اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

القسّ عيسى دياب
تاريخ المسيحيَّة المشرقيَّة في دار الإسلام، تحوُّلات الحضور وإشكاليَّات العيش
ط.١، ٤٤٨ ص.، بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٦
ISBN: 978-2-7214-5050-0

الكتاب بانوراما للعلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة في منطقة الشَّرق الأوسط منذ ظهور الإسلام حتَّى يومنا هذا. لم يحصر الكاتب هذه البانوراما بالجغرافيا بل بالألسنيَّات، فتناول تاريخ المسيحيِّين الَّذين يتبعون الطُّقوس الشَّرقيَّة ويتكلَّمون حاليًّا اللُّغة العربيَّة، وبالتَّالي قد استبعد شمال أفريقيا وتركيا واليونان وأرمينيا ودول أوروبا الشَّرقيَّة.

وكما هو حال الكثير من الكتَّاب المسيحيِّين المشرقيِّين الَّذين يتناولون موضوعًا كهذا، فإنَّ الكاتب يُبرز في سرده التَّاريخيِّ الاضطهادات الَّتي تعرَّض لها المسيحيُّون في المنطقة على يد المسلمين، وهو ما ندر وجوده في كتابات المؤرِّخين المسلمين المعاصرين. لكنَّ المميَّز في هذا الكتاب هو أنَّه لا يكتفي بالاضطهادات، بل يضيف إليها الدَّور الحضاريَّ الَّذي قدَّمه المسيحيُّون لشعوب المنطقة.

يبدأ الفصل الأوَّل من الكتاب بعرضٍ موجز للخلافات بين المسيحيِّين قبل الإسلام، والانقسامات الَّتي نتجت منها، وما تبعها من صراعاتٍ وحروبٍ ومآسٍ أضعفت المسيحيَّة في المنطقة. يقول الكاتب: «إنَّ ضعف المسيحيَّة، كما هو موصوف أعلاه، قد ساهم، ليس في سرعة انتشار الإسلام وحسب، بل أيضًا في نشأته» (ص. ٢١).

بعد هذا العرض السَّريع، يتناول الكاتب دخول المسيحيَّة إلى شبه الجزيرة العربيَّة والمِلل المسيحيَّة الَّتي كانت موجودة حين ظهر الإسلام. وهنا يلحُّ على مسألة التَّمييز بين النَّصارى الَّذين ورد ذكرهم في القرآن، والمسيحيِّين المعروفين اليوم بهذا الاسم على اختلاف طوائفهم:
«السُّؤال الَّذي يطرح نفسه هو: «هل النَّصارى، الَّذين أتَت المصادر الإسلاميَّة على ذكرهم، هُم المسيحيُّون الأرثوذكسيُّون»؟ الفرضيَّة الَّتي سأحاول برهنتها هي أنَّ «النَّصارى» هم أتباع يسوع المسيح، لكنَّهم يختلفون عن المسيحيِّين في كثير مِن الأمور» (ص. ٣٢).

ما يلي من ذكرٍ للمِلل المؤمنة بيسوع المسيح، الَّتي عاشت في شبه الجزيرة العربيَّة، سيوضع في خانة الفِرق النَّصرانيَّة، وليس الفرق المسيحيَّة. وقد أوردها الكاتب على التَّوالي: الأبيونيُّون، والكسائيُّون، والمريميُّون، والحوَّاريُّون، والآريوسيُّون، والحنفاء، الَّذين ربط محمَّد رسول الإسلام هويَّته بهم. عن هذه المجموعة الأخيرة، يقول الكاتب:
«إنَّ الحنفاء هم أناس رفضوا عبادة الأوثان، وتركوا ما عليه قومهم مِن عبادة الأصنام، وراحوا يبحثون عن الدِّين الحقِّ. ونتيجة لبحثهم، اعتنق بعضهم النَّصرانيَّة، وبعضهم الآخر تمسَّك بـ «الحنيفيَّة»، الَّتي يظنُّونها دِين إبراهيم، وأكثرهم سيدخلون في الإسلام النَّاشئ» (ص. ٥٣).

يلي ذلك عرض للكنائس المسيحيَّة المشرقيَّة الَّتي ستتقابل مع الإسلام: اليعاقبة، والنَّساطرة، والأقباط، والرُّوم.

