اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

بشّار وديع رحمة

الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية،
تاريخهم الحقيقيّ، حاضرهم، والأمل بتفعيل أدوارهم

136 ص. ط.1. بيروت: دار المشرق، 2022
(ISBN: 978-2-7214-7115-4)

منذ بداية القرن العشرين، انتقل التّحذير من خطر زوال المسيحيّين من الشّرق إلى مرحلة دقّ جرس الإنذار. فالحروب في فلسطين ولبنان والعراق وسورية، وتزايد مضايقات الأصوليّين في مصر، إضافةً إلى الأزمات الاقتصاديّة، وبطء التّزايد الدّيموغرافيّ بين المسيحيّين، وارتفاع الإقبال على الهجرة الدّائمة، عوامل لم تساهم في انخفاض نسبة السّكّان المسيحيّين وحسب، بل في «انهيار» أعدادهم في البلدان الّتي عاشوا فيها منذ نشأة المسيحيّة إلى اليوم.

إلى جانب ظاهرة الانحسار هذه، يُلاحَظ انسحاب المسيحيّين الباقين في هذه البلدان من العمل السّياسيّ، بل ولنقل من المواطنة، في أنظمةٍ تعلن أنّها علمانيّة تُشرك الجميع في العمليّة السّياسيّة، لكنّ هوّةً واسعة تفصل بين الإعلان والواقع، في ظلّ توتاليتاريّةٍ تصطبغ غالبًا بالطّائفيّة.

من ناحية التّفكير العمليّ، لا الوصفيّ، الكتابات الّتي تعالج موضوع الأقلّيّات المسيحيّة ضحلة، والحلول أفلاطونيّة. من هنا تأتي أهمّيّة كتاب الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية. إنّه محاولة جادّة لتحليل اللّاوعي الجمعيّ في أذهان المسيحيّين بالبلدان العربيّة عامّةً، وسورية بخاصّة، واقتراح حلولٍ تساهم في إعادة المسيحيّين إلى مواطنتهم، وتفعيل أدوارهم في حياة البلد الّذي يعيشون فيه.

يعتمد تحليل الكاتب بشّار وديع رحمة على نظريّة المحلّل النّفسيّ يونغ في اللّاوعي الجمعيّ. كلّ إنسانٍ يحمل في لاوعيه إرثًا تاريخيًّا لا يمكن تجاهله إذا أردنا أن نفهم لماذا يعيش واقعه على هذا النّحو. قد لا يعي شخصيًّا هذا الإرث، ولا يمكنه التّعبير عنه بوضوح، لكنّه موجود ومؤثِّر مثل الهواء الّذي نستنشقه.

انطلاقًا من ذلك، يبدأ الكتاب بسردٍ موجزٍ لتاريخ المسيحيّين في سورية، وهي الفئة الّتي اختار أن يبحث في شأنها، ابتداءً من الحضارات القديمة، فيعرض الفترات الّتي كان السّكّان المحلّيّون فيها حاكمين لأنفسهم، والفترات الّتي كانوا فيها محكومين. والفكرة بسيطة وواقعيّة: حين تعيش الأجيال قرونًا وهي محكومة، لن تفكّر الأجيال الجديدة بأن تسعى لتحكم، بل ستتكيّف مع الواقع، وتعيش في سلبيّةٍ وعلى الهامش.

العرض التّاريخيّ يقول إنّ المسيحيّين الموجودين الآن في الشّرق ليسوا في غالبيّتهم شعوبًا وافدة، بل من سكّان البلد الأصليّين، يحملون في ذاكرتهم الجمعيّة اللّاوعية آثارًا من العمّوريّين والفينيقيّين والآراميّين…

بعد هذا العرض الواسع في مدّته التّاريخيّة، والمقتضب في تقديمه، ينتقل الكاتب إلى تاريخ المسيحيّين في ظلّ الإسلام، وهنا يبطئ في حديثه، لأنّ حال الأمس مرتبط بكثيرٍ من عناصره بحال اليوم. في هذا العرض، يتبنّى نظريّات علم النّفس الّتي تلاحظ أنّ «الذّاكرة البشريّة انتقائيّة سلبيّة». فنحن نتذكّر بسهولةٍ آلامنا ومعاناتنا وأخطاءنا، وبصعوبةٍ أفراحنا وهناءنا وحسناتنا. وبما أنّ تاريخ المسيحيّين في ظلّ الأنظمة الإسلاميّة المتتالية هو مزيج من السّعادة والتّعاسة، يبقى في ذاكرة المسيحيّين فترات الاضطهاد الّتي تعرّضوا لها على يد المسلمين، وهي كثيرة، ومؤلمة، و… باقية في ذاكرة اللّاوعي الجمعيّ.

