الكتاب قراءة في تاريخ الحروب الصَّليبيَّة وليس تأريخًا لها. فالكاتب يعود إلى الوثائق القديمة: كتابات المؤرِّخين والمراسلات، ليصوِّر، كمرحلة أولى، أجواء الحروب الصَّليبيَّة والعقليَّات المسيحيَّة والإسلاميَّة الميَّالة آنذاك إلى القتال. ويتناول تصويرُه شرح بعض المصطلحات كالحرب المقدَّسة والجهاد والكفر بحسب عقليَّات مَن عاشوا في تلك الفترة الَّتي هي قيد الدِّراسة، وطرائق توظيف الكتب المقدَّسة لتبرير العنف وحثِّ المؤمنين على تحمُّل ويلات الحرب، خصوصًا الأسر، لينتقل بعدها إلى المبادرات الإنسانيَّة الَّتي ظهرت في ذلك الحين، والَّتي يعطيها في آخر الكتاب، قراءة معاصرة.
ينقسم الكتاب إلى جزأين، الجزء الأوَّل ليس غاية في حدِّ ذاتها، بل هو لخدمة الجزء الثَّاني.
يسعى الجزء الأوَّل لإبراز التَّشابه بين موقف المسيحيِّين من الحرب وموقف المسلمين منها، وكيف كان قادة كلِّ طرف يؤجِّجون مشاعر الشَّعب من أجل التَّجنيد، معتمدين على الدِّين والنُّصوص المقدَّسة. ويعتمد الكاتب في هذا الجزء على منهجيَّتين، الأولى هي الوقوف عند المصطلحات وشرح كيف يفهمها كلُّ طرف، ومقدار التَّشابه في فهمها، وكيف أنَّ هذا التَّشابه يتوافق مع مبادئ دينٍ ويخرج عن مبادئ دينٍ آخر. المنهجيَّة الثَّانية هي عرض الوثائق التَّاريخيَّة الَّتي تعكس حالة الأجواء المهيمنة حينها، وهذا العرض يمنح الكتاب أهمِّيَّةً خاصَّة، إذ نجد فيه، من بين ما نجده، مراسلات بين ديوان السُّلطان صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ والبابا إنُّوسنت الثَّالث، وهي الفترة الَّتي ركَّز الكاتب عليها أكثر بسبب الجزء الثَّاني من الكتاب. فما الَّذي يتضمَّنه الجزء الثَّاني، وهو غاية الكتاب؟
في أثناء الحروب الصَّليبيَّة، ظهر بين المسيحيِّين أشخاص رفضوا الحرب، ويسمِّيهم الكاتب: «المستنكفون ضميريًّا». لم يقف هؤلاء المستنكفون مكتوفي الأيدي، ولا شكَّلوا جماعات ضغطٍ تندِّد بالحرب وترفض المشاركة فيها كما هو الحال في أيَّامنا؛ فنحن في أواخر القرن الثَّاني عشر، وهذه المواقف لم تكن معروفة حينها ولا توصَّل العقل البشريُّ إليها بعدُ. ما فعله المستنكفون هو أنَّهم سعَوا لتحرير الأسرى من كلا الطَّرفَين. ويبدو أنَّ هذه المساعي ظهرت في كلا المعسكرَين المسيحيِّ والإسلاميّ. كانت المساعي في المعسكر الإسلاميِّ مبادرات فرديَّة، مؤقَّتة وغير منظَّمة، في حين أنَّها اتَّخذت في المعسكر المسيحيِّ تنظيمًا وهيكليَّة انضوت تحت غطاء تديُّنيٍّ وهو غطاء الحياة الرَّهبانيَّة الَّتي اعترف بها البابا إنُّوسنت الثَّالث رسميًّا في السَّنة ١١٩٨. أسَّس المستنكفون المسيحيُّون، إذًا، رهبنةً سمِّيت باسم الرَّهبنة الثَّالوثيَّة (Trinitarian). إنَّها في أيَّامها شبيهة بمنظَّمة الصَّليب الأحمر في أيَّامنا. كانت رسالتها هي جمع التَّبرُّعات لتحرير الأسرى، وإجراء الاتِّصالات مع القادة من أجل عمليَّات تبادل الأسرى. هذه الرَّهبنة لازالت قائمة حتَّى الآن، ويقدَّر عدد الأسرى الَّذين تحرَّروا بمساعيها حوالى ١٤٠ ألف أسير حتَّى نهاية القرن العشرين. ويبدو أنَّ الكاتب يريد تكريمها بكتابه، ويريد في هذه المناسبة تسليط الضَّوء على الخير الكامن في الإنسان في جميع الظُّروف، ليصل إلى استنكار الحرب، خصوصًا تلك الَّتي تصطبغ بصبغةٍ دينيَّة وطائفيَّة كما هو حال غالبيَّة حروبنا اليوم.
حين نتكلَّم على مآسي الحرب، نذكر عمومًا الخسائر المادِّيَّة والبشريَّة، ونتناول في الخسائر البشريَّة الضَّحايا والمهجَّرين، لكنَّنا قلَّما نهتمُّ بالأسرى وحالهم في الأسر الَّذي هو أقسى ما في الحروب. هذا ما أراد الكاتب تسليط الضَّوء عليه، وقد اختار لغلاف كتابه، بنسختَيه الأجنبيَّة والعربيّة، فسيفساء موضوعة عند مدخل كنيسة سان توماس في فورميس (إيطاليا) تعود إلى السَّنة ١٢١٠/٦٠٦ هـ.، من أعمال جاكوبو وابنه كوزما. تصوِّر الفسيفساء السَّيِّد المسيح جالسًا على عرش، يمسك أسيرًا مسيحيًّا بيد، وأسيرًا مسلمًا بيدٍ أخرى ليحرِّرهم. لوحة تعبِّر عن روحانيَّة الرَّهبنة الثَّالوثيَّة في زمنٍ كان الباباوات والسَّلاطين يتكلَّمون لغة الحرب نفسها، طرف يدعو إلى الحرب المقدَّسة والطرف الآخر إلى الجهاد الصَّغير، ودعوة كلاهما تتحجَّج بالمشيئة الإلهيَّة، وتدعم حججها بآياتٍ مختارة اختيارًا منحازًا من الكتب المقدَّسة؛ المسلمون من القرآن الكريم والمسيحيُّون من العهد القديم إذ لم يجدوا في العهد الجديد ما يدعم حججهم.
طرفان صنع كلٌّ منهما صورةً لعدوِّه ودعا لمحاربته لأنَّها مشيئة اﷲ أو في سبيل اﷲ. وفجأةً، يظهر طرف ثالث يحوِّل صورة مَن يكرههم اﷲ إلى صورة مَن يحبُّهم اﷲ لأنَّه أبوهم وخالقهم، ويدعو إلى المحبَّة والرَّحمة.
الكتاب قراءة تاريخيَّة غنيَّة بالمعلومات والتَّحليلات، حيث لم يتردَّد الكاتب في إبداء رأيه، بل إعلان صرخته ضدَّ كلِّ عنفٍ أو استعدادٍ للعنف يسود العالم، في الأمس كما اليوم.
الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.


