كثيرًا ما نقرأ في اليوميّات أو نسمع في وسائل الإعلام الصوتيّة والمرئيّة أنّ بلادنا العربيّة بحاجة إلى رجال دولة يستطيعون أن يديروا المؤسّسات ويبنوا الدولة المنشودة. ذلك يعني أنّ ما نحن بحاجة إليه اليوم ليس الزعيم أو القائد أو المشير، بل إنّ الأولويّة هي لبروز رجل الدولة القادر على الحكم الرشيد في الزمن العصيب وفي أيّام الشدّة التي نعيشها.
هذا الرجل عليه أن يسبح عكس الموجة أو عكس التيّار فيناهض الذهنيّة العصبيّة لا بل العصبيّات والغرائز والإيديولوجيات التي تفرّق الناس بعضها عن بعض، بل تزرع الفتنة في ما بينهم، سواء أإيديولوجيات كانت أم عقائد عشائريّة أم قبليّة أم مذهبيّة أم طائفيّة أم دينيّة. من السهل أن تجد الكثيرين من متزعّمي القوم الذين يتلاعبون بالغرائز وحتّى بالدِّين ليجدوا لهم مكانًا يديرون منه لعبة الأمم والشعوب. وما نحتاج إليه اليوم هو هذا الرجل الدولة الذي يمنع نفسه أن يصبح ديكتاتورًا فلا يقبل أن يتحوّل النظام السياسيّ الذي يرئِسه إلى سلطة مطلقة لا حدود لها، تتجاوز مختلف القوانين والشرائع وخصوصًا شريعة العدل، من خلال منظومة قوانين حقوق الإنسان كائنًا مَن كان. نلهفُ إلى رجل الدولة هذا الذي يحمي حرّيّة الناس ويضمن حرّيّة الضمير، فلا يقتل شعبه ولا يقيس المستقبل بمقياس شخصه وكفى. والحرّيّة التي يعمل رجل الدولة من أجل حمايتها لا تمنع من أن يكون رجل الوفاق الوطنيّ أيْ وفاق كلمة الناس على الشؤون المصيريّة. وهذا الرجل لا بدّ أن يكون منتميًا إلى وطنه وليس إلى فئة من الناس مهما كانت واسعة. هو الذي يسعى إلى تواصل بأطياف الوطن كلّه خصوصًا في وقت المحنة. هو الذي يشجّع على احترام الدولة بقوانينها وبمؤسّساتها التي ترعى الجميع من دون تمييز.
وكذلك ينبغي على رجل الدولة أن يعمل على اقتلاع الفساد من الإدارات الرسميَّة التي وحده الفساد يخرّبها ويقضي عليها عندما تصبح وسيلة للمصلحة الخاصّة ومنفعة للجيوب. إنَّ رجل الدولة وإن لم يكن الخبير في الشأنَيْن الماليّ والاقتصاديّ عليه أن يكون عارفًا بذلك ليعرف كيف تتمّ الصفقات وتُعقد الاتّفاقات تحت الطاولة، وربّما طاولات الحكم الكبرى، للتطاول على المال العامّ، مال الفقراء لا الأغنياء.
إنّها جدليّة بروز رجل الدولة الذي يقدر على تثبيت أقدامها؛ دولة القانون، دولة إثبات الحقوق والواجبات، الدولة التي تجعل الفرد يفتخر بأنّه أصبح مواطنًا شريكًا في عمليّة بنائها. إنّها جدليّة الدولة السائرة نحو الفضيلة، الفضيلة التي لا غنى عنها في مؤازرة الرجال القادرين على إدارة الحكم ودفع الدولة إلى أن تكون خادمة، بحيث لا يتكاثر عليها أصحاب المنفعة والمصالح الخاصَّة.
إنّنا اليوم في مجلّة المشرق ندعو إلى ثقافة الدولة وإلى بناء هذه الثقافة التي من شأنها أن تكون نافعة لكلّ الناس. فبمقدار ما يكون الفرد مواطنًا صالحًا، يتحوّل خياره من العصبيّة والمذهبيّة إلى خيار الدولة التي لديها مقوّماتها، وخصوصًا رعاية الجميع بالسلام والمحبّة والوئام.

Share This