الملاحظ في هذا العرض التّاريخيّ سعي الكاتب وراء الموضوعيّة قدر الإمكان، على الرّغم من أنّ المراجع الّتي يستعين بها تميل إلى التّعتيم على المسؤوليّة المحتمَلة الّتي يتحمّلها المسيحيّون في الاضطهاد الّذي شُنَّ ضدَّهم؛ كتعاونهم مثلًا مع إبراهيم باشا الذي غزا سورية في القرن التّاسع عشر، وما تلاه من مجازر في حقّ المسيحيّين بعد انسحابه. كما لا يغفل عن الإشارة إلى جزئيّة الاضطهاد، فيبيّن حدوده الجغرافيّة، ومعارضة بعض المسلمين النّافذين له.

ويزداد التّقديم تباطؤًا حين يتطرّق الكاتب إلى فترة الاستقلال وما بعدها حتّى اليوم. وبكثيرٍ من الموضوعيّة وعدم الانحياز، يسرد فترة حكم حافظ الأسد وابنه بشّار، الّتي شهدت المسيحيّة فيهما أكبر موجة هجرةٍ عرفتها البلاد (هجرة من سورية وليس إلى سورية كما حدث مع الأرمن في بداية القرن العشرين).

عناصر كثيرة تمّ تبنّيها منذ الاستقلال حُملَت إلى المسيحيّين مُرسَلَةً مفادُها: «أنتم مواطنون من الدّرجة الثّانية». وهي مُرسَلَة تتوافق مع سياق تاريخ الحكم الإسلاميّ، وموقف الحكّام من المسيحيّين، وقراراتهم المجحفة بحقّهم. فالدّستور بعد الاستقلال جعل الإسلام مصدر التّشريع، وعلى المسيحيّين أن يتبعوا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ من دون استثناءٍ اللّهمّ إلّا في دور المحاكم الكنسيّة في البتّ بأمور طلاق المسيحيّين. أمّا الإرث فعلى المحاكم الكنسيّة أن تتبع الشّرع الإسلاميّ.

ويتوقّف الكاتب قليلًا عند حدثٍ لم يؤخذ كثيرًا على محمل الجدّ: تأميم المدارس الكاثوليكيّة، وإحكام الدّولة السّيطرة على العمليّة التّعليميّة، وبذلك سُحِبَت من المسيحيّين آخر ورقةٍ كانوا يمارسون بها دورهم في المجتمع والمواطنة.

كلّ هذا العرض يسعى إلى الفصل الرّابع، الّذي يدرس مجالات تفعيل دور المسيحيّين في مجتمعاتهم. قد تبدو المقترحات للقارئ العربيّ (غير اللّبنانيّ) نوعًا من اليوتوبيا، لأنّه تآلف مع فكرة فرض الإسلام مصدرَ تشريع، ويعتبر ضربًا من الدّيستوبيا كلّ مقترحٍ ينادي بدستورٍ وقوانين لادينيّة.

الكاتب يعرض نقاطًا كثيرة في هذا الشّأن، لكنّ واحدةً استوقفتني. إنّ أحد شروط حلّ النّزاعات وإحلال السّلام هو إقرار المذنب بذنبه. وهو أمر له معناه مثلًا حين اعتذر البابا يوحنّا بولس الثّاني عن الحملات الصّليبيّة، واعتذر البابا فرنسيس، في زيارته هذه السّنة إلى كندا، من السّكّان الأصليّين عمّا فعله المسيحيّون بهم. ولا يمكن أن يزول التّوتّر التّاريخيّ بين المسيحيّين والمسلمين إن لم يعتذر المسلمون للمسيحيّين الشّرقيّين عن كلّ المجازر والاضطهادات الّتي مارسوها ضدّهم، فيكون هذا الاعتذار شاهدًا لكلّ غافل كي لا يعيد التّاريخ نفسه، ونقطة انطلاقٍ نحو التّغيير السّلوكيّ والمؤسّساتيّ والدّستوريّ. أمام مقترحٍ كهذا، نجد أنفسنا أمام ديستوبيا ويوتوبيا تتراهنان ثمّ تجلسان وتراقبان مَن منهما سيفوز.

 

.

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ :

راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.
[email protected]

Share This