إنّ أطول رحلة التي يقوم بها الكائن البشريّ هي تلك التي تقوده إلى أعماق الذات. والجرأة في النظر إلى الذات تجعله يكتشف قوى النفس الشهوانيّة والنباتيّة والغضبيّة والحيوانيّة وكذلك العقليّة من الفهم والإدراك والتخيّل والفكر بمختلف نواحيه. على الأرجح إنّ الإنسان لن يستطيع أن يرى كلّ أبعاد جبل الجليد الغائر في المحيط، إن طبّقنا نظريّة سيغمند فرويد في حالتَي الوعي واللاوعي، في النزول إلى الذات، يرى الإنسان أيضًا علامات القوّة الروحيّة فيه متآلفة ومتألّقة في مجموعة قِيَم الحقّ والخير والمال.
في زمن الكورونا، الفيروس المستجدّ والقاتل، أُصيب ويُصاب الملايين من البشر بداء تحوّل إلى وباء يلفّ زوايا الأرض الأربع. في زمن الكورونا، حيث العزلة أصبحت ضروريّة وكأنّها الدواء الأنجح لمقاومة المرض، حيث أصبح التباعد الجسديّ واجبًا للحفاظ على السلامة الفرديّة والجماعيّة، سنحت الفرصة للكائن البشريّ، بوجه أو بآخر، بالتقرير أو بالاختيار، أن يغوص حتّى قعر ذاته، ومنهم من اكتشف للمرّة الأولى في وجودهم على هذه البسيطة النزول إلى عمق الذات، وهذا افتراض ربّما عايشه الكثير من الناس. وسنقول أيضًا إنّ كثيرين لم يتوقّفوا بالمطلق عند هذه الفرصة السانحة بل إنّهم فضّلوا إكمال عيشهم وكأنّهم في رحلة سياحيّة مداها المنزل أو المساحة المخصّصة لوجودهم اليوميّ.
في زمن الكورونا، اكتشفنا في تلك العودة إلى الذات، والخوف لا يزال يعترينا والهواجس، أنّ فينا قوى عظيمة من احتياط الرجاء والأمل والعقلانيّة. إكتشفنا نورًا غير محدّد في زوايا الذات يقودنا إلى المطلق الروحيّ، نعبّر عن ذلك بالصلاة والتأمّل والمشاهدة. إكتشفنا أنّ الظلمة هي العابر والنور هو الباقي، إن أحسنّا التعامل مع الفيروس بالحذر الكافي والوقاية اللازمة. إكتشفنا أنّ العزلة الجسديّة لا تمنعنا في زمن وسائل الاتّصال المتعدّدة والمتوافرة على نطاق واسع من التواصل الاجتماعيّ مع أحبّاء وأصدقاء، ورفاق. إكتشفنا كم في الذات تكمن العواطف والمشاعر بالتعاطف مع الآخرين والمتألّمين والمصابين بالأزمة الصّحيّة وأيضًا تلك الأزمة الاقتصاديّة والماليّة وهي وليدة من قرّروا أن يمنحوا ذاتهم الروحيّة والقيميّة التي تكلّلها الفضيلة من أن يقولوا كلمتهم وتهمس في آذانهم المرغوب والممنوع فوقعوا كما يقال في آفة النسيان والفساد وهي تخرب ذاتهم النبيلة، كما قيل في زمن آخر.
في زمن الكورونا، محنةً وامتحانًا، الفرصة هي ألّا تتغيّر الحياة في جوهرها بل أن تتغيَّر نوعيّة الحياة. ذلك يعني أنّ الإنسان قد ينجح في إيقاظ فضائل الإنسانيّة والوطنيّة والمواطنة والمحبّة والحياد والتضامن، وإن كان الأمر معقولًا، بل هو علامات محسوسة في الذات الباطنيّة، يترجمه العقل والعاطفة في مواقف لها أبعادها الما بين شخصيّة والاجتماعيّة.
في زمن الكورونا، نتخطّى المحنة وننجح في الامتحان وفي العزلة عندما نتخلّى عن شوائب التصنّع والتكلّف والترف والبهرجة الخارجيّة. تعلّمنا الرحلة إلى الذات، تلك الرحلة الطويلة، معنى الوحدة بدل التفرّق، معنى التلاقي بدل التباعد الاجتماعيّ أو حتّى العائليّ ومعنى الحرّيّة بدل بناء الحيطان مع الجيران ومعنى التضامن بدل الأنانيّة.
في زمن الكورونا، يُباد الفيروس المستجدّ عندما تتحرّك ذاتنا الدفينة الروحيّة وحتّى العقليّة لتصحيح بعض سلوكنا الذي أصبح جزءًا من كياننا. إذ ذاك يطلّ علينا الفجر الجديد فنستعيد أنوار الحياة ومعانيها الأساسيّة بفضل تلك القوى النفسيّة والروحيّة والكامنة فينا ولم نستخدمها من قبل كما هو واجب ولائق.
في زمن الكورونا، بالنسبة إلى مَن هم في قيادة دفّة الحياة العمليّة، تتحرّك فيهم حميّة حماية الإنسان من الأوبئة المهدّدة البشريّة بدل التوظيف الماليّ والتبشير في عقاقير وأدوية لا طائل منها وغير ضروريّة، أو في نُظم الأسلحة المهدّدة للوجود الطبيعيّ والبشريّ.
في زمن الكورونا اكتشفنا كم أنّ سياسات الدول الصحّيّة والقويّة منها هزيلة، وكم أنّ الإنسان هو في الاهتمامات الأخيرة بدل أن يكون في المقدّمة.
زمن الكورونا يقول لنا: حان تصحيح مسار الرحلة لا إلى المريخ بل إلى قعر الذات لتحصل الولادة للإنسان الجديد.
Share This