الفصل الثَّاني عرض لشخصيَّة محمَّد وعلاقته بالمسيحيَّة، بدءًا من ورقة ابن نوفل الأسديِّ القُرشيِّ وخديجة زوجة الرَّسول، وظهور الإسلام، ودخول القبائل المسيحيَّة فيه. ويتوقَّف الكاتب مطوَّلًا عند ما يسمِّيه: «مسيحيَّة الإسلام»، أي الطَّابع المسيحيَّ في الإسلام، والمسيحيَّة في منظور الإسلام، فيبيِّن كيف أنَّ الملل النَّصرانيَّة شكَّلت في القرآن الكريم تصوُّرًا معيَّنًا عن المسيحيَّة ومعتقداتها، وهو تصوُّر إيجابيّ، أقلُّه في السُّوَر المكِّيَّة الَّتي، كما يقول الكاتب:
«تقترب بمعانيها وأخبارها مِن الدِّيانتَين اليهوديَّة والمسيحيَّة؛ ويؤكِّد فيها محمَّد رسالة موسى في التَّوراة، ورسالة عيسى في الإنجيل. وفي كلامه على اليهود والنَّصارى الكثير مِن الإيجابيَّة حيالهم، والتَّحبُّب إليهم. وفيها اعتراف بأنَّ المسيح هو كلمة اﷲ وروحه (النِّساء ٤: ١٧١؛ الأنبياء ٢١: ٩١) تمامًا كما جاء في الإنجيل» (ص. ٧٦-٧٧).

ويصل في النِّهاية إلى عرضٍ مستفيض عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيِّين في أيَّام النَّبيّ. وهنا يبدأ مصطلح «نصارى» بالتَّلاشي ليحلَّ محَلّه مصطلح مسيحيِّين. في هذا العرض نجد مراسلات النَّبيِّ مع قادة مسيحيِّين: هرقل ملك الرُّوم، المقوقس ملك مصر، النَّجاشي ملك الحبشة، المنذر بن ساوى التَّميميُّ ملك البحرين؛ ومع نصارى شبه الجزيرة العربيَّة: نجران، وجرباء، وأذرح، وأيلة.

الفصول التَّالية تتبع التَّسلسل الكرونولوجيّ. الخلافة الرَّاشديَّة، الأمويَّة، العبَّاسيَّة، الفترة الصَّليبيَّة، المماليك، وأخيرًا العثمانيَّة. في كلِّ فصل عرض موجز لأحداث الفترة إسلاميًّا، يليه عرض لحال المسيحيِّين في تلك الفترة، ثمَّ متفرِّقات جديرة بالذِّكر.

في الفصل الثَّالث يتكلَّم على حال المسيحيِّين في العصر الرَّاشديّ، ويتناولهم خليفة تِلوَ الآخر، مع الإشارة إلى الفتوحات ومواقف المسيحيِّين المشرقيِّين منها، والمعاهدات الَّتي أبرِمَت معهم، والضِّيق الَّذي تعرَّضوا له في ظلِّ حكم بعضٍ منهم أو في فتراتٍ محدَّدة. فعلى سبيل المثال، أخرج عمر بن الخطَّاب النَّصارى واليهود من شبه الجزيرة العربيَّة، في حين أنَّه تعهَّد لمسيحيِّي القدس بألَّا يمسَّهم سوء، وبأن يبقوا في ديارهم آمنين مقابل دفع الجزية.

الفصل الرَّابع، الَّذي يتناول الدَّولة الأمويَّة، هو فصل مفصليّ، لأنَّه يُظهِر انقلاب أحوال المسيحيِّين من الازدهار إلى الاضطهاد. ففي حين رأى فيهم أوَّلُ الخلفاء شركاء لهم رآهم مَن تلاهم أعداء. عن هذا العصر الذَّهبيِّ للعيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين يقول الكاتب:
«سمح الأمويُّون بالاحتفاظ بأغلب الكنائس، ولم يمانعوا ترميمها أو بناء كنائس جديدة. ورغم أنَّ بعض عهود الصُّلح أيَّام الرَّاشدين نصَّت على منع استحداث كنائس جديدة، فإنَّ الأمويِّين لم يلتزموا بها باستثناء مرحلة عُمر بن عبد العزيز. وقد روى الطَّبري أنَّ خالد القسريَّ والي العراق كان يأمر بنفسه بإنشاء البيع والكنائس، وأبو جعفر المنصور الخليفة، حذا حذوه عندما شيَّد بغداد» (ص. ١٤٢-١٤٣).

