تُركِّز «دورة سليمان» (Cycle de Salomon) في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني (الإصحاحات ١-٩) على إعادة قراءة متميِّزة لشخصيَّة الملك سليمان تختلف عن سرد سفر الملوك. وقد جاء في التَّوطئة بقلم الأخت يارا متَّى ما يأتي:
«يقودنا منهج المؤلِّف الأب سامي نعمة في متاهات هذه الشَّخصيَّة المثيرة للجدل بأسلوب بارع، فمن خلال اتِّخاذ سفر أخبار الأيَّام منطلقًا يستكشف المؤلِّف بدقَّة بنية دورة سليمان مشيرًا من جهة إلى بنية الرِّوايات وحركتها العامَّة، ومن جهة أخرى إلى الفوارق الَّتي تظهر في كتابتها مقارنةً بسفر الملوك.»
يتناول هذا البحث قراءة مقارنة مع الأدب الحِكميّ (الخاصِّ بسفر الحكمة)، ولا سيَّما سفر يشوع بن سيراخ والمزامير المنسوبة إلى الملك سليمان. وبالتَّالي، فإنَّ الإشكاليَّة المطروحة لا تقتصر على الموضوع المدروس فحسب، بل تطال أيضًا مكانة القراءة الكتابيَّة بشكلٍ عامّ.
إنَّ التَّفسير الدَّقيق والمتقَن للنُّصوص الكتابيَّة المتعلِّقة بشخصيَّة الملك سليمان الَّذي يدعونا إليه المؤلِّف يقود القرَّاء إلى اكتشاف الأصداء الَّتي تتردَّد من نصٍّ إلى آخر، وربَّما إلى إيقاظ أصداء جديدة لكلمة اﷲ في عقولنا وحياتنا.» (التَّوطئة).
«تُبرز دورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام بوضوح إعادة صياغة لشخصيَّة باني الهيكل. فهي بعيدة كلَّ البعد عن أن تكون مجرَّد نقل لمصدرها، إذ يقدِّم سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، ١-٩ تفسيرًا مُحدَّثًا لهذه الشَّخصيَّة.
فالملك سليمان يظهر في سفر الملوك بصورة واقعيَّة ونقديَّة، ملكًا عظيمًا وحكيمًا لكنَّه ليس بلا أخطاء وعيوب، انحرف في أواخر حياته بسبب زيجاته الكثيرة من نساء غريبات وعبادته لآلهة أخرى لأنَّ قلبه مال عن يهوه (سفر الملوك الأوَّل ١١، ٤)، فسلَّم نفسه إلى الجهالة في نهاية ملكه ما أدَّى إلى انقسام المملكة بعد موته. أمَّا في سفر أخبار الأيَّام فيظهر بصورة مثاليَّة وممجَّدة حيث تبرز شخصيَّته كبانٍ للهيكل وكمؤمن ثبَّت العبادة في أورشليم.
في سفر أخبار الأيَّام تبدو مواضع التَّركيز مختلفة تمامًا. فلا يمكن التَّطرُّق إلى إخفاقات ذاك الَّذي بنى الهيكل وامتدَّ ملكه فترة أربعين عامًا، جالبًا السَّلام والازدهار إلى مملكته. أليست هذه علامات بركة إلهيَّة تنسجم مع لاهوت الجزاء الفوريِّ الَّذي يبرزه هذا السَّفر؟ (ترجمة عن ظهر الغلاف).
كتب الباحث في مقدِّمة دراسته وضمن تحديد المنهجيَّة الَّتي اتَّبعها ما يلي:
«… ستركِّز دراستنا على النَّصِّ العبريِّ الكتابيِّ في صيغته النِّهائيَّة، وفق مقاربة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ. ومع ذلك، وبما أنَّ سفر أخبار الأيَّام هو المجموعة الوحيدة الكاملة في الكتاب المقدَّس العبريِّ الَّتي تتوفَّر لدينا فيها معظم المصادر، فإنَّ منهج تحليلنا سيعتمد أيضًا على مقاربة مقارنة مع النُّصوص الموازية في صموئيل - الملوك…» (ص. ١٥).
تُعدُّ هذه الدِّراسة «قراءة مقارنة لدورة سليمان في سفر أخبار الأيَّام وفي صموئيل - الملوك، تُقرأ بطريقة تميل إلى التَّزامن أكثر منه إلى التَّعاقب الزَّمنيّ» (ص. ١٧).
وهي تهدف إلى معرفة كيف يمكن حِكمة سليمان في سفر الملوك الأوَّل أن تساعد على فهم حكمته في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني، وما الَّذي ينبغي الاحتفاظ به في هذا السفر وما الَّذي يجب تركه جانبًا (ص. ١٩).
