩٨٨). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.

essde@hotmail.com

Share This