العصر العبَّاسيُّ يشغل فصلَين: العصر العبَّاسيَّ الأوَّل وهو سنوات سلام في العيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين، برز فيه دور المسيحيِّين في عالم الفكر من طبٍّ وفلسفة وباقي العلوم، وفيه جرت حوارات مهمَّة بين المسيحيِّين والمسلمين. ويلخِّص الجاحظ حال المسيحيِّين على النَّحو الآتي:
«إنَّ النَّصارى متكلِّمون وأطبَّاء ومنجِّمون وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء… وإنَّ منهم كُتَّاب السَّلاطين وفرَّاشي الملوك وأطبَّاء الأشراف والعطَّارين والصَّيارفة… وإنَّهم اتَّخذوا البراذين والخيل واتَّخذوا الشَّاكريَّة والخدم والمستخدَمين» (ص. ١٥٤).

شهد العصر العبَّاسيُّ الثَّاني ظهور الدُّويلات: الفاطميُّون، السَّلاجقة، الأيُّوبيُّون، حتَّى وصول المغول. إنَّه عصر انحطاط، وعصر اضطهاد للمسيحيِّين. يصف الكاتب هذا العصر كما يأتي:
«مع بداية عصور الانحطاط، بدأ جوُّ التَّفاهم والتَّعايش الكريم بالتَّبخُّر. فهُدِّمت الكنائس، ومُنع أهل الكتاب مِن ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التِّجاريَّة والاقتصاديَّة، أو الإقامة في دُور مرتفعة، أو دخول الحمَّامات الَّتي كان يدخلها المسلمون. وعُوملوا كرعايا مِن الدَّرجة الثَّانية. وأخذ السَّلاطين والولاة يستبدُّون بهم. وأخذ البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرِّخ ابن البطريق والمسعوديُّ وغيرهما. كانت إحدى نتائج ذلك، هجرة المسيحيِّين الَّذين رفضوا اعتناق الإسلام مِن المدن نحو الجبال» (ص. ١٨٠).

الفصل التَّاسع مخصَّص للحملات الصَّليبيَّة، والكاتب يحاول التزام الحياد تجاهها، ويبيِّن كيف أنَّ المسيحيِّين المشرقيِّين فضَّلوا، في غالبيَّتهم، انتماءهم الثَّقافيَّ الجغرافيَّ على انتمائهم الدِّينيّ، فوقفوا مع المسلمين لردِّ الغزوات الصَّليبيَّة، على الرَّغم من سوء المعاملة الَّتي كان المسلمون يعاملونهم بها.
«أمَّا المسيحيُّون المشرقيُّون، بشكل عامٍّ، فلم يسيطر انتماؤهم المسيحيُّ للانحياز إلى الصَّليبيِّين على انتمائهم إلى الشَّرق وتقاليده وأعرافه، وحسن الجوار مع إخوتهم المسلمين. فأظهروا الولاء لهم في جميع المواقف، ووقفوا إلى جانبهم. ربَّما شذَّ عن هذه القاعدة بعض الأرمن وبعض الموارنة. أمَّا الأرمن فبسبب عدائهم مع المسلمين؛ وأمَّا الموارنة، فبسبب محاولاتهم المتبادلة مع الصَّليبيِّين للانضمام إلى روما. وفي الوقت نفسه، كان المسيحيُّون أحيانًا ضحيَّة. فالمسلمون كانوا يُشكِّكون بولائهم بسبب مشاركتهم الدِّين مع الصَّليبيِّين؛ والصَّليبيُّون كانوا يشكِّكون في إخلاصهم بسبب انتمائهم الشَّرقيّ» (ص. ٢٤٦).

ويتابع الكاتب سرده، بحسب النَّهج نفسه، فيصل إلى دولة المماليك، ولعلَّها الفترة الأقسى على المسيحيِّين، خصوصًا مع تعديل نظام الذِّمَّة وتشديده، وحملات الإكراه على دخول الإسلام تحت طائلة النَّهب والنَّفي.

