اللاّهوت السّياسيّ في الكنيسة المارونيّة

كارول داغر

حبّ متفانٍ لأرضٍ مهمَلة،
سيرة الأب نقولا كلويترز اليسوعيّ في لبنان

262ص. بيروت : دار المشرق، 2022

(ISBN: 978-2-7214-5622-9)

كان يوم 14 كانون الثّاني/يناير 2022 موعدًا مهمًّا لإطلاق هذا الكتاب. ففي هذا الموعد افتتحت الكنيسة قضيّة تطويب الأب نقولا كلويترز اليسوعيّ الّذي اختُطِفَ وقُتِلَ في أثناء الحرب اللّبنانيّة.

صدر هذا الكتاب أوّلًا بالفرنسيّة في العام 2013. وحين تمّت ترجمته، شعرت الكاتبة أنّه يتوجّب عليها التّدخّل. فهي لبنانيّة ومتمكّنة من اللّغة العربيّة، ولا يحسن أن تفوح من النصّ رائحةٌ أجنبيّة لأجنبيٍّ كدّ ليتعلّم لغة الضاد ويتكلّمها، وعاش في ظهرانينا، وسُفِكَ دمه على أراضينا. لذلك يلاحظ خبير الأسلوب أنّ النصّ لا يوحي بأنّه ترجمة إلّا حين ينقل كلام ما قاله الأجانب (بالأجنبيّة طبعًا) عن الأب كلويترز. ولعلّ أوضح مثال على هذا هو تسمية بطل القصّة Nicolas بالطّريقة الّتي ناداه بها أهل البقاع: «أبونا نقولا»، وليس «نيقولا».

تبعت الكاتبة، في سردها، التّسلسل الزّمنيّ لحياة الأب نقولا. فبعد مدخلٍ موجزٍ، هو إلى الشّعريّة أقرب، يصف تاريخ منطقة البقاع الّتي خدم فيها هذا الكاهن اليسوعيّ وجغرافيّتها ومجتمعاتها، يبدأ الفصل الأوّل يسرد قصص طفولة نقولا، ويحدّد معالم شخصيّته الّتي تتحدّى الظّروف المعاكسة. كان تحدّيه الأوّل هو عدم قدرته على تحمّل الدّروس الفكريّة النّظريّة، سمة التّعليم التّقليديّ في المدارس. فهو ميّال أكثر إلى ما هو عمليّ. والتّحدّي الثّاني، شغفه في فنّ الرّسم وهو يعاني عمى الألوان. والتّحدّي الثّالث هو رغبته بدخول رهبنةٍ كالرّهبنة اليسوعيّة وما تتطلّبه من دروس، وحبّه للفنّ: كيف يوفّق بين هاتَين الرّغبتين؟

وتتالى فصول الكتاب، وكأنّها ترسم لوحةً فيها الموضوع الرّئيس، وفيها التّفاصيل الفرعيّة الّتي تساهم في اكتمال الصّورة وإبرازها، وكأنّنا أمام شجرةٍ تنطلق فروعها في جميع الاتّجاهات من دون أن تنفصل عن الجذع: وضع الإرساليّات الهولنديّة حين دخل نقولا الابتداء، حال التّكوين في الشّرق حين عزم على القدوم إليه ليعمل فيه، الأوضاع الاجتماعيّة والسّياسيّة بلبنان في أيّامه…

تبدأ المغامرة البقاعيّة في يومٍ من أيّام تشرين الأوّل/أكتوبر. كان بعض وجهاء القرية مجتمعين للتّداول في حال قريتهم المزري. «لقد قرّر سكّان برقا أن يتدبّروا مصيرهم بأنفسهم؛ ولهذه الغاية أرادوا أن يتّفقوا على الأولويّات. يا لها من مهمّة عويصة، فكلّ شيء أولويّ: الماء، والكهرباء، والطّرقات، وشبكة المواصلات، والمدرسة، والعمل… وليس لديهم أدنى ضمانة لمستقبلهم ومستقبل أولادهم. كيف يُخرجون الحاضر من الورطة الّتي يتخبّط فيها؟» (ص. 67).

«تأخّر بدء الاجتماع بسبب تأخّر أحدهم: فريد. حين وصل أبلغني: «هناك رجل يلبس زيًّا أسود ينتظر في الخارج». خرجت ودعوت الغريب كي ينضمَّ إلينا، دون أن أعرفه أو أعرف ما يريده. جلس بيننا وعرَّفنا بنفسه. كان يتكلّم العربيّة بلهجة ثقيلة، قال: «أنا كاهن يسوعيّ هولنديّ وجئت لأخدم قريتكم؛ فهل تقبلوني؟» … في هذه السّهرة الخريفيّة، في الثّامنة إلّا خمس دقائق مساءً. هكذا وصل إلينا مَن سندعوه في ما بعد «أبونا نقولا»» (ص. 68).

خلافًا لما هو متوقَّع من سيرة كاهنٍ، فإنّ الكتاب يلحّ على عمله الاجتماعيّ الّذي ساهم في المصالحة بين العائلات الكبيرة المتخاصمة في القرية، ورفع مستوى حياة النّاس الاقتصاديّ، من دون أن يغفل عن الإشارة، من حينٍ إلى آخر، إلى نشاطه الدّينيّ كالتّعليم الدّينيّ، وإرشاد الأخويّات والرّاهبات في المنطقة، وإحياء اللّيترجيّات بطريقةٍ تساعد النّاس على الصّلاة.

تفسح الكاتبة مجالًا واسعًا لفكرة الاستشهاد من خلال الاستفاضة في ذكر اغتيال مساعد الأب نقولا، غصيبة كيروز، وأثرها في نفسه، وكيف أنّه شعر بأنّ هذا الاغتيال صورة مسبقة للمصير الّذي ينتظره: الخطف والاغتيال في المنطقة نفسها، وعلى الطّريق نفسه.

الخطف والاغتيال مذكوران باقتضاب في نهاية الفصل الثّالث عشر، والفصل الرّابع عشر مخصَّص لوصف قلق الرّهبنة والأهالي بسبب غيابه، ثمّ إيجاد الجثّة مرميّةً في هوّة.

وتلي هذا الفصل أربعة فصولٍ هي بمثابة حركة قيامة تنطلق من الموت، ونشيد تسبيحٍ ترفعه حياةٌ لم تعرف سوى العطاء.

 

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ : راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف – بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.

[email protected]

Share This