ثلاثة أقسام تتناول شخصيَّة سليمان في دراسة من ستَّة فصول. يُلقي القسم الأوَّل، في فصلَيه الأوَّل والثَّاني، نظرة عامَّة على سفر أخبار الأيَّام وتاريخ تدوينه ومكانه كما يتطرَّق إلى بنية دورة سليمان بحسب الإصحاح الثَّاني من سفر أخبار الأيَّام ١-٩.
يتناول القسم الثَّاني في فصوله الثَّلاثة قراءة لدورة سليمان الَّذي اختاره اﷲ ليبني الهيكل، وحكمة سليمان المعتَرَف بها من الأمم، وبناء الهيكل من داوود إلى سليمان.
أمَّا القسم الثَّالث والأخير فيُبرز تردُّدات أصداء حكمة سليمان على شخصيَّته في سفر أخبار الأيَّام.
من يقرأ هذه الدِّراسة، سيتلمَّس الفرق بين السِّفرَين – سفر الملوك وسفر أخبار الأيَّام الثَّاني في الكتاب المقدَّس، وهذا الفرق يتعلَّق أساسًا بالمنظور والهدف اللَّاهوتيِّ رغم أنَّ الاثنين يرويان أحداثًا متشابهة عن ملوك إسرائيل ويهوذا.
سفر الملوك: يركِّز على تقييم الملوك من ناحية أمانتهم ﷲ، ويُظهر كيف أدَّى الشَّرُّ والابتعاد عن اﷲ إلى سقوط المملكة والسَّبي.
أمَّا سفر أخبار الأيَّام الثَّاني فيركِّز أكثر على الجانب الرُّوحيِّ والعبادة، خصوصًا الهيكل والكهنوت، ويقدِّم نظرة أكثر إيجابيَّة لشعب يهوذا بعد العودة من السَّبي.
من خلال التَّمعُّن بهذه الدِّراسة يتبيَّن لنا مدى أهمِّيَّة تأوين هذَين السِّفرين في عالمنا اليوم.
– هذا السِّفر يقدِّم نموذجًا متكرِّرًا عن الفساد، والابتعاد عن القيم، وسقوط المجتمعات. في عالمنا اليوم، الرِّسالة ليست دينيَّة فحسب، بل أخلاقيَّة وسياسيَّة أيضًا مفادها أنَّ القرارات والقيادة لها نتائج طويلة المدى.
– ثمَّة إشارات إلى أهمِّيَّة المسؤوليَّة الفرديَّة والجماعيَّة، ففي السِفرَين، الملك يؤثِّر في الشَّعب كلِّه. اليوم، هذا ينطبق على القادة، لكن أيضًا على الأفراد داخل أيِّ مجتمع. أفعال الأفراد تتراكم وتصنع مصيرًا جماعيًّا.
– التَّأمُّل في النُّصوص يجدِّد الأمل في إمكانيَّة الإصلاح في سفر أخبار الأيَّام الثَّاني. هذا السِّفر يركِّز على التَّوبة والإصلاح، ويبيِّن أنَّ العودة ممكنة حتَّى بعد الانهيار.
– يركِّز سفر أخبار الأيَّام الثَّاني على القِيم الرُّوحيَّة والعبادة. واليوم، يمكن فهم هذا كدعوة للتمسُّك بالقيم الأساسيَّة (سواء كانت دينيَّة أو إنسانيَّة) في خضمِّ التَّغيُّرات السَّريعة الَّتي يواجهها عالمنا.
– يساعدنا هذا البحث على قراءة التَّاريخ من زاويتَين:
* يقدِّم سفر الملوك قراءة نقديَّة؛
* ويقدِّم سفر أخبار الأيَّام قراءة بنَّاءة.
هذه القراءة تبيِّن لنا كيف أنَّ الحدث يمكن فهمه بطرق مختلفة بحسب الهدف.
وأخيرًا، تكمن أهمِّيَّة هذه الدِّراسة المعمَّقة في أنَّها قراءة تأويليَّة تأوينيَّة تعلِّمنا، من خلال سفر الملوك، كيف ولماذا تنهار المجتمعات، ومن خلال سفر أخبار الأَيَّام الثَّاني كيف يمكن أن ننهض ثانيةً، ومن هنا آنيَّتهما في عصرنا الحاليّ، آنيَّة تصلح في كلِّ زمان ومكان ومهما اختلفت المجتمعات والجماعات.
الدُّكتورة بيتسا استيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدِّينيَّة، وإجازة في الأدب العربيِّ من جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. باحثة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة. أستاذة محاضِرة في جامعة «Domuni» – باريس. ولها العديد من المقالات المنشورة باللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.


