القانون الكنسيّ أداة نظام وسلام

إنّ القصد من هذا المقال إظهار الفرادة والتمايز والبُعد الروحي والكنسي واللاهوتي الذي يتمتع به القانون الكنسي، فضلاً عن تبيان جهد الكنيسة الكبير لإصلاح تشريعاتها ولتسيير شؤونها، بعد الجمود الذي بسط وجوده على العالم عامّة، والعالم المسيحيّ خاصّة، ووضع الكنيسة بحيّرةٍ، ليجدوا أنفسهم أمام مؤسّسات تنظيميّة لم تعد تتلاءم ومقتضيات العصر أو تنسجم مع التبدّلات والتطوّرات الحاصلة مطلع القرن المنصرم.
يُشدّد هذا المقال على قيمة الشخص البشري الذي ترتكز إليه مُجمل المفاهيم التي ترتفع عليها أعمدة كل قانون ونظام. فكل غلط يَمسُّ صفات هذا الشخص، يجعل انطلاقة أي قانون أو نظام خاطئة. لذا، فكل القوانين والانظمة المحض بشرية والتي راحت تُسخّر الانسان لصالحها، وتناست أن المسيحية يُوحّدها قانون الروح والإيمان وأن المسيح هو مصدر كل عدالة وأخوة وصلاح… كل هذه الأنظمة ساهمت في الكثير من المآسي ونحر العدالة على مذبح الايديولوجيات الخاطئة البعيدة عن الله والمُدمِّرة للانسان وحقه الكريم في الحياة.
هذا ما دفع بقداسة البابا بولس السادس إلى القول:” إن الكنيسة الكاثوليكية، اذا أرادت أن تبقى وفيّة لمبادئها التي نالتها من مؤسسها يسوع ومُخلصة لها، لا يمكنها إلّا أن تتمسّك بوضع نُظمها القانونية وحقها القانوني الخاص بها” ( خطابه في 17/8/1966).
سعى هذا المقال إلى تأكيد أنّ الكنيسة جماعة مُنظّمة، وأن قانونها أو شرعها الكنسيّ منبثق من عقيدة الكنيسة وكتابها المقدّس وتقليدها الرسولي، وهو يتناول عِلْمَ التنظيم الكنسيّ بأوجهه المُتعدّدة والمتشعّبة، فضلاً عن أنه عنصر جوهريّ لقيامها.
الكنسية جماعة مُنظمة ولا مجال فيها للفوضى. هي بحسب رغبة الرب مُنظمة تحت سلطان إلهي وسلطة بشرية منظورة تُمثّل سلطة الرب يسوع. من هذا المنظار، فهو قانون الروح ونهج علميّ بالمعنى الكامل، يجب أن يَخلُقَ إنسانًا سويًا، مسيحيًّا مؤمنًا، مترسّخًا في عقيدته مرتطبًا بالمسيح في بُنية الكنيسة المنظورة ومشتركًا بوجه كامل مع الكنيسة الكاثوليكليّة، بوثاق الاعتراف ّبالإيمان والأسرار والحكم الكنسي.
هذا ما استدعى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لدى اصداره ” مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة” الاشارة إلى أن هذا النظام يُعطي المحبّة والنعمة والمواهب الأولويّة، ويُيسّر في الوقت نفسه نموَّها المنتظم في حياة المجتمع الكنسيّ وحياة كل فرد مُنتمٍ إليه على حدّ سواء ( 18/10/1990).
خير ما نختم به هذه العُجالة، تأكيد أنّ المبادئ التي يغرف منها الحق القانونيّ، تنبع وتسيل من عقيدة الكنسية وعليها ترتكز، ويبقى هدفها الأساسيّ تَوجيه طبيعتنا البشريّة المُتقلِّبة والضعيفة نحو الله.

Share This