تكثُر في هذه الأيّام التحليلات والدراسات والمقالات في ظاهرة ما يُسمّى بالتطرُّف الدينيّ، وما ينجم عنه من سلوك عنفيّ كلاميّ أو من أفعالٍ عنفيّة إرهابيّة مادّيّة. وتترافق هذه الظاهرة في غالب الأحيان مع تطاول على الأديان نفسها، في عمق رسالاتها وعقائدها، كما لو أنّ هذه الأديان لم تظهر على وجه الأرض، بأنبيائها ودُعاتها إلاّ لكي تزرع الفرقة بين الناس والإرهاب في صفوفهم. و المشرق في عددها هذا تكرِّس مقالاً من مقالاتها للتعريف برائد السلفيّة الإسلاميّة المعروف بفتاويه وكتاباته الشيخ محمَّد بن تيميَّة، ومقالاً آخر يتناول نقد السلفيّة، وثالثًا يتطرّق إلى هذه القضيّة بشكلٍ أم بآخر. وكلّ هذا يدلّ على أنّ قضيّة التطرُّف الدينيّ، بمختلف حيثيّاتها ووقائعها أصبحت مهمّة وأساسيّة لا بدّ من معالجتها من ضمن الدِّين وخارجه. ولفهم بعض نواحي هذه الظاهرة، نسوق إلى القارئ بعض الخواطر في تحديد التطرُّف، وبعضًا من أسبابه والمواقف التي يتّخذها في عددٍ من القضايا الأساسيّة. في تحديد الظاهرة، يُجمع المتخصّصون والعلماء قديمًا وحديثًا على أنّ التطرّف هو الغلوّ في الدين، والغلوّ هو الزيادة على ما يُطلب شرعًا، وكذلك المبالغة في الأمر والتشديد، حتّى مجاوزة الحدّ المقبول عُرفًا وشرعًا. وتجاوز الشرع هو من النقاط الأساسيّة التي يُجمع عليها العلماء المعرّفون بالتطرّف، إذ إنّ المتطرّف هو مَن قام بفعلٍ مخالفٍ للشرع، أي لما هو مقبول من الجماعة البشريّة، ولما يُعتبر من الحكمة في آنٍ معًا. أمّا الناحية الثانية التي نُعِتَ بها التطرّف والمغالاة والمبالغة فهو فهم النصوص الشرعيّة والكتب المقدّسة فهمًا يبعد عن مقصود الشارع ومقصود النصوص المقدّسة بمختلف وجوهها. وثمّة مدرسة اليوم لها وزنها في الأديان، تقول بأنَّ النصوص المقدَّسة والشرعيَّة لا تُفسَّر بالعودة إلى الحرف وحسب، بل إلى مقاصد الكتب والشريعة نفسها، حيث إنّ النصوص المقدّسة تهدف إلى حماية حقوق الناس في حرّيّاتهم وممتلكاتهم وشعائرهم. وثالثة التعريفات تدلّ على التعصُّب الذي لا يعترف معه المتطرّف بوجود الآخرين. ومن أسباب التطرُّف انتشار الفكر التكفيريّ، وانتشار الفتاوى والتفسيرات على مختلف صفحات وسائل الاتّصال التي همّها الأوّل والأخير، التحريم والتأسيس للاصطفافات، ونبذ كلّ فكر أو عقيدة مخالفة أو مختلفة، وجعل أيّ إنسان مختلف إنسانًا بخيسًا مثقلاً بالذنوب والخطايا. فمنهم من يقف عند هذا الحدّ، وبعضهم الآخر يستحلّ دماء مَن يخالفونهم ويبيح أعراضهم وأموالهم. وهذا الفكر، في غالب الأحيان، يتّهم أيّ جهة إصلاحيَّة عبر السياسة والديموقراطيّة والمؤسّسات المدنيّة بنوعٍ من الكفر، لأنّ أيّ مشاركة في فرح الآخر المختلف مرفوضة. وإذا تطلّعنا إلى الأسباب الداخليّة والخارجيّة التي تشجّع نموّ الظاهرة، لوَجدنا في الكثير من الأحيان، التخلّف الاقتصاديّ والتربويّ، حيث الكثير من المتطرّفين يعيشيون في بؤرٍ متخلِّفة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. كما أنّ بعض القضايا السياسيّة والوجوديّة المزمنة تُحرّك النَفَس التطرّفي، لأنّ الآثار التي يتركها تنامي الحركات المتطرّفة، الأصوليّة والمزمنة، هي ذلك الإرهاب الذي تعلنه في وجه الآخرين المختلفين. لا يدعو هذا الواقع المؤذي إلى الاستنكار والاستمتاع بنشر التحليلات والدراسات وحسب، بل لا بدّ من مواجهته فعليًّا وعمليًّا عبر سياسات اقتصاديّة وتنمويّة وتربويّة شاملة، تحدُّ من الحرمان والفقر والتهميش، وكذلك عبر مواقف واضحة يطلقها رجال الدِّين، تدعو إلى الانفتاح ونبذ التحريم والتكفير، وإلى نشر ثقافة دينيّة تُعيد إلى الدين قدرته في أن يكون عاملاً في تشييد الحضارة المشتركة الواعية مسؤوليّاتها وواجباتها. ولا شكّ في أن على الأنظمة السياسيّة عدم استغلال الدِّين في وظيفة الوصول إلى مآربها وغاياتها في استخدام الطُرُق المتطرّفة داخليًّا وخارجيًّا. والطريق طويل في هذا المجال ولا يكفي أن تقول: «سلام على هذه الأرض» حتّى يحلّ السلام، بل إنّ تحقيقه تحدٍّ مستمرّ ويتطلّب من أهل الأديان أنفسهم المشاركة في هذه المهمّة.
Share This