يذكر الكاتب من أحكام نظام الذِّمِّيَّة ما يأتي:

١. على الذِّمِّيِّين أنْ يدفعوا الجزية للحكَّام المسلمين بالطَّريقة القرآنيَّة (وهم صاغرون؛ المائدة ٩: ٢٩)، وأنْ يخضعوا لكلِّ الشُّروط الَّتي ينصُّ عليها عهد الذِّمِّيَّة في الشَّرع الإسلاميّ.
٢. يُحظَّر على المسيحيِّين واليهود العمل في إدارات الدَّولة المملوكيَّة.
٣. على المسيحيِّين أنْ يضعوا على رؤوسهم طربوشًا وأنْ يلبسوا ثوبًا أزرق، واليهود ثوبًا أصفر، والسَّامريِّين ثوبًا أحمر.
٤. يُحظَّر على غير المسلمين ارتياد الأحصنة.
٥. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين بناء بيوت يكون ارتفاعها أعلى مِن بيوت المسلمين.
٦. يُحظَّر على الذِّمِّيِّين دخول مغارة المكفيلة في حبرون. (ص. ٢٥٨-٢٥٩).

في الفصل التاسع أيضًا، الدَّولة العثمانيَّة، يتمُّ الإلحاح على الإرساليَّات المسيحيَّة، فكلُّها تمَّت في ظلِّ الدَّولة العثمانيَّة؛ وهذا لا يعود إلى طبيعة العثمانيِّين بقدر ما يعود إلى تغيُّر المشهد السِّياسيِّ بين الدُّول في ذلك العصر. النَّهضة الأوروبِّيَّة، وتطوُّر القطاع التِّجاريِّ والصِّناعيّ، وكثرة الاختراعات، واكتشاف العالم الجديد.

يذكر هذا الفصل وصول الرَّهبنات الكاثوليكيَّة: الفرنسيسكان، اليسوعيُّون، الكبُّوشيُّون، الكرمليُّون… ووصول البعثات البروتستانتيَّة، وتحوُّل جماعاتٍ مسيحيَّة شرقيَّة من العداء لروما إلى الاتِّحاد بها، وهي الكنائس الشَّرقيَّة الكاثوليكيَّة. وبعد سرد ما قدَّمته هذه الإرساليَّات للشَّرق كي يتطوَّر ويواكب عصره: مدارس، مستشفيات، مطابع، علوم… يمرُّ على المذابح الَّتي ميَّزت نهاية عصر العثمانيِّين، والَّتي راح ضحيَّتها أكثر من مليوني مسيحيّ، وتهجير السُّكَّان، وما إليه من فظائع.

الفصل العاشر: «المسيحيَّة المشرقيَّة منذ نهاية الحرب العالميَّة الأولى وحتَّى الوقت الحاضر». فصل غنيٌّ بالمعلومات، بعيد عن الموضوع. فهو يذكر من جهة تطوُّر العقليَّة الإسلاميَّة نحو التَّطرُّف، ومن جهة أخرى تحوُّل العقليَّة المسيحيَّة في الغرب نحو العلميَّة، وفي هذا كلِّه، المسيحيَّة المشرقيَّة غائبة. في نهاية الفصل، عرض تقديميٌّ للجماعات المسيحيَّة المشرقيَّة اليوم؛ كلِّ كنيسةٍ مشرقيَّة: نشأتها، نموِّها، حالها اليوم.

الفصل الحادي عشر هو بمثابة خاتمة. فيه يلقي الكاتب نظرةً إلى الماضي ليستخلص منه العبر. ومن هذه العِبَر الَّتي تشرح سبب انحسار المسيحيَّة المشرقيَّة: الخلافات المسيحيَّة - المسيحيَّة، وهجرة المسيحيِّين، وتعزيز عقليَّة التَّعصُّب.

أمَّا النَّظرة إلى المستقبل فيراها الكاتب في أهمِّيَّة التَّمييز بين الدِّين والدَّولة، وتعميق معرفة الآخر، والاعتراف بأخطاء الماضي، والشَّهادة للغفران والمصالحة، والحذر من التَّعميمات والصُّور النَّمطيَّة، والمساهمة المشتركة في بناء المجتمعات.

الكتاب ضخم، موسوعيّ، شيِّق في القراءة، غنيٌّ بالمعلومات الدَّقيقة.

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: راهب‭ ‬يسوعيّ،‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدِّيس‭ ‬يوسف‭ – ‬بيروت‭. ‬له‭ ‬مؤلَّفات‭ ‬وترجمات‭ ‬عدَّة‭ ‬منشورة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬بحثيَّة‭ ‬في‭ ‬مجلَّة‭ ‬المشرق‭.‬

editing@darelmachreq.com

Share This