لماذا نحن غارقون في الأزمة حتّى الرأس؟
سؤال لا زلنا نطرحه على أنفسنا منذ سنة ونيّف عندما طرح الأمير شكيب أرسلان سؤاله الكبير: «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم الغرب؟» وربّما نزيد سؤالًا على سؤال فنقول: لماذا كلّ هذا العنف الذي بدأ ولم ينتهِ بعد أن دمّر الحجر وقهر البشر؟
الاختصاصيّون يقولون، وبالعودة إلى أطاريح صموئيل هنتنغتون، صاحب صراع الحضارات، إنّ ما يشهده العالم اليوم وهو عالم معولم، هو سقوط الأيديولوجيات القويّة مثل الماركسيّة والنازيّة وقيام الهويّات الأحاديّة الملتفّة حول نفسها وقد أصبحت ديناميّة تُشكّل الهويّات المتصارعة محرّكًا للتاريخ. في هذه الحال أصبحت العلاقة بالآخر أو بين الأفراد والجماعات هي الموضوع الرئيسيّ لعالمنا، لأنّ الهويّة حتّى تتثبّت وتتقوّى لا بدّ لها من ملاقاة هويّة أخرى تطلب منها الاعتراف بها بصورة تبادليّة بالتمام. وهنا تبدأ المشكلة إذ إنّ العلاقات في أزمة لها امتداداتها الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة وحتّى العائليّة.
لن ننسى في هذه الامتدادات الدين وهو محور أساسيّ ومنطلق. نقول إنّ الدين هو مبعث للوحدة والسلام، إلّا أنّ المتديّنين افترقوا على ضغينة ويتخاطبون بكثير من العنف اللفظيّ المؤدّي إلى عنف من نوع آخر. والمتديّنون من عندنا يريدون تثبيت هويّتهم في علاقة إشكاليّة بالغرب الأميركيّ والأوروبيّ، عبر نظرة مثلّثة الأضلاع: فهناك حاجة إلى الغرب، لحضارته ولصناعته ولموادّه الاستهلاكيّة، وهناك حسدٌ حيال الغرب الذي تقدّم فيما نحن متأخّرون، وهناك رفض لهذا الغرب المادّي والملحد الغارق في إبداعاته، والرفض يتبعه العنف من دون سبب على ما يظهر! إلّا أنّ السبب الخفيّ لهذا العنف هو الشعور بالإذلال الذي ربّما سبّبه الاستعمار عندما كان مسيطرًا، وكذلك ذلك الشعور بالإحباط الآتي من تراجع دور الحضارة العربيّة والإسلاميّة في مسار التاريخ! عدا أنّه بين أهل الدار نشأت عداوة تاريخيّة لازالت تردّداتها حادثة حتّى اليوم بسبب إصرار كلّ فريق أنّ السلطة له وأنّ الحقّ إلى جانبه والضحايا لا تعدّ ولا تحصى بسبب الحروب والسيوف المسلتة وشبكات الشتائم المتبادلة الاجتماعيّة. وزد على ذلك الإجماعَ على أنّ من هم سبب تأخّرنا وأزمتنا هم الآخرون من القارّات الأخرى وكأن لا مسؤوليّة على أهل الدار.
وحده الربيع العربيّ، وهذا ما نتحقّق منه اليوم، كان حاملًا بريقَ أمل عندما حاول وضع النقاط على الحروف وعندما سار في الشوارع حاملًا شعارات الحريّة والشفافيّة والمواطنيّة وحقوق الإنسان من دون فرز وتمييز… إلّا أنّ الثورة تلاشت، وإن لم تندثر. تلاعبت بها قوى السياسة والدين حتّى شارفت على الاندثار.
ويبقى الأمل بالرغم من كلّ الانكسارات